هكذا تنتهك إسرائيل الحقوق الرقمية للفلسطينيين

تتواصل الانتهاكات الرقمية الإسرائيلية بحقّ الموطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية والداخل المحتل، منذ إنشاء وحدة "السايبر" الإسرائيلية، عام 2015، وذلك باعتقال أجهزة الاستخبارات الصهيونية عدداً من الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي ضدّ السياسات الإسرائيلية، لتقوم هذه الوحدة بقرصنة حواسب وهواتف الفلسطينيين، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي، وإزالة المحتويات التي يتمّ نشرها على الشبكة العنكبوتية، لمجرد تعبيرهم عن آرائهم ومعتقداتهم وأفكارهم، في صورة واضحة تبيّن مدى عنصرية الاحتلال الإسرائيلي في تقييد حرية الرأي والتعبير التي كفلتها المواثيق الدولية.

عام 2018 سُجل قرابة 500 انتهاك تعرّض له المحتوى الرقمي الفلسطيني ما بين حظر حسابات وحذف محتوى وإغلاق صفحات

ووفق تقرير صادر عن مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان، خلال عام 2018، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 350 فلسطينياً في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بتهمة التحريض على منصات التواصل الاجتماعي ضدّ إسرائيل، وهي جريمة إسرائيلية قد تصل عقوبتها للسجن لمدة تصل إلى 10 أعوام، بحسب المادتين (251) و(199)، لعام 1961، من القانون العسكري الصهيوني.
وأصدر الكنيست الإسرائيلي، عام 2017، قانون "فيس بوك بيل"، الذي يسمح للمحاكم الإسرائيلية بإغلاق مواقع إلكترونية تنشر مضامين تحريضية، وتدعم الإرهاب والعنف دون سابق إنذار.

اقرأ أيضاً: طريق الحجاج: محاولة إسرائيلية بائسة لخلق تاريخ مزيف لليهود

واعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراره الأول، في تشرين الثاني (أكتوبر) 2009، الذي ينصّ على "أهمية ممارسة الحقّ في حرية الرأي والتعبير، وتعزيزه وحمايته، في وسائل الإعلام بجميع أشكالها". كما دعا القرار الدول إلى "إتاحة المجال للولوج إلى المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات واستعمالها، كشبكة الإنترنت".

اعتقلت أجهزة الاستخبارات الصهيونية عدداً من الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين بتهمة التحريض

تحقيق أهداف سياسية
مدير مركز "شعاع" للإعلام الاجتماعي، يوسف النادي، يقول: "هناك تزايد إسرائيلي واضح لقمع حرية الرأي والتعبير بشكل غير قانوني، من خلال توسعها في عمليات التجسس على الحيز الرقمي للفلسطينيين، مع وجود أكثر من 29 شركة متخصصة في المراقبة والتجسس في إسرائيل، أمثال شركة "بلاك كوب"، و"إن إس أو"، وغيرهما، التي تهدف لمحاربة النشطاء الفلسطينيين، وتحسين صورة الاحتلال الإسرائيلي عالمياً، وجمع التبرعات الخارجية، وتشويه حقوق الشعب الفلسطيني العادلة؛ حيث خصصت الحكومة الصهيونية أكثر من 123 مليون دولار أمريكي لدعم هذه الشركات للقيام بمهامها".

اقرأ أيضاً: هل تكون الخلايا الضوئية في فلسطين بديلاً عن كهرباء إسرائيل؟
ويشير النادي في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّ "شركات التكنولوجيا العالمية (فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، وغوغل) تتواطأ مع الاحتلال الإسرائيلي للسماح لوحدة "السايبر" الإسرائيلية بمراقبة المحتوى الرقمي الفلسطيني، بعد أن قامت بالاستجابة لأكثر من 98% من طلبات الاحتلال بإزالة منشورات ترى إسرائيل أنّها تحريضية، وتؤثر في الأمن القومي الصهيوني، وذلك في التفاف واضح على اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية، التي كفلت الحقوق الرقمية لجميع السكان حول العالم، وتجاهلتها هذه الشركات لتحقيق أهداف سياسية تتماشى مع المصالح الصهيونية في المنطقة".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستغل الأراضي الفلسطينية لزراعة مخدر القنب الهندي
وأدت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني إلى "عدم وجود شركات فلسطينية مستقلة ومتطورة، وبقيت هذه الشركات معتمدة على الشركات الإسرائيلية، التي تعمل جاهدة لعدم تزويدها بالخدمات التكنولوجية الحديثة، كخدمات الجيل الثالث والرابع، وفرض فجوة رقمية فيها، لتصبح هذه الشركات تابعة بشكل تام للشركات الصهيونية تتحكم فيها وتسيطر عليها وتعيق تنميتها وتطورها".
النادي: فيسبوك على وجه الخصوص لا يقوم بإزالة المحتويات الصهيونية المناهضة للشعب الفلسطيني

تواطؤ فيسبوك مع إسرائيل
واستدرك النادي بأنّ "شركة فيسبوك على وجه الخصوص لا تقوم بإزالة المحتويات الصهيونية المناهضة للشعب الفلسطيني، بينما تقوم بحذف المضامين الفلسطينية المنددة بالسياسات الإسرائيلية وممارسات المستوطنين العنصرية، الذين تصنفهم الشركة بأنّهم مجموعات محمية، مما أدى لقيام فيسبوك بمراقبة صفحات الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين، وإغلاق عدد منها، كما تسعى الوحدة الاستخباراتية (8200) الصهيونية، وجهاز الشاباك الإسرائيلي إلى فتح وإنشاء صفحات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي، لتشويه صورة الفلسطينيين وتزييف الحقائق، وإسقاط عدد من الفلسطينيين في وحل العمالة لصالح الاحتلال الإسرائيلي".

خبير في أمن المعلومات: منشور تحريضي إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين على شبكات التواصل كلّ 70 ثانية من أجهزة الاستخبارات

ويبين النادي أنّ "فيسبوك تخشى قيام دولة الاحتلال برفع دعاوى قضائية ضدّها، مع وجود مكتب تمثيلي للشركة في تل أبيب، وهو ما يجعلها قريبة ومتأثرة بصنّاع القرار الإسرائيليين، إضافة إلى استفادة شركة فيسبوك من التقدم التقني الإسرائيلي في مجال تكنولوجيا المعلومات؛ حيث تجاوزت صادرات الاحتلال من التكنولوجيا الرقمية إلى عدد من دول العالم صادراتها من المعدات العسكرية والحربية، وهي قواعد تفضح دعم فيسبوك وتعاونها مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إسرائيل، من خلال دعمها للاحتلال والسماح له بمراقبة محتوى الفلسطينيين رقمياً".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تُغرق فلسطينيي 48 في مستنقع العنف والجرائم

ودعا النادي إلى "ضرورة الضغط الرسمي والشعبي على الاحتلال الإسرائيلي، وشركات وسائل التواصل العالمية، لاحترام الحقوق الرقمية للشعب الفلسطيني، وتجنّب انحيازها لطرف على حساب الآخر، وأن تضغط السلطة الفلسطينية دولياً لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحترم حقوق الإنسان وحرية الرأي التعبير، والبعد عن التحريض ضدّ الشعب الفلسطيني".
تجنيد عدة وحدات بداخل الجيش الإسرائيلي لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية

منشور تحريضي كلّ 70 ثانية
الباحث والخبير في مجال أمن المعلومات، أمين الجيوسي، أبلغ "حفريات" بأنّ "سلطات الاحتلال الإسرائيلي عمدت خلال الأعوام الماضية إلى تجنيد عدة وحدات بداخل الجيش لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية، كالوحدتين  (8200) و (504)، وهما اللتان تقومان بالتغلغل داخل المجتمعات العربية، لا الفلسطينية فقط، ويتحدث أفرادها اللغة العربية بطلاقة، كما لدى هاتين الوحدتين القدرة الكبيرة على التعامل مع جميع الوسائل التكنولوجية، ومراقبة جميع ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتبّع أصحابها، وجمع البيانات والمعلومات عنهم، لاعتقالهم أو الإيقاع بهم في شباك العمالة مع الاحتلال الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: السياحة الاستيطانية: شركات عالمية تتواطأ مع إسرائيل للسطو على التاريخ الفلسطيني

ويشير إلى أنّ "السلطات الإسرائيلية تستخدم مصطلح التحريض للقبض على النشطاء والمواطنين الفلسطينيين، وزجّهم داخل المعتقلات في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة، من خلال سيطرة الاحتلال على جميع وسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة الاتصال المختلفة، إضافة إلى اختراق الهواتف الخلوية والأجهزة اللوحية وصفحات البريد الإلكتروني، والتجسّس على أصحابها، والاستيلاء على معلوماتهم وبياناتهم، حتى إن كانوا يحملون أسماء وهمية".

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تهديد السلطة الفلسطينية بالخروج من بروتوكول باريس؟
يقول الجيوسي "هناك منشور تحريضي إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين على شبكات التواصل الاجتماعي، كلّ 70 ثانية، من أجهزة الاستخبارات الصهيونية، ووحدة "السايبر" بالجيش الإسرائيلي، بالتعاون مع بعض المؤسسات الأكاديمية، من خلال تجنيد الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية لعدد من طلبة الجامعات الإسرائيليين، ودفعهم للترويج للرواية الصهيونية على منصات التواصل الاجتماعي، والتحريض على الفلسطينيين؛ من خلال رصدهم لكلمات مفتاحية عليها، (مثل: شهيد، أو انتفاضة، وغيرهما)، لمراقبة الفلسطينيين وتعقب محادثاتهم، مستفيدين من تواطؤ شركات التواصل العالمية مع الاحتلال لتنفيذ سياساته العنصرية، وإزالة المنشورات المناهضة لدولة إسرائيل".

500 انتهاك للمحتوى الرقمي الفلسطيني

وبحسب إحصائية صادرة عن مركز "صدى سوشال"، المتخصّص في مجال مواقع التواصل الاجتماعي، عام 2018؛ فقد تمّ تسجيل قرابة 500 انتهاك تعرّض لها المحتوى الرقمي الفلسطيني، وتوزعت الانتهاكات بين حظر حسابات، وحذف محتوى، وإغلاق صفحات، وكان للصحفيين النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات، والتي تركزت في موقع فيسبوك أكثر من باقي المواقع والمنصات.
وأشارت الإحصائية إلى أنّه لا توجد جهات رسمية فلسطينية للدفاع عن المحتوى الفلسطيني الرقمي، إضافة إلى عدم وجود اهتمام كافٍ من قبل المؤسسات الأهلية الفلسطينية بهذا الجانب، في الوقت الذي أفرزت فيه الحكومة الإسرائيلية لجنة وزارية لمتابعة التواصل مع منصات الإعلام الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: مقابر الأرقام.. هل قدر الفلسطينيين السجن حتى بعد الموت؟

وعن تفاصيل الانتهاكات التي تعرض لها المحتوى الفلسطيني عبر منصات التواصل الاجتماعي، بينت الإحصائية أنّها توزعت على النحو الآتي: "موقع فيسبوك 370 انتهاكاً، يليه موقع يوتيوب 45، وتويتر 60، والأنستغرام 30"، ليكون المجموع قرابة 500 انتهاك ضدّ المحتوى الفلسطيني عبر الشبكة العنكبوتية، وخلال العامين الأخيرين تمّ رصد قرابة 800 حالة اعتقال من قبل قوات الاحتلال للفلسطينيين.

الأقسام: