ما هي ملامح النظام الدولي الأمريكي الجديد؟

ما هي ملامح النظام الدولي الأمريكي الجديد؟

مشاهدة

26/06/2019

يبدو أنّ حالة السيولة التي عاشها النظام الدولي منذ بضعة أعوام شارفت على الانتهاء؛ فهناك ما يفيد بأنّ النظام الدولي بدأ يستقر، وملامحه الجديدة بدأت بالظهور، وهذه الضغوط الأمريكية مُتعدّدة الجبهات، على الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، والدول الاشتراكية في أمريكا اللاتينية، والتي تترافق مع التضييق الفجّ والمباشر على الحلفاء التقليديين؛ أوروبا وتركيا واليابان والهند وإندونيسيا ودول الخليج العربي، تشير في مجملها إلى أنّ الولايات المتحدة الأمريكية تتجه نحو حسم طبيعة المشهد الكوني، وتراتبيّة النظام الدولي، وهياكله بشكل نهائي، ولعدة عقود قادمة.

اقرأ أيضاً: كيف ستردّ أمريكا؟
ووفق هذا التقدير الإستراتيجي؛ فالنظام العالمي الجديد، هو أيضاً نظام أحادي القطبية، وليس مُتعدّد الأقطاب كما ظلّ يتصور ويرغب كثيرون من مُناهضي التفرُّد الأمريكي؛ فهو نظام يستند إلى وجود قوة عالمية واحدة فقط في قمّة الهرم الكوني هي الولايات المتحدة الأمريكية، يعقبها في التراتبية بفارق كبير جداً، قوى فوق إقليمية متفاوتة القدرة، مثل؛ الصين وروسيا، والثلاثي الأوروبي (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)، والهند.

حالة السيولة التي عاشها النظام الدولي منذ بضعة أعوام شارفت على الانتهاء فهناك ما يفيد بأنّ النظام الدولي بدأ يستقر

وما تزال محاولات القوى فوق الإقليمية لتقليص الفوارق بينها وبين الولايات المتحدة متواضعة النتائج، ولعلّ أقرب هذه القوى إلى الولايات المتحدة اليوم؛ هي الصين، التي تقرّ بطبيعة الحال لأمريكا بقيادة العالم، نتيجة الفارق الكبير بينهما في القوة الشاملة، ولا تُبدي الصين الكثير من الاعتراض على حقيقة تفوّق الولايات المتحدة الأمريكية، معرفياً وتكنولوجياً واقتصادياً وعسكرياً، وحتى في الإدارة، وفاعلية أداء المؤسسات.
وقد يسأل سائل: ما الفرق إذاً بين هذا النظام والنظام الدولي السابق الذي ساد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي منذ ثلاثة عقود تقريباً؟ الحقيقة؛ أنّ الفوارق واضحة وكبيرة؛ صحيحٌ أنّ كلا النظامين أحادي القطبية، لكن النظام الجديد أقلُّ مركزيةً من النظام السابق؛ إذ اتّجهت القوة العالمية الأولى في النظام الجديد تدريجياً، نحو التخلي عن الانخراط في المسائل الإقليمية، لصالح الأطراف والقوى المحلية، والإقليمية، وفوق الإقليمية، إنه نمطٌ من القيادة يُعزّز من اعتمادية الأطراف على المركز، وفي الوقت نفسه يُقلّل الأعباء التي تترتب على القوة الأولى، التي هي المركز هنا، ويخلق نمطاً من التشاركية في الأعباء، لا يُناظره المقدار ذاته من التشاركية في الحصص والقيادة، فالنظام الجديد أكثرُ اعتماديةً على قيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لكنّه في الوقت نفسه، يستدعي مساهمةً أكبر، من القوى المحلية والإقليمية، في تحمّل أعباء حماية الأمن والسلم الدوليين، ومقاربة الحلول للقضايا العالمية المشتركة، مثل: قضايا المناخ، والاحترار الكوني، وحماية البيئة، وحماية ممرات التجارة، وأمن الطاقة، وأمن المعلومات، إلى غير ذلك.

اقرأ أيضاً: في أي سياق جرى تعيين مارك إسبر وزير دفاع أمريكا الجديد؟
وفي هذا النظام العالمي الجديد، تتراجع أهمية المؤسسات الدولية، وهي المؤسسات التي لعبت أدواراً أكثر أهميةً في النظام السابق، مثل: مجلس الأمن، والجمعية العامة للأمم المتحدة، ومحكمة العدل الدولية، ومختلف الوكالات والمنظمات الأممية المتخصصة؛ إذْ اتجهت القوة العالمية الأولى إلى تهميش دور هذه المؤسسات؛ لأنّ هذه المؤسسات، ببساطة، كانت قد صُمّمت بحيث تُعطي أدواراً قياديّةً لم تعد مطلوبةً، لقوى فوق إقليمية، خاصة مجلس الأمن، الذي أعطى كلّاً من الصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا فرصة التمتّع بحقّ النقض "الفيتو"، والذي أدى استخدامه بشكل مفرط خلال العقود الماضية إلى عرقلة معظم الجهود الدولية المشتركة لفرض الأمن والسلم الدوليين، ومعالجة القضايا الناشئة قبل تفاقمها، وكلّ ذلك من وجهة نظر القوة العالمية الأولى.

النظام العالمي الجديد هو أيضاً أحادي القطبية وليس مُتعدّد الأقطاب كما ظلّ يتصور ويرغب كثيرون من مُناهضي التفرُّد الأمريكي

وإزاء هذا التراجع في أهمية المؤسسات الدولية، من المفترض أن يتزايد الاعتماد على الولايات المتحدة، باعتبارها "القوة الراعية والضامنة للأمن والسلم الدوليين"، ويبدو أنّ القوة العالمية الأولى، تختبر اليوم أهم أدواتها المستقبلية للاضطلاع بهذا الدور، وهي توليفة حُزَم العقوبات الاقتصادية، وأنماط حروب اللاعنف، الجديدة والمعقدة، التي يجري الرهان عليها باعتبارها أكثر الأسلحة فتكاً وفعاليّةً في مواجهة حالات التنمُّر والمشاكسة في النظام الدولي، وقد بدأت هذه الأدوات تثبت فاعليّتها في إخضاع ما تسميه أمريكا "القوى المارقة"، التي تحاول العمل على إطاحة النظام الدولي، ولعلّ في هذا ما يفسّر حرص الولايات المتحدة على استعراض فعاليّة سلاح العقوبات بشكل خاص، وحروب اللاعنف بشكل عام، في مختلف المواجهات الجارية على المسرح العالمي، ربما باعتبارها أداة واعدةً وحاسمة في تكريس القيادة الأمريكية الجديدة، وقواعد النظام الدولي الجديد.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى سيصمد سيناريو عض الأصابع بين أمريكا وإيران؟
كما سيتزايد الاعتماد في النظام الدولي الجديد أيضاً على المنظمات الدولية المحلية والإقليمية، وكبار الفاعلين ما دون الدولة؛ من شركات، ومنظمات إقليمية وعالمية كبرى، وقد ظهر دور الشركات العالمية، ومتعدّدة الجنسيات، مثلاً، بشكل لافتٍ، في مسألة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران؛ حيث كانت هذه الشركات، في كثير من الأحيان، أكثرَ تأثيراً من الدول التي تنتمي إليها، أو تعمل فيها. وتبنّت موقفاً مغايراً لمواقف دُولِها؛ فرغم معارضة الدول الأوروبية، والصين وروسيا وتركيا، علناً، للعقوبات الأمريكية، لكنّ التزام هذه الشركات بالعقوبات الأمريكية، خشية خسارة السوق الأمريكية، جعل الولايات المتحدة أقلّ اهتماماً بمعارضة هذه الدول، وجعل إيران كذلك أقل اعتماداً على قدرة هذه الدول في إفشال العقوبات.
ومن أبرز خصائص النظام العالمي الأمريكي الجديد؛ التركيز بشكل متزايد على مسألة تقاسم الأعباء المالية، وهو ما يعني ضمناً، تنامي مساهمة الاقتصاد في مفهوم القوة الشاملة، على حساب القوة العسكرية التي قد لا تجد في المستقبل من يستخدمها، رغم وفرتها؛ بسبب كلفتها الاقتصادية الباهظة.

في هذا النظام العالمي الجديد، تتراجع أهمية المؤسسات الدولية التي لعبت أدواراً أكثر أهميةً في النظام السابق

لقد قدّم سقوط الاتحاد السوفييتي (لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى)، رغم امتلاكه قدرات عسكرية هائلة، درساً تاريخياً لا يمكن تجاوزه للقوى العالمية الراغبة بالاستمرار في قيادة العالم؛ فالقوة العالمية الأولى، اليوم، باتت معنية بتوزيع الالتزامات على القوى الإقليمية، بموازاة توزيع الأدوار، وهي غير مستعدة للعودة إلى لعب دور شرطي العالم؛ بل تريد الانتقال إلى وضعية جديدة، يمكن أن نطلق عليها رئاسة مجلس إدارة العالم، ويقول رئيس مجلس الإدارة العالمي الجديد، بشكل فجّ ومباشر؛ إنّه "لم يعد في عالم اليوم مكان للراكبين بالمجّان".
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي لا يُفوّت فرصةً للحديث عن ضرورة تحمُّل الجميع مسؤولياتهم في إدارة الأمن والسلم الدوليين، أو على الأقل، المساهمة في الأعباء المالية الناجمة عن هذه الجهود التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.
ورغم أنّ قرار تغيير سلوك إيران مثلاً، هو بالأساس جزءٌ من إستراتيجية أمريكية أكبر، لوقف خطط توسُّع الصين، المعنونة بـ "مبادرة الحزام والطريق"، لكنّ الرئيس ترامب لا يترّدد في مطالبة الصين نفسها، في إنجاح جهوده لإخضاع إيران، بدعوى حاجة الصين إلى الحفاظ على أمن الطاقة، والممرات المائية التي بدأت إيران بتهديدها نتيجة الضغوط الأمريكية!

اقرأ أيضاً: فصائل عراقية توجه رسائل تهديد لأمريكا
إنها صيغ وبنى جديدة للعلاقات الدولية، نتجت بالأساس عن التركيز المفرط للقوة في نقطة مُحدّدة من خريطة توزيع القوة العالمية. صيغٌ يبدو أنّها غير مألوفة، أو مُتقبَّلة، لكنّها تتّسم بالكثير من الواقعية، ولعلّه من غير المألوف أيضاً؛ أن يُكتب مثل هذا المقال باللغة العربية، لكنّ عالم اليوم، لم تعد فيه قضايا مثل تحولات النظام الدولي، تُرصَدُ أو تُناقشُ فقط في الدول الكبرى.

الصفحة الرئيسية