ما هي أبرز التأثيرات الفارسية في الثقافة العربية؟

ما هي أبرز التأثيرات الفارسية في الثقافة العربية؟

مشاهدة

24/11/2020

من الجوار الجغرافي، وتشابك خطوط ونشاط التجارة، إلى قيام الكيانات الإمبراطورية الجامعة لشعوب عدّة على مستوى المنطقة، عوامل عديدة ساهمت في خلق حالة من الاتصال الحضاري الممتد عبر قرون بين العرب والفرس، حتى أصبحت كلمة فارسي أو عجمي صفة متداولة في أسواق المدن العربيّة، ودخلت كل بيت عربيّ، من الزعتر والزعفران، وحتى السجاد.

الزخرفة والنحت.. تأثيرات متبادلة

تطوّرت الفنون في بلاد فارس في العصر الساساني، منذ القرن الثالث الميلادي، وظهرت فنون الزخرفة والنقش والنحت، سواء على الحجر، أو الخزف، أو الخشب، أو النحاس. ومع انتشار وتوسّع الدولة العربية الإسلامية، واستقرار العرب في الحواضر الجديدة، بدأت تظهر منذ العصر الأموي فنون إسلاميّة جمعت في أصولها تأثيرات فارسيّة وبيزنطية، وكان من بين أبرزها الاقتباس والتطوير لفنون الزخرفة والنقش. وفي مدن الشام تحديداً، تطوّرت فنون الزخرفة، وتركزّت أعمال الفنانين على الزخارف النباتية، حيث كان الحرص على الابتعاد عن تصوير كل ذي روح، والاتجاه نحو محاكاة الجنة كما تصوّرها النصوص القرآنية، وكانت العمارة الفارسيّة من أبرز الطرز الفنيّة التي بدأ فيها ظهور هذا النوع من الزخارف في منطقة الشرق الأدنى.

زخارف نباتية من مدينة طيسفون (المدائن) عاصمة الساسانيين الشتوية في القرن السابع الميلادي

وبعد ازدهارها في بلاد الشام، انتقلت فنون الزخرفة، وبالتحديد الخشبيّة منها، إلى مصر منذ العهد الفاطمي، ومن ثم ازدهرت هناك في العصر الأيوبيّ، ثم المملوكيّ. وتطوّرت منذ العهد الأيوبي، في مصر والشام فنون تطعيم الخشب بقطع بالصدف. وانتقل هذا الفن إلى إيران ليسهم في تطوير ما عرف بـ "فن الخاتم"، الذي تطوّر وازدهر هناك منذ العصر الصفويّ، في القرن السادس عشر الميلادي، بدايةً من مدينة أصفهان، ومنها انتقل إلى شيراز وطهران، وتبريز. وهو فن يرتكز على ترصيع الخشب بقطع من الصدف، والعاج، والذهب، والفضة والنحاس.

العمارة.. تأثير مبكر

وعلى صعيد العمارة، انتقلت إلى العمارة العربيّة تأثيرات عديدة من العمارة الفارسية الساسانية، حيث تميّزت الأخيرة بالعمارة الضخمة الشاهقة وباستخدام الطين واللِبن والآجر بدلاً من الحجر، واعتماد المخططات المستطيلة بدلا من الدائرية والمربعة كما في البيزنطية، إضافة إلى وجود البهو المركزي الواسع في مدخل البناء، وكذلك الأقواس الضخمة.

زخارف نباتيّة من الجامع الأمويّ في دمشق

وظهرت هذه التأثيرات منذ زمن مبكر في العمارة العربيّة الإسلاميّة، كما نجد في قصر المشتى في الأردن، حيث الطوب الأحمر، والجدران المرتفعة، والأقواس الضخمة. ويشير المعماري، جون هوغ، الأمريكي في كتابه المرجعي "Islamic Architecture" إلى أنه عندما انتقلت الخلافة إلى بني العباس، ونقلوا مقر الحكم إلى العراق، ازداد التأثر بالعمارة الفارسيّة، مع التوسع في استعمال الآجر بدلاً من الحجر، واستخدام نظام إنشاء معتمد على الأكتاف بدلاً من الأعمدة. وبنيت منارات ضخمة وشاهقة البنيان، وأشهرها منارة سامراء الملوية.

من الشعر إلى الغناء

تطوّر الأدب الفارسي مع دخول المكوّن الفارسي في الحضارة الإسلاميّة، وظلّ خلال القرون الإسلامية الأولى في إطار التمازج مع الأنماط الأدبية العربيّة. قبل أن تبدأ الفنون الأدبيّة الفارسيّة بالتطوّر على نحو مستقل مع إحياء اللغة الفارسية في عصر الدولة السامانية، منذ القرن التاسع الميلادي، وبرزت ألوان أدبيّة فارسيّة متميّزة عدّة.

قطع خشبية مصممة على أسلوب فن "الخاتم" الإيراني

وبين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين، برز من بلاد فارس عدد من كبار شعراء التصوف، أو ما عرف بـ "شعر الحب الإلهي"، مثل فريد الدين العطار، وجلال الدين الرومي، و كان من أشهرهم عمر الخيام،  الذي اشتهر بنمط خاصّ عرف بـ "الرباعيات". وقد ترك الخيام تأثيراً واسعاً على الشعراء العرب، على مدى العصور، وتأثر به وترجم له عدد من الشعراء المعاصرين، مثل المصري أحمد رامي، والأردني عرار (مصطفى وهبي التل). ومن أشعاره ما انتقل إلى الغناء والطرب العربي المعاصر، كرباعياته الشهيرة "ما أطال النوم عمراً ولا قصر بالأعمار طول السهر"، التي غناها عدد من كبار نجوم الطرب، وأشهرهم أم كلثوم، في التسجيل على هذا الرابط:

الموسيقى.. إثراء وإضافة

تعود نشأة الموسيقى في إيران إلى عهود قديمة، ترجع إلى زمن حضارة "عيلام"، في الألف الثانية قبل الميلاد، حيث تطوّرت آلات موسيقية وظهرت إيقاعات وألحان وتوزيعات موسيقية خاصة بمنطقة بلاد فارس. وبرز التأثير الموسيقي الفارسي في المقامات الشرقية، فامتزج مع التأثيرات العربية والكردية والتركية، والأندلسيّة. وأشهر المقامات التي ارتبطت ببلاد فارس، مقام "الراست"، و"النهاوند"، و"اليكاه"، و"السيكا"، والتي جاء عدد كبير من أشهر الأغاني العربية المعاصرة على ألحانها، فعلى مقام السيكا، جاءت أغلب أغاني أم كلثوم الشهيرة، مثل "الأطلال" و"سيرة الحب"، و"للصبر حدود"، ولمحمد عبده، مثل "لنا الله"، و"أسابق الساعة". وعلى مقام النهاوند، جاءت أغنية "بفكر في اللي ناسيني" لمحمد عبد الوهاب، و"بكتب اسمك" و"زهرة المدائن" لفيروز. كما اعتمدت هذه المقامات واشتهرت في التلاوة عند مقرئي القرآن الكريم.

آثار إيوان كسرى في مدينة طيسفون (المدائن) الساسانيّة

فنون الحياكة.. السجاد العجمي

تكاد تكون حياكة السجاد هي الحرفة والفن الإيراني الأشهر، ويعود تاريخها إلى عهود قديمة منذ زمن الدولة الأخمينيّة، إلى زمن يمتد حتى القرن الخامس قبل الميلاد، لتعتبر بذلك أقدم صناعة حيّة على مستوى العالم. وعلى مر العصور تطوّرت حياكة السجادة، فتعددت المواد المستخدمة، وتعقدت أشكال التصاميم والنقوش، من الرسوم والنقوش النباتية، إلى الأشكال الهندسية، إضافة إلى تنوّع وثراء الألوان المعتمدة على الأصباغ المستخرجة من مصادر طبيعيّة كالأزهار. ما جعل السجاد الإيراني (العجمي) فريداً على مستوى العالم في مدى غنى الألوان والتصاميم وكثافتها، حتى أصبح عنصراً أساسياً لإضفاء البعد الجمالي على المساحات الداخلية للمنزل. وانتشر السجاد العجمي وتصاميمه في المدن العربيّة، حتى دخل كل بيت عربي تقريباً.

قصر المشتّى في الأردن وفيه تظهر تأثيرات فارسية من الأقواس الضخمة والبناء بالطوب الأحمر

الكلمات.. نتيجة التعامل المباشر

ويبقى اقتباس الكلمات وتبادلها بين اللغات أحد أهم المؤشرات والدلائل على مدى التواصل والحضاري والثقافي بين الشعوب الناطقة باللغتين، فالتبادل والاقتباس اللغوي هو النتيجة للتواصل والاختلاط والتعامل المباشر دون حواجز بين الشعوب. وكما إن المفردات ذات الأصل العربي تشكل نسبة كبيرة من مفردات اللغة الفارسية، قدرها البعض، كالشاعر الإيراني موسى بيدج، بنسبة تصل إلى نحو الـ 50% تقريباً. بالمقابل، استدخلت العربية العديد من الألفاظ ذات الأصل الفارسيّ ومن أشهرها وأكثرها تداولاً: بخت، وتخت، وسروال، وخندق، وفستق، وإبريق، وصهريج، ونيزك، ونرد، ونموذج، والفهرس، وعسكر، وديوان، ودفتر، وكلمة "طازج" وهي تعريب للكلمة الفارسية "تازه". ومن الأسماء الشهيرة: ياسمين، وكذلك الاسم شيرين، ومعناه بالفارسيّة الحلو، واللذيذ. وبستان، وهي كلمة فارسيّة مركّبة من "بوي، أي رائحة، ومن ستان، أي محل"، و"ماخور"، ومعناها بيت الريبة والفسق.

الصفحة الرئيسية