"الكتائب الإخوانية" إذ تكسب معارك صغيرة وتخسر الكبرى

16310
عدد القراءات

2018-10-11

تتأسس هذه المقالة على فرضية أساسية، وحده الزمن النقدي سيحسم في صحتها، ولو أنّ مؤشرات الساحة تصب في تزكية مضامينها. وتفيد هذه الفرضية بأنّ ذكاء العقل الإسلاموي، في نسخته الإخوانية، سقط في امتحان كسب ثقة مجتمعات المنطقة، فالأحرى كسب ثقة نخبتها وأنظمتها. 

ويصعب إحصاء عدد المجالات والفضاءات التي أكد فيها الحضور الإخواني، أنه غير أهل للثقة، سواء تعلق الأمر بالحقل الديني أو التعليمي أو السياسي أو الإعلامي، مادام الأمر مرتبطاً بأزمة جهاز مفاهيمي، تربى على أدبيات تصبّ مع مرور الزمن، في تكريس أزمة الثقة، كما زكت ذلك مجموعة من الوقائع التاريخية في المنطقة، لذلك.

من أجل الدفاع عن قيادات إخوانية متورطة في الفساد جرى الحديث عن "أسلمة الفساد" و"أسلمة الخيانة الزوجية" و"أسلمة القمار"

وحتى لا نتوه في كثرة الأمثلة والوقائع، سنتوقف عند نقطة واحدة فقط، تصب فيما نصبو إليه من إثارة اهتمام العامة قبل الخاصة من بعض مآزق هذا العقل الذي لم يقتنع بعد أن الحلم بـ"اختطاف الدولة والدين"، أمر مشروع نظرياً، ولكن من الناحية العملية، اتضح أن تحقيقه، لم ولن تسمح به شعوب المنطقة، فالأحرى أنظمتها.

يتعلق بالأمر بما أصبح يُصطلح عليه منذ حوالي عقد بـ"الكتائب الإلكترونية"، ومن باب عدم التشويش على المتلقي من هول الأمثلة التي تعج بها المنطقة، في مصر على الخصوص، وفي بعض دول الخليج العربي، سوف نتوقف عند الحالة المغربية.

يُقصد بـ"الكتائب الإلكترونية"، "مجموعات رقمية" مكلفة بمهام داخل حركة إسلامية إخوانية، مهمتها الانخراط العملي/ الميداني في حملات الدفاع عن "المَجَرّة الإسلامية الحركية"، ونقصد بالمَجَرّة هنا كل ما له علاقة بالمشروع الإخواني، سواء تعلق الأمر بالواجهة السياسية أو الدعوية أو الإعلامية أو النقابية أو غيرها، لذلك ارتأينا الحديث عن مَجَرّة، عِوَض الحديث عن جماعة أو حركة أو حتى "حزب إسلامي"، وسوف نتوقف في مقال لاحق، عند أهمية الاشتغال النظري على الظاهرة الإسلاموية انطلاقاً من هذا النموذج التفسيري، عِوَض الإبقاء على النموذج الكلاسيكي الذي يختزل المشروع في الشق الدعوي أو السياسي.

أقرأ أيضاً: في ذكرى رحيله..سيد قطب مُلهم الإخوان ومرجع الحركات الجهادية

في مقابل نُصْرة المَجَرّة الإسلامية الحركية، تقوم "الكتائب الإلكترونية" الإخوانية، بنقد وشيطنة المنافسين، سواء تعلق الأمر بفاعلين في الدولة أو الأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني، ولو تطلب الأمر اللجوء إلى ممارسات مُعادية للأخلاق، من قبيل تشويه السمعة، فبركة الأخبار، الاتهام في الأخلاق والملة.

ثنائية التقية والجهل المُرَكّب

نجزم بأن أسلوب التقية التي يُميز أداء العمل الإخواني بشكل عام، ومعه الجهل المُرَكّب بمقتضيات العقل الإخواني، ضمن أسباب أخرى، يُفسر تواضع مؤشرات الوعي لدى النخبة، أو بالأحرى العامة، بالأدوار المنوطة بهذه الكتائب، وبيان ذلك كالتالي:

ــ لا يمكن توقع تفاعل العقل الإسلاموي في العالم الرقمي (شبكة الإنترنت، مواقع التواصل الاجتماعي.. إلخ) إن كان المعني بالتوقع، لا عِلم له أساساً بهذه الكتائب الإلكترونية، وبالأدوار المنوط بها، محلياً وإقليمياً ودولياً، وهذا ما عايناه ونُعاينه في العديد من المحطات، من قبيل أنّ أي استحقاق انتخابي يُشارك فيه حزب إخواني في المنطقة، يتميز بمتابعة و"نُصْرة رقمية" لباقي إخوان المنطقة، وغيرها من الأمثلة الدالة والمتوقعة.

اقرأ أيضاً: 5 محن عصفت بجماعة الإخوان المسلمين

ــ وحتى لو افترضنا أنّ الفاعل المعني هنا، كأن يكون باحثاً أو إعلامياً أو رجل سلطة (سياسية أو دينية أو أمنية)، أخذ علماً بالظاهرة، واطلع على بعض معالمها وتطبيقاتها، فإنّ الانتقال إلى مرحلة المواجهة والتصدي، صيانة للدولة والدين، تقتضي الاشتغال على إحداث كتائب إلكترونية مضادة، وهو المعطى شبه الغائب في الساحة المغربية، وبالكاد عاينا إطلاق بعض الأحزاب السياسية لما يُشبه كتائب إلكترونية، ولكن بشكل متواضع مقارنة مع الحضور الرقمي الكبير للفاعل الإسلامي، الإخواني والسلفي على حد سواء؛ حيث إنه في مرحلة الاستحقاق الانتخابي، يُصبح خطاب الفاعل الإخواني والفاعل السلفي موحداً، بمقتضى ترك الخلافات الفقهية والسياسية جانباً، وهذه ظاهرة نُعاينها في أغلب دول المنطقة وليس في المغرب وحسب. [خطاب الإخوان والسلفيين في حقبة "الفوضى الخلاقة" المصرية، بين 2011 و2013، على هامش تعديل الدستور، كان خطاباً موحداً].

ـ ليس هذا وحسب، وبخلاف المشروع الإخواني أو "المَجَرّة الإسلامية الحركية"، فإنّ باقي الأحزاب السياسية المغربية، غير الإسلامية، لم تطلق كتائب إلكترونية، وما هو موجود مجرد حسابات متواضعة، تنتمي إلى هذا الحزب أو ذلك، ولكنها تشتغل في إطار سياسي صرف، وقد تتقاطع بالكاد مع الفروع الإعلامية والنقابية والجمعوية للحزب المعني، بينما الأمر مختلف كلياً مع الكتائب الإلكترونية الإسلاموية؛ لأنها تنطلق من أرضية دينية، وتتعامل مع هذه المعارك على أساس أنها "معارك مقدسة" أو "معركة حياة أو موت"، ولا تتردد في الانخراط في ممارسات رقمية مُعادية للدين، أو بالأحرى الأخلاق، دفاعاً عن مشروعها الإخواني.

لو سلّمنا بأن الكتائب الإلكترونية الإخوانية نجحت في العديد من الامتحانات، إلا أنها فشلت في الظفر بثقة الرأي العام

ــ بخصوص إشكالية التقية، فقد أبدع العقل الإخواني كثيراً في استغلال هذا المعطى رقمياً، من خلال إطلاق منصات رقمية ناطقة أو محسوبة على المَجَرّة الإسلامية الحركية، أو إطلاق منصات تدعي أنها مستقلة أو خاصة ولكنها محسوبة على المَجَرّة ذاتها، وأخيراً، من خلال تغلغل الفاعل الإخواني في باقي منصات الساحة، الرسمية والمستقلة، وهي عملية هينة، أخذاً بعين الاعتبار الجهل المُرَكّب بعقل التقية.

لقد تأكد للباحثين بالأرقام والمؤشرات، أنه من بين المُحدّدات التي تُميز تفاعل الخطاب الإخواني مع الاستحقاق الانتخابي، وإضافة إلى التفاعل الصعيد الميداني؛ أي في الحملات الانتخابية التقليدية التي تتميز بتنظيم لقاءات جماهيرية وجولات في الأحياء والشوارع، نجد تفاعلاً موازياً وحاضراً بقوة وكثافة في الإعلام التقليدي والإعلام الرقمي، وقد تمّ اللجوء إلى عدة خوارزميات أو تقنيات رقمية من أجل توسيع دائرة الانتشار الرقمي، وبالتالي التأثير على خيارات الناخبين، سواء عبر أسلوب المواجهة أو التقية أو التحايل وغيرها من التقنيات، وهذا ما أبدع فيه العقل الإخواني في نسخته الرقمية.

اقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن رحلة الإخوان المسلمين في سلطنة عمان؟

كان على الرأي العام انتظار بعض الأزمات الداخلية للمَجَرّة الإخوانية، حتى يطلع على بعض أدوار هذه الكتائب، ونخص بالذكر، ما جرى مع القلاقل التي ميزت الخلافات التنظيمية بين الأمين العام السابق لحزب "العدالة والتنمية"، عبد الإله بنكيران والأمين العام الحالي للحزب ذاته، سعد الدين العثماني، حتى يكتشف أنّ ما كانت تقوم به "الكتائب الإلكترونية" ضد الخصوم، أصبح يطال المشروع ذاته أيضاً، بل تطور الأمر إلى أن الأمين العام السابق اضطر إلى إصدار بلاغ بتاريخ 10 تشرين الأول (أكتوبر) العام 2017، يعلن فيه براءته مما تتضمنه بعض الصفحات على موقع "التواصل الاجتماعي"، ومن ذلك ما صدر عن بعض هذه الكتائب الإلكترونية، والتي حسب خلاصات الباحث المتخصص في التواصل والإعلاميات، يحيى اليحياوي، اتضح أن أغلب أعضائها قادمون من مدن الهامش، وخاصة من قرى الجنوب المغربي؛ حيث الفقر المادي والمعنوي، ولكنها حظيت بتكوينات وتدريبات، جعلتها اليوم تقوم بهذه الأدوار ضد الجميع: المجتمع والأحزاب السياسية والنظام الحاكم والدولة.

اقرأ أيضاً: الإخوان وصناعة وهم الأيديولوجيا المقدّسة

انطلاقاً من تأمل ما صدر عن هذه الكتائب، اتضح أنها لم تكن تتردد في الدفاع عن حالات الفساد الأحادي أو الفساد المُرَكّب (الفساد المالي والإداري والأخلاقي) التي تورطت فيها قيادات المجرة، سواء تعلق الأمر بقيادات الحركة أو قيادات الحزب أو قيادات النقابة وغيرها، ومن هنا الحديث عن "أسلمة الفساد" في العديد من الحالات، من قبيل "أسلمة الخيانة الزوجية" و"أسلمة القمار" و"أسلمة الخمر" وغيرها من الوقائع التي ارتبطت في مخيال المجتمع بحالات فساد لقيادات إخوانية، ولكنها حظيت بدعم رقمي قادته هذه الكتائب ضد كل الذين انتقدوا أو تصدوا لهذه النماذج.

ما لا ينتبه إليه القادة الذين يقفون وراء هذه الكتائب، وأغلبهم يشتغل اليوم في مؤسسات الدولة، بما في ذلك مؤسسة رئاسة الحكومة، أنه حتى لو سلّمنا بأن هذه الكتائب الإلكترونية نجحت في العديد من الامتحانات السياسية والاجتماعية والدينية وغيرها، اعتماداً على هذه الأدوار غير السوية، وكلها معارك صغيرة على المدى القريب أو حتى المتوسط، فإنها فشلت في أهم وأكبر امتحان، أي امتحان المعركة الكبرى، وعنوانها الظفر بثقة الرأي العام.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ينتقم أردوغان من أوروبا بورقة داعش؟

2019-11-19

لعبة ليّ الأذرع وعمليات الابتزاز السياسي بين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، والاتحاد الأوروبي، لا تنتهي؛ بل هي مرشحة اليوم لتتخذ أبعاداً جديدة أكثر حدّة وإثارة، بعد أن قرّر أردوغان ترحيل الجهاديين الأوروبيين، الذين كانوا يقاتلون في صفوف تنظيم داعش، المعتقلين في تركيا، إلى بلدانهم، في تطور مفاجئ أزعج الحكومات الأوروبية ووضعها أمام الأمر الواقع.

اقرأ أيضاً: أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟
وقد أعلن وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو؛ أنّ بلاده تعتقل قرابة 1200 من عناصر التنظيم الإرهابي الأجانب، إضافة إلى 287 آخرين تمّ اعتقالهم لدى تدخل تركيا في شمال سوريا الشهر الماضي، وهي المرة الأولى التي تكشف فيها تركيا حقيقة أعداد الجهاديين الأجانب الموجودين على أراضيها، بعد أن ظلت، لأعوام، تتكتم على الرقم الحقيقي لهؤلاء، مما يظهر أنّ أنقرة ظلت تحتفظ بالمقاتلين الأجانب في انتظار اللحظة المناسبة لتوظيفهم في مواجهة الاتحاد الأوروبي، ومحاولة الحصول منه على مكاسب أكبر، وذلك منذ إشهار ورقة اللاجئين السوريين، المقدَّر عددهم بنحو ثلاثين ألفاً، كانت تركيا تهدّد الاتحاد الأوروبي خلال الأعوام الثلاث الماضية، بفتح السبل أمامهم للتدفق على الحدود الأوروبية، بيد أن بروكسيل استطاعت كسب تلك المعركة مؤقتاً، نظير تقديم مساعدات مالية ضخمة لأنقرة، مقابل الاحتفاظ بأولئك اللاجئين على أراضيها.

أنقرة ظلت تحتفظ بالمقاتلين الأجانب بانتظار اللحظة المناسبة لتوظيفهم في مواجهة الاتحاد الأوروبي ومحاولة الحصول منه على مكاسب أكبر

الخطوة التركية الجديدة أربكت الحكومات الأوروبية التي انقسمت حول الموقف حيالها، ففيما أعلنت بريطانيا وبلجيكا أنّهما مستعدَّتَين لاستقبال المقاتلين المنحدرين منهما رفقة زوجاتهم وأبنائهم، رفضت بلدان أخرى فتح أبوابها أمامهم، واصفة الموقف التركي الأحادي الجانب بالابتزاز، فيما تحفّظت فرنسا، وأرسلت تركيا في الدفعة الأولى للترحيل؛ إيرلنديَّين اثنين، وألمانيَّين، وأحد عشر فرنسياً، لكنّها أعلنت أنّها تحتفظ بمقاتلين آخرين سوف يجري ترحيلهم في الأيام المقبلة.
لقد ظلّت الحكومات الأوروبية، طيلة الأعوام الثلاثة الماضية، بعد أن كان تنظيم داعش قد بدأ يتهاوى تحت ضربات التحالف الدولي، ترفض استقبال مقاتليها بدعوى عدم الرغبة فيهم، وتهدّد بسحب جنسياتهم، وذلك بسبب التخوف من أن يتحولوا إلى طابور خامس للتنظيم الإرهابي داخل المجتمعات الأوروبية، وينفذوا عمليات إرهابية جديدة، وزاد الأمر تعقيداً أنّ الحكومات الأوروبية لا تقرّ حكم الإعدام في قوانينها الجنائية، ما يعني أنّه، حتى مع محاكمة هؤلاء العائدين من ميادين القتال واعتقالهم، فسيتمّ الإفراج عنهم مهما طال الزمن، ما سيعيد فتح ملفهم من جديد، وربما بشكل أشدّ خطورة، علاوة على ذلك؛ هناك مخاوف قوية لدى الأوروبيين من أن يؤدي اعتقال هؤلاء إلى نشر التطرف داخل السجون بين النزلاء، في ظلّ الحديث المتكرر عن مخاطر انتشار التطرف الديني داخل السجون حالياً.

اقرأ أيضاً: هل يسعى أردوغان لتأسيس حزب جديد يعمل من تحت عباءته؟
ولا تتوقف المخاوف الأوروبية من العائدين عند هذا الحدّ؛ بل إنها تخشى الوقوع في الأخطاء نفسها التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية في التعامل مع معتقلي تنظيم القاعدة في معتقل غوانتنامو السرّي، حتى اضطر باراك أوباما، الرئيس الأمريكي السابق، إلى طيّ هذا الملف، فالأوروبيون يرفضون خيار إقامة معتقلات سرّية لهؤلاء، لكنّهم في الوقت نفسه يتخوّفون من وضعهم في السجون العمومية مع باقي النزلاء.
بيد أنّ الحكومات الأوروبية تنظر إلى المبادرة التركية من الزاوية السياسية، في ظلّ العلاقة المتوترة بين الطرفين؛ فهي ترى أنّ أردوغان يريد الانتقام من الاتحاد الأوروبي على خلفية الاحتجاج ضدّ التدخّل التركي في شمال سوريا، الشهر الماضي؛ إذ إنّه بينما كان أردوغان يتوقّع ترحيباً واسعاً بذلك التدخّل، جاءت المواقف الأوروبية معاكسة، وهو ما دفعه إلى استعمال ورقة الدواعش لمزيد من الضغط على بلدان الاتحاد.

الأوروبيون يرفضون خيار إقامة معتقلات سرّية للعائدين، لكنّهم في الوقت نفسه يتخوّفون من وضعهم بالسجون العمومية مع باقي النزلاء

والواقع؛ أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تقوم فيها تركيا بترحيل مقاتلين من تنظيم داعش إلى بلدان أوروبية، فقد رحّلت عدداً منهم قبل خمسة أعوام، في أوج الصعود الدموي للتنظيم، وبينما كانت تركيا تتسامح مع دخول المقاتلين إلى أراضيها قبل التسلل إلى التراب السوري، لكنّها فعلت ذلك في السابق في سرّية تامة، دون ضجيج إعلامي، وأحياناً كثيرة دون التنسيق مع حكومات البلدان الأوروبية المعنية، ومن هنا؛ ترى الدول الأوروبية أنّ إعلان تركيا لتلك الخطوة عبر وسائل الإعلام، وفي تصريحات رسمية، الهدف منه إثارة الجدل داخل الرأي العام الأوروبي، وتوظيف ملف العائدين سياسياً لتوجيه رسالة إلى الأوروبيين، مفادها أنّ تركيا يمكنها أن تقوم بدور مهم في حفظ الأمن الأوروبي، كما يمكنها أن تشكل خطراً على هذا الأمن، في حال لم يتم التعامل معها بالشكل الذي تريد.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
غير أنّ الحسابات السياسية لأردوغان قد تصطدم بالجدار، فقد علت بعض الأصوات داخل البلدان الأوروبية، تطالب بإغلاق الباب نهائياً في وجه مقترح الانضمام التركي إلى نادي الاتحاد الأوروبي، طالما أنّ أنقرة، بالنسبة إلى هؤلاء، لا تكفّ عن ممارسة أسلوب الابتزاز والضغط، وتوظيف ورقة اللاجئين، وبعدها ورقة المقاتلين الأجانب.

للمشاركة:

"ممالك النار".. دراما عربية تكشف المسكوت عنه في التاريخ العثماني

2019-11-19

بالتزامن مع عرضه على المنصّة الترفيهية العالمية "نتفلكيس"، التي تعمل بنظام الدفع مقابل المشاهدة، يُعرَض المسلسل التاريخي "ممالك النار"، ذو الإنتاج الأضخم عربياً نسبة لعدد حلقاته (نحو 40 مليون دولار)، والتقنيات الفنية العالية، على قناة "mbc"، ابتداءً من السابع عشر من الشهر الحالي (تشرين الثاني) الجاري، راصداً، في أربع عشرة حلقة، أحداث سقوط دولة المماليك على يد العثمانيين في القرن السادس عشر.

اقرأ أيضاً: كيف بدأت صورة المسلمين تتغير في الدراما الأمريكية؟
ويركز العمل على حياة السلطان سليم الأول، الذي اعتلى عرش الدولة العثمانية بين عامي 1512 إلى 1520، ويرصد المجازر وأعمال السلب والنهب التي ارتكبتها القوات الانكشارية في حقّ أهل مصر والشام، مستعرضاً بشكل درامي التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة العربية، بعد معركة (جالديران) بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية في إيران، التي انتهت بهزيمة الأخيرة.

يركز العمل على فترة السلطان سليم الأول راصداً ما ارتكبتها القوات الانكشارية في حقّ أهل مصر والشام

وتمتدّ أحداث المسلسل إلى معركة مرج دابق التي دارت رحاها بين العثمانيين والمماليك بقيادة قنصوة الغوري وهُزِم فيها المماليك، قبل أن يدخل الجيش العثماني القاهرة، فيواجهه السلطان الأشرف طومان باي، بكلّ ما أوتي من قوة ودعم معنوي ولوجستي من المصريين، لكن يضيق الخناق عليه، بعد هزيمته العام 1517 في معركة الريدانية (ضاحية العباسية في القاهرة)، فيلجأ هارباً إلى صديقه حسن بن مرعي، وابن أخيه شُكر، ظناً منه أنّه في مأمن عندهما، لكنّهما يشيان بمكانه للعثمانيين، الذين يعتقلونه ويقتادونه إلى السلطان سليم، ليصدر بعد ذلك حكماً بشنقه على باب زويلة، لتكون الفاجعة الكبرى التي فجعت المصريين كلّهم، ومثّلت صدمة كبرى لم يعهدوها طوال تاريخهم القديم، على حدّ وصف المؤرخ محمد بن إياس الحنفي.
مسلسل عربي بمواصفات عالمية
      يُتوقَّع أن يكون هذا المسلسل، الذي أنتجته شركة "جينوميديا" الإماراتيّة، ناجحاً وذا نِسَب مشاهدة مرتفعة، فالمشرف على إخراجه هو البريطاني "بيتر ويبر"، الذي يُعدُّ، حالياً، من أهمّ المخرجين في العالم، فقد سبق له الإشراف على إخراج أعمال عالميّة، مثل: فيلم الرعب "تمرد هانيبال"، والملحمة اليابانية "الإمبراطور".

اقرأ أيضاً: هل أثرت وحشية داعش في الدراما التلفزيونية؟
وقد استعان ويبر بفنيين ومساعدين عالميين في المكياج والملابس والديكور، وإخراج المعارك، من أهمهم: لويجي ماركيوني، وأليخاندرو توليدو، ما يبشّر بأنّنا سنتابع عملاً فنياً شيقاً، على غرار الأعمال الفنية الملحمية الكبرى، ليس فيما يخصّ تصوير المعارك، والأزياء، والإكسسوارات، والديكور، والجرافيك، وتقنيات التصوير وتوزيع الإضاءة والإخراج عموماً، بل في ما يخص السيناريو كذلك، حتى وإن لم يلتزم مؤلف العمل، السيناريست المصري محمد سليمان عبد المالك، بالأحداث التاريخية التزاماً حرفياً؛ فالمسلسل تجسيد درامي لبعض الوقائع التاريخية المؤلِمَة التي ألمّت بمصر وبلاد الشام، وكان لها تأثيرٌ متجدد لم ينتهِ حتى الآن!

المشرف على إخراجه هو البريطاني بيتر ويبر الذي يُعدُّ من أهمّ المخرجين العالميين

يأتي هذا المسلسل وسط موجة الأعمال الدرامية التاريخية التركية المسوّقة للتاريخ العثماني بثوب المثالية، والتي تتجاهل أي سلبيات تعكر هذه الصورة التي تحمل رسائل سياسية وثقافية لا تخفى لطالما انتهجها العثمانيون الجدد تجاه الوعي العربي،  بل يمكن القول إنّ الأمور وصلت حد تزييف الحقائق التاريخية أو تقديمها بصورة مضللة لغير المطلع، كما هو الحال في مسلسلي: "قيامة أرطغرل"، و"السلطان عبد الحميد الثاني"، وهو ما يضع المبدع العربي في مواجهة مستمرة مع زيادة المدّ الفني التركي، ويؤكّد أهمية الالتفات إلى القوة الناعمة ممثَّلَة في الأعمال الفنية الجيدة، كسلاح ماضٍ في وقت تتدنّى فيه نسب القراءة في العالم العربي!
   في هذا السياق، لم يكن مستغرباً أنّ المنصات الإعلامية التابعة لجماعة الإخوان بدأت، منذ الإعلان عن برومو المسلسل، في انتقاده والتقليل من شأنه، والتشهير به كأنه مكيدة سياسية موجهة إلى تركيا.
الهجوم على المسلسل، لم يتوقف رغم أنّه لم يكن قد بدأ عرضه، واعتمد المهاجمون على الآراء المسبقة وخلط الأوراق، والتصوير الساخر أنّ المماليك والعثمانيين والعباسيين من قبلهم كانوا محتلين لمصر، بل وصل الأمر بالقيادي الإخواني الهارب عاصم عبد الماجد أن يكتب: "الذي أسعدني وزاد من تفاؤلي أن بطل مسلسلهم (طومان باي) انهزم أمام العثمانيين الذين قتلوه وعلقوه على (باب زويلة) بالقاهرة"!

اقرأ أيضاً: هل يؤرِّخ رمضان 2019 لانتكاسة الدراما المصرية؟
"ممالك النار"، يهدف إلى عرض المسكوت عنه في تاريخ العثمانيين وكشف حقيقة الصورة الوردية المزعومة، وفيما إذا كان فتحاً أم غزواً للمنطقة العربية في واحدة من أشد فتراتها ضعفاً، والتنبيه إلى حقيقة معاملتهم للعرب باسم الإسلام للتغطية على على الأوضاع الصعبة التي عاشوها خلال هذه الفترة وصلت حد التجهيل والإرهاق الاقتصادي والاجتماعي، وكيف أجبروا أمهر الحِرفيين والتجَّار على الهجرة إلى عاصمتهم إسطنبول للإفادة منهم في بنائها وهندستها، كما فعلوا مع مصر التي حوّلوها إلى إيالة عثمانية؛ أي وَحدة إدارية تابعة للسلطان العثماني، بعد أن كانت دولة مركزية كبيرة، ما شكّل صدمة كبرى للمصريين يسعى العمل لتسليط الضوء عليها.

للمشاركة:

مدخل إلى فلسفة الدين

2019-11-18

سؤالُ فلسفةِ الدين سؤالٌ فلسفي، والتفكيرُ فيها تفكيرٌ فلسفي، وقراءتُها للدينِ ومعتقداتِه قراءةٌ فلسفية، وبذلك تتميز عن: علمِ اجتماع الدين، وأنثربولوجيا الدين، وعلمِ النفس الديني، وغيرِها من علومٍ تهتم بدراسة الدينِ وتمثّلاتِه في حياةِ الفردِ والجماعة، فكلٌّ من هذه العلوم يدرس كيفيةَ تعبيرِ الدين عن حضورِه في الحياة، والأثرَ والتأثيرَ المتبادلَ الناتجَ عن التفاعلِ بين الدينِ وثقافةِ المجتمع ونمطِ تمدّنه، وكلُّ هذه العلومِ يدرسُ الدينَ في ضوء مناهجِه ومفاهيمِه وأدواتِه في البحث العلمي، ويتركّز بحثُه على ما يحدثه الدينُ في المجالِ الخاص الذي يدرسه.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني حضور الفلسفة في الفضاء المعرفي السعودي؟
لا تختصُّ فلسفةُ الدينِ بدينٍ أو فرقةٍ أو مذهب، ولا تسعى للدفاعِ عن معتقداتِ جماعةٍ دينية، كما هي وظيفةُ اللاهوتِ، وعلمِ الكلام، ففي لاهوتِ أيِّ دينٍ يظل اللاهوتي يفكّر تحت سقفِ المعتقد المركزي للدين، ولا يخرج عن إطارِه الكلي مهما كان رأيُه، وفي علمِ الكلامِ الإسلامي يظل المتكلمُ يفكّر تحت سقفِ التوحيد والنبوة، فإن خرج اجتهادُه عن مسلّماتِ الاعتقاد فنفى وجودَ الله وأنكر النبوةَ لم يعد متكلماً.
أما فيلسوفُ الدين فلا سقفَ يخضع له عقلُه، ولا إطارَ يتحرك ضمنَه تفكيرُه، ولا مسلماتٍ يصدر عنها؛ لأنه لا يقوده إلا العقلُ، ولا ينتج فهمَه للدينِ والمعتقداتِ الدينية أيّةُ سلطةٍ معرفيةٍ تتعالى على العقل، فمنطقُ فهمِ فيلسوفِ الدين للمعتقدات الدينية هو ذاتُه منطقُ فهمِه للوجود والمباحثِ الكلية المعروفةِ في الفلسفة.

لغةُ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" منطقيةٌ واضحة تتسم بالموضوعية والحياد وتهتمّ بالاستدلال

  تبتعد فلسفةُ الدينِ عن الأحكامِ المعيارية، ولا تتبنّى أيّةَ مواقفَ مسبقة، ولا تتحمّس في الانحيازِ لأيّةِ ديانةٍ أو معتقد، فلا يحضر الإيمانُ أو الاعتقادُ بدينٍ معينٍ، بوصفه شرطاً، في تفكيرِ فيلسوفِ الدين، ما يحضر هو العقلُ الفلسفي، من دون أيِّ توصيفٍ أو شرطٍ إضافي يقيّد العقل، أو يملي عليه طريقةَ تفكيره، أو يرسم له حدودَ الأفقِ الذي يتموضع فيه، أو المنطقَ الذي يوجِّه مسارَ تفكيره.

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
لكن لا يمكننا أن ننكر أثرَ السياقِ الديني لنشأةِ وتطورِ فلسفة الدين، الذي ترك شيئاً من بصمته في أعمالِ فلاسفةِ الدين، فلم تتحرّر دراستُهم للدين من أسرِ أمثلةٍ وقصصٍ ومواعظ الكتابِ المقدّس، وإن كان منطقُ فهمِهم لها مختلفاً بشكلٍ واضحٍ عن منطقِ فهمِ اللاهوتيين، ففيلسوفُ الدين، وإن كان يهودياً أو مسيحياً، لا مرجعيةَ له خارجَ عقله، ولا أيةَ مسلماتٍ تسبقُ تفكيرَه، إلا المسلماتِ المضمرةَ في اللاوعي. يقوده عقلُه الفلسفي ويستند إلى أدلته، وإن انتهت أحياناً تلك الأدلةُ إلى نفي المصدرِ الإلهي للكتابِ المقدّس، وإلى عدمِ قبولِ تفسيرات وتأويلات اللاهوتيين لنصوص هذا الكتاب.
وكما تختلف فلسفةُ الدين عن اللاهوت، وعلمِ الكلام، وعلمِ اجتماع الدين، وأنثربولوجيا الدين، وعلمِ النفس الديني، تختلف فلسفةُ الدين أيضاً عن علم الكلام الجديد، المتكلّمُ الجديد غيرُ فيلسوف الدين، المتكلّمُ الجديد يؤمنُ بالله والوحي، بغضِّ النظرِ عن اجتهادِه في بناءِ رؤيتِه التوحيدية، وفهمِه للوحي، بصورةٍ لا تطابق رؤيةَ وفهمَ المتكلم التقليدي.
وفي ضوء ذلك لا ينطبق عنوانُ علم الكلام الجديد على كتاباتٍ بحثتْ ظاهرةَ الوحي من منظورٍ مادي لا يؤمن بالله، أو كتاباتٍ ترى الوحيَ بوصفه ظاهرةً أنتجها البشر. كما لا يمكن تصنيفُ أيّةِ كتاباتٍ تنفي المضمونَ الميتافيزيقي الغيبي للوحي على أنها علمُ كلامٍ جديد.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟
  ظهر التفكيرُ الفلسفي في الدينِ وبيانِ ماهيةِ المعتقدات والاستدلالِ عليها مبكراً في الإسلام، كما نقرأ ذلك في آثار الكندي "185 – نحو 256 هـ"، والفارابي "260 – 339 هـ"، وابن سينا "370 – 427 هـ"، وتواصل مع ابن رشد "520 – 595 هـ"، وشيخِ الإشراق السهروردي "نحو 554 – 586 هـ".
   وعلى الرغم من الأثرِ الذي أحدثه موقفُ الغزالي "450 – 505 هـ"، وغيرُه من المتكلمين المناهضين للتفلسف في الدين، لكن العقلَ الفلسفي حاول أن يستفيقَ في أصفهان مع محمد باقر المعروف بمير داماد "960 – 1041هـ" الذي ترسّمَ نهجَ المشّائين ببيانٍ ملتبسٍ غامض، وتلميذِه ملا صدرا الشيرازي "980– 1050هـ"، الذي أنتج فلسفةً مركبةً تتزاوج فيها اتجاهاتٌ متنوعة، وتحيل إلى مصادرَ مختلفةٍ تنتمي إلى: فلسفة ابن سينا المشّائيّة، وفلسفة الشيخِ السهروردي الإشراقية، وعرفانِ محيي الدين بن عربي "558 – 638 هـ"، وتوظف آراءَ بعضِ المتكلمين كالفخر الرازي "544هـ - 606هـ"، بنحوٍ صارت هذه الفلسفةُ وكأنها توليفةٌ لا تأتلف لمقولاتٍ ومواقفَ وآراءٍ شتى، لكن لا يمكن تجاهلُ غزارةِ ما يسودها من تفلسفٍ في الدين، غالباً ما  كان ملا صدرا يستأنف فيه نتائجَ ابن عربي، فيتخذها أسساً ليبني عليها رؤيتَه لله والعالَم، بعد أن يعيد إنتاجَها وتكييفَها لمنطقه، وللغته المتكلّفة التي تفتقر لكثافةِ لغِة ابن عربي، ولا تكتنز بثرائها الرمزي.   

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
كان التفكيرُ الديني في الإسلام ومازال تأسره المقولاتُ الكلامية والمواقفُ الاعتقادية وأحكامُ المدونة الفقهية، وما يشكّل مبادئَ ومقدّماتٍ أساسيةً لتعليم تلك المقولات والأحكام. ولم يتحرّر هذا التفكيرُ من ذلك، ولم ينفتح على بناءِ وعيٍ فلسفي بالدين إلا بمبادراتٍ فرديةٍ لم تتحول إلى تيارٍ للوعي الفلسفي في الدين، وعجزتْ عن اختراقِ جدرانِ معاهدِ التعليم الديني، ذلك أنّ المؤسساتِ الدينيةَ المحافظة، التي تمتلك المشروعيةَ الراسخة، لم تسمح للعقل الفلسفي بالحضور في فضائها، لأنها تدرك ما يمكن أن يحدثه أيُّ ضربٍ من الوعي الفلسفي في الدين من أسئلةٍ عميقة، وما يولّده هذا الوعيُ من نقاشات، لا تضبطها طرائقُ التفكير المعروفة في تلك المعاهد، وتنفلت من أسوار مقولاتِ الكلام والمواقفَ الاعتقادية، فيظل حائراً حيال إجاباتِها، لأنه لم يتسلح بالمنطق الذي يلتقي ومنطقَ تفكيرها، واللغةَ التي تتناغم ولغتَها.

اقرأ أيضاً: تكفير التفكير.. الصحوة والفلسفة
  مازالت معاهدُ التعليم الديني مولعةً بالاحتماء بالتراث، ولاشك أنّ الاحتماءَ بالتراث يعبّر عن حاجة نفسية ومجتمعية توفر للإنسان أمناً هو بأمس الحاجة إليه، في عالَم عاصفٍ تتدفق فيه العلومُ والمعارفُ، وتباغته التقنياتُ الجديدةُ، التي تنهمر كالشلال من خلال وسائل الاتصال اليوم، فتكسر صمتَه وسكونَه، وتُحدِث لديه حالةً من التوتر، لذلك يحرص الإنسانُ على الاحتماء بتراثه، معتقداً أن كلَّ ما يحتاجه في حاضره ومستقبله يمدّه به ذلك التراثُ. وهذه الحاجة هي التي تفرض عليه ممانعةَ أية محاولة لمساءلة التراث، والخوفَ من توظيف الفلسفة والمناهج العلمية الحديثة في فهمه وتحليله ونقده، وتمكّنه من غربلته وعبوره.
  البحثُ الفلسفي في الدين، وتطبيقُ المناهج الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والسيكولوجية، وغيرها على الظواهر الدينية هو ما يكفل اكتشافَ أفقٍ للتفكير يمنح الحياةَ الدينية أجملَ معانيها، ويجعلها متناغمةً والإيقاع المعرفي والتقني للعصر، ويمكّنها من الاستجابة للمتطلبات الروحية والأخلاقية الراهنة، وإشباعِ حياةِ الإنسان بالمعنى الذي تحتاجه اليوم.

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
وهذا النوعُ من الدراسة لتعبيرات الدين في الحياة ضرورةٌ يفرضها انسدادُ آفاق التفكير الديني، وإنجازُ معرفةٍ فلسفية وعلمية بالدين، والكشفُ عن تمثلاته الإيجابية والسلبية في الحياة. ذلك أنّ تمثلاتِ الدين ظواهرُ بشرية تعكس كيفيةَ فهمه، وقراءةَ نصوصه وتحققَها في حياة الفرد والمجتمع. وهذا يعني أنّ هذه الظواهرَ مثلُها مثلُ أيةِ ظاهرةٍ بشرية يجب أن تُدرَس في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع، مثلما تُدرَس في ضوئها كلُّ ظاهرة فردية ومجتمعية.
في العقدَين الأخيرَين صدرتْ كتبٌ عديدةٌ تحمل عنوانَ فلسفة الدين، كان بعضُها معطياتٍ مشتتةً لا تحمل من فلسفة الدين إلا العنوان، وكأنّ التأليفَ في هذا الموضوع صار موضةَ هذه السنوات، بعد أن ظلت فلسفةُ الدين مجهولةً لدى دارسي الفلسفةِ والدينِ بالعربية زمناً طويلاً.  كنتُ ومازلتُ أهتمُّ برصدِ ومطالعةِ هذه الكتب، سواء كانت تأليفاً أو إعداداً وتحريراً، وقلّما قرأتُ كتاباً يتناول فلسفةَ الدين بشكلٍ منهجي منتظم، يرسم لمن يريد التخصصَ في هذا الحقل خريطةَ طريقٍ واضحة، ويزوّده بمدخلٍ علمي يوفر عليه الوقتَ والجهد، ويمكّنه من الدخول لفلسفة الدين من أبوابها، ولا يقوده إلى متاهاتٍ لا يدري فيها من أين يبدأ وإلى أين ينتهي.
أدركتُ قبل أكثر من ثلاثة عقود أنّ بناءَ وعيٍ فلسفي بالدين ضرورةٌ يفرضها تحريرُ التفكير الديني من المدارات المغلقة للتراث، وانفتاحُه على الهموم المعرفية لعالَم الإسلام اليوم، وهو ما دعاني للتفكير جدّياً بتأسيس دوريةٍ تتكفل ذلك، فأصدرتُ مجلةَ قضايا إسلامية معاصرة، وأسّستُ مركزَ دراسات فلسفة الدين بعد عودتي لبغداد، ومنذ تأسيسه حرص هذا المركزُ على بناءِ وعيٍ فلسفي بالدين، وتكثّفت جهودُه حول تأمين هذه الحاجة الملحة، وبادر لتخصيص أكثرِ أعداد مجلة قضايا إسلامية معاصرة للمباحث المحورية في فلسفة الدين، وبموازاتها أصدر المركزُ "موسوعةَ فلسفة الدين"، وهي موسوعةٌ اتسعتْ لاستيعاب إسهاماتِ فلاسفةِ دينٍ ومفكرين وباحثين خبراء في فلسفة الدين، تتعدّد مواطنُهم اللغوية وأديانُهم ومذاهبُهم، لكنهم يلتقون في فهمِ وتحليلِ المعتقداتِ الدينية في أفق فلسفي، ويفكّرون فيما هو مشترَكٌ في الأديان، وعابرٌ للحدود الاعتقادية والإثنية والتاريخية والجغرافية والرمزية.

اقرأ أيضاً: الفلسفة كوصفة طبية
وفي إطارِ محاولته لبناءِ وعيٍ فلسفي بالدين، تبنّى مركزُ دراسات فلسفة الدين ترجمةَ ونشرَ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين"، الذي أصدرته جامعة أكسفورد قبل ثلاثة عقود تقريباً، لكنه ظل مهملاً كلَّ هذه السنوات، ولم يتعرّف عليه أو يهتمّ به أحدٌ من الباحثين في فلسفة الدين في البلاد العربية، على الرغم من الأهمية الفائقة له، وتوفرِه على ميزات لا نراها مجتمعةً في كتابٍ واحدٍ من الأعمال الصادرة في فلسفة الدين.
وبحدود اطلاعي على ما كُتِب في فلسفة الدين، فإنّ هذا العملَ هو الكتابُ الأولُ بالعربية الذي يمكن اعتمادُه بوصفه دليلاً علمياً منهجياً في فلسفة الدين، فهو منجمٌ غنيٌ لفلسفةِ الدين والاتجاهاتِ المتنوعة في اللاهوت الغربي، ولم يغفل الإشارةَ إلى اللاهوتِ والعقلِ الفلسفي في الأديان المتنوعة.
تميّزَ هذا العملُ باستيعابه للكلّيات والموضوعات الأساسية في فلسفة الدين، وبحث كلاً منها بلغةٍ علميةٍ مقتصدة، لا ينهكها فائضٌ لفظي، ولا تضيع في استطراداتٍ مملة، وتتسع لاستيعاب آراء الفلاسفة واللاهوتيين الذين كان لهم إسهامٌ أساسي في فلسفةِ الدين، وصياغةِ موضوعاتها الكلية، وإثراءِ النقاش فيها.

اقرأ أيضاً: فلسفة رايش.. كيف ومتى تخدم الوطنية المفرطة الاستبداد؟
  لغةُ كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" منطقيةٌ واضحة، تتسم بالموضوعية والحياد وتهتمّ بالاستدلال، تعرض الآراءَ وتشرحها، وتستعرض الأدلةَ ولا تغفل نقدَها، ولا تنسى بيانَ ومناقشةَ مختلفِ المواقفَ حيالها. لغةٌ تتحدّث عن الدين بأسلوبٍ يظهر فيه للوهلة الأولى المؤلفون وكأنهم يدافعون عن الدين، أو كأنهم من أتباعه. وسيوفر علينا هذا الكتابُ كثيراً من الجهد والوقت الذي يهدره بعضُ معلّمي وتلامذةِ فلسفة الدين، إثر الضياعِ في فوضى كتاباتٍ تتكدّس فيها مفاهيمُ لا تنتظم بمشترَك يوحّدها، على الرغم من تصنيفها على أنها فلسفةُ دين.

تمثلاتِ الدين ظواهرُ بشرية تعكس كيفيةَ فهمه، وقراءةَ نصوصه وتحققَها في حياة الفرد والمجتمع ويجب دراستها في ضوء الفلسفة

صدرت الطبعةُ الأولى لكتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" سنة 1991، وتلقّاه دارسو فلسفة الدين والقراء باهتمامٍ كبير، وترسّخ حضورُه بموازاة تنامي الاهتمامِ بدراسةِ فلسفةِ الدين في العقود الثلاثة الأخيرة. لذلك تكرّرت طبعاتُه عدّةَ مرات، وواظب مؤلفوه على مراجعته وإثرائه في طبعاته التالية، والطبعةُ التي اعتمدناها في ترجمته العربية هي الطبعةُ الخامسة والأخيرة.
اعتمد مؤلفو هذا الكتاب طريقةً مدرسيةً في تدوينه، فشفعوا نهايةَ كلِّ موضوعٍ بأسئلة تختصر المباحثَ المحوريةَ الواردةَ فيه، كي تثري النقاشَ عند دراستها. وبغيةَ توسيعِ آفاقِ التعليمِ والفهم للدارس أردفوها بلائحةِ مراجعَ تحيل إلى أهم الكتابات في الموضوع، ورتبوا الموضوعات بصيغة تسمح للمعلّم والتلميذ تناولَ كلٍّ منها بشكل يتيح له الإفادةَ من دون أن يتقيّد بترتيبها في الكتاب، على الرغم من النسق المنطقي الذي انتظم تسلسلُها فيه.
  تأخرت المترجمةُ زهراء طاهر عدةَ سنوات في كتاب "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين" حتى فرغت من إنجاز الترجمة، لحرصها الشديد على نقل موضوعاتِ الكتاب للعربية بإتقانٍ ووضوح، ودقةٍ لا تخون فيها الكلمةُ العربيةُ المعنى الأقربَ لدلالة الكلمة الإنجليزية. كانت تقرأ بإمعان، وتتحقّق، وتفكر طويلاً قبل أن تترجم، شغلَها انتقاءُ مصطلحاتٍ مازالت لم تستقر في معجم علوم الأديان بالعربية. كانت تبعث لي الفصلَ الذي تفرغ منه، بعد أن تكرّرَ تدقيقَه، فأعمل على مراجعته وتحريره، ليعود إليها مرةً أخرى، وكنا نناقش معا كيفيةَ تكييفِ بعضِ المصطلحات واستعمالِها في النص العربي.
* تقديم كتاب: "العقل والمعتقد الديني: مدخل إلى فلسفة الدين". يصدر الكتاب قريباً عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، توزيع: دار الرافدين.

للمشاركة:



الإمارات تواصل دعم اليمنيين.. آخر قافلة مساعدات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

سيّرت دولة الإمارات، ممثلة في ذراعها الإنساني "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي"، أمس، قافلة إغاثية تستهدف ذوي الدخل المحدود في منطقة الغيل بمديرية الروضة، في محافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة، لمساعدة اليمنيين والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

ووزع فريق الهيئة، ضمن هذه الجولة من المساعدات؛ (200) سلة غذائية متنوعة تزن 16طناً، استهدفت الأسر المعوزة والمحتاجة وذوي الدخل المحدود في منطقة الغيل، واستفاد منها 1100 فرد، وذلك للحدّ من مستوى العوز الغذائي وتوفير العيش الكريم للأهالي، وفق ما أوردت وكالة "وام".

هيئة الهلال الأحمر الإماراتي تسير قافلة إغاثية تستهدف ذوي الدخل المحدود في شبوة

من جانبهم، عبّر المستفيدون عن شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات، قيادة وشعباً، على هذا العون الكبير واللفتة الإنسانية التي ستساهم في التخفيف من معاناة الكثير من الأسر، وسط هذه الظروف المعيشية الصعبة؛ نظراً لتردّي الأوضاع الاقتصادية وانعدام فرص العمل، بالتالي؛ مصادر الدخل لدى عدد كبير من أرباب الأسر في عموم المحافظة.

جدير بالذكر؛ أنّ هيئة الهلال الأحمر الإماراتي وزّعت، منذ بداية عام 2019، (33.374) سلة غذائية، بمعدل (1917) طناً، استفاد منها (159.050) فرداً من الأسر المحتاجة والمتضررة في محافظة شبوة.

وبلغ حجم المساعدات الإماراتية المقدمة للشعب اليمني الشقيق، منذ نيسان (أبريل) 2015 إلى حزيران (يونيو) 2019، نحو 5.59 مليارات دولار، موزّعة على العديد من القطاعات الخدمية والإنسانية والصحية والتعليمية والإنشائية، استفاد منها 17.2 مليون يمني، يتوزعون على 12 محافظة.

وخصّصت 66% من تلك المساعدات للمشاريع التنموية، و34% للمساعدات الإنسانية، وكان من بين المستفيدين 11.2 مليون طفل، و3.3 ملايين امرأة.

 

 

 

للمشاركة:

بوساطة قطرية.. طالبان تستعيد 3 من قادتها المتشدّدين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

تقود دولة قطر عملية تبادل أسرى بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان المتشددة، يتم وفقها الإفراج عن ثلاث قادة متشدّدين من الحركة، مقابل أستاذَين جامعيَّين.

وقالت مصادر من حركة طالبان الأفغانية، اليوم: إنّ ثلاثة قياديين وصلوا قطر في إطار عملية مبادلة مع رهينتين، أمريكي وأسترالي، تحتجزهما طالبان، وفق وكالة "رويترز".

حركة طالبان الأفغانية تقول إنّ ثلاثة قياديين وصلوا قطر في إطار عملية مبادلة لرهينتَين أمريكي وأسترالي

وقالت المصادر: إنّ "الحركة ستطلق، الثلاثاء، سراح الرهينتَين؛ الأمريكي كيفن كينغ، والأسترالي تيموثي ويكس".

بدوره، قال زعيم بارز بالحركة في أفغانستان، طلب عدم الكشف عن هويته: "سجناؤنا الثلاثة أُطلق سراحهم مساء أمس".

وتابع قائلاً: "بعد فترة وجيزة من إطلاق سراحهم تمّ نقلهم جواً إلى الدوحة، وتسليمهم إلى المكتب السياسي في قطر".

وكان قد صرح الرئيس الأفغاني، أشرف غني، يوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري؛ بأنّ "الحكومة ستطلق سراح أنس حقاني، القيادي البارز بحركة حقاني، المسؤولة عن أسوأ أعمال العنف في الأعوام الأخيرة، واثنين من قادة طالبان"، لكنّ المبادلة أرجئت فجأة، ونقلت طالبان رهائنها إلى مكان جديد عندما لم يصل قادتها إلى قطر.

وأنس حقاني؛ هو الشقيق الأصغر لسراج الدين حقاني، نائب زعيم طالبان، حسبما أفادت وكالة "أسوشيتد برس".

أنس حقاني

 

للمشاركة:

المتظاهرون اللبنانيون يفشِلون انعقاد جلسة للبرلمان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

أرجأ البرلمان اللبناني، اليوم، جلسة تشريعية، بسبب تظاهرة نظمت أمام مبنى البرلمان تخللها إطلاق نار.

ورغم تواجد عدد ضخم من عناصر القوى الأمنية التي استنفرت وحداتها، وأقفلت كلّ الطرق المؤدية إلى البرلمان، إلا أنّ المئات من المتظاهرين وسط بيروت، نجحوا في الوصول إلى مبنى مجلس النواب، وفق ما أوردت "الحرة".

البرلمان اللبناني يرجئ جلسة تشريعية؛ بسبب تظاهرة نظمت أمام مبنى البرلمان تخللها إطلاق نار

واشتبكت قوات الأمن قرب البرلمان مع مجموعة من المحتجين، كانوا يحاولون إزالة حاجز من الأسلاك الشائكة، ومنع النواب والوزراء من الوصول إلى البرلمان لإفشال عقد الجلسة التي سيناقش فيها مشروع قانون العفو العام.

ووقعت حالات تدافع بعد محاولة شبان غاضبين إزالة شريط شائك وعوائق حديدية وضعتها قوات الأمن لمنع تقدّمهم.

واخترق موكب وزير المال، علي حسن خليل، جموع المحتجين محاولاً الوصول إلى البرلمان، لكنّه اصطدم بالمتظاهرين الغاضبين الذين اعترضوا فأطلق مرافقو الوزير النار في الهواء.

وحمل المتظاهرون الأعلام اللبنانية ورددوا هتافات عدة، بينها: "ثورة ثورة"، و"يا عسكر، عسكر على مين؟ عسكر على الشعب المسكين".

وكانت قد عمدت القوى الأمنية والعسكرية باكراً إلى إقفال كلّ المداخل المؤدية إلى ساحة النجمة؛ حيث مقرّ البرلمان، ونفّذت وحدات مكافحة الشغب وعناصر من الجيش انتشاراً غير مسبوق غداة دعوة المتظاهرين إلى قطع الطرق لمنع النواب من الوصول إلى الجلسة.

وزير المال علي حسن خليل يحترق بموكبه جموع المحتجين ومرافقو يطلقون النار في الهواء

ونقلت وكالة "فرانس برس" عن عدد من المتظاهرين؛ أنّهم يمنعون النواب من الدخول إلى البرلمان، مضيفين بانفعال "لا نريد العفو العام"، نريد تحقيق مطالبنا، وأن يشكّلوا حكومة بالدرجة الأولى.

وجاءت الدعوة لاجتماع البرلمان، الثلاثاء، بعد تأجيل لأسبوع تحت ضغط الشارع، ويفترض أن ينتخَب النواب في مرحلة أولى أعضاء هيئة المجلس واللجان النيابية قبل أن تتحول الجلسة إلى تشريعية وعلى جدول أعمالها مشاريع قوانين مثيرة للجدل، بينها قانون عفو عام يستفيد منه آلاف الموقوفين والمطلوبين بجرائم عدة.

 وكان نواب مستقلون وكتلتا القوات والكتائب قد أعلنوا؛ أنّهم لن يشاركوا في الجلسة، وقال نواب من كتلتي المستقبل، برئاسة الحريري والحزب التقدمي الاشتراكي، أنّهم لن يشاركوا في الجلسة، وأعلن أيضاً نواب اللقاء الديموقراطي أنّهم لن يحضروا الجلسة.

ووصل أحد النواب الموالين لحزب الله إلى المجلس على متن دراجة نارية، بعد أن اعترض المتظاهرون سيارته؛ حيث ترجّل منها وركب الدراجة النارية مواصلاً طريقه.

إلى ذلك، أفاد وزير المال في حكومة تصريف الأعمال، علي حسن خليل؛ بأنّ "المسؤولية علينا تقتضي أن تنعقد جلسة المجلس النيابي، والنقطة المركزية التي تهمّنا عمل اللجان كي تبدأ عمليات التشريع، وإذا تأمّن النصاب، سيعقد رئيس مجلس النواب، نبيه بري، الجلسة".

ورأى خليل؛ أنّه "من غير المقبول الاشتباكات، ومن حقّ المواطنين التظاهر، ومن حقّ النواب الوصول إلى مجلس النواب"، موضحاً أنّ "لبنان يمرّ في ظرف استثنائي، وهذا لا يعني أنّ النواب لا يمثلون شرعية ناس، وهناك مئات الآلاف انتخبوا النواب".

وكانت قد نقلت صحيفة "الجمهورية" عن رئيس مجلس النواب، نبيه بري، تأكيده أنّ "أولى خطوات تجاوز المأزق الاقتصادي والمالي تكون عبر المسارعة إلى تشكيل حكومة إنقاذ مطعمة من اختصاصيين، وعدد محدود من سياسيين، تأخذ على عاتقها تنفيذ أجندة عمل إصلاحية فورية، وتلبّي مطالب الحراك الشعبي، وهي مطالب جميع اللبنانيين ونتبناها بكاملها".

المتظاهرون: لا نريد العفو العام، نريد تحقيق مطالبنا المتعلقة برحيل الطبقة السياسية وتشكيل حكومة

وشدّد على أنّ "الهمّ الأساس بالنسبة إليه هو عقد الجلسة الانتخابية لانتخاب اللجان وإحالة مشروع الموازنة إلى لجنة المال لدرسه، وأما فيما يخصّ الجلسة التشريعية؛ فهي في موعدها".

وفي ردّه على سؤال؛ ما إذا كانت الحكومة ستغيب عن الجلسة، أكّد بري أنّه "يكفي أن يحضر وزير واحد، لنشرع، علماً بأنّ كثيراً من المجالس النيابية في العالم تشرع في غياب الحكومة".

وعن الجلسة في حال غابت عنها مكونات مسيحية أو سنّية، أوضح أنّ "نصاب انعقاد الجلسة هو 65 نائباً، ويكفي لعقدها أن يكون من بين هؤلاء نواب من كلّ الطوائف".

وأعادت المصارف اللبنانية فتح أبوابها اليوم بعد إقفال قسري، خلال الأسبوعين الأولين، من الاحتجاجات، ثمّ إضراب لموظفيها لمدة أسبوع.

ويشهد لبنان، منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر)، تظاهرات غير مسبوقة بدأت على خلفية مطالب معيشية، ويبدو الحراك عابراً للطوائف والمناطق، ويتمسك بمطلب رحيل الطبقة السياسية بلا استثناء.

وزاد من غضب الناس لدى نزولهم إلى الشارع نقص السيولة في المصارف وارتفاع سعر الدولار الذي صار نادراً، بسبب وجود تسعيرتَين له، الأولى من مصرف لبنان، وهي 1507 ليرات لبنانية، والثانية في سوق موازية يرتفع فيها أحياناً إلى حدود الألفي ليرة.

 

 

للمشاركة:



كيف اندثرت دولة التلاوة القرآنية في مصر؟

2019-11-19

اختفت في مصر الكتاتيب، التي كانت مصنعاً تخرّج فيه قرّاء عظام، مثل: الشيخ مصطفى إسماعيل، وعبد الفتاح الشعشاعي، ومحمد صديق المنشاوي، وغيرهم، ولم يتبقَّ من أثرها سوى الموجود بمدينة الأقصر، ومحافظة المنيا وأسوان، وباقي المدن الجنوبية المصرية، وهو ما أدّى إلى بروز أشكال أخرى، منها مقارئ المساجد، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم، ومعاهد القراءات، التي ورغم نفقاتها الباهظة إلا أنها لم تحلّ محلّ دكاكين وغرف المشايخ حتى الآن.

الكتاتيب تاريخ طويل
نشأت الكتاتيب، وفق ويكيبيديا، منذ العصر الأموي، وانتشرت في القرن التاسع عشر والعشرين، انتشاراً واسعاً، وكانت تقام في مبانٍ متصلة بالمساجد، أو مبانٍ مستقلة، أو في بيوت معلمي الكتاتيب أنفسهم أو مشايخها؛ حيث كان المعلم يجلس على كرسي أو مصطبة مرتفعة عن الأرض، أما التلاميذ فكانوا يجلسون أمامه على الأرض المفروشة بالحصير، وهذا ما ساد في القرى المصرية بالأخص.

اختفت وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بالكتاتيب منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها

أما العاصمة القاهرة؛ فانتشرت فيها بشكلٍ أكبر الكتاتيب التي تعلو السُبل، مثل: سبيل وكُتَّاب "عبد الرحمن كتخدا"، الذي بُني عام 1744، في شارع المعز لدين الله الفاطمي، لمصمّمه الأمير عبد الرحمن كتخدا، عبقري الهندسة المعمارية في عصره، وهو عبارة عن سبيل يشرب منه المارة، يعلوه كُتَّاب يتلقى فيه الطلاب العلم. وسبيل وكُتَّاب "نفيسة البيضاء" القائم بمنطقة السُكَّرية العتيقة بالقاهرة، ويرجع تاريخه إلى عام 1796، وصاحبته هي السيدة نفيسة البيضاء التي عُدَّت واحدة من أغنى نساء عصرها، كما عُرِفت بعلمها وثقافتها وحبّها لعمل الخير.
صوَّرت رواية الأديب طه حسين "الأيام" ما يدور داخلها، وكيف أنّها لا تمنح شهادات أو مؤهّلات، إلا أنّها وضعت في الأطفال المصريين بذور المعرفة الصحيحة باللغة العربية وقواعدها، لكن في ذات الوقت كانت مثار تسلط المشايخ الأزهريين، الذين كان بعضهم لا يفقهون الأصول والقواعد التربوية الحديثة في تعليم النشء.

في تصريح صحفي نشرته "فيتو"، قال الدكتور أحمد المعصراوي، شيخ مشايخ قرّاء مصر السابق: إنّ "دور الكتاتيب تراجع كثيراً في الأعوام الأخيرة؛ بسبب تقصير الأزهر ووزارة الأوقاف المصرية في الاهتمام بها، رغم أنّها دائماً مصنع العظماء من رجال الدين والأدب والشعر وكبار المفكرين والعلماء، لذا اعتمد محمد علي باشا، والي مصر، على خريجي الكتاتيب في تأسيس المعاهد الأزهرية، وحقّق من خلالهم نهضة تعليمية شاملة، ومن أبرز خريجي الكتاتيب المصرية؛ المفكّر والمترجم رفاعة الطهطاوي".

 الدكتور أحمد المعصراوي
وقال الشيخ عبد الله عبد الواحد، محفِّظ قرآن: "رغم اندثار الكتاتيب إلا أنّه حلّ محلّها المقرِئة، ويطلق عليه أيضاً الكتَّاب، لكن ليست كالكتاتيب المتعارف عليها قديماً؛ حيث اختفت بعض وسائل التعليم التي كانت مرتبطة بها منذ عشرات الأعوام، مثل الأحبار، والألواح المعدنية التي كان يكتب عليها، وكذلك الفلكة، وهي إحدى أدوات العقاب، والتي كانت تمثل رعباً وعقاباً شديداً للمتخاذلين في حفظ القرآن"، لافتاً إلى بروز "ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية، التي تقوم عليها الفتيات والسيدات، اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهن".

أسباب الغياب
يرى الباحث التراثي، هيثم أبو زيد، في تصريح لـ"حفريات"؛ أنّ "دولة التلاوة القرآنية في مصر انتهت تماماً، والأسباب كثيرة، وأهمّها غياب الكتاتيب، التي كانت تنتج لنا المئات من القرّاء المتميزين، والذين كانوا يمرون بمراحل كثيرة تدقّق فيهم جيداً، ومنها الإذاعة التي لم يدخلها أحد بسهولة، ضارباً المثل بالطبلاوي، الذي لم يصبح مقرئاً رسمياً إلا بعد عدة مرات رسب فيها، وكذلك الشيخ المنشاوي، وأيضاً نصر الدين طوبار والنقشبندي، اللذَين تمّ رفضهما والسماح لهما فقط بالتواشيح".

برزت ظاهرة المقرئة والكتاتيب النسائية التي تقوم عليها الفتيات والسيدات اللاتي يقمن بتحفيظ السيدات وأقاربهنّ

وفي سؤال حول معاهد القراءات التي أصبحت بديلاً للكتاتيب، أوضح أبو زيد؛ أنّ "تلك المعاهد لا علاقة لها بالقرّاء وإنتاجهم، فهي تخرّج مدرسين محترفين في علوم القرآن والقراءات العشر، لكنّ مشايخ القرآن يعتمدون بشكل ذاتي على مواهبهم الخاصة، التي ينمونها بالدراسة، مثلهم مثل الفنانين، وفي هذا التوقيت قلّت تلك المواهب بسبب حالة التجريف الثقافي التي يمرّ بها المجتمع جملة"، مضيفاً: "لا يجوز لأحد أن يطلق على نفسه لقب قارئ إلا إذا كان حافظاً للقرآن الكريم والمقامات الموسيقية، والأحكام والمتون الخاصة به، وأن يكون موهوباً من الناحية الصوتية، أما الآن فمعظم القراء يحفظون بعضاً من أرباع السور، ولا يتمكنون من أداء المقامات الموسيقية".

وفي سياق متصل، يقر الباحث سامح عسكر، لـ"حفريات" باندثار "جيل القرّاء العظيم صاحب الأسبقية، وبموت أكثرهم وفراغ الساحة أمام مقرئي الخليج (اختلف الذوق) المصري، والعربي بالخصوص، ليعلو سهم آخرين، أما مقرئو مصر فتفرغوا للتجارة بحفلات القراءة شرقاً وغرباً مع التركيز على النغمات والألحان دون الاهتمام باللغة وأحكام التلاوة، فجرت العادة على أنّ القراءة فقط لحلاوة الصوت، لا بأحكام قراءة الآيات، طرباً ولغة ومعنى وشعوراً، كما كان في بدايات الإذاعة".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ محمد رفعت: قيثارة السماء
وفي تصريح لصحيفة "اليوم السابع" المصرية، لفت الشيخ محمد صالح حشاد، شيخ عموم المقارئ المصرية، إلى تراجع الريادة في التلاوة لضعف وتراجع الكتاتيب وقلّة عددها، وتكريم حفظة القرآن الكريم على الحفظ، وليس على الحفظ وجمال الصوت، وغياب التشجيع الحقيقي منذ فترة طويلة، مشيراً إلى أنّ وزارة الأوقاف المصرية ستهتم بإعادة التوسع في انتشار كتاتيب القرآن الكريم، وأنّ "هذا الأمر سينعكس بشكل كبير وإيجابي على عودة الريادة القرآنية التي كانت تتمتع بها مصر".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
أرجع الشيخ محمود الطبلاوي، خلال لقاء على فضائية "إكسترا نيوز" السبب؛ إلى أنّ "معاش قارئ القرآن الكريم 40 جنيهاً فقط، وهذا ما دفعهم للمغالاة في أجور المآتم والحفلات"، مشيراً إلى أنّ "الاختبارات الحالية أصبحت أكثر مرونة من الماضي، وهو سبب كبير لتراجع الأداء".
ويرى الكاتب أحمد الشوربجي؛ أنّ "جماعة الإخوان عملت على إنشاء منظومة تربويّة إخوانيّة خاصّة، تشمل الكتاتيب والمدارس القرآنيّة، وهو ما دفع الحكومة لإغلاق ومراقبة العديد منها، بالتالي؛ وقع التأثير الكبير في غياب هذه الوسيلة الكبيرة التي كانت عموداً كبيراً في دولة التلاوة القرآنية".

أما الباحث هيثم أبو زيد، فقد أشار إلى أنّ إيران أيضاً اخترقت دولة التلاوة المصرية، عبر استقطاب قرّاء كثيرين إلى إيران والضاحية الجنوبية في لبنان، وكانت تعطيهم مبالغ باهظة، وصلت في بعض الأحيان إلى 90 ألف دولار نظير القراءة طوال شهر رمضان في طهران، وهذا ما استتبع انتباه الدولة المصرية إلى هذا الاختراق؛ ففي 2014 تمّ التحقيق مع كلٍّ من: الشيخ الدكتور أحمد نعينع، والشيخ طه محمد النعماني، والشيخ محمد عبد الوهاب الطنطاوي، والشيخ ياسر عبد الباسط عبد الصمد، بسبب سفرهم لإيران والعراق ورفعهم الأذان الشيعي، دون إذن مسبق من الوزارة، وبالتالي أثّر ذلك كلّه في دولة التلاوة القرآنية.

اقرأ أيضاً: رحلة المنع والحصار لقارئات القرآن الكريم في مصر
في إحصائية قدمتها صحيفة "الوطن" المصرية؛ بلغ عدد (الكتاتيب) ما يزيد على 2500، إضافة إلى 863 مدرسة قرآنية، تضمّ كلّ مدرسة ثلاثة محفّظين بالمساجد الكبرى، و174 مدرسة علمية على مستوى الجمهورية المصرية، تخضع لوزارة الأوقاف، التي تعمل على تقنين أوضاع المكاتب الحالية وخلق جيل جديد تغرس فيه الأخلاق الإسلامية، وروح الانتماء للدين والوطن من خلال مكاتب التحفيظ العصرية والمدارس القرآنية التي تمثل المنهج الوسطي، وهذا من أجل محاولة إيجاد حلّ لمشكلة التلاوة القرآنية، وغياب الريادة المصرية الآن عن قيادتها.

للمشاركة:

سلطان بن زايد حامي التراث

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

المغفور له الشيخ سلطان بن زايد بن سلطان آل نهيان من مواليد أبوظبي في الأول من ديسمبر عام 1956م، وهو الابن الثاني للمؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيَّب الله ثراه»، تلقى تعليمه الأولي في العين وأبوظبي، وواصل دراسته في بيروت، وتخرج عام 1973م، من كلية ساند هيرست العسكرية البريطانية، والتحق بدورات عسكرية خارجية في كل من باكستان ومصر.
يعد أحد رجالات الدولة الأوفياء ورمزاً من رموزها الوطنية.. عمل مع المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، على وضع لبنات مؤسسات الاتحاد وخدمة شعبه.

مناصب شغلها الفقيد:
* ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة.
* نائب رئيس مجلس الوزراء في حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
* رئيس دائرة الأشغال في حكومة أبوظبي.
* قائد عام القوات المسلحة.
* نائب قائد قوات دفاع أبوظبي وقائد للمنطقة العسكرية الغربية.
* رئيس نادي تراث الإمارات، حيث تابعه منذ إنشائه، واهتم به اهتماماً خاصاً، إذ كان من أشد المهتمين بالحفاظ على تراث الإمارات وعادات وتقاليد شعبه، وحمل لقب رجل التراث في العالم العربي.
* رئيس مركز سلطان بن زايد.
* رئيس اتحاد الإمارات لكرة القدم من عام 1976 إلى غاية 1981م.
* شغل العديد من المناصب الأخرى، منها عضويته في المجلس الأعلى للبترول ومجلس إدارة جهاز أبوظبي للاستثمار، ومجالس العديد من الدوائر.
امتدت هوايات فقيد الوطن إلى رياضة الصيد بالصقور، وأولى الفروسية أهمية بالغة، حيث أقام قرية وأكاديمية للفروسية على أسس مدروسة، كما له مكتبة خاصة عامرة بأمهات الكتب ونصوص التراث.

توظيف التراث لتعليم الأجيال
كان فقيد الوطن الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان يمتلك رؤية متقدمة لتوظيف التراث لتعليم الأجيال، وجعل من نادي تراث الإمارات الذي كان يرأسه منصة لخدمة هذا الهدف السامي.
وبدعم واهتمام الفقيد حصل النادي على جائزة مؤسسة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عن فئة المؤسسات الداعمة للتعليم بمبادرة «تراثنا.. هويتنا» لطلبة المؤسسات التعليمية، في الدورة الحادية والعشرين للجائزة.
وقد حرص في تلك المناسبة على إهداء الفوز بالجائزة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لجهوده في تطوير التعليم بكافة مجالاته وتخصصاته، وتشجيع سموه ودعمه السامي لنادي تراث الإمارات في أنشطته لصون التراث الثقافي الوطني ونقله إلى الأجيال المقبلة، وذلك ضمن رؤية سموه لتعزيز المحافظة على موروث الشعب وهويته وشخصيته الوطنية.
وأكد أن التعليم أساس تطور الأمة ونموها وحضارتها، قائلا « إن المفردات التراثية تشكل مصدراً مهماً وملهماً للتعليم وتعزيز وحفظ هوية ومكتسبات الوطن ومنجزاته واستشراف المستقبل.
كما أكد أن فوز نادي تراث الإمارات بهذه الجائزة التعليمية جاء تقديراً لجهود النادي ومراكزه ومرافقه المتعددة وعمله المتواصل على نشر وتعليم وتوثيق الحركة التراثية والثقافية بالدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"قمة سرية" بين الإخوان والحرس الإيراني برعاية تركية لاستهداف السعودية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-19

لا يمثل النفوذ الإيراني في العراق سوى واجهة خفيفة لإمبراطورية أعمق وأكثر تأثيرا في المنطقة، ووظفت أوراقا مختلفة بينها جماعة الإخوان المسلمين لاستهداف أكثر من جهة بينها السعودية.

وكشفت وثائق مسربة عن أنشطة الاستخبارات الإيرانية عن “قمة سرية” عقدت في أحد فنادق تركيا وجمعت مسؤولين في فيلق القدس مع قيادات إخوانية، بعد أشهر من الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، وكان الهدف هو السعودية.

وأكد وفد الإخوان، وفق الوثائق التي نشرتها صحيفة “نيويورك تايمز” وموقع “ذي إنترسبت” الإلكتروني، الاثنين، أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، وأن العدو المشترك لكل منهما هو كراهيتهما للمملكة العربية السعودية”.

ورغم الخلافات بشأن الملف السوري، فقد بحث الطرفان إمكانية التعاون ما بين الحوثيين والإخوان في اليمن (حزب الإصلاح) لتقليل الصراع بينهما وإدارته لاستهداف السعودية.

وأظهرت الوثائق أن وفد الإخوان سعى في بداية الاجتماع، لأن تكون له “اليد الطولى” بأنه ذكر فيلق القدس، بأنه يمتلك نفوذا وحضورا في 85 دولة حول العالم.

وتحدث الوفد الإخواني في البداية أيضا، حول وجود خلافات واضحة بين الجماعة وإيران، التي وصفها بأنها ممثل للشيعة في العالم الإسلامي، فيما وصف الإخوان أنفسهم بأنهم “ممثل السنة في العالم الإسلامي”.

وأشار وفد الإخوان، وفقا للوثائق إلى أنه “ينبغي التركيز على أرضية مشتركة للتعاون، ونعتقد أن العدو المشترك لكل منا هو المملكة العربية السعودية”.

وأظهرت الوثائق أن قائد فيلق القدس بالحرس الثوري قاسم سليماني هو الحاكم الفعلي للعراق، وأن أنشطته امتدت إلى ما هو أبعد من خلال شبكات علاقات نجحت في استخدام الإخوان المسلمين الهاربين إلى تركيا في العمل ضد السعودية.

وكشفت التقارير الاستخباراتية الإيرانية المسرّبة “صورة مفصلة عن مدى القوة التي عملت فيها طهران لترسيخ نفسها في الشؤون العراقية، والدور الفريد للجنرال قاسم سليماني”.

ويعتبر سليماني رجل طهران الأساسي في العراق. ودأب على زيارة بغداد خلال الانتفاضة الشعبية ضد النفوذ الإيراني، حيث ترأس اجتماعات في بغداد والنجف خلال الأسابيع الأخيرة، لإقناع الأحزاب السياسية برص الصفوف حول رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي.

وفي إحدى الوثائق المسربة، يوصف عبدالمهدي بأنه كانت له “علاقة خاصة” بطهران حين كان وزيرا للنفط في العراق في العام 2014، وهذا ما يفسر صعود اسمه في 2018 لرئاسة الوزراء وتمسك إيران بعدم التضحية به، رغم الإشاعات المضللة التي رافقته والتي تشير إلى أنه ورقة أميركية لا تعارضها إيران.

وقالت الصحيفة والموقع الأميركيان إنهما تحققا مما يقارب 700 صفحة من تقارير كتبت في عامي 2014 و2015 من قبل وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، وأرسلت إلى “ذي إنترسبت” من قبل شخص رفض الكشف عن نفسه.

وقال المصدر المجهول، الذي رفض اللقاء بالصحافي شخصيا، إنه يريد أن “يرى العالم ما تفعله إيران في بلدي العراق”.

ويكشف التسريب غير المسبوق عن تأثير طهران الهائل في العراق، والذي يعرض سنوات من العمل الشاق الذي قام به الجواسيس الإيرانيون لاختيار قادة البلاد، ودفع رواتب الوكلاء العراقيين الذين يعملون من أجل الأميركيين لتبديل مواقفهم والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

وتصف العديد من الوثائق الحياة الحقيقية التي كان يعيشها الجواسيس، حيث يتم ترتيب الاجتماعات في الأزقة المظلمة وفي مراكز التسوق أو تحت غطاء رحلة صيد أو حفلة عيد ميلاد. كما يسلك المخبرون طرقا متعرجة عند الذهاب إلى الاجتماعات للتهرب من المراقبة. ويتربصون في مطار بغداد ويلتقطون صورا للجنود الأميركيين ويراقبون الرحلات الجوية العسكرية للتحالف.

ويتلقى العملاء هدايا من الفستق والكولونيا والزعفران. كما يقدمون رشاوى للمسؤولين العراقيين، إذا لزم الأمر.

وذكرت الوثائق أيضا أن رؤساء الوزراء السابقين نوري المالكي وحيدر العبادي وإبراهيم الجعفري، ووزير الداخلية السابق، بيان جبر، ورئيس البرلمان السابق سليم الجبوري، هم سياسيون لهم صلات وثيقة بإيران.

ووفقا لصحيفة “نيويورك تايمز” تمكنت طهران من حصد المزيد من المكاسب والنفوذ بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق في العام 2011، والتي قالت إنها تركت المخبرين العراقيين لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “عاطلين ومعدمين”، ما سهل استقطابهم.

وقال التقرير إن هؤلاء لجأوا بعد ذلك إلى إيران، وقدموا معلومات عن عمليات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي. آي. إي) في العراق، مقابل أموال.

وفي أحد الأمثلة، تشير الصحيفة إلى أن ضابطا في الاستخبارات العسكرية العراقية سافر من بغداد إلى مدينة كربلاء المقدسة لدى الشيعة، للقاء مسؤول في المخابرات الإيرانية.

وخلال الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات، قال المسؤول العراقي إن رئيسه، الفريق حاتم المكصوصي، أخبره أن ينقل رسالة إلى إيران مفادها أن “جميع استخبارات الجيش العراقي، اعتبرها تحت أمرك”.

وعرض المكصوصي تزويد إيران بمعلومات حول نظام سري أنشأته الولايات المتحدة للتنصت على الهواتف العراقية، يديره مكتب رئيس الوزراء والاستخبارات العسكرية.

وسمح ذلك لإيران بتوسيع نفوذها من خلال علاقاتها الوثيقة مع جيل جديد من السياسيين الذين أصبحوا قادة للعراق، وساعدها في تشكيل ميليشيا الحشد الشعبي التي تضم فصائل شيعية موالية لها.

وجعلها ذلك أيضا شريكا تجاريا رئيسا للعراق الذي يستورد منها الكهرباء والغاز الطبيعي لدعم منشآت الطاقة المدمرة، في بلد أصبح ثاني أكبر مستورد للمنتجات الإيرانية بينها السيارات والسجاد والمواد الغذائية، حتى أن وزيرا للنقل رفض طلبا من الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما وقف الرحلات الجوية من إيران، والتي كانت تمرر من خلالها المساعدات العسكرية للنظام السوري.

واستخدمت إيران العمل الاستخباراتي للمحافظة على دورها في العراق، بحسب ما ذكرت الصحيفة والموقع الأميركيان، لتحقيق أهداف استراتيجية تتمثل بـ”منع انهيار العراق ومنع استقلال إقليم كردستان” الشمالي.

وأشارت الوثائق إلى أن “التركيز الأكبر” كان باتجاه “المحافظة على العراق كدولة تابعة لإيران، والتأكيد على بقاء الفصائل السياسية الموالية لطهران في السلطة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية