مراسيم العفو في سوريا: تلميع فاشل لصورة النظام

مراسيم العفو في سوريا: تلميع فاشل لصورة النظام

مشاهدة

16/05/2022

في مشهد، صعب ومؤثّر، لا تحتاج تفاصيله إلى توصيف أو تأويل، اصطفت في عشوائية مجموعات هائلة من ذوي المعتقلين والمخفيين قسراً داخل مراكز وسجون النظام السوري، عند منطقة "جسر الرئيس" بالعاصمة السورية دمشق، في انتظار الحافلات التي تحمل المعتقلين القادمين من سجن صيدنايا، سيّئ السمعة، وذلك بعد إعلان "عفو عام" شمل أحكاماً قضائية صدرت بناء على قانون "مكافحة الإرهاب" لعام 2012.

تلميع النظام

وبينما حاول نظام "الأسد"، من خلال العفو الرئاسي الأخير، توظيف تلك الخطوة لحساباته السياسية الدعائية لدى الرأي العام الدولي، خاصة بعد انتشار التسريب المصوّر لـمجزرة "حي التضامن" المتورّط فيها أحد عناصره الأمنية؛ فإنّ الظهور المباغت لمراهقين ضمن المفرج عنهم، فضح حيل النظام السوري، وأربك خططهم أمام الانتهاكات الحقوقية التي تطاول كلّ الفئات العمرية، الأمر الذي جعل إذاعة "شام إف إم"، المقرَّبة من النظام، تحذف المقاطع التي قام مراسلها بتسجيلها وبثّها أثناء تغطيته للحدث.

ووفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإنّه قد تم الإفراج عن أكثر من 250 معتقلاً، بموجب مرسوم العفو، كما خرج بعضهم من سجن صيدنايا، سيئ السمعة، موضحاً أنّ "قسماً كبيراً" من الذين جرى الإفراج عنهم "خرجوا فاقدين لذاكرتهم".

ولفت المرصد الحقوقي إلى أنّ خطوة "العفو العام" تعد "محاولة من نظام بشار الأسد، بغية تلميع صورته عبر إصدار قانون العفو (...) ومحاولته التهرب من الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها في سجونه منذ عام 2011، خاصة أمام توالي التقارير الدولية وضغط المنظمات الإنسانية والحقوقية بخصوص ملف التعذيب والتجاوزات الخطيرة لحقوق الإنسان في السجون والمعتقلات".

مرصد حقوقي: خطوة "العفو العام" محاولة من نظام بشار الأسد، بغية تلميع صورته ومحاولته التهرب من الانتهاكات الخطيرة التي ارتكبها في سجونه منذ عام 2011

وتابع: "قُتل أكثر من 105 آلاف معتقل تحت التعذيب داخل سجون نظام بشار الأسد منذ انطلاقة الثورة السورية في العام 2011".

وأصدرت "مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا"، ومقرّها لندن، بياناً طالبت فيه بالإفراج عن المعتقلين الفلسطينيين، والذين تعرضوا للاحتجاز بشكل "عشوائي"، بينما لا توجد معلومات واضحة بشأنهم أو قوائم بأسمائهم. ووثقت المؤسسة الحقوقية إطلاق سراح نحو "أربع لاجئات فلسطينيات، فقط، منذ بدء سريان العفو".

محاكمة مجرمي الحرب

وتشير مجموعة العمل إلى أنّ السلطات السورية ما تزال تخفي قسراً أكثر من 1800 معتقل، بينهم 110 لاجئات و48 طفلاً فلسطينياً، ناهيك عن أعداد الضحايا الذين قضوا تعذيباً، فيما وصلت إلى المجموعة مئات المناشدات من ذوي المعتقلين من فلسطينيي سوريا والأردن ولبنان والعراق تطالب بالكشف عن مصير أبنائها في السجون السورية.

كما وثّقت المنظمة الحقوقية إعدام النظام السوري قرابة 16 لاجئاً فلسطينياً، في حي التضامن، بالإضافة إلى فقدان عشرات الفلسطينيين في الحي ذاته، منهم عائلات بأكملها، ونساء وأطفال من سكان حي التضامن ومخيم اليرموك بعد أن اعتقلوا من منازلهم، أو أثناء مرورهم على الحواجز العسكرية والأمنية التابعة للقوات السورية في محيط المنطقة.

وفي حديثه لـ "حفريات"، يقول مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، الذي حضر مؤتمر بروكسل السادس لدعم مستقبل سوريا والمنطقة، في الثامن والتاسع من أيار (مايو) الجاري، بمشاركة الاتحاد الأوروبي، إنّ "العفو الذي أصدره النظام لم يشمل سوى أعداد محدودة جداً"، لافتاً إلى أنّ هناك 87 ألف شخص تم إخفاؤهم قسراً لم يتم الإفراج عنهم في مراسيم العفو المختلفة التي أصدرها النظام، وبلغت 19 مرسوماً، حيث يقتصر كلّ "عفو عام" على الأشخاص الذين صدرت ضدّهم أحكام وجرى تحويلهم للقضاء".

مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، لـ"حفريات": هناك 87 ألف شخص تم إخفاؤهم قسراً لم يتم الإفراج عنهم في مراسيم العفو السورية المختلفة

وطالب عبد الغني بضرورة وضع المزيد من الأفراد المتورطين في الانتهاكات الحقوقية بسوريا على قوائم العقوبات الغربية، "بهدف عدم إفلات الجناة المنتمين للنظام في دمشق من العقاب، ومن ثم، تعزيز ملاحقة مجرمي الحرب عبر القضاء الوطني والعالمي"، ودفع "العملية السياسية الميتة" منذ سنوات خطوات للأمام. كما شدّد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، خلال جلسات المؤتمر الذي عقد في العاصمة البلجيكية، على "عدم تخفيض الدعم المقدم لسوريا مقابل زيادة الدعم لأوكرانيا، بل أن يتم دعم الضحايا والمدنيين في النزاعَين".

سوريا بلد غير آمن

كما عرج مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان على "الانتهاكات التي لم تتوقف في سوريا، وبشكل خاص من قبل النظام الأسدي المتوحش؛ إذ إنّ سوريا تحت سيطرة الأخير بلد غير آمن لعودة اللاجئين، ويجب أن يكون تقييم صلاحية عودتهم في يد الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية المختصة، وليس من قبل الحكومات والسياسيين، حتى لا تجري إعادة قسرية لهم".

وبينما حثّ المصدر ذاته على ضرورة التحقيق في مجزرة حيّ التضامن، فقد وصف مرسوم العفو الذي أصدره النظام بأنّه "فارغ من محتواه مثل المراسيم الـ 19 السابقة"، مشيراً إلى أنّ الشبكة السورية لحقوق الإنسان وثّقت الإفراج عن 419 شخصاً، فقط، من أصل 132 ألف معتقل ومخفيين قسراً.

وفي تعليقه على مرسوم العفو، قال الصحفي السوري، علي نمر، إنّ هذه القضية حساسة للدرجة التي ينبغي التعاطي معها بحذر، حتى يتم تفادي أيّة "مزايدة سياسية"، بالإضافة إلى التأكيد على "أحقية أهالي المعتقلين في التعبير عن مشاعرهم دون أن يتقدّم أيّ طرف ليكون ناطقاً بلسانهم؛ فهم، وحدهم، من تعرضوا لابتزاز بشع أمام سماسرة الأجهزة الأمنية أملاً في الوصول لمعلومة حول مصير أبنائهم".

وأوضح نمر، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ معارضة قانون الطوارئ ورفض القبضة الأمنية المتوحشة التي كانت سبباً في اعتقال وسحق مئات الآلاف بسوريا، فضلاً عن طرق التعذيب الوحشية، أمر ضروري، لكن، في المقابل، لا يمكن تبني دعوات البعض التي ترفض مبدأ العفو، الذي يعدّ بمثابة "ولادة جديدة لهؤلاء الذي خرجوا من جحيم سجون الأسد".

علي نمر: إنّ هذه القضية حساسة للدرجة التي ينبغي التعاطي معها بحذر

وهاجم الصحفي السوري طريقة تناول "الائتلاف الوطني السوري المعارض" للمرسوم، معتبراً أنّ ما ورد في بيانهم عملية "نفاق سياسي"، موضحاً أنّه "في جلسات المفاوضات المباشرة مع ممثلي النظام، يطالب أعضاء الائتلاف ببناء الثقة بين الأطراف المختلفة ضمن جهود المبعوث الدولي الخاص لسوريا، بغية إعادة استئناف العملية السياسية وفق قرار مجلس الأمن 2254، وبيان جنيف لعام 2012، بينما مع الأطراف الأخرى يتفنّنون في الحديث عن قضية المعتقلين التي تعدّ من أهم القضايا الشائكة التي تعيق الحلّ السياسي".

وشدد الصحفي السوري على أنّ "الآلية التي طبقها النظام لتنفيذ مرسوم العفو تعدّ انتهاكاً آخر لحقوق الإنسان، يضاف إلى سجل جرائمه وما ارتكبته الأجهزة الأمنية من ممارسات غير إنسانية وضدّ القانون الدولي".

ولذلك؛ على السلطات السورية الإجابة عن التساؤلات التي يثيرها الأهالي حول مصير المعتقلين والمفقودين والمخفيين قسراً، والذين يجتمعون، يومياً، بالآلاف في الساحة العامة، بحسب ما وثقته العديد من التقارير الدولية المستقلة، والمنظمات الحقوقية"؛ يقول نمر.

وفيما يتصل بقانون "مكافحة الإرهاب" الذي اتخذه النظام ذريعة لتنفيذ اعتقالاته التعسفية ضدّ معارضيه وخصومه السياسيين، تساءل نمر: "هل عبد العزيز الخيّر، وجهاد أسعد محمد، وخليل معتوق، وحسين عيسو، وزكي كورديلو، ومحمد ظاظا وغيرهم بالآلاف ينطبق عليهم وصف الإرهابيين، أو حملوا يوماً السلاح يوماً ضدّ أيّ طرف أو جهة، أم كانوا مجرد معارضين سلميين للنظام ومدنيين؟".

 

مواضيع ذات صلة:

مسؤول أمريكي يتحدث عن العقوبات على النظام السوري... من تستهدف الاستثناءات؟

مجزرة حماة: الأسطورة المؤسِّسة للسياسة السورية؟

حرب أمريكية روسية تدور رحاها في سوريا... هل انتهى التوتر بين قسد والنظام؟

الصفحة الرئيسية