مراجعات الجماعات الإسلامية.. مشروع حقيقي أم مناورات خطابية؟ا

3480
عدد القراءات

2019-02-07

منذ عقود والساحة العربية تفرز بين الفينة والأخرى ظاهرة "المراجعات" عند التيار الإسلامي الحركي، أو الإسلاموية، ونتحدث عن الإسلاموية في نسختها السياسية والقتالية، ولا نتحدث عن الإسلاموية في نسختها الدعوية؛ لأنها بعيدة نسبياً عن الخوض في اضطرابات السياسة والقتال، أو التورط في صراعات سياسية وأمنية واستراتيجية، كما عاينا ذلك بشكل صريح بُعيد منعطف كانون الثاني (يناير) 2011؛ أي بعد أحداث "الفوضى الخلاقة" التي اصطلح عليها إعلامياً وبحثياً بأحداث "الربيع العربي".

اتضح أن جماعات التبليغ بقيت وفيّة لمشروعها الدعوي الصرف أي الانتصار للعمل التربوي والخطاب الوعظي

نقول هذا ونحن نأخذ بعين الاعتبار ما يصدر عن ظاهرة جماعات التبليغ، سواء في المنطقة العربية، أو في الساحة الأوروبية، فقد اتضح أنّ هذه الظاهرة، بقيت وفيّة لمشروعها الدعوي الصرف؛ أي الانتصار للعمل التربوي والخطاب الوعظي الخاص بالفرد والمقربين منه: العائلة أولاً، والمحيط الأسري والمجتمعي ثانياً، عبر ما يُصطلح عليه في أدبياتهم بـ"الخروج في سبيل الله"، والذي يتمّ بعِلم السلطات الإدارية، وقد تأكد لنا، من خلال متابعة ميدانية لأداء الجماعة في الساحة الفرنسية والمغربية، ضمن نماذج أخرى، أنّ الجماعة بقيت بعيدة عن القلاقل النظرية والميدانية التي ميزت باقي المشاريع الإسلامية الحركية، الإخوانية والسلفية، السياسية والجهادية، قبل وبعد اندلاع أحداث "الفوضى الخلاقة"، وليس صدفة أنّ الجماعة بعيدة عن التناول البحثي والإعلامي؛ لأنها لا تثير الأزمات السياسية والأمنية، لذلك تركنا أهل العمل الدعوي جانباً، من باب تسليط الضوء على مراجعات أهل العمل السياسي والجهادي.

اقرأ أيضاً: دولة جماعات الإسلام السياسي المستحيلة

كانت مراجعات جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر، في المقدمة، ابتداءً من عام 2007، وتلتها مراجعات الجهاديين في السعودية واليمن ليبيا، وبدرجة أقل مراجعات بعض الجهاديين في المغرب، على قلتهم، كما تمّ تتويج هذه المبادرات بأعمال نوعية، لعل أهمها كتاب "نهر الذكريات: المراجعات الفقهية للجماعة الإسلامية"، ثم "سلسلة تصحيح المفاهيم"، وتضم أربعة كتب: "مبادرة إنهاء العنف: رؤية شرعية ونظرة واقعية"؛ "حُرمة الغلو في الدين وتكفير المسلمين"؛ "تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء"؛ "النُّصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين"، وهناك أيضاً العمل القيّم الذي يحمل عنوان: "استراتيجية وتفجيرات القاعدة: الأخطاء والأخطار"، ونعتبره أهم ما حُرّر في النقد الفقهي ضد أدبيات "الجهاديين"، وصدر عن "جهاديين" مصريين سابقاً.

على الرغم من هذه التحولات النظرية والعَمَلية بالخطاب الإسلامي الحركي فقد قوبلت ببعض التشكيك والريبة من طرف المتتبعين والباحثين

هذا بالإضافة للمراجعات الخاصة بالتيار الجهادي، وعاينا موازاة مع ذلك، مراجعات سابقة، تهم التيار الإخواني، كان عنوانها الانتقال من مقام العمل الدعوي نحو مقام العمل السياسي، كما هو الحال في العديد من دول المنطقة، من قبيل مصر وتونس والأردن والمغرب.

وعلى الرغم من هذه التحولات النظرية والعَمَلية في الخطاب الإسلامي الحركي، فقد قوبلت ببعض التشكيك والريبة من طرف المتتبعين والباحثين، وحتى من طرف بعض مؤسسات الدولة، هنا أو هناك، وخاصة المؤسسات السياسية والأمنية.

كان علينا انتظار أحداث "الفوضى الخلاقة"، حتى نُعين الاختبارات الميدانية لحقيقة هذه "المراجعات"، وكما كان متوقعاً، عاينا انقسامات صريحة في التفاعلات، سواء مع التيار الإخواني أو التيار القتالي أو "الجهادي".

اقرأ أيضاً: كيف صوّرت "أدبيات التجنيد" في الجماعات الإسلامية العالم؟ ‎

نبدأ بهذا الأخير، ولو توقفنا عند الحالة المصرية، باعتبارها الحالة الأم، أو الحالة النموذجية في المنطقة، فقد اتضح أنه من نتائج أحداث "الفوضى الخلاقة" في نسختها المصرية، بقاء بعض رموز المراجعات على الموقف ذاته، ويتقدم هؤلاء الكاتب ناجح إبراهيم وأسماء أخرى، مقابل عدول العديد من الرموز عن خيار "المراجعات"، كما لو أننا عدنا إلى مرحلة المراهقة السلفية كما اصطلحنا على ذلك في كتاب "نقد العقل السلفي" (2014).

اقرأ أيضاً: لماذا تتعثر مواجهة أفكار الجماعات الإسلاموية؟

والأمر سيان مع الحالة الإخوانية، فبينما كان الخطاب الإخواني منخرطاً في العمل السياسي الذي يُصطلح عليه في الأدبيات الإسلاموية بالعمل السياسي الشرعي، ويقتضي الاشتغال تحت سقف مؤسسات الدولة الوطنية، والابتعاد عن خطاب التطرف الديني أو التطرف العنيف، انقسم التيار نفسه إلى اتجاهيين اثنين، بقي الأول محافظاً على خطاب المراجعات سالف الذكر، ولكن تورط الثاني في العودة إلى خطاب سنوات "المراهقة الإخوانية"، كما لو أننا نعيش أجواء صراع ثنائي بين جمال عبدالناصر وسيد قطب.

اقرأ أيضاً: لماذا تحضّ جماعات التطرف أعضاءها على المبالغة في العبادات؟

ولعل مُتتبع مضامين الشعارات والهتافات التي كانت تروج في تلك الجُمُعات المصاحبة لأحداث "الفوضى الخلاقة" المصرية، يستحضر مجموعة من الإشارات التي تغذي خطاب التشكيك في المراجعات الإخوانية، ويكفي في هذا السياق، استحضار ما شهدته القاهرة في ما اصطلح عليه حينها بـ"جمعة قندهار"، والإحالة هنا على مظاهرة مليونية للتيار الإسلامي الحركي، في شقيه؛ الإخواني والسلفي، نُظمت يوم الجمعة 29 تموز (يوليو) 2012، حيث رفع فيها المتظاهرون أعلام تنظيم القاعدة، كما لو أننا في محافظة تابعة لتنظيم إسلامي جهادي، وليس في مصر التي تضم مؤسسة الأزهر الشريف.

اقرأ أيضاً: سر عداء داعش والجماعات المتطرفة.. للصوفية

هذا غيض من فيض، ومنذ تلك الحقبة وحتى اليوم، لا يزال الوضع كما هو، ولا نتحدث عن التقية التي مارسها بعض الجهاديين، من الذين أصروا على العودة إلى خطاب ما قبل المراجعات، مقابل انتصار جزء من التيار الجهادي سابقاً لخيار المراجعات، رغم الحملات الإعلامية النقدية التي تعرض لها من التيارين معاً، القتالي والإخواني؛ وإنما نتحدث خصوصاً عن التيار الإخواني في المنطقة العربية برمّتها وليس في مصر وحسب، ويكفي تأمل تفاعل أتباع التيار الإخواني مع أحداث عابرة، حتى يخلُص المتتبع إلى أن الحديث عن مراجعات إخوانية حقيقية لا يزال معلقاً أو مؤجلاً، على الأقل عند جزء لا بأس به من المشروع.

مشوار طويل ينتظر الخطاب الإسلامي الحركي المنخرط بالمراجعات حتى تقتنع شعوب المنطقة أو بالأحرى الأنظمة بجدية  مشروعهم

ولو توقفنا، على سبيل المثال لا الحصر، مع تفاعلات العديد من أتباع التيار الإخواني مع نهائيات كأس آسيا في كرة القدم التي نظمت مؤخراً، لتأكدنا من هذا المعطى النقدي؛ لأنه عندما نقرأ لأقلام إخوانية، بما فيها الأقلام البحثية والإعلامية، تدعي أنه لا علاقة لها بالمشروع الإسلامي الجهادي، من قبيل مشروع تنظيم القاعدة أو تنظيم داعش، ولكنها لم تتردد في وصف مشاركة دول عربية خليجية بأنها مشاركة دول تعادي الإسلام أو دول صهيونية، فإنّه حينها، يُصبح الحديث عن مراجعات إخوانية أشبه بكذبة نيسان.

بل الأدهى أنهم يُعبرون عن هذه المواقف في مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل لا شعوري أو إرادي، وهم يعلمون أن هذه التدوينات والتفاعلات مفتوحة للعموم، ولنا أن نتخيل حينها، ما لا يتم الكشف عنه في مواقف هذا التيار، ونخص بالتحديد التيار الذي لا يزال متردداً في تبني المراجعات، أو الذي لم ينخرط فيها أساساً.

اقرأ أيضاً: كيف تستخدم الجماعات المتطرفة الإسلاموفوبيا سلاحاً؟!

مشوار طويل ينتظر الخطاب الإسلامي الحركي المنخرط في المراجعات حتى تقتنع شعوب المنطقة، أو بالأحرى أنظمتها، بأننا إزاء مراجعات حقيقية فعلاً، وليس مناورات خطابية أو ممارسات تقية، تروم الانحناء المؤقت للعاصفة، والإحالة على عاصفة مجتمعية عنوانها تراجع أسهم الظاهرة خلال السنين الأخيرة، موازاة مع تواضع أداء الأحزاب السياسية في تدبير العمل الحكومي، هنا أو هناك.

اقرأ المزيد...

الوسوم: