من يعكر أجواء عودة سوريا لحضنها العربي؟

من يعكر أجواء عودة سوريا لحضنها العربي؟

مشاهدة

18/03/2021

بعد عقد من الزمان المرّ والصعب والمخيف الذي مرّت به سوريا، نظاماً وشعباً وأرضاً ومقدّرات، تبدو عبارة "عودة سوريا إلى الحضن العربي" عبارة غير صريحة، لسبب بسيط هو أنّ سوريا لم تخرج أبداً من الجسم العربي، وأنّ خيارات السياسة العربية في بدايات عقد "الربيع" المزعوم بإخراج سوريا من الجامعة العربية لم تكن خيارات تعني ما تقول، ولم تكن خيارات عربية بقدر ما كانت محاولة للانسياق خلف خيارات مستوردة.

كلّ ما حدث في سوريا كان عبارة عن حلم، لكن سرعان ما تحوّل الحلم إلى كابوس، ولم تكن ثورة، لقد كانت فورة غضب مخترقة، اخترقتها جهات وفاعليات وقوى دولية للولوج إلى الداخل السوري، وتحويل هذه الدولة التي تشبه شجرة ياسمين إلى "خرابة" أو أرضٍ محروقة.

مازال العرب ينظرون إلى سوريا على أنّ القرار بشأنها قرار غير عربي وهذا هو ما يؤخر عودتها إلى الجامعة العربية

بعد كلّ ما حدث، يستطيع الجميع اليوم أن يختبروا قدرتهم على الاستدلال والتحليل وصولاً إلى نتيجة حاسمة، أنّ كل الذي حدث لم يكن "ربيعاً عربياً"، لقد كان "ربيعاً" نعم، لكنه "ربيع غربي" على الأرض العربية، تمكّنت فيه القوى الدولية من إعادة إنتاج أدوارها وخياراتها في السيطرة وبناء التحالفات واختبارات القوّة.

اقرأ أيضاً: هل تتجه روسيا لتهميش إيران في تسوية الأزمة السورية؟

سوريا اليوم نظام سياسي متصدّر -لا أقول إنه منتصر، لأنّ انتصار أيّ نظام سياسي على شعبه ودولته هو هزيمةـ وهو نظام ثابت، وما مرّ به من مخاضات الحرب بكلّ أنواعها "عسكرية حامية، وسياسية ونفسية باردة" أعاد إنتاج استحكاماته في دولته، بغضّ النظر عن كلّ عوامل الدعم والتعزيز التي تلقاها واستعملها أو وظّفها حتى وصل اليوم إلى حالة أشبه ما تكون بثبات النظام وصلابته في دولة رخوة مصابة بأعطاب الحروب من الخراب والدمار، إلى تسلل قوى خارجية وجماعات وفرق ومنظمات وتنظيمات ستبقى في الداخل السوري حتى إشعار آخر.

اقرأ أيضاً: هل تعود سوريا إلى الجامعة العربية من البوابة الخليجية؟

في الوقت الذي كانت فيه سوريا موزّعة بين مشروعين إقليميين متصلين بإيران وحلفائها وتركيا وحلفائها، كان العرب أبعد ما يكونون عن سوريا، وحتى هذا اليوم، مازال العرب ينظرون إلى سوريا على أنّ القرار بشأنها قرار غير عربي، وهذا هو ما يؤخر عودتها إلى الجامعة العربية.

هل يبدو لدى العرب طموحات جديدة أو تمنيات بالتخلص من النظام السوري؟ أم أنّ الأمر متعلق أساساً بمنح القوى الفاعلة في الملف السوري الوقت الذي تريد لكي تقرّر هدوء واستقرار الدولة السورية، وما يتبع ذلك من لملمة وإخراج كافة متعلقاتهم من مجموعات وتنظيمات وقوى مقاتلة؟ لا أعتقد أنّ لدى العرب طموحاً ورغبة وإصراراً على التخلص من النظام السوري، فهم يدركون أنّ مثل هذه الرغبة تنطوي على رؤية مشوشة لكلّ معطيات المشهد الإقليمي، ولا أعتقد أنهم أيضاً قرّروا منح القوى الدولية وقتاً كافياً للبقاء في سوريا؛ لأنهم لا يمتلكون القرار بذلك، كلّ ما هنالك أنّ العرب، مثل الشعب السوري، ينتظرون شيئاً ما زال مجهولاً، أو غير مقرَّر.

اقرأ أيضاً: الإمارات تطلق النداء الأخير لإنقاذ سوريا

في سوريا أسلحة ومقاتلون عابرون للحدود، وتنظيمات بولاءات متصارعة بوحشية مفرطة أو متنافسة بلا نقاط التقاء، وفي سوريا أيدٍ دولية وإقليمية أغلبها أصبحت على قناعة تامة بأنّ النظام السوري تجاوز مرحلة التهديد بالسقوط، وشبح السقوط ذهب أبعد ممّا يمكن توقعه، وهو وإن كان لا يمسك بكافة الأوراق ونقاط القوة، فإنه يدرك تماماً أنه لا يمكن تمرير أيّ تسوية سياسية إلّا من خلاله، فلماذا يصرّ العرب على البقاء بعيدين خطوات إلى الوراء عن النظام السوري؟ ربما لأنه لا خيار لهم، أو أنهم لا يجرؤون على اجتراح خطوة واحدة بهذا الاتجاه، لكنهم يمتلكون خطاباً إنشائياً جيداً ومشجعاً، ربما من نوع الخطاب الذي قدّمه على سبيل المثال وزير الخارجية المصري سامح شكري في كلمته خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في الدورة الـ155 لمجلس الجامعة العربية قائلاً: إنّ "عودة سوريا إلى الحاضنة العربية أمر حيوي من أجل صيانة الأمن القومي العربي، ويفترض أن تظهر سوريا بشكل جدّي إرادة للحلّ السلمي".

سامح شكري: عودة سوريا إلى الحاضنة العربية أمر حيوي من أجل صيانة الأمن القومي العربي، ويفترض أن تظهر سوريا بشكل جدّي إرادة للحلّ السلمي

إنّ خطاباً من هذا النوع قد يعني رغبة عربية رسمية بعودة سوريا إلى حاضنتها العربية والدولية أيضاً، لكنّه يعني أيضاً أنّ العرب لا يمتلكون أكثر من أن يتمنّوا، وأن يعبّروا عن رغبتهم هذه بالكلمات.

العودة مهمّة للدول العربية، وللجامعة العربية، ومهمّة أيضاً ربما أكثر لسوريا وللنظام السوري وللشعب السوري، حتى يستطيع النظام تجاوز عثرات الحالة السياسية الصعبة، والمشهد الذي عسكرته التنظيمات المقاتلة، والوضع الاقتصادي الضاغط، والذي لا يقلّ خطورة عن الوضع السياسي المعقد. الأطراف كلها تتفق على عودة سوريا إلى الحاضنة العربية والدولية، لكن بالمقابل، تبقى أطراف كثيرة متهمة بتعكير أجواء العودة، وتفخيخ الطريق إلى تلك اللحظة المنتظرة.

الصفحة الرئيسية