من ثكنات العسكر إلى العزل.. محطات في حياة عمر البشير

23660
عدد القراءات

2019-04-17

يعدّ عمر البشير، الأطول حكماً ضمن قائمة الرؤساء السودانيين؛ إذ بلغت فترة حكمه 30 عاماً، وبهذا يصبح الرئيس الأطول حكماً في الشرق الأوسط، من الذين وصلوا إلى السلطة عبر انقلاب؛ حيث تسلّم الحكم العام 1989 عبر انقلاب عسكري على الحكومة المنتخبة، ولم تقم انتخابات رئاسية حتى العام 2010، نتيجة اتفاقية "نيفاشا"، قبل أن ينتهي به الأمر للعزل في نيسان (أبريل) 2019 بعد احتجاجات شعبية.

يعدّ عمر البشير الأطول حكماً ضمن قائمة الرؤساء السودانيين إذ بلغت فترة حكمه 30 عاماً

عاش عمر البشير، الرئيس السابق للسودان، مسيرة مركبة، بين صعود وهبوط؛  فمن ابن غفير مزارع الأبقار بمنطقة الكافوري، إلى ضابط في الجيش السوداني، ومن ضابط برتبة عقيد إلى حاكم للسودان، بعد استيلائه على الحكم بانقلاب عسكري، العام 1989، ومن زعيم عُقدت عليه آمال المواطنين البسطاء، لإنقاذهم من المرض والفقر، إلى شخص متّهم بأنّه السبب في الفقر والمرض، ومن قائد عسكري يناضل ضدّ تقسيم السودان إلى حاكم متخاذل قبل بتقسيم السودان، ومن زعيم إسلامي يقبل المستضعفين في وطنه إلى متّهم صدرت بحقه مذكرة اعتقال دولية من المحكمة الجنائية الدولية، وهو في السلطة؛ حياة مليئة بالتناقضات كما شخصيته المحيرة.
1- المولد والنشأة
ولد عمر حسن البشير في 1 كانون الثاني (يناير) 1944، في قرية حوش بانقا، القريبة من مدينة شندي شمال السودان، تلقى تعليمه في المدارس الأولية في شندي، وكان السودان آنذاك ما يزال تحت الحكم الثنائي المصري الإنجليزي، وعندما حصل السودان على استقلاله التام، العام 1956؛ كان عمر البشير في الثانية عشرة من عمره، وقد بدأ يدرس في المرحلة الابتدائية المتوسطة (هكذا كان يطلق عليها في ذلك الوقت)، وﺩﺭﺱ ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔ الثانوية في الخرطوم.
2- دخول الكلية الحربية
تلقى تعليمه الثانوي في الخرطوم، وهناك التقى ﻋﻠﻲ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻣﺤﻤﺪ ﻃﻪ، تفتح عقل وقلب عمر البشير، وهو يرى الفريق عبود يقود انقلاباً، ويصل إلى سدة الحكم، ومع توسّع الفريق عبود في ضمّ مزيد من الطلاب للكلية الحربية السودانية، فقد سمح للعديد من أبناء الشعب السوداني بالانضمام للكلية، والتخرج ضباطاً، خصوصاً أنّ مشكلة الجنوب بدأت تأخذ منحى عسكرياً، هنا قرر الطالب عمر البشير الانضمام للكلية الحربية، وتخرّج العام 1967 (الدفعة 18)، وعمل بالقيادة الغربية (من العام 1967 حتى العام 1969)، ثم القوات المحمولة جوّاً (من العام 1969 إلى منتصف السبعينيات)، وشارك في حرب 1973 في كتيبة إمدادات، تزوّج عمر البشير ابنة عمّه، فاطمة خالد حسن البشير، في مطلع السبعينيات، ولم ينجب منها.
ﻋﻠﻲ ﻋﺜﻤﺎﻥ ﻣﺤﻤﺪ ﻃﻪ

3- الاستعداد للانقلاب
التحق البشير بالقوات المسلحة السودانية في سلاحه السابق نفسه، القوات، ثم حصل على الماجستير في العلوم العسكرية من كلية القادة والأركان، العام 1981، ثم الماجستير في العلوم العسكرية من ماليزيا، العام 1983، ثم زمالة أكاديمية السودان للعلوم الإدارية، العام 1987، إلى أن عُيّن قائداً للواء الثامن مشاة خلال الفترة من العام 1987 إلى 30 حزيران (يونيو) 1989، قبل أن يقوم بانقلاب عسكري على حكومة الأحزاب الديمقراطية، برئاسة رئيس الوزراء الصادق المهدي، بإيعاز من الجبهة القومية الإسلامية ورئيسها حسن الترابي، ليتولى منصب رئيس مجلس قيادة الانقلاب العسكري، في 30 حزيران (يونيو) 1989، ووفق الدستور؛ يجمع رئيس الجمهورية بين منصبه ومنصب رئيس الوزراء.
4- الانشقاق عن الترابي
استمرّ البشير تابعاً لمنظومة الترابية الفكرية والتنظيمية، لعشرة أعوام كاملة، حتى نشب خلاف بينهما، تطور حتى وقع انشقاق في كيان النظام، العام 1999، عندما قام عشرة من القياديين الإسلاميين بتقديم مذكرة أطلق عليها "مذكرة العشرة"، العام 1998، بغرض إصلاحات حزبية، وكان من أبرزها: تقليص سلطات الترابي، فقد شغل منصب الأمين العام، ورئيس البرلمان، والأب الروحي الذي يوجه الأوامر للجميع، بمن فيهم الرئيس عمر البشير.

اقرأ أيضاً: ماذا تبقى للسودانيين بعد عزل البشير وابن عوف؟
لكن من المؤكد أنّ الخلاف بينهم كان قبل ذلك بكثير؛ فالبشير في نظر أعضاء الجبهة الإسلامية، جاء عسكرياً مبتدئاً في علم السياسة ومناوراتها، ولولا مساندته بقواعد الحركة الإسلامية التي تقدم ولاءَها لقائدها ومرشدها الترابي، لم يكن لانقلابه أن ينجح! لكنّ البشير لم تكن تنقصه الفطنة والذكاء ليدرك أنّ هذه الازدواجية في رأس الحكم لا يمكن أن تستمر، وأنّ الصدام قادم لا محالة، وأدرك ذلك عندما قام الترابي، العام 1994، بإعلان حلّ مجلس قيادة الثورة قبل صدور القرار بواسطة الرئيس نفسه.

حسن الترابي
قبل البشير، على مضض، حلّ المجلس العسكري، لكنّه رفض بعد ذلك مقترحاً بالتقاعد من الجيش، وتمسك بأنّ وجوده في الجيش يشكل ضمانة لتأمين الثورة، بعد وفاة نائبه ورفيق دربه، الزبير محمد صالح، في حادثة سقوط طائرة، في شباط (فبراير) 1998، قام بتعيين علي عثمان محمد طه، ورفض تعيين الترابي؛ بحجة أنه لا يمكن أن يكون أعلى من شيخه مرتبة.

اقرأ أيضاً: بعد البشير.. هل يتوقف تهريب الأسلحة التركية
أبدى الترابي تضايقه من البشير، وتحرك لعزله من السلطة، وأظهر العداء له، فقرر الأخير الإطاحة بالترابي، وتجريده من كلّ أسلحته، بحلّ المجلس الوطني، وتجميد منصب الأمين العام في حزب المؤتمر الوطني الحاكم، وأمانته العامة، فترك الترابي الحزب والحكومة، وسلك طريق المعارضة، ليكوّن الحزب الشهير "المؤتمر الشعبي"، ويبدأ العدّ التنازلي لنهاية المشروع الإسلامي، من وجهة نظر الترابي، ويبدأ البشير في خسارة الظهير الشعبي الأول له وهم أبناء الحركة الإسلاموية.
الزبير محمد صالح

5- اتفاق الجنوب
قضى البشير القسط الأكبر من حياته بين ثكنات الجيش الذي التحق بصفوفه في سنّ مبكرة، وارتقى في سلمه إلى أعلى الدرجات، لهذا كان يرفض التنازل عن قضيتَي؛ علاقة الدين بالدولة، ومنح الجنوبيين حقّ تقرير المصير، واستمر يدير معارك راح ضحيتها ما يقارب 1.9 مليون من المدنيين، ونزح أكثر من 4 ملايين منذ بدء الحرب، ويعدّ عدد الضحايا المدنيين لهذه الحرب أحد أعلى النسب في كلّ الحروب، منذ الحرب العالمية الثانية.

اقرأ أيضاً: دولة على استعداد لاستقبال البشير ومنحه اللجوء.. تعرّف إليها
والعام 2005؛ وقّعت حكومة البشير اتفاق سلام وتقاسم ثروة وسلطة بين الشمال والجنوب، الذي حظي بحكم ذاتي، وذلك قبل أن يصوّت الجنوبيون في استفتاء 9 كانون الثاني (يناير) 2011 لصالح الانفصال، وإنشاء دولة "جنوب السودان". الجنوبي بعد أكثر من 21 عاماً من الحرب الأهلية، هنا خسارة جديدة؛ فقد تساءل الشارع السوداني: إذا كانت نهاية الحرب هي الاتفاق على ما يريده الجنوبيون فلم كانت الحرب؟ ولم أُهدرت الدماء؟
6-  نزاع دافور
أما الصراع الثاني الأبرز الذي طبع مسيرة البشير السياسية والعسكرية؛ فهو النزاع في إقليم دارفور، غرب البلاد، والذي راح ضحيته، بحسب تقديرات الأمم المتحدة، قرابة الثلاثمئة ألف قتيل.
وفي آذار (مارس) 2007؛ أمرت المحكمة الجنائية الدولية باعتقال الوزير المنتدب للداخلية آنذاك، أحمد محمد هارون، وعلي عبد الرحمن كوشيب، أحد قادة مليشيا الجنجويد، وطالبت بتسليمهما ليحاكما بتهم ارتكاب جرائم حرب وإبادة، وجرائم ضدّ الإنسانية في دارفور، وقد رفض البشير تسليمهما.
وفي 4 آذار (مارس) 2009؛ أصبح البشير ثالث رئيس دولة تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحقه، بعد رئيس ليبيريا السابق، تشارلز تايلر، والرئيس السابق ليوغسلافيا، سلوبودان ميلوسوفيتش.
7- الاعتصام والسقوط
في نهاية 2018؛ خرج السودانيون مرة أخرى للاحتجاج على الغلاء، مطالبين بتحسين الخدمات، لكن الاحتجاجات ما لبثت أن شهدت تحولاً جذرياً؛ فقد رفع المتظاهرون أصواتهم مطالبين بإسقاط نظام البشير، وبعد أشهر من الاحتجاجات اعتصم السودانيون أمام مبنى قيادة الأركان، وطالبوا الجيش بالتدخل لعزل البشير، وفي صبيحة 11 نيسان (أبريل) 2019؛ أعلن الفريق أول، أحمد عوض بن عوف، الإطاحة بالبشير، واعتقاله هو وأبرز مساعديه، وتشكيل مجلس انتقالي لإدارة البلاد، لتنتهي مسيرة البشير معزولاً.

اقرأ المزيد...

الوسوم: