مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟

3930
عدد القراءات

2018-08-06

لم يكن محمد عبده يرغب في كتابة مذكراته فقد أحجم كثيراً عن فعل ذلك.. "من أنا حتى أكتب عن نفسي؟ وماذا قدّمت لأمتي حتى أتجرّأ عليها، وأعدّ نفسي من العظماء الذين يكتبون مذكراتهم؟.. فما أنا ممن تُكتب سيرته، ولا ممن تترك لأجيال طريقته، فإني لم آت لأمتي عملاً يذكر، ولم يكن لي فيها اليوم أثر يؤثر، حتى أكون لأحد منها قدوة، أو يكون لأحد في أسوة..".
ظلّ على هذه الحال حتى طالبه أصدقاؤه من الغربيين الذين كان يخوض معهم في حديث الذكريات وأيام الطفولة، بضرورة أن يكتب كل ما يحدّثهم به، وأن يُترجم للغتهم، بعد أن رأوا فيما يحكي ما يستحق أن يُكتب، وهم الذين أدركوا مبكراً أهمية علم الإنسان (الأنثروبولوجيا).

أصدقاؤه الغربيون أدركوا مبكراً أهمية كتابته لمذكراته وحرصوا على توصيته بعدم تفويت أي تفاصيل

لا يستنكف الإمام أن يكشف عن هذه الحيثيات؛ إنه لا يرى في ذلك شيئاً مخجلاً، بل حكمة يطلبها حتى لو هبّت من بلاد الإفرنج، أو من غير ذوي جلدته وعقيدته، يكفي الغاية السامية من وراء ذلك، إنه رصد الاجتماع الإنساني وظواهره، خاصة إذا تماسّ مع شخص بمقام الإمام؛ كيف لشيخ منحدر من بيئة ريفية مصرية، أن يتوسّع أفقه ويرتقي عقله، ويتحدّى الجمود ويكسر التقليد ويتصدى لأصحابه في عزّ قوتهم وبأسهم!
إنّ أصدقاءه الغربيون هؤلاء أدركوا مبكراً أهمية أن يكتب الإمام مذكراته، بل كانوا حريصين على توصيته عدم تفويت تفاصيل دقيقة ربما ترفّع هو عن كتابتها، ظنَاً منه أنّها ليست ذات قيمة، ولا تعني شيئاً للآخرين.

اقرأ أيضاً: "التفكير فريضة إسلامية" للعقاد: الدين والفكر هداية متبادلة
نزعات التواضع وإنكار الذات تفوح من كلمات مقدمة مذكراته التي جمعها تلميذه محمد رشيد رضا، ليحرّرها بعد ذلك الأديب طاهر الطناحي؛ "وهذا الذي أجد من استصغار أمري، وخفاء أثري، وظهور عجزي عن بلوغ ما يرمى إليه فكري ويطمح إليه نظري، كان يمنعني أن أكتب شيئاً يتعلق بحياتي، تعرض فيه بداياتي..".
كتاب مذكرات "محمد عبده"

كراهية الاستبداد
لم يستطع تلامذة الشيخ محمد عبده طبع تلك المذكرات طيلة وجود أسرة محمد علي، فقد كانوا يرون فيها نقداً لاذعاً لحكمهم، مع أنّ الإمام لم يفعل سوى الإضاءة على جذوره الماضوية، إلا أنّهم رأوا أنّ سرد السيرة الذاتية، في حد ذاته، كاشف عن سيرة الأمة المصرية جميعها في تلك الحقبة، مع أنّ الإمام قد يكون قد فعل ذلك حتى يأتي من بعده ليفهم العوامل التي أدت به إلى ما بات عليه من "كراهية الاستبداد".
لا يمكن مقاومة جاذبية الحكاية التي يرويها الإمام عن أسرته وما تعرّضت له على إثر وشاية الواشي، ويسترجع فيها الإمام سجن والده وما تعرض له من محنة وتشريد.

نزعات التواضع وإنكار الذات تفوح من كلمات مقدمة مذكراته التي جمعها تلميذه محمد رشيد رضا

لم يأخذ الاضطهاد محمد عبده إلى التطرف، ولم يفضِ به إلى الذلّ والخنوع، بل ذهب ليقف موقفاً وسطاً، يحارب فيه الاستبداد؛ لأنّه يؤدّي إلى الجهل ويؤدي الجهل له.. في النهاية سعى الرجل للإحياء ونفض الغبار عن العقول، واجتهد فأصاب وأخطأ، لكن لا شكّ أنّه كان يرى في أسرة محمد علي طغمة فاسدة وسحابة كئيبة تمنّى أن تنقشع عن سماء مصر.
كم انحدر من نسل الفلاحين والعمال، علماء ومفكرون ومثقفون، صنعوا تاريخ أممهم أو حولوا من مجراه.. ربما أدرك هؤلاء قيمة المعرفة التي حُرموا منها ولم ينالوا منها نصيباً، فحلموا بأن تكون من نصيب أبنائهم؛ يكشف لنا الإمام محمد عبده في مذكراته، عن إصرار والده على تعليمه، وهو الأب الذي كان يعشق الصيد ويحترفه، وينزع إلى الفتوة حتى تورثه شيئاً من القسوة، نفر منها الابن ونزعها من روحه مبكراً.

عناد فتى وإصرار أب

أرسل عبده ابنه محمد إلى مدينة طنطا، حيث كان يوجد أخوه لأمّه الشيخ مجاهد الذي كان يجوّد القرآن الكريم في المسجد الأحمدي، وكان ذلك في سنة 1279هـ أي 1862م... لكنه لم يرق له ذلك، ورأى أنّه لا يصلح لطلب العلم.. لم يكن يفهم ما يلقّن من متون فأبى على نفسه وعقله أن يخدعاه، ورأى أنّ الفلاحة أكثر جدوى وفاعلية له من ذلك.

لم يستطع تلاميذه طبع المذكرات طيلة وجود أسرة محمد علي فقد رأوا فيها نقداً لاذعاً لحكمهم

يتحدث عن هذه المرحلة قائلاً "جلست في دروس العلم، وبدأت بتلقي شرح الكفراوي بطنطا، وقضيت سنة ونصفاً لا أفهم شيئاً لرداءة طريقة التعليم، فإنّ المدرّسين كانوا يفاجئوننا باصطلاحات نحوية أو فقهية لا نفهمها، ولا عناية لهم بتفهيم معانيها لمن لم يعرفها، فأدركني اليأس من النجاح وهربت من الدروس، واختفيت عند أخوالي مدة ثلاثة أشهر، ثم عثر أخي عليّ فأخذني إلى المسجد الأحمدي، وأراد إكراهي على طلب العلم، فأبيت وقلت له: قد أيقنت أن لا نجاح لي في طلب العلم، ولم يبق عليّ إلا أن أعود إلى بلدي وأشتغل بملاحظة الزراعة كما يشتغل الكثير من أقاربي، وانتهى الجدال بتغلبي عليه، فأخذت ما كان لي من ثياب ومتاع، ورجعت إلى محلة نصر على نية ألا أعود إلى طلب العلم، وتزوّجت في سنة 1282هـ، على هذه النية".

لم يأخذ الاضطهاد محمد عبده إلى التطرف ولم يفضِ به إلى الذلّ والخنوع

كاشفَ الفتى الذي أصبح عظيماً فيما بعد نفسه.. إنّ الفهم مقدم على الحفظ والتقليد.. نبتت هذه القيمة في عقله فباتت قضيته الكبرى "الفهم والتفكير والإبداع"... أدرك منذ البواكير أنّ التعليم هو الفاعل الأول لرفعة الأمم، وإذا أصاب العطب مناهجه فإنّ قطار التقدم لن يبرح مكانه أبداً.
عاد الفتى إلى قريته.. تزوّج صغيراً وبدأ في الاستعداد لممارسة حياته المفترضة "ملاحظ زراعة" إلا أنّ هناك من كان يصرّ على استكماله تعليمه، وكأنّه كان يرى فيه شيئاً يجب أن يخرج.. إنه والده عبده خير الله.
يكمل الإمام حكايته:"بعد أن تزوّجت بأربعين يوماً، جاءني والدي صحوة نهار، وألزمني بالذهاب إلى طنطا لطلب العلم.. وبعد احتجاج وتمنّع وإباء، لم أجد مندوحة عن إطاعة الأمر، ووجدت فرساً أحضره فركبته، واصطحبني والدي بأحد أقاربي، وكان قوي البنية شديد البأس، ليشيّعني إلى محطة إيتاي البارود التي أركب منها قطار السكة الحديدة إلى طنطا".. انتصرت إرادة الأب الإيجابية، على تمرد مراهق كان يظن أنّ من حقه أن يسلك مساره الذي يرى، فتثبت له الأيام استشراف أبيه وحكمته وصوابيّة قراره.

عاد الفتى إلى قريته وتزوّج صغيراً وبدأ في الاستعداد لممارسة حياته المفترضة كملاحظ زراعة

كان من الممكن إذا انصاع الشاب إلى قرار أبيه أن ينجح في خط مسار خطه من قبل أقران له في هذا الزمان، إلا أنّ هناك أشياء طارئة وبسيطة ساقتها الأقدار، حوّلت الكاره إلى محب، والمحب إلى مجتهد ثم إلى عالم وإمام.
في الطريق إلى طنطا غيّر الشاب المتمرد خط سيره، بعد أن شعر بأنّه في حاجة إلى الراحة وإلى مظلة تحميه من أشعة الشمس الحارقة، لكنّه كان على موعد مع الشيخ درويش، أحد أخوال أبيه، الذي اشتبك برفق مع قلبه، فلجم عقله الجامح، وهو الصوفي ابن الطريقة الشاذلية.
في عالم الروح
يكمل الإمام روايته: "جاءني هذا الشيخ صبيحة الليلة التي بتّها في الكنيسة، وبيده كتاب يحتوي على رسائل كتبها السيد محمد المدني إلى بعض مريديه بالأطراف بخط مغربي دقيق، وسألني أن أقرأ له فيها شيئاً لضعف بصره.. فدفعت طلبه بشدة ولعنت القراءة ومن يشتغل بها، ونفرت منه أشد النفور، ولما وضع الكتاب بيدي رميته إلى بعيد، لكن الشيخ تبسّم وتجلى في ألطف مظاهر الحلم، ولم يزل بي حتى أخذت الكتاب، وقرأت بعبارة واضحة تغالب إعراضي فتغلبه وتسبق إلى نفسي، وبعد قليل جاء الشبّان يدعونني إلى ركوب الخيل واللعب بالسلاح والسباحة في نهر قريب من القرية، فرميت الكتب وانصرفت إليهم".

ذهب إلى الجامع الأزهر وأدخل نفسه في عزلة.. فقط العلم وحده كان صاحبه

بدا كأنّه يهرول من مصيره المقدر، وأنّ هناك من يطارده للإمساك بتلابيبه والدفع به إلى إليه.. وكأن الشيخ درويش كان يرى من وراء ستار ما سيكون عليه هذا الفتى الجامح.
يستطرد الإمام: "بعد العصر جاءني الشيخ بكتابه، وألحّ عليّ في قراءة شيء منه، فقرأت ثم تركته إلى اللعب وفعل في اليوم الثاني كما فعل في الأول، أمّا اليوم الثالث فقد بقيت أقرأ له فيه، وهو يشرح لي معاني ما أقرأ نحو ثلاث ساعات لم أملّ فيها، فقال لي إنّه في حاجة إلى الذهاب إلى المزرعة ليعمل فيها، فطلبت منه إبقاء الكتاب معي فتركه، ومضيت أقرؤه وكلّما مررت بعبارة لم أفهمها وضعت عليها علامة لأسأله عنها إلى أن جاء وقت الظهر، وعصيت في ذلك اليوم على كل رغبة في اللعب، وكان هوى ينازعني إلى البطالة.. وعصر ذلك اليوم سألته عما لما أفهمه، فأبان معناه على عادته، وظهر عليه الفرح بما تحدّد عندي من الرغبة في المطالعة والميل إلى الفهم".. شعر الشيخ درويش بأنه قد نجح في مراده.

كأن قريبه الشيخ درويش كان يرى من وراء ستار ما سيكون عليه هذا الفتى الجامح

عند هذه اللحظة انقلبت حياة محمد عبده، عندما بدأ في فهم المعارف الصوفية، وكثير من كلامهم من آداب النفس وترويضها على مكارم الأخلاق وتطهيرها من دنس الرذائل وتزهيدها في الباطل من مظاهر هذه الحياة الدنيا، وفق تعبيره.
لم يرد الله لمحمد عبده أن يكون حافظاً كارهاً لما حفظ، بل ألقى في طريقه الشيخ العجوز درويش، حتى يلقّنه درساً في الفهم والعرفان، فيتحول إلى فقيه عارف جريء.
لم ييأس الشيخ من الغلام، كأنّه كان يرى فيه علامات النجابة، وإرهاصات الإمامة تلوح فوق جبهته.. قال له: أقرأ معك، ويكفيك أن تفهم الجملة، وببركتها يفيض الله عليك بالتفصيل، وإذا خلوت فاذكر الله- على طريقة بيّنها له.
يقول الإمام: "أخذت أعمل على ما قال من اليوم الثامن، فلم تمضِ عليّ بضعة أيام إلا وقد رأيتني أطير بنفسي في عالم آخر غير الذي كنت أعهد، واتسع لي ما كان ضيقاً، وصغر عندي من الدنيا ما كان كبيراً وعظم عندي أمر العرفان.. وتفرّقت عني جميع الهموم، ولم يبقَ لي إلا همّ واحد وهو أن أكون كامل المعرفة كامل أدب النفس، ولم أجد إماماً يرشدني إلى ما وجّهت إليه نفسي إلا ذلك الشيخ الذي أخرجني في بضعة أيام من سجن الجهل إلي فضاء المعرفة، ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد، هذا هو الأثر الذي وجدته في نفسي من صحبة أحد أقاربي...".
ذهب إلى طنطا وكان ذلك قرب آخر السنة الدراسية

في عزلة العلم
ذهب إلى طنطا وكان ذلك قرب آخر السنة الدراسية، لكنّه ذهب هذه المرة بروح جديدة، ومع أنّه وصل متأخراً بعدما فاته جزء من المناهج، إلا أنّ الظروف قد خدمته واستطاع تحصيل ما فات.
من ثمّ كان على موعد مع القاهرة.. أوحى له بذلك أحد البسطاء: "كنت أطالع بين الطلبة وأقرّر لهم معاني شرح الزرقاني، فرأيت أمامي شخصاً يشبه أن يكون من أولئك الذين يسمّونهم بالمجاذيب.. فلما رفعت رأسي إليه قال ما معناه: ما أحلى حلوى مصر البيضاء.
فقلت له: وأين الحلوى التي معك؟ فقال سبحان الله من جدّ وجد.. ثم انصرف، فعددت ذلك القول منه إلهاماً ساقه الله إليّ ليحملني على طلب العلم في مصر دون طنطا".

اقرأ أيضاً: عندما يكون الدين جانباً من جوانب الثقافة
ذهب إلى الجامع الأزهر، وأدخل نفسه في عزلة؛ فقط العلم وحده كان صاحبه: "وفي منتصف شوال من تلك السنة ذهبت إلى الأزهر، وداومت على طلب العلم على شيوخه مع محافظتي على العزلة إذا كلمت شخصاً كلمة لغير ضرورة".
لم يأخذ الشيخ درويش بيده ليقذفه في أتون العلم الأزهرية والمتون مقلّداً لغيره، بل قام بفتح ثغرة في عقله ليتسلّل منها العلوم الإنسانية الأخرى، المنطق والفلسفة والهندسة، بهذا تكتمل المعرفة التي آمن بها من ستقترن باسمه ريادة التنوير والتجديد الديني.

اقرأ المزيد...

الوسوم: