هكذا تنتهك إسرائيل الحقوق الرقمية للفلسطينيين

هكذا تنتهك إسرائيل الحقوق الرقمية للفلسطينيين
3946
عدد القراءات

2019-07-22

تتواصل الانتهاكات الرقمية الإسرائيلية بحقّ الموطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية والداخل المحتل، منذ إنشاء وحدة "السايبر" الإسرائيلية، عام 2015، وذلك باعتقال أجهزة الاستخبارات الصهيونية عدداً من الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي ضدّ السياسات الإسرائيلية، لتقوم هذه الوحدة بقرصنة حواسب وهواتف الفلسطينيين، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي، وإزالة المحتويات التي يتمّ نشرها على الشبكة العنكبوتية، لمجرد تعبيرهم عن آرائهم ومعتقداتهم وأفكارهم، في صورة واضحة تبيّن مدى عنصرية الاحتلال الإسرائيلي في تقييد حرية الرأي والتعبير التي كفلتها المواثيق الدولية.

عام 2018 سُجل قرابة 500 انتهاك تعرّض له المحتوى الرقمي الفلسطيني ما بين حظر حسابات وحذف محتوى وإغلاق صفحات

ووفق تقرير صادر عن مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان، خلال عام 2018، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 350 فلسطينياً في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بتهمة التحريض على منصات التواصل الاجتماعي ضدّ إسرائيل، وهي جريمة إسرائيلية قد تصل عقوبتها للسجن لمدة تصل إلى 10 أعوام، بحسب المادتين (251) و(199)، لعام 1961، من القانون العسكري الصهيوني.
وأصدر الكنيست الإسرائيلي، عام 2017، قانون "فيس بوك بيل"، الذي يسمح للمحاكم الإسرائيلية بإغلاق مواقع إلكترونية تنشر مضامين تحريضية، وتدعم الإرهاب والعنف دون سابق إنذار.

اقرأ أيضاً: طريق الحجاج: محاولة إسرائيلية بائسة لخلق تاريخ مزيف لليهود

واعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراره الأول، في تشرين الثاني (أكتوبر) 2009، الذي ينصّ على "أهمية ممارسة الحقّ في حرية الرأي والتعبير، وتعزيزه وحمايته، في وسائل الإعلام بجميع أشكالها". كما دعا القرار الدول إلى "إتاحة المجال للولوج إلى المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات واستعمالها، كشبكة الإنترنت".

اعتقلت أجهزة الاستخبارات الصهيونية عدداً من الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين بتهمة التحريض

تحقيق أهداف سياسية
مدير مركز "شعاع" للإعلام الاجتماعي، يوسف النادي، يقول: "هناك تزايد إسرائيلي واضح لقمع حرية الرأي والتعبير بشكل غير قانوني، من خلال توسعها في عمليات التجسس على الحيز الرقمي للفلسطينيين، مع وجود أكثر من 29 شركة متخصصة في المراقبة والتجسس في إسرائيل، أمثال شركة "بلاك كوب"، و"إن إس أو"، وغيرهما، التي تهدف لمحاربة النشطاء الفلسطينيين، وتحسين صورة الاحتلال الإسرائيلي عالمياً، وجمع التبرعات الخارجية، وتشويه حقوق الشعب الفلسطيني العادلة؛ حيث خصصت الحكومة الصهيونية أكثر من 123 مليون دولار أمريكي لدعم هذه الشركات للقيام بمهامها".

اقرأ أيضاً: هل تكون الخلايا الضوئية في فلسطين بديلاً عن كهرباء إسرائيل؟
ويشير النادي في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّ "شركات التكنولوجيا العالمية (فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، وغوغل) تتواطأ مع الاحتلال الإسرائيلي للسماح لوحدة "السايبر" الإسرائيلية بمراقبة المحتوى الرقمي الفلسطيني، بعد أن قامت بالاستجابة لأكثر من 98% من طلبات الاحتلال بإزالة منشورات ترى إسرائيل أنّها تحريضية، وتؤثر في الأمن القومي الصهيوني، وذلك في التفاف واضح على اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية، التي كفلت الحقوق الرقمية لجميع السكان حول العالم، وتجاهلتها هذه الشركات لتحقيق أهداف سياسية تتماشى مع المصالح الصهيونية في المنطقة".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستغل الأراضي الفلسطينية لزراعة مخدر القنب الهندي
وأدت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني إلى "عدم وجود شركات فلسطينية مستقلة ومتطورة، وبقيت هذه الشركات معتمدة على الشركات الإسرائيلية، التي تعمل جاهدة لعدم تزويدها بالخدمات التكنولوجية الحديثة، كخدمات الجيل الثالث والرابع، وفرض فجوة رقمية فيها، لتصبح هذه الشركات تابعة بشكل تام للشركات الصهيونية تتحكم فيها وتسيطر عليها وتعيق تنميتها وتطورها".
النادي: فيسبوك على وجه الخصوص لا يقوم بإزالة المحتويات الصهيونية المناهضة للشعب الفلسطيني

تواطؤ فيسبوك مع إسرائيل
واستدرك النادي بأنّ "شركة فيسبوك على وجه الخصوص لا تقوم بإزالة المحتويات الصهيونية المناهضة للشعب الفلسطيني، بينما تقوم بحذف المضامين الفلسطينية المنددة بالسياسات الإسرائيلية وممارسات المستوطنين العنصرية، الذين تصنفهم الشركة بأنّهم مجموعات محمية، مما أدى لقيام فيسبوك بمراقبة صفحات الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين، وإغلاق عدد منها، كما تسعى الوحدة الاستخباراتية (8200) الصهيونية، وجهاز الشاباك الإسرائيلي إلى فتح وإنشاء صفحات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي، لتشويه صورة الفلسطينيين وتزييف الحقائق، وإسقاط عدد من الفلسطينيين في وحل العمالة لصالح الاحتلال الإسرائيلي".

خبير في أمن المعلومات: منشور تحريضي إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين على شبكات التواصل كلّ 70 ثانية من أجهزة الاستخبارات

ويبين النادي أنّ "فيسبوك تخشى قيام دولة الاحتلال برفع دعاوى قضائية ضدّها، مع وجود مكتب تمثيلي للشركة في تل أبيب، وهو ما يجعلها قريبة ومتأثرة بصنّاع القرار الإسرائيليين، إضافة إلى استفادة شركة فيسبوك من التقدم التقني الإسرائيلي في مجال تكنولوجيا المعلومات؛ حيث تجاوزت صادرات الاحتلال من التكنولوجيا الرقمية إلى عدد من دول العالم صادراتها من المعدات العسكرية والحربية، وهي قواعد تفضح دعم فيسبوك وتعاونها مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إسرائيل، من خلال دعمها للاحتلال والسماح له بمراقبة محتوى الفلسطينيين رقمياً".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تُغرق فلسطينيي 48 في مستنقع العنف والجرائم

ودعا النادي إلى "ضرورة الضغط الرسمي والشعبي على الاحتلال الإسرائيلي، وشركات وسائل التواصل العالمية، لاحترام الحقوق الرقمية للشعب الفلسطيني، وتجنّب انحيازها لطرف على حساب الآخر، وأن تضغط السلطة الفلسطينية دولياً لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحترم حقوق الإنسان وحرية الرأي التعبير، والبعد عن التحريض ضدّ الشعب الفلسطيني".
تجنيد عدة وحدات بداخل الجيش الإسرائيلي لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية

منشور تحريضي كلّ 70 ثانية
الباحث والخبير في مجال أمن المعلومات، أمين الجيوسي، أبلغ "حفريات" بأنّ "سلطات الاحتلال الإسرائيلي عمدت خلال الأعوام الماضية إلى تجنيد عدة وحدات بداخل الجيش لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية، كالوحدتين  (8200) و (504)، وهما اللتان تقومان بالتغلغل داخل المجتمعات العربية، لا الفلسطينية فقط، ويتحدث أفرادها اللغة العربية بطلاقة، كما لدى هاتين الوحدتين القدرة الكبيرة على التعامل مع جميع الوسائل التكنولوجية، ومراقبة جميع ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتبّع أصحابها، وجمع البيانات والمعلومات عنهم، لاعتقالهم أو الإيقاع بهم في شباك العمالة مع الاحتلال الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: السياحة الاستيطانية: شركات عالمية تتواطأ مع إسرائيل للسطو على التاريخ الفلسطيني

ويشير إلى أنّ "السلطات الإسرائيلية تستخدم مصطلح التحريض للقبض على النشطاء والمواطنين الفلسطينيين، وزجّهم داخل المعتقلات في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة، من خلال سيطرة الاحتلال على جميع وسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة الاتصال المختلفة، إضافة إلى اختراق الهواتف الخلوية والأجهزة اللوحية وصفحات البريد الإلكتروني، والتجسّس على أصحابها، والاستيلاء على معلوماتهم وبياناتهم، حتى إن كانوا يحملون أسماء وهمية".

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تهديد السلطة الفلسطينية بالخروج من بروتوكول باريس؟
يقول الجيوسي "هناك منشور تحريضي إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين على شبكات التواصل الاجتماعي، كلّ 70 ثانية، من أجهزة الاستخبارات الصهيونية، ووحدة "السايبر" بالجيش الإسرائيلي، بالتعاون مع بعض المؤسسات الأكاديمية، من خلال تجنيد الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية لعدد من طلبة الجامعات الإسرائيليين، ودفعهم للترويج للرواية الصهيونية على منصات التواصل الاجتماعي، والتحريض على الفلسطينيين؛ من خلال رصدهم لكلمات مفتاحية عليها، (مثل: شهيد، أو انتفاضة، وغيرهما)، لمراقبة الفلسطينيين وتعقب محادثاتهم، مستفيدين من تواطؤ شركات التواصل العالمية مع الاحتلال لتنفيذ سياساته العنصرية، وإزالة المنشورات المناهضة لدولة إسرائيل".

500 انتهاك للمحتوى الرقمي الفلسطيني

وبحسب إحصائية صادرة عن مركز "صدى سوشال"، المتخصّص في مجال مواقع التواصل الاجتماعي، عام 2018؛ فقد تمّ تسجيل قرابة 500 انتهاك تعرّض لها المحتوى الرقمي الفلسطيني، وتوزعت الانتهاكات بين حظر حسابات، وحذف محتوى، وإغلاق صفحات، وكان للصحفيين النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات، والتي تركزت في موقع فيسبوك أكثر من باقي المواقع والمنصات.
وأشارت الإحصائية إلى أنّه لا توجد جهات رسمية فلسطينية للدفاع عن المحتوى الفلسطيني الرقمي، إضافة إلى عدم وجود اهتمام كافٍ من قبل المؤسسات الأهلية الفلسطينية بهذا الجانب، في الوقت الذي أفرزت فيه الحكومة الإسرائيلية لجنة وزارية لمتابعة التواصل مع منصات الإعلام الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: مقابر الأرقام.. هل قدر الفلسطينيين السجن حتى بعد الموت؟

وعن تفاصيل الانتهاكات التي تعرض لها المحتوى الفلسطيني عبر منصات التواصل الاجتماعي، بينت الإحصائية أنّها توزعت على النحو الآتي: "موقع فيسبوك 370 انتهاكاً، يليه موقع يوتيوب 45، وتويتر 60، والأنستغرام 30"، ليكون المجموع قرابة 500 انتهاك ضدّ المحتوى الفلسطيني عبر الشبكة العنكبوتية، وخلال العامين الأخيرين تمّ رصد قرابة 800 حالة اعتقال من قبل قوات الاحتلال للفلسطينيين.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟

2020-10-16

بين السلاسل الجبلية الممتدة ما بين شمال جبال زاغروس والمرتفعات الأرمنية شرق الأناضول، انتشرت قبائل الأكراد منذ العصور القديمة، وبعد سقوط مملكة ميديا في القرن السادس قبل الميلاد على يد الفرس، خضعوا لحكم الإمبراطوريات المتعاقبة، مع الاحتفاظ بقدر من الحريّة منحتهم إيّاها تضاريس بلادهم المنيعة.

في السبعينيات تبلور بين الشباب الكردي الاتجاه نحو إطلاق عمل سياسي ضمن الإطار اليساري

وبحكم ما اقتضاه نشوء الدول في صيغتها الحديثة من ترسيم وتثبيت حدود فاصلة بينها، وما استتبع ذلك من تقطيع وتجزئة لروابط عرقية واجتماعية وثقافية، تكوّنت وتشكّلت عبر عصور طويلة متلاحقة، ونتيجة عدم نشوء دولة جامعة للأكراد، كان مصيرهم التفرّق بين أربعة دول هي: إيران وتركيا والعراق وسوريا.
سنعرض في أربعة تقارير مسيرة تفاعل الأكراد على المستوى السياسي مع كلّ من الدول الأربع، والبداية في هذا التقرير مع تركيا.
من الانتفاضات المحليّة إلى الدولة الموعودة
عرف الأكراد في تركيا أطواراً عدّة فيما يتعلق بموقفهم وحراكهم على المستوى السياسي، وبالإمكان تتبع المرحلة الأولى في الفترة المتأخرة من العصر العثماني؛ حين كان الأكراد يحظون بقدر من الحكم المحلي، مع ظهور عدد من الأسر الحاكمة والزعامات القبليّة المحليّة، وذلك منذ اختيارهم الانحياز إلى جانب الدولة العثمانية عوضاً عن الصفويّة، لكن وفي عهد السلطان عبد الحميد، ومع حالة التراجع التي أصابت الدولة في أعقاب الخسارة في الحروب مع روسيا، شهدت مناطق الأكراد عدداً من الانتفاضات والثورات قادها زعماء محليون من أمراء وزعماء قبليين، كما نجد مثلاً في ثورة الأمراء البدرخانيين، عام 1879، وثورة مدينة "شمدينان" عام 1880، بقيادة الشيخ عبيد الله النهري، وانتفاضة يزدان شير البوتاني، وحتى انتفاضة عبد السلام البارزاني في دهوك عشيّة الحرب العالمية الأولى.

اقرأ أيضاً: رسالة أوجلان... هل تصنع السلام بين أكراد سوريا وتركيا؟
ومع دخول الدولة أتون الحرب العالمية الأولى؛ تمكّنت من تجنيد عدد كبير من الأكراد، قاتلوا إلى جانب الجيش العثماني الرابع، ومع نهاية الحرب وهزيمة الدولة العثمانية، جاء انعقاد مؤتمر الصلح في فرساي، عام 1991، والذي حرص الأكراد على إيصال صوتهم فيه عبر ممثلهم شريف باشا، وتمكن من إيصال مطالب الأكراد بإقامة دولتهم الخاصّة، وهو ما تمّت ترجمته فعلياً بعد ذلك بعام، عند توقيع معاهدة سيفر، عام 1920، فجاءت متضمنةً خطة مقترحة لإقامة دولة كردية مستقلّة، وكانت تلك اللحظة الأقرب لتحقيق الدولة المنشودة.

شريف باشا خندان حمل مطالب الكرد إلى مؤتمر الصلح في فرساي

تبدّد الوعد.. وبداية المواجهة
رفض الأتراك معاهدة سيفر القاضية بتقسيم بلادهم إلى عدّة دول على أساس العرق، وخاض الجيش التركي بقيادة مصطفى كمال حرباً لأربعة أعوام، عرفت بـ "حرب الاستقلال"، انتهت بإقرار معاهد لوزان عام 1923، والتي قضت تماماً على سيفر ووعودها، بما في ذلك الدولة الكردية الموعودة، ولتصبح مناطق الأكراد جزءاً من دولة جديدة قامت، هي الجمهورية التركيّة، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد
كانت دولة أتاتورك الجديدة دولة قوميّة، لا تعترف بالأقليّات، وإنما تسعى لدمجهم قسرياً ضمن النسيج القومي للدولة، ووجد الأكراد بذلك أنفسهم في مواجهة سياسات الإدماج القسري، فحُظر عليهم استخدام اللغة الكردية في الأماكن العامّة، ومنع استخدام كلمة "الكرد"، وأطلق عليهم اسم "شعب شرق الأناضول"، ومع بداية هذه المرحلة جاءت ثورة الشيخ سعيد بيران الكردي، عام 1925، لتعبّر عن ذروة الرفض لسياسات الجمهوري الجديدة، قبل أن يتصدى الجيش لها ويقمعها.
استمرار النهج.. ولحظة الثورة
استمرت الحكومات التركيّة المتعاقبة بممارسة نهج التمييز والاضطهاد بحقّ الأكراد؛ فكان التكلّم بغير اللغة التركيّة في الأماكن العامّة محظوراً وتترتب عليه العقوبات والغرامات، وكان من المحظور إصدار الصحف، أو عقد الاجتماعات العامّة، التي تنادي بمطالب الأكراد وحقوقهم.

شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا

ضمن هذا السياق؛ اتّجه أغلب الشباب الكردي الناشط إلى الانتماء للأحزاب والحركات اليساريّة المعارضة، ومع مطلع السبعينيات، بدأ يتبلور بين الشباب الكردي اتجاه نحو إطلاق إطار جديد للعمل السياسي ضمن الإطار اليساري، للمناداة بالمطالب القومية الكردية على أساس مماثل للحركات الثورية والتحرريّة التي كانت منتشرة حول العالم آنذاك، ومن هنا جاء الإعلان عن تأسيس النواة الأولى لحزب العمال الكردستاني، في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1978، بعد أعوام من النشاط السريّ، واختير عبد الله أوجلان، كأول رئيس له.
تبنّى الحزب الهدف المنشود بإقامة دولة كرديّة في تركيا تكون بمثابة المرحلة الأولى على طريق إقامة دولة كردستان الكبرى، وتبنى الحزب بدايةً أساليب سلميّة، تقوم على نشر الأفكار، وتنظيم المظاهرات، وتوزيع المنشورات، وتعاملت السلطات التركيّة مع الحزب وأهدافه باعتبارها تهديداً يستهدف كيان الجمهوريّة، فتصدّت لأنشطته ولاحقت كلّ من انتسب له.

اختير عبدالله أوجلان كأول رئيس لحزب العمال الكردستاني

خمسة عشر عاماً من العمل المسلّح
وفي عام 1980، قاد كنعان إرفين انقلاباً عسكرياً في تركيا، وبعد استلامها الحكم، اتجهت الحكومة العسكريّة لتعزيز سياسات الإدماج، حتى شرعت بتغيير أسماء القرى والبلدات الكردية إلى أسماء تركيّة، وحظرت على الأكراد التسمّي بأسماء كرديّة. وفي عام 1984، مع اشتداد وطأة القمع، أعلن حزب العمال تبنّي خيار الكفاح المسلّح في مواجهته مع الدولة والمباشرة باستهداف مصالحها، حتى تحقيق الحرية والاستقلال للشعب الكردي، وفي بداية عقد التسعينيات تجاوز عدد مقاتلي الحزب العشرة آلاف مقاتل.

اقرأ أيضاً: السجون التركية تحظر صور كاسترو وجيفارا في زنازين الأكراد
جاء ردّ الدولة عبر إعلان حالة الطوارئ في المحافظات الكردية، وشنّ حملات عسكريّة ضدّ معاقل الحزب وقواعده، وخلال أعوام الصراع؛ تمّ تدمير مئات القرى الكرديّة، وتدمير أجزاء من كبرى المدن في جنوب تركيّا، كديار بكر، وماردين، ونصيبين، وتسبب الصراع في نزوح نحو أربعمئة ألف كردي عن ديارهم.

مقاتلون من حزب العمال الكردستاني

عام 1998؛ قررت دمشق إبعاد عبد الله أوجلان من سوريا؛ حيث كان قد لجأ إليها ونشط منها منذ عام 1979، وقامت بترحيله إلى روسيا، ومن هناك ذهب إلى أوروبا، وتنقّل بين اليونان وإيطاليا، قبل أن يختار التوجّه إلى كينيا. وبعد وصوله إلى نيروبي، في الخامس عشر من شباط (فبراير) عام 1999، نفذّت الاستخبارات التركيّة، بمساعدة من جهازيْ الاستخبارات المركزيّة الأمريكية والموساد، عملية اختطاف لأوجلان، ونقلته إلى تركيّا، وهناك جرى عرضه بصورة مهينة على شاشات التلفزة بغرض بثّ شعور الهزيمة في نفوس الأكراد ومقاتلي الحزب، وتمت محاكمته وصدر بحقه الحكم بالإعدام قبل أن يخفف لاحقاً إلى عقوبة السجن المؤبد.

اقرأ أيضاً: من سيحمي أكراد سوريا من أردوغان؟
وفي العام ذاته؛ أعلن حزب العمال، في الأول من أيلول (سبتمبر)، هدنة، وانسحبت قواته من تركيّا إلى قواعده في شمال العراق، في المقابل أعلنت الحكومة التركيّة وقف العمليّات العسكريّة، رغم عدم التزامها الكامل بذلك واستمرارها في تنفيذ الطلعات الجويّة.
اتجاهات سياسية جديدة
شهدت مرحلة التسعينيات بداية تشكّل اتجاهات سياسية جديدة بين الأكراد في تركيا، تمثّلت في تأسيس أحزاب سياسية اتجّهت لتبنّي خيار العمال السلمي والمشاركة بالعملية الديمقراطيّة في البلاد، مع السعي لإيصال ممثلين عنها إلى البرلمان يحملون مطالب الشعب الكردي، بدايةً من تأسيس "حزب العمل الشعبي"، عام 1990، والذي نجح في الوصول إلى البرلمان التركي في انتخابات عام 1991، بعد تحالفه مع حزب الشعب الديمقراطي الاشتراكي، واشتهرت نائبته، ليلى زانا، التي أرادت القيام بأداء قسم اليمين في البرلمان باللغة الكردية، فمنعت، وأثارت ضجّة واسعة في حينها.
وعام 1993؛ جاء قرار المحكمة الدستوريّة التركيّة بإغلاق الحزب، وذلك بدعوى ثبوت إقامة أعضائه صلات مع حزب العمال، وعام 1994؛ أزيلت الحصانة البرلمانيّة عن ليلى زانا، وحُكم عليها بالسجن مدة خمسة عشر عاماً، بتهمة إلقاء خطابات انفصاليّة.
ومباشرة، بعد قرار إغلاق حزب العمل الشعبي، عام 1993، تأسس حزب كرديّ آخر؛ هو "حزب العمل الديمقراطي"، قبل أن تغلقه المحكمة الدستورية مباشرة بدعوى أنّه امتداد للحزب السابق.

ليلى زانا في مواجهة المحكمة

وفي أيار (مايو) 1994؛ أسّس المحامي الكردي، مراد بوزلاق، حزب "ديمقراطيّة الشعب"، وحرص الحزب الجديد على الابتعاد تماماً عن حزب العمال، تجنباً لمصير الأحزاب السابقة، لكن، وفي اجتماع للحزب، عام 1996، تمّ إنزال العلم التركي ورُفع علم حزب العمال، ما أدّى إلى اعتقال عدد من أعضاء الحزب.

تمكّن حزب الشعوب في انتخابات 2015 من حصد 13% من مجموع أصوات الناخبين في البلاد

شارك الحزب في الانتخابات التشريعية للعام 1995 والعام 1999، واستمر حتى عام 2003؛ حين صدر قرار المحكمة الدستوريّة بإغلاقه، وأيضاً من جديد بالتهمة ذاتها: إقامة صلات مع حزب العُمّال.
وفي عام 1997؛ تأسّس حزب الشعب الديمقراطيّ، وفي الانتخابات التشريعيّة للعام 2002، تمكّن الحزب من حصد (6.2%) من مجموع أصوات الناخبين في البلاد، لكنّه لم يتمكّن من دخول البرلمان لعدم تجاوزه العتبة (10%)، وعام 2005 اتجّه الحزب للاندماج في مبادرة "حركة التجمع الديمقراطي"، بقيادة ليلى زانا، التي نجم عنها تأسيس "حزب التجمّع الديمقراطي" عام 2005.
تحوّلات متسارعة
دخلت تركيا مع بداية الألفيّة منعطفاً جديداً، مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم، عام 2002، والذي حرص على تأكيد الالتزام بإطلاق توجّه جديد في التعامل مع قضايا الشعوب والأقليات غير التركيّة في البلاد، وفي مقدمتها الأكراد، والتراجع عن الاتجاه الذي ساد والقائم على سياسات الدمج والتمييز والاضطهاد، وذلك مقابل الالتزام الكردي بالتراجع عن العمل المسلّح والتخليّ عن مطالبات الاستقلال والانفصال.

اقرأ أيضاً: الأكراد والثورة الإيرانية.. مسلسل بلا نهاية من المآسي
وفي هذه المرحلة، ومع تسارع التحوّل على مستوى المشاركة السياسة الكرديّة، وتحوّلها إلى الإطار القانوني، أعلن أوجلان في السجن عن مراجعة أفكاره السياسية، واتجه نحو التخلّي عن العنف، وفي آذار (مارس) عام 2005؛ أصدر منشوراً بعنوان "الكونفدراليّة الديمقراطيّة في كردستان"، تبنّى فيه مطلب إنشاء إقليم حكم ذاتي كرديّ على غرار الإقليم العراقيّ، وقد تبنى الحزب الرؤية الجديدة في العام ذاته.
المزيد من النواب الأكراد في البرلمان
بعد انطلاق نشاط حزب التجمع الديمقراطي عام 2005، لم تمر سوى أربعة أعوام حتى صدر القرار بحظره هو الآخر، عام 2009، بالتهمة ذاتها أيضاً، ومع حظره تأسس حزب بديل جديد وهو "حزب السلام والديمقراطيّة"، قبل أن يُحظر ويُحلّ عام 2014.
وفي عام 2012، تأسس "حزب الشعوب الديمقراطي" كحزب يساري يتبنى الديمقراطية الاشتراكية، ويناصر قضايا الأقليّات في تركيا، وفي مقدمتها قضايا المطالبة بالحقوق الكرديّة، وفي انتخابات عام 2015 تمكّن الحزب من تحقيق نقلة نوعيّة على مستوى العمل السياسي الكردي، مع تمكّنه من تجاوز نسبة الـ 10%، وحصوله على نحو 78 مقعداً، بعد حصده 13% من مجموع أصوات الناخبين، ما شكّل مفاجأة للمحللين حينها، وفي الانتخابات الأخيرة عام 2018، تمكّن من حصد نحو 11.7% من مجموع الأصوات، وحصل على 69 مقعداً في البرلمان من أصل 600 مقعد.

صلاح الدين ديمرداش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي

ويرى محمد عثمانلي، باحث الدكتوراه في التاريخ التركيّ الحديث، من جامعة "باموق قلعة" بتركيا، في إجابته لـ "حفريات" عن سبب التحوّل في شكل المشاركة السياسية لدى الأكراد في تركيّا؛ بأنّ "ذلك يعود بالأساس إلى شعور الناخب التركي بأنّ المسار الديمقراطي والمشاركة في الانتخابات جلبت له المنافع الملموسة عبر الحصول على المزيد من الحقوق على المستوى الثقافي، إضافة إلى تعزيز مستوى التنمية في المحافظات ذات الغالبية الكرديّة، عبر إيصال الممثلين إلى البرلمان، في حين أنّ القناعة ترسّخت لدى شريحة واسعة من الأكراد بأنّ نهج حزب العمال لم يحقق لهم مطالبهم، وإنّما أدّى إلى الكثير من الخسائر على مختلف الصعد".
ويعلّق عثمانلي على الاختلاف بين مشاركة الأحزاب الكرديّة الناشئة منذ التسعينيات وبين حزب العمال، بأنّ "تلك الأحزاب اتجهت إلى مناجزة الحكومات التركيّة عبر ذات الآليات الديمقراطية التي أوصلت الحكومات إلى السلطة، في حين أنّ حزب العمال لم يدرك التحوّلات في تركيّا، واستمر بمناجزة الدولة على الأساس ذاته الذي فرضته الحكومات غير الديمقراطيّة في العقود السابقة من القرن الماضي".

للمشاركة:

هزة جديدة للنهضة: الغنوشي يشعل غضب التونسيين.. ما علاقة أردوغان؟

2020-01-16

بسبب زيارةٍ سريةٍ إلى تركيا، وعقد اجتماعٍ مغلقٍ مع الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يواجه زعيم حركة النّهضة الإسلامية، راشد الغنّوشي، دعوات برلمانية متصاعدة، ومطالب شعبية متواترة بسحب الثقة منه كرئيس برلمانٍ، خاصّة أنّها جاءت بعد ساعات قليلة من إسقاط حكومة الحبيب الجملي مرشّح النّهضة.

اقرأ أيضاً: تونس: الطبوبي يوجه رسالة للنهضة ولأردوغان
هذه الزيارة المفاجئة أثارت الريبة، لدى الرأي العام التونسي، نظراً لحساسية التوقيت والظرف الذي جاءت فيه، فضلاً عن المستجدات المحلية في البلاد التي تستعد لتشكيل حكومةٍ جديدة، والأحداث الإقليمية، المتعلّقة بالأزمة الليبية التي تلعب أنقرة دوراً كبيراً في تأجيجها، والانتقادات الموجّهة لتونس بدعمها في ذلك.
ردّاً على هذه الانتقادات، أوضحت قياداتٌ من حركة النهضة، في تصريحاتٍ مختلفةٍ أنّ الزيارة التي قام بها الغنوشي كانت بصفته رئيساً لحركة النهضة، وتندرج في إطار زيارةٍ مبرمجة مسبقاً، فيما قال الغنّوشي إنّ "الصفة الرسمية لا تلغي الحياة الشخصية".
راشد الغنوشي يعقد اجتماعاً سرياً مع أردوغان

عريضةٌ برلمانيةٌ
أثارت الزيارة وتبريراتها الغضب لدى بعض الأحزاب المعارضة، في مقدّمتهم الحزب الدستوري الحر، الذي دعا إلى مساءلة رئيس البرلمان ومن ثم سحب الثقة منه، وطالبت رئيس كتلته بالبرلمان التونسي (17 نائبا) عبير موسى، مختلف الكتل النيابية إلى التوقيع على عريضةٍ لسحب الثقة من الغنوشي، معتبرةً أنّها فرصةٌ للقطع مع الإسلام السياسي، الذي أظهر بالكاشف مخططاته الحقيقية وارتباطاته الخارجية.

تحتاج العريضة البرلمانية بسحب الثقة بالغنوشي إمضاء 73 نائباً لتمريرها على المجلس والنظر فيها

وقالت موسي، خلال مؤتمرٍ صحفي، إنّ طلب سحب الثقة من الغنوشي، مسألة "تتجاوز التجاذبات الحزبية والأيديولوجية؛ لأنّها تمسّ الأمن القومي"، نظراً إلى أنّ رئيس البرلمان يحضر اجتماعات مجلس الأمن القومي ويعرف الكثير، مؤكدةً أنّ هذه الزيارة "غير المعلنة" للبرلمان يحفّ بها الكثير من الغموض وتثير تساؤلات جدّية عن "ارتباطات حركة النهضة بأطراف خارجية وسعيها لتوريط البلاد في محاور أجنبية".
من جانبه، اعتبر محسن مرزوق أمين عام حركة مشروع تونس (4 نواب) أن "ذهاب رئيس مجلس نواب الشعب ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى إسطنبول لمقابلة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مباشرةً بعد سقوط الحكومة في البرلمان، كما ذهب في مناسباتٍ مماثلة، يؤكد مرّةً أخرى بما لا مجال للشكّ فيه أن قرار حركة النهضة مرتبط بتوجيهات تركيا".
وقال مرزوق في تدوينةٍ على فيسبوك "يمكن أن يذهب الغنّوشي  للقاء زعيمه التركي متى شاء ولكن بصفته الشخصية، أما صفة رئيس البرلمان المؤتمن على سيادة الشعب، فهذا غير مقبول ولا يجب أن يتواصل".
هذا ويدرس حزب التيار الديمقراطي (22 نائباً)، الذي يشترك مع حركة الشعب (16 نائباً) في كتلةٍ واحدةٍ، إمكانية إمضاء العريضة، التي أكد أحد نوابه محمد عمار، أنّهم سيتعاملون معها بكلّ جديةٍ.

ويعتقد الأستاذ في العلوم السياسية، الصادق مطيمط، أنّ سحب الثقة من الغنّوشي وارد جدّاً في ظلّ التوازنات السياسية الحالية، "لكن يجب التفكير في ما بعد إسقاط الغنّوشي من رئاسة البرلمان، خاصّة أنّ المشهد السياسي الحالي، يتقاسمه تيّاران وحيدان، هما تيّار الإسلامي السياسي المتمثّل في حركة النّهضة ومن يدور في فلكها، والذي يعطي لنفسه شرعية رعاية الثورة والديمقراطية".
ويضيف مطيمط في حديثه لـ"حفريات"، أنّ التيّار الثاني تختزله المنظومة القديمة والمتمثلة في الحزب الدستوري الحر، الذي يقوم على مقارنة الأوضاع بعد الثورة، بما كانت عليه قبل الثورة، في المقابل تغيب الأحزاب التقدّميّة عن المشهد.

اقرأ أيضاً: الأحزاب التونسية تهزم "النّهضة" بطريقة ديمقراطية
وتتطلّب العريضة البرلمانية إمضاء 73 نائباً، ليقع تمريرها على المجلس، من أجل النظر فيها، فيما ينص النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب على أنه "يمكن لمجلس نواب الشعب سحب الثقة من رئيسه أو أحد نائبيه بموافقة الأغلبية المطلقة من أعضاء المجلس بناء على طلبٍ كتابي معلّلٍ، يُقدم لمكتب المجلس من ثلث الأعضاء على الأقل.
ويعرض الطلب على الجلسة العامة للتصويت على سحب الثقة من عدمه في أجلٍ لا يتجاوز ثلاثة أسابيع من تقديمه لمكتب الضبط.

عريضةٌ شعبيةٌ
بالتزامن، أطلق ناشطون ومثقفون وجامعيون تونسيون حملاتٍ مفتوحة لسحب الثقة من الغنّوشي، وأطلقوا عريضة شعبية بعنوان " لا لراشد الغنّوشي على رأس البرلمان"، على مواقع التواصل الاجتماعي، أمضى عليها إلى حدود اللّحظة أكثر من 23 ألف ناشطٍ تونسي.

التحرك ضد الغنوشي تزامن مع تعرض حركة النّهضة لهزاتٍ أضعفت تماسكها بعد تتالي الاستقالات داخلها

وتقول العريضة: "نحن – التونسيون – رجالاً ونساء نطلب من كل نائب نزيه ومن كل رجل وامرأة حرة أن يوقعوا على مطلبنا الراهن بإعفاء راشد الغنوشي من مهام رئاسة البرلمان، الوطن أمانة، عاشت تونس".
من جانبه، يعتبر المحلّل السياسي والمختص في القانون الدستوري، عثمان الحاج علي، أنّ هذه العريضة "لا يمكنها قانونياً سحب الثقة من الغنّوشي، لكن يمكنها أن تكون ورقة ضغطٍ قويةٍ على أعضاء البرلمان، ليكونوا أكثر صرامةً في التعامل مع الشأن العام التونسي الذي يهم الشعب، والمصلحة العامّة".
وشدّد علي في تصريحه لـ"حفريات"، أنّه يمكنها أيضاً أن تسبّب إحراجاً كبيراً لدى رئيس البرلمان نفسه في حال، كان عدد الإمضاءات كبيراً، مشدّداً على أنّ "ما قام به الغنّوشي بزيارة دولةٍ أجنبيةٍ بصفته الرسميّة، وحيداً دون وفدٍ مرافقٍ له، غير سليمٍ، سياسياً ولا قانونياً؛ لأنّه التقى برئيس بلدٍ أجنبي وعقد معه اجتماعاً سرياً تطرّق فيه إلى قضايا تهم تونس وشعبها".
وكان الغنوشي قد اختير لرئاسة البرلمان التونسي في 13 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، بعد فوز حزبه بالانتخابات التشريعية، وحصل على 123 صوتاً من مجموع 217 ليشغل للمرّة الأولى منذ عودته من منفاه في بريطانيا 2011 منصباً رسمياً.

شبح التمرّد يخيّم على حركة النّهضة
جاء ذلك في وقتٍ، تعيش فيه حركة النّهضة هزاتٍ أضعفت تماسكها، بعد توالي الاستقالات داخلها، وكانت هاجر بركوس المسؤولة المحلية لحركة النهضة في نيس بفرنسا، آخر المستقيلين، بعد أن أعلنت الأربعاء 15 كانون الثاني (يناير) 2020، أنّ قرارات وخطابات النهضة، وأنشطتها لم تعد تمثلها.

سليم بسباس: النّهضة تمرّ بمنعرجاتٍ كبيرة خاصّة أنّ الغنّوشي لم يعد له الحق في الترشّح لعهدة ثالثة

وتُعتبر استقالة بركوس حلقةً في سلسلة الاستقالات التي باتت أشبه بحالة تمرّدٍ يضرب البيت الداخلي للحركة، خلال الساعات القليلة التي تلت زيارة زعيمها إلى تركيا؛ إذ أعلن عضو شورى الحركة زياد بومخلة عن استقالته من الحزب، بعد سنواتٍ من النشاط داخل هياكله، دون الكشف عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك.
كما أعلن قبله بساعاتٍ، هشام العريض وهو نجل القيادي الأبرز في الحزب ووزير الداخلية علي العريض، استقالته من الحركة التي شغل داخلها مناصب مهمّة لعشرة أعوام، دون أن يوضح الأسباب، وخرج قبلهما عن الطاعة، كلٌّ من الأمين العام للحركة زياد العذاري، ومستشار الغنوشي لطفي زيتون، ومدير مكتب الغنّوشي السابق زهير شهودي.
ويؤكّد ذلك وجود تصدعٍ وانشقاق في صفوفها، يعكس صراعاً محموماً على إعادة التموضع داخلها، بما قد يؤشر إلى أزمة هيكلية خلال الأشهر القادمة، مع اقتراب تاريخ عقد مؤتمرها الوطني، الذي سيشهد منافسة شديدةً على خلافة الغنوشي في رئاسة الحزب.

وقد أشار القيادي في حركة النّهضة سليم بسباس إلى ذلك، في تصريحه لـ"حفريات"؛ حيث أكّد أنّ الحركة تمرّ بمنعرجات كبيرةٍ، تتعلّق بخياراتٍ كبرى داخلها، كاختيار رئيس حكومةٍ، أو اختيار رئيسٍ جديدٍ للحركة خلال المؤتمر الذي اقترب عقده، خاصّةً أنّ الغنّوشي لم يعد له الحق في الترشّح لعهدةٍ ثالثةٍ.
وأضاف بسباس أنّ ما تعيشه الحركة من استقالاتٍ، وانشقاقاتٍ، طبيعي؛ لأنّ جلّ القيادات ترى في نفسها الكفاءة، لخلافة الغنّوشي، والكلّ يرغب بالتموقع، لافتاً إلى أنّها "حركةٌ كبيرةٌ تضمّ آراء ومواقف مختلفة، وهو ما يكرّس مظهر الديمقراطية، وأنّها لم تعش من قبل مثل هذه الاستقالات، لأنّها لم تمرّ بمنعرجاتٍ كبرى سابقاً".

للمشاركة:

تقرير مرصد الفتاوى: داعش يفتح جبهات جديدة.. هذه وجهتها

2020-01-16

بانتهاء العام 2019 وقعت ألف عملية إرهابية تقريباً، أوقعت 13688 شخصاً بين قتيل وجريح، كما  شهد الربع الأخير من العام تصاعد موجة جديدة من الإرهاب، تحديداً مع بداية كانون الأول (ديسمبر)، وخاصة مع احتفالات رأس السنة الميلادية الجديدة، ومقتل أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش الإرهابي؛ حيث شهد هذا الشهر فقط تنفيذ تسعة وتسعين عملية إرهابية، فيما شهدت الخمسة  شهور الأولى حدوث 518 عملية إرهابية، من كانون الثاني (يناير) حتى نهاية أيار (مايو)، وذلك قبل أن تنخفض موجة الإرهاب من حزيران (يونيو) وحتى نهاية تشرين الثاني (نوفمبر)، بواقع 383 هجوماً، ثم تعود للتصاعد حتى نهاية العام.

الهجمات الإرهابية مرشحة للتزايد وفق التقرير الذي أعدّه مرصد فتاوى التكفير والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية

ووفق التقرير الذي أعدّه مرصد فتاوى التكفير والآراء المتشددة التابع لدار الإفتاء المصرية؛ فإنّ عدد الهجمات الإرهابية مرشح للتزايد، خاصة مع رغبة تنظيم القاعدة استعادة موقعه على خريطة الإرهاب الدولي، وسعيه الحثيث لشغل الفراغ الذي تركه "داعش"، ورغبة التنظيم في الانتقام لمقتل زعيمه "أبو بكر البغدادي"، إضافة إلى التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للمنطقة.
وخلص التقرير إلى أنّ هناك عدداً من المناطق، أبرزها جنوب آسيا، ومنطقة القرن الأفريقي، ووسط وغرب أفريقيا، ومنطقة الشرق الأوسط، ستشهد موجات جديدة من العمليات الإرهابية؛ حيث تستغل التنظيمات الإرهابية، مثل؛ داعش والقاعدة، الظروف المعيشية المتردية وغياب الأمن والاستقرار في تلك المناطق.


تابع التقرير السنوي؛ بأنّ 42 دولة تحولت إلى ساحات لتنفيذ الهجمات الإرهابية، خلال العام 2019، حيث وقع في ستّ دول فقط (أفغانستان، العراق، سوريا، الصومال، نيجيريا، باكستان، بوركينافاسو) ما يقارب من 800 هجوم إرهابي؛ أي ما يقارب من 80% من حجم العمليات الكلية المنفذة العام 2019، وراح ضحيتها 10497 شخصاً، ما بين قتيل وجريح، أي يقرب من 76% من حجم الضحايا الكلي لعام 2019، فيما شهدت 37 دولة أخرى ما يقارب 200 هجوم إرهابي، راح ضحيتها ٣١٩ ما بين قتيل ومصاب.

شهدت أفغانستان والعراق وسوريا والصومال ونيجيريا وباكستان وبوركينافاسو 80% من حجم العمليات الكلية المنفذة العام 2019

كما شهد العام الماضي نشاطاً إرهابياً ملحوظاً لأكثر من 34 تنظيماً إرهابياً في عدة مناطق، وتعدّ تنظيمات (داعش، طالبان، بوكو حرام، شباب المجاهدين، نصرة الإسلام والمسلمين) أكثر التنظيمات النشطة والدموية خلال 2019؛ حيث نفذت التنظيمات الخمس ما يقرب من 695 هجوماً إرهابياً؛ أي ما نسبته 70% من حجم العمليات الكلية المنفذة خلال العام، وقد راح ضحيتها 9642 ما بين قتيل ومصاب، وهو ما يشكل 70% من حجم الضحايا الكلي، فيما نفذت جماعات مجهولة ما يقرب من 174 هجوماً إرهابياً، بنسبة بلغت 17.4% من حجم العمليات الكلية، راح ضحيتها ما يقارب من 1553 قتيل ومصاب؛ أي ما تبلغ نسبته 11.3% من حجم الضحايا الكلي، فيما نفذت بقيت التنظيمات ما يقرب من 131 هجوماً إرهابياً بنسبة بلغت 13% من حجم العمليات الكلي، وراح ضحيتها 2196 بنسبة بلغت 15.8% من حجم الضحايا الكلي للعمليات المرصودة خلال العام.

وأكد تقرير المرصد أنّ تنظيم داعش الإرهابي، رغم الضربات الموجعة التي تعرض لها العام 2019، بإخراجه من آخر معاقله في الباغوز بسوريا، واستعادة كافة الأراضي التي سيطر عليها خلال العام 2014، والقضاء على غالبية قياداته ورموزه المؤسسين، وعلى رأسهم أبو بكر البغدادي، زعيم التنظيم، واعتقال معظم مقاتليه في سوريا والعراق، إلا أنّ التنظيم ظلّ قادراً على تنفيذ عمليات إرهابية في مناطق عدة، خاصة بعد فتح جبهات جديدة لعناصره في غرب أفريقيا ووسطها، والتي تعدّ الساحة الأولى للتنظيم، وهي ساحة مرشحة لعمليات متزايدة للتنظيم في 2020.

غرب أفريقيا ووسطها تعدّ الساحة الجديدة لداعش ومرشحة لعمليات متزايدة للتنظيم في 2020

ويعدّ تنظيم داعش أكثر التنظيمات دموية؛ حيث تسببت عملياته، والبالغ عددها 294 هجوماً في قتل وإصابة أكثر من 3598، بما يقارب من 26% من حجم الضحايا الكلي للعمليات المنفذة خلال العام 2019، فيما يحلّ تنظيم طالبان ثاني أكثر التنظيمات نشاطاً، بواقع 193 هجوماً، راح ضحيتها 2741، بين قتيل ومصاب، رغم المساعي الدولية لتحقيق سلام في أفغانستان، وعقد سلسلة من جولات المفاوضات بين طالبان وحكومة الولايات المتحدة.
وأشار التقرير السنوي إلى أنّ العمليات الإرهابية خلال العام الماضي استهدفت العديد من الفئات، سواء كانوا عسكريين ( قوات عسكرية وجيوش، قوات حفظ سلام دولية وأممية، قوات شرطة وأمن داخلي)، كما استهدفت قطاعات واسعة من المدنيين ومناطقهم الرخوة، سواء في الأسواق أو التجمعات المدنية والسكانية المختلفة، فيما استهدفت بعض العمليات عسكريين ومدنيين معاً، وبلغت نسبة العمليات التي استهدفت العسكريين أكثر من 50% من حجم العمليات المنفذة، فيما بلغت نسبة العمليات التي استهدفت مدنيين 44%، بينما بلغت نسبة العمليات التي استهدفت مدنيين وعسكريين معاً ٥% من حجم العمليات المنفذة خلال العام.

اقرأ أيضاً: من تركيا إلى "داعش".. رحلة مصري منشقّ تكشف الحقيقة
وانتهي تقرير المرصد إلى رسم خريطة للمناطق التي ربما ستشهد ارتفاع في عمليات العنف والإرهاب خلال العام 2020، بناء على خريطة العنف والإرهاب لعام 2019، وهي مناطق (جنوب آسيا، منطقة القرن الأفريقي، وسط وغرب أفريقيا، منطقة الشرق الأوسط)، وحذّر المرصد من أنّ التدخلات الإقليمية والخارجية في شؤون الدول التي تشهد صراعات داخلية، ستعمل على مضاعفة العمليات الإرهابية والعنف في تلك البلدان، ودعا المرصد إلى ضرورة تبنّي خيارات الحوار الوطني والخيارات السياسية والدبلوماسية لحلّ النزاعات المسلحة في تلك المناطق، بعيداً عن التدخلات الخارجية، وأكد المرصد على ضرورة تعظيم أدوار التحالفات الدولية في القضاء على الإرهاب، وعدم تشتيت جهودها في صراعات إقليمية حتى لا تعطي للإرهاب حواضن جديدة، تعيد فيها هيكلة أفرعها ونشاطها، كما دعا المرصد إلى ضرورة الحفاظ على النجاحات التي حققتها الجهود الدولية في القضاء على الإرهاب ومكافحته في الأعوام الماضية. 

جدير بالذكر؛ أنَ تقرير الإرهاب السنوي لعام 2019 يأتي ضمن مخرجات مرصد الفتاوى التكفيرية والآراء المتشددة، وهو المؤشر الذي يهتم بتتبع العمليات الإرهابية ورصدها وتحليلها، واستشراف مستقبل المناطق التي تشهد عمليات إرهابية.
ويهدف المؤشر السنوي إلى تقديم صورة تحليلية مبسطة عن النشاط الإرهابي وامتداداته المختلفة في مختلف دول العالم، في محاولة لرسم خريطة انتشار الجماعات الإرهابية ومناطق توزيعها وتموقعها، مع محاولة تحديد مراكز انطلاق العمليات الإرهابية في الأقاليم المختلفة، كما يركز المؤشر فقط على العمليات الإرهابية التي تنفذها الجماعات المتطرفة التي تتبنّى أيديولوجيا دينية، التي تستهدف المدنيين والقوات النظامية، ويستبعد عمليات العنف التي تنفذها جماعات عرقية أوقبلية في مناطق الصراعات، كبعض الهجمات التي تشهدها منطقة غرب ووسط أفريقيا، خاصة في نيجيريا والكاميرون ومالي.

للمشاركة:



قبل أيام من مؤتمر برلين.. هذا ما أعلنه أردوغان!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أعلن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، اليوم، إرسال قوات إلى ليبيا لدعم قوات ميليشيات، فايز السراج، ضدّ القوات المسلحة الليبية التي يقودها المشير خليفة حفتر.

ويأتي الإعلان عن إرسال القوات التركية قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية، والذي سيشارك فيه أردوغان، وفق ما أوردت وكالة "رويترز".

وقال أردوغان: "تركيا ستواصل استخدام جميع الوسائل الدبلوماسية والعسكرية لضمان الاستقرار على حدودها الجنوبية البرية أو البحرية".

أردوغان يعلن اليوم أنّه سيرسل قواته إلى ليبيا قبل أيام من لقاء برلين المخصص للأزمة الليبية

 مراقبون ليبيون ربطوا تصريحات أردوغان بأطماعه التي تتعلق بسيطرته على ليبيا، ومحاولته عرقلة التوجه الدولي الساعي لإحلال السلم في ليبيا عن طريق إحياء المفاوضات بين الفرقاء الليبيين.

وكانت صحيفة "الغارديان" البريطانية قد نشرت، أمس، تقريراً قالت فيه إنّ ألفي مقاتل سوري قد وصلوا، أو سيصلون قريباً إلى ليبيا قادمين من تركيا، للقتال إلى جانب حكومة الوفاق غير الشرعية، التي يترأسها فايز السراج.

ونقلت الصحيفة، عن مصادر سورية، تأكيدها أنّ 300 عنصر من الفرقة الثانية فيما يعرف بـ "الجيش الوطني السوري"، وهو مجموعة من المقاتلين تدعمهم أنقرة، دخلوا تركيا عبر معبر حور كلس العسكري، في 24 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، كما دخلت مجموعة أخرى قوامها 350 عنصراً، في 29 كانون الأول (ديسمبر)، لتلقي التدريبات الضرورية قبل إدماجهم في ساحات الحرب في تركيا ضدّ الجيش الليبي.

 

 

للمشاركة:

روحاني يقرّ برفع معدلات تخصيب اليورانيوم.. ماذا سيكون ردّ الدول الأوروبية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

أقرّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، اليوم، بتوسيع بلاده معدلات تخصيب اليورانيوم، بما يفوق الاتفاق النووي.

وقال روحاني في كلمة متلفزة: "تخصيب اليورانيوم اليوم في إيران أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق النووي"، مشيراً إلى أنّه "لا توجد اليوم أيّة قيود على البرنامج النووي الإيراني".

وقال روحاني: "طهران لم تنسحب من الاتفاق النووي، وطلبت من البقية التعويض، وإلا ستخفض من التزاماتها".

وأضاف روحاني: "الإدارة الأمريكية خططت للقضاء على النظام الإيراني في غضون 3 أشهر وفشلت".

روحاني: لا يوجد قيود على البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم اليوم أكثر مما كان عليه قبل توقيع الاتفاق

ولفت روحاني إلى أنّ الخطاب الأمريكي تغير تجاه إيران إلى حدّ كبير بعد الضربة الصاروخية، التي وجهتها إيران إلى القواعد الأمريكية في العراق، قائلاً: "الولايات المتحدة الأمريكية تظلم الجميع وتعتدي على الجميع وتسحق مصالح الجميع، لكن لا أحد يجرؤ على قصف معسكراتها بالصواريخ كما فعلت إيران، ربما تطلق بعض الدول التحذيرات والتهديدات، لكن أن تهزّ قاعدتها العسكرية وتجبرها على التراجع عن تهديداتها وتجعل البنتاغون متيقظا طوال الليل فهذا أمر مهم. لقد تغيّرت اللهجة الأمريكية تجاهنا وتراجعت بعد هذه الضربة إلى حدّ كبير".

 جاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان وكالات الأنباء أنّ" الضربة الإيرانية جاءت بتنسيق مع الولايات المتحدة، وأنّها لم تستهدف إلا أجزاء من القواعد العسكرية، التي لا يوجد بها أيّ جندي أمريكي".

 

للمشاركة:

هل ينهي الغنوشي الضجة السياسية التي رافقت زيارته لتركيا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-16

قال الغنوشي، خلال جلسة عامة في البرلمان، أمس: إنّ "زيارته إلى تركيا ولقاءه المغلق بأردوغان، السبت الماضي، كانت بصفته رئيساً لحزب حركة النهضة الإسلامية، وليس رئيسا للبرلمان التونسي، محاولاً تدارك الضجة السياسية التي رافقت زيارته المفاجئة".

وكانت الزيارة المفاجئة أثارت جدلاً في تونس كونها جاءت بعد ساعات من تصويت البرلمان ضد منح الثقة للحكومة المقترحة من مرشح حركة النهضة، وفق ما نقلت وكالات انباء تونسية.

الغنوشي: زيارتي إلى تركيا شخصية حزبية ولا علاقة لها بتمثيل (البرلمان) ولم أتحدث باسمه

ويدور النقاش حول ما إذا كان لقاء الغنوشي بالرئيس التركي، بصفته رئيساً لحزبه حركة النهضة أم بصفته رئيساً للبرلمان، وما إذا كان أحاط البرلمان علماً بتلك الزيارة.

وقال الغنوشي، رداً على استفسار برلماني: "حتى نغلق هذا الموضوع، وكي لا تبقى ملابسات؛ فهي زيارة شخصية حزبية، ولا علاقة لها بتمثيل المجلس (البرلمان)، ولم تستخدم إدارة المجلس، ولا أموال المجلس، ولم أتحدث باسم المجلس في أيّ حديث".

وتابع الغنوشي: "لا يوجد مانع في البرلمان لأن يؤدي أحد رؤساء الأحزاب زيارة خارجية، لا أرى في هذا مشكل"، مضيفاً في توضيحه: "الصفة الرسمية للمسؤول لا تلغي حياته الخاصة ولا صفته الحزبية".

الحزب الدستوري الحرّ يدعو لتوقيع عريضة بين النواب تمهيداً لسحب الثقة من الغنوشي

والغنوشي هو الزعيم التاريخي لحركة النهضة الإسلامية وأحد مؤسسيها مع القيادي الآخر، عبد الفتاح مورو، منذ سبعينيات القرن الماضي، لكن منذ صعوده لرئاسة البرلمان بعد الانتخابات التشريعية، التي أجريت في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وفازت بها حركة النهضة، بدأ قياديون في الحزب بالدعوة إلى ترشيح شخصية بديلة لرئاسة الحركة.

وصرّح عبد اللطيف المكّي، أحد القياديين المخضرمين للحزب في وقت سابق؛ بأنّه يجب التعجيل بتنظيم مؤتمر للحركة لأنّ رئيس الحركة لم يعد قادراً على تخصيص وقت لرئاسة الحزب.

وأوضح المكي: "هناك وجهة نظر قانونية؛ لأنّ هناك من يقول داخل الحزب إنّ القانون الداخلي للحركة ينصّ على أن يكون رئيسها متفرغاً لقيادة الحركة".

وعلى صعيد متصل، طالب الحزب الدستوري الحرّ في تونس، بسحب الثقة من رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، غداة زيارته المفاجئة له إلى تركيا.

تونسيون يطالبون بسحب الثقة من الغنوشي لأنّ زيارته إلى تركيا في هذا الوقت تعدّ خرقاً للسيادة

وقال الحزب في مؤتمر صحفي؛ إنّ سحب الثقة من رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان)، تعدّ الوسيلة الوحيدة المتاحة، لمساءلة راشد الغنوشي.

 ولم يقتصر الأمر على الأوساط السياسية؛ حيث طالبت شريحة كبيرة من الشعب التونسي بسحب الثقة من الغنوشي، لأنّ زيارته تلك إلى تركيا تعدّ خرقاً للسيادة التونسية، خاصة أنّها جاءت بعد قرار عدم منح الثقة للحكومة، ما يعدّ مؤشراً على علاقة تركيا وتدخّلها في الشأن الداخلي لتونس.

 

للمشاركة:



حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابيّة المدعومة من تركيا وقطر التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

العراق وإيران: بين الوردي وشريعتي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

نجاة السعيد

إن التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران تدعونا للبحث عن الفروقات بين المجتمعين. الكثير من شعوب المنطقة ينظرون على أنهما متماثلان لأنهما ذو أغلبية شيعية، كما أن وجود حكومة عراقية انبطاحية بشدة للنظام الإيراني وغير مؤهلة ـ وهذه من أهم أسباب تظاهر الشعب العراقي ضدها لأنها لا تمثل غالبية المجتمع ـ كرس هذا المفهوم بين المجتمعات العربية ولم يلتفت إلا القليل عن الفروقات بين المجتمعين.

ولكي يكون التحليل السياسي صحيحا، علينا أن نحلل المجتمعين لكن من منظور علماء اجتماع وهنا سيتم التركيز على: علي الوردي (1913 ـ 1995) في العراق وعلي شريعتي (1933 ـ 1977) في إيران.

الاثنان عالما اجتماع وأنثروبولوجيا، ومفكران متميزان، ومصلحان اجتماعيان تنويريان، مما يجعلهما قادرين على توفير مفاتيح لمعرفة المجتمعين والعوامل المؤثرة بهما.

ذكر الوردي أن المجتمع العراقي كان له طابعا علمانيا، وأنه معروف، عبر تاريخه الطويل، بانفتاحه على الأديان المتعددة والمذاهب المختلفة حتى صارت هناك أديانا ومذاهبا في العراق فقط دون دول العالم الأخرى كالأيزيدية والشبك والكاكائية وغيرها.

كذلك انتشرت في العراق التيارات غير الدينية مما جعله نقطة قوة في التسامح والتعايش مع تعدد الآراء واختلاف الملل. ونتيجة لهذا التسامح، صار التزاوج والتخالط بين السنة والشيعة أمرا اعتياديا وموجود في مختلف المحافظات والمدن بل باتت العديد من العشائر المعروفة مشتركة بين السنة والشيعة.

وبالرغم من أن التعددية والتسامح تعتبران نقاط إيجابية، إلا أنه من الممكن أن تستغل من ثقافات وأديان مختلفة تؤدي إلى نتائج عكسية مثل انتشار الطائفية والتخلف.

فأحد هذه التأثيرات السلبية، كما ذكر الوردي، على المجتمع العراقي أنه عندما تحول الإيرانيون إلى التشيع، صارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعا إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة أو طلب العلم أو دفن الموتى أو غير ذلك، وكان من طبيعة الإيرانيين ممارسة طقوس كثيرة منها التطبير والإدماء أيام عاشوراء والأربعين على الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رغم رفض العراقيين للتطبير القادم من إيران في القرن التاسع عشر لأنها كانت طقوسا غير محبذة ودخيلة على التشيع العلوي (النجفي) آنذاك.

لكن مع تدهور أحوال العراق السياسية والاقتصادية خاصة بعد حربي الخليج العربي الأولى والثانية وتداعياتهما الظالمة، خاصة في فرض الحصار عليه، الذي أدى إلى هدم البنية التحتية للدولة وتدمير النسيج الاجتماعي، اخترقت إيران المجتمع العراقي وزاد تغلغلها بعد سقوط نظام صدام حسين.

ولعل فهم إيران للمجتمع العراقي جعلها تستفيد من الإطاحة بنظام صدام أكثر بكثير من الأميركيين. وتبعا لذلك زادت ظاهرة تكفير الخلفاء الراشدين وزوجات النبي عند العراقيين بعد 2003 وفي عهد الرئيس السابق باراك أوباما، سلمت العراق إلى إيران بالكامل وغذى ملالي إيران المجتمع العراقي، من خلال سيطرتهم على الحوزات العلمية والحسينيات والبرامج التلفزيونية، بالأحقاد ضد السنة مستغلين ضغائن الذكريات السيئة من ممارسات نظام صدام الوحشية ضد أتباع المذهب.

كذلك شرح الوردي أن المجتمع العراقي مع الوقت بدأ ينتشر به التفاضل الديني عن الحضاري والمنفعي، فقد قال: "لم يكن الوعي السياسي موجودا بداية القرن العشرين وقام مقامه الوعي الديني"، لذلك لم يثر العراقيون على المغول والتتر والعثمانيين رغم ظلمهم الكبير مثلما ثاروا في ثورة العشرين ضد الإنكليز مع أنهم قدموا خدمات كثيرة للعراق، مثل إنشاء القوانين والأنظمة، لكن العلامة الوطنية عند العراقيين كانت بالمزايدة على الوقوف بوجه الإنكليز.

ولعل هذا قد يفسر سكوت الكثير من العراقيين على ما اقترفه النظام الإيراني من دمار في العراق أو حتى لو كان هناك نقد أو امتعاض فإنه لا يكون بنفس الصورة المبالغ بها ضد الأميركيين.

وقد شخّص الوردي ثلاث مشاكل في المجتمع العراقي، والكثير منها تتقاطع مع الكثير من المجتمعات العربية الأخرى، وهي: أولا: الصراع بين قيم البداوة وقيم الحضارة. ثانيا: التصادم الثقافي وازدواج الشخصية. ثالثا: التصادم الاجتماعي حيث التنافس بين مصالح مجتمع زراعي تقليدي وآخر صناعي متحضر.

يؤكد الوردي على ازدواج الشخصية كثيرا، حيث يقول: "المجتمع العراقي يعاني من ازدواج الشخصية بشكل مركز ومتغلغل في الأعماق. فالعراقي كثير الهيام بالمثل العليا والدعوة إليها في خطاباته وكتاباته، ولكنه في نفس الوقت من أكثر الناس انحرافا عنها في واقع حياته".

يقول الوردي أيضا إن المجتمع العراقي يتميز بالنظرة الثاقبة المصحوبة بالنقد اللاذع وأحيانا التذمر وهذا مما يجعلهم يميلون للعصيان على الأمراء والحكام عموما، لذلك يؤكد الوردي "لا ينفع مع هذا المجتمع الأسلوب الوعظي الدارج من السلطة". أحيانا هذه النظرة الناقدة تطول غير العرب مثل: "بين العجم والترك بلوي ابتلينا" وحتى العرب والتي تتمثل في مقولات الوردي المشهورة: "العربي بدوي في عقله الباطن مسلم في عقله الظاهر".

وبالمقارنة مع المجتمع الإيراني، فقد ذكر شريعتي أن مشكلة إيران هي الحلم في التاريخ الإمبراطوري، التي تريد إعادة إنتاجه واستنساخه من جديد بلباس التشيع الصفوي وممارسته المختلفة، التي أدخل عليها الكثير من الانحرافات الفكرية والإشكالات العقائدية والبدع والطقوس. ويرى بعض المتابعين للشأن الإيراني، أن المذهب الشيعي في إيران تداخل مع العقائد القديمة في البلاد وتأثر بالفلكلور والقصص والخرافات عبر التاريخ، فصار "تشيعا فارسيا".

وقد تجلى ذلك واضحا مؤخرا بصورة الحسين بن علي وهو يحتضن قاسم سليماني التي نشرها موقع علي خامنئي الإلكتروني والتي أثارت تفاعلا واسعا بين النشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي. وكأن الإيرانيين بذلك يريدون احتكار حب أهل البيت ودخول الجنة لأتباع التشيع الصفوي فقط، وكأن الباقي ضد محبة سبط رسول الله وليس لهم أفضلية دخول الجنة.

البعض يعتقد أن الإيرانيين متحالفون مع جميع الشيعة، المستضعفين في الأرض، لكن في الواقع الإيرانيين لا يتحالفون إلا مع الذي يخدم مصالحهم من الشيعة أما الشيعي الذي لا يتوافق مع مصلحتهم تتم تصفيته. وقد شاهدنا كيف يتم قتل الشيعة المتظاهرين في العراق من قبل الميليشيات الإيرانية بدم بارد.

وقد أشار شريعتي أن البعد القومي في الشخصية الفارسية يطغى على المذهب، فكم مرة ضحوا بالمذهب الشيعي من أجل القومية. ويؤكد على ذلك تصريحات مستشار الرئيس الإيراني لشؤون القوميات والأقليات المذهبية، علي يونسي، التي اعتبر فيها العراق عاصمة لإمبراطورية إيران.

وما زالت المخيلة الفارسية تعيش العقدة القومية، التي هزتها الحقيقة التاريخية بعدما فتح العرب بلاد فارس في عهد الخليفة الثاني عمر (الفاروق)، وهذا ما يفسر النظرية الفوقية لدى بعض القوميين المتشددين الفرس تجاه العرب.

وقد أشار شريعتي بأن القومية الفارسية قد عزلت المواطن الإيراني عن العربي وباقي المجتمعات الإسلامية لأنها أدت إلى تراجع الشعور الديني المشترك لصالح الشعور القومي.

إن من أكثر نقاط الضعف في الشخصية الإيرانية أنها عاطفية جدا ولا يتعامل مع العقل إلا النخبة من المثقفين، وهذا الذي جعل رجال الدين يستغلونها أسوء استغلال، والذي وصفه شريعتي بـ "الاستحمار الديني"، الذي تمثل بأدلجة المذهب الشيعي بدعوى محبة أهل البيت إلى ثقافة الكراهية واللعن والبراءة من السنة ورموزهم.

ونتج عن ذلك متاجرين في الدين ووعاظ سلاطين لنشر الشرك والخرافة والفرقة، كما أفتى رجال الدين بأشنع الفتاوى مثل جواز الكذب والبهت والسرقة والغدر والغش وغيرها لتحقيق مصالحهم.

كذلك ذكر شريعتي، أن الشخصية الإيرانية تعيش الخوف دائما من الماضي والحاضر، وهكذا استغل الحكام هذا الذعر لترهيبهم، ولو بالبلطجة، والتركيز على ما يخافونه وتكراره وشيطنة الآخر واستدعاء الأفكار الفاشية أمامهم.

وهذا يوضح لماذا يخلق النظام الإيراني الأزمات في المنطقة لأنه يعلم أنه لن يستمر إلا بخلق هذا العدو الوهمي المتمثل إما بأميركا وإسرائيل أو الدول العربية المجاورة ذات الأغلبية السنية.

وهذا الخوف الذي يعيشه الإيراني، زاد من قسوة وتخويف نظامهم في التعامل معهم وكان هذا واضحا فيما قام به الخميني بالإقامة الجبرية لعشر مراجع كبار بعضهم صاحب الفضل عليه.

وبما أن مشكلة إيران هو ذلك الحلم في التاريخ الامبراطوري، وبالتالي احتمال علاقته مع الغرب، بغض النظر عن نوعية النظام إسلامي أم علماني، ستكون في الغالب تصادمية ندية وليست منفعية توافقية كما هي العلاقة مع شرق آسيا.

وقد تجلى ذلك بمواقف ومقولات علي شريعتي، فالبرغم من أنه يدعو للعلمانية وضد رجال الدين في إيران، إلا أنه كان ناقما على الغرب. فقد قال شريعتي: "إن على كل من يريد أن يصير متحضرا عليه أن يستهلك الحضارة التي صنعها الغرب، وإذا أراد أن يرفضها فليظل وحشيا وبدائيا".

وقد كان شريعتي ضد ما بدأ به الشاه محمد رضا بهلوي، الذي أسماه بـ "عصر الانفتاح"، لأنه يرى في حزمة الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، التي قام بها الشاه، تبعية إيران للغرب وتغريب لاقتصادها وحياتها الاجتماعية ومنها الحصانة للرعايا الأميركية والارتباط الأكبر مع أمريكا.

ولعل هذا الرفض للتبعية الأمريكية والتي اتضحت بكتابات شريعتي، كان أحد رموز البعد الأيديولوجي للثورة الخمينية.

ومن خلال التظاهرات المستمرة في كل من العراق وإيران علينا أن نتساءل: ما الذي ستنتج عنه التظاهرات والمواجهة ضد النظامين في كل من البلدين؟ هل نحن أمام جيل عراقي تواق إلى نظام مدني ـ علماني، ومن هنا نتفاءل أن المجتمع سيرجع إلى فطرته الأصلية؟ أم هل العراق في صدد التحرر من التشيع الصفوي وليس إلى العلمانية؟ هل الجيل الجديد، الذي لم يعش ممارسات صدام الوحشية، متحرر من فكرة المظلومية ومستعد الآن إلى بناء دولة وطنية أساسها المصالح المتبادلة أم أن النظرة النقدية اللاذعة المتذمرة ستسمر في تعاملاته مع الدول المجاورة والدول المتقدمة؟ هل الحل هو بإصلاح النظام الحالي في العراق أم أن ما بني على باطل (أساس طائفي) فهو باطل؟

وبالنسبة للتظاهرات في إيران، هل سينتج عنها مجتمعا متحررا من الحلم التاريخي الفارسي الامبراطوري أم سيظل كما هو لكن بقناع مختلف عن التشيع الفارسي الصفوي؟ هل سيتحرر الإيرانيون من العقدة القومية ضد العرب أم سيستمرون بالتخطيط لاحتلال والسيطرة على الدول العربية؟ هل العزلة التي عاشها المجتمع الإيراني تحت حكم النظام الثيوقراطي سيغيره ويجعله أكثر اندماجا مع المجتمعات الإسلامية؟ هل هذه العنجهية الفارسية ستختفي مع الضغوطات السياسية والاقتصادية وتخلق مجتمعا إيرانيا توافقيا مع الغرب أم أن العلاقة ستظل تصادمية؟

على دول المنطقة ودول صانعة القرار خاصة أميركا أن تفكر في كل هذه الأمور وتحللها وعلى أساسها تتخذ القرارات السياسية. فتجربة تحرير العراق من صدام أثبتت لنا أن دراسة المجتمعات لا تقل أهمية عن التخطيط السياسي والعسكري، إن لم تكن أهم.

عن "الحرة"

للمشاركة:

الوجود التركي في ليبيا يفتح الطريق لعودة داعش

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

أكد مسؤول عسكري أميركي بارز عودة أنشطة تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا تزامنا مع إرسال تركيا لمقاتلين سوريين متطرفين للقتال إلى جانب ميليشيات داعمة لحكومة الوفاق التي يقودها فايز السراج.

وتزامنت التصريحات الأميركية مع تأكيد المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة وجود مقاتلين سوريين في ليبيا للقتال إلى جانب الميليشيات.

ورجح سلامة في مقابلة مع إذاعة مونتي كارلو وجود خبراء عسكريين أتراك في ليبيا، لكنه أوضح أن البعثة الأممية لا تمتلك أي مؤشر على نشر تركيا قوات لها في ليبيا.

وعمل الرئيس رجب طيب أردوغان على تثبيت الوجود التركي في ليبيا من خلال إرسال مرتزقة سوريين تحوم حولهم شبهات التطرف والانتماء لتنظيمات جهادية.

وقالت أوساط سياسية وعسكرية ليبية إن المقاتلين التابعين للجماعات المتطرفة يستغلون توقف معركة طرابلس على خلفية اتفاق وقف إطلاق النار لاسترجاع نشاطهم في ليبيا.

وأشار آمر مجموعة عمليات المنطقة الغربية في الجيش الوطني الليبي المبروك الغزوي، إلى أن تركيا ما زالت تقوم بإرسال المسلحين لدعم قوات حكومة الوفاق.

وأضاف الغزوي، في تصريحات صحافية نقلتها الخميس بوابة “أفريقيا الإخبارية” أن “تحريات استخبارات الجيش الليبي أكدت أن الجسر الجوي الذي ينقل المرتزقة السوريين من تركيا إلى مطار معيتيقة لم يتوقف حتى بعد إعلان الهدنة”. وأضاف “ليبيا ستكون مقبرة لكل المليشيات والمرتزقة”.

وأُرسلت قوات تركية إلى ليبيا دعماً لحكومة الوفاق الوطني بموجب اتفاق عسكري أبرم في نوفمبر الماضي من شأنه أن يقوض السيادة الليبية كما يؤجج الصراع الدائر بالبلد.

وشكل التدخل العسكري التركي مثار جدل واسع داخل ليبيا وخارجها لما يتسبب به من تعقيدات على صعيد الأزمة التي يسعى المجتمع الدولي إلى حلها بالطرق السلمية، كما يساهم هذا التدخل في اتساع دائرة انتشار المتطرفين الذين يحاربهم الجيش في أكثر من منطقة داخل ليبيا.

ويخوض الجيش الوطني الليبي منذ أبريل الماضي حربا ضد الإرهاب والميلشيات، وأمام ما حققه الجيش من مكاسب تحاول تركيا عرقلة هذا التقدم بدعم حكومة السراج عسكريا وتغذية الإرهاب، للحد من نجاحات الجيش من جهة، والتمكن من تطبيق أجندتها التوسعية بليبيا من جهة ثانية.

وبات التدخل التركي في الشأن الليبي ودعمها المباشر لحكومة السراج والميليشيات التي تقف وراءها يتم في كنف العلانية.

وسبق أن ذكرت تقارير صحافية بأن أنقرة دشنت جسرا جويا مباشرا ما بين إسطنبول ومطار معيتيقة العسكري قرب طرابلس لنقل المقاتلين السوريين بصفة مرتزقة خاضعين لأوامر قيادات الجيش التركي.

وأشارت تقارير عربية وغربية إلى أن أكثر من ألفي مقاتل سوري أرسلوا إلى ليبيا.

وقال بول سيلفا، نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية إن إدارة الرئيس دونالد ترامب بدأت ملاحظة طفرة “صغيرة” في أعداد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا منذ بدأ المشير خليفة حفتر المعركة في العاصمة طرابلس قبل أكثر من شهرين.

ونقل موقع المونيتور عن سيلفا قوله إن المعركة المتوقفة حاليا من أجل استعادة طرابلس تعطي مساحة للتنفس للإسلاميين وعودة تنظيم الدولة الإسلامية إلى البلاد.

وكان التنظيم المتطرف يتخذ من مدينة سرت معقلا رئيسيا قبل أن تطرده قوات الجيش الليبي.

وقال المسؤول العسكري الأميركي إن المعركة نزعت الانتباه عن داعش، مشيرا إلى أنه تمت ملاحظة “تجدد صغير لمعسكرات داعش في المنطقة الوسطى”.

وأوضح أن “القوات الأميركية التي تساعد في قتال داعش غادرت ليبيا في أبريل الماضي مع تدهور الأوضاع الأمنية”، معبرا عن قلقه من أن يصبح داعش “طرفا ثالثا في القتال في ليبيا”.

بدوره، حذر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من أن التدخل العسكري التركي في ليبيا “يجعل الوضع أكثر تعقيدا”، مشيرا إلى أن هذا التدخل سيخلق المزيد من الارتباك.

وقال الملك عبدالله الثاني في مقابلة صحافية إن عدة آلاف من المقاتلين الأجانب قد غادروا إدلب وانتهى بهم المطاف في ليبيا، وهذا أمر على الجميع في المنطقة العربية وفي أوروبا مواجهته، ويتوقع أن يكون هذا الأمر من أكبر التحديات والتهديدات التي سيعيش على وقعها العالم في عام 2020.

وكانت صحيفة الغارديان نشرت الأربعاء تقريرا أشارت فيه إلى أن “1350 فردا من المقاتلين السوريين شقوا المعبر في اتجاه تركيا في الخامس من يناير. وانتقل بعضهم إلى ليبيا بينما بقي آخرون في جنوب تركيا لتلقي تدريبات في معسكرات خاصة. كما يفكر بعض المنتمين إلى فيلق الشام الإسلامي في السفر إلى ليبيا”.

وذكرت الغارديان “في البداية نشرت تركيا 300 مقاتل من الفرقة الثانية في الجيش السوري الحرّ وغادر هؤلاء المقاتلون سوريا عبر معبر حوار كلّس العسكري في ريف حلب في الرابع والعشرين من ديسمبر، قبل أن يلتحق بهم 350 فردا آخرون في نهاية الشهر نفسه”.

ونقلت الصحيفة عن مصادر في ما يسمى بـ”الجيش الوطني السوري” أن المقاتلين وقّعوا عقودا مباشرة تصل مدتها إلى ستة أشهر مع حكومة الوفاق، مؤكدة على أنها “لم تكن مع الجيش التركي”. وتحدد العقود ألفي دولار شهريا كرواتب، وهو مبلغ ضخم مقارنة بالـ450 و550 ليرة تركية (55 – 80 دولار) التي كانوا يكسبونها شهريا في سوريا.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية