هل تغدو القارة السمراء ساحة للثأر من اغتيال سليماني؟

هل تغدو القارة السمراء ساحة للثأر من اغتيال سليماني؟

مشاهدة

26/11/2020

منذ لحظة اغتيال قائد فيلق القدس، قاسم سليماني، والقيادي في الحشد الشعبي العراقي، أبو مهدي المهندس، مطلع العام الحالي، في غارة جوية أمريكية، بالقرب من مطار بغداد، تعدّدت التحليلات والتقديرات السياسية، وكذا التقارير الأمنية، حول ردّ الفعل الإيراني، المتوقّع والمحتمل، على استهداف اثنين من القادة المؤثرين في الحرس الثوري الإيراني، لا سيما قائد فيلق القدس الذي يؤدّي مهمّات إستراتيجية، سياسية ميدانية، في عدة مناطق حيوية، تعدّ من أبرز امتدادات طهران الجيوسياسية، مثل اليمن وسوريا والعراق.

التوغّل الإيرانيّ في أفريقيا

إثر الضربة الجوية الأمريكية، تباينت الترجيحات والتحذيرات التي قدمها الباحثون في المجالين الأمني والسياسي، بخصوص مدى جاهزية النظام الإيراني للثأر أو الانتقام من عملية اغتيال سليماني، بوجه خاص، وتحديد البؤر أو الجيوب التي ستعمل طهران على تنشيطها، ومن ثم، تحريك عناصرها الميليشياوية المسلّحة لجهة تنفيذ هجوم مسلّح ضدّ المصالح الأوروبية والغربية، المرتبطة بالولايات المتحدة.

تسبّب اغتيال سليماني والمهندس في رفع درجة التوتر والمواجهة الخشنة بين طهران وواشنطن، وبالدرجة نفسها، شكّل الحادث ضغوطاً مضاعفة على النظام، محلياً، وقد فاقم من الأزمة الداخلية المحتدمة، في ظلّ الاحتجاجات الشعبية المتواصلة، منذ نهايات العام 2017، وتتراوح أسبابها بين الاجتماعيّ والسياسيّ والحقوقيّ، فضلاً عن رفض الأدوار السياسية والعسكرية التي يؤدّيها الحرس الثوري بالخارج وإدانتها.

تباينت الترجيحات والتحذيرات التي قدّمها الباحثون في المجالَين، الأمني والسياسي، بخصوص مدى جاهزية النظام الإيرانيّ للثأر أو الانتقام من عملية اغتيال سليماني

وفي ظلّ حالة التوتر القصوى، والإحراج الشديد الذي تعرّض له النظام الإيراني، محلياً وخارجياً، عمدت الأطراف الراديكالية، وممثلو الجناح المحافظ، إلى حشد الخطابات التعبوية، من خلال تكثيف التهديدات الإيرانية ضدّ الولايات المتحدة، والتشديد على استهداف مصالح الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، حسبما أوضح حسين سلامي، قائد الحرس الثوري الإيراني، الذي قال إنّه "تمّ تحديد 35 هدفاً أمريكياً حيوياً في المنطقة، إضافة إلى إسرائيل".

اقرأ أيضاً: هل تكون أفريقيا ساحة انتقام إيران لمقتل سليماني؟

وتابع الجنرال سلامي، في تصريحات بثّتها منصّة "سباه نيوز"، التابعة للحرس الثوري الإيراني: "ثأر طهران لاغتيال الجنرال قاسم سليماني سيطال المتورّطين فيه، لكنّه سيكون بالوقت الذي تحدّده طهران، وتراه مناسباً"، مؤكداً على أنّ "ثأرنا لاستشهاد قائدنا العظيم هو مؤكّد، وجدّي، وواقعيّ، لكنّنا شرفاء، ونأخذ مسألة الثأر بإنصاف وعدالة".

تهديدات إيرانية

بيد أنّ تحريك "الخلايا النائمة" للحرس الثوري، في أفريقيا على وجه التحديد، لاستهداف المصالح الأمريكية والغربية، ظلّ نقطة التوافق في مجمل تقديرات العديد من الباحثين والصحفيين، المختصّين في الشؤون الأمنية والعسكرية؛ إذ أوضحت مجلة "إيكونوميست" البريطانية، مؤخراً، أنّ ردّ الفعل العسكريّ الإيراني على مقتل القائد العسكري الأبرز لديها "سيكون في أفريقيا؛ حيث أمضت طهران سنوات طويلة مضت، في بناء شبكات سرّية، لا تراقب كثيراً من قبل الحكومات المحلية، كما أنّ لإيران تاريخاً في هذه القارة، وقد اعتقلت الشرطة النيجيرية، عام 2013، ثلاثة لبنانيين، بعد الكشف عن مستودع أسلحة في منطقة كانو، أكبر مدن الشمال، بينما اعترف الثلاثة، آنذاك، بأنّهم أعضاء في ميليشيا حزب الله، وبأنّهم كانوا يخططون لمهاجمة السفارة الإسرائيلية، وأهداف غربية أخرى".

وقد اتّهم تقرير مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، نهاية العام الماضي، إسماعيل جدة، أحد المتعاونين مع الحرس الثوري، والمعتقل في تشاد منذ عام 2019، بأنّه قام بـ "مساعدة فيلق القدس في تجنيد وتدريب خلايا إرهابية، تتواجد في جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والسودان، وذلك لضرب مصالح سعودية وإسرائيلية"، كما اتّهم التقرير الأممي ميشيل دجوتوديا، الرئيس الخامس لأفريقيا الوسطى، بلقاء مسؤولي فيلق القدس في إيران، عام 2016، والموافقة على إنشاء شبكة إرهابية، وذلك مقابل أن تساعده إيران في استعادة السلطة".

خلايا إرهابية

يتّفق والرأي ذاته، التقرير المنشور في صحيفة "ديلي تليغراف" البريطانية، في حزيران (يونيو) الماضي، الذي نقل فيه محرّر شؤون الدفاع، كون كوغلين، عن مصادر أمنية غربية، أنّ لدى "طهران شبكة من الخلايا الإرهابية في أفريقيا، تعتمد عليها في ضرب مصالح أمريكية وغربية، وذلك للردّ على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن عليها"، مضيفاً أنّ "تلك الخلايا قد تشكّلت بواسطة قائد فيلق القدس السابق، بينما تنحصر مهمّتها في ضرب المصالح الأمريكية والغربية، المنتشرة في القارة السمراء، ومن بينها استهداف السفارات والمسؤولين؛ إذ يرجّح وجود الخلايا المنتمية للحرس الثوري في عدد من الدول، أبرزها: السودان وتشاد وغانا والنيجر وغامبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى".

د.عبد الملك الحامدي لـ "حفريات": يشكّل المسلمون الغالبية العظمى في معظم دول الغرب الأفريقي، ولذلك أوجدت إيران لنفسها موطئ قدم في تلك الدول

وبحسب الدكتور عبد الملك الحامدي، الباحث المتخصّص في الشأن الإيراني، فقد شهدت سياسة إيران في دول الغرب الأفريقي، توافقاً مع سياستها المتبعة في المنطقة العربية، التي تتركز على البعد الدينيّ، الذي تبرّر به تدخّلها في الشأن الداخلي لتلك الدول، وذلك من خلال نشر المذهب الشيعيّ، وتعزيز دور المنظمات الخيرية والدعوية والإغاثية؛ إذ إنّها تعتمد على تلك المنظمات، التنموية والدينية، لتكون غطاء لتمرير أنشطتها السياسية والأيديولوجية، مضيفاً لـ "حفريات": "يشكّل المسلمون الغالبية العظمى في معظم دول الغرب الأفريقي، ولذلك أوجدت إيران لنفسها موطئ قدم في تلك الدول، مثل نيجيريا والسنغال؛ حيث بدأت مرحلة التأسيس منذ سبعينيات وثمانينات القرن الماضي، بشكل خاص، وذلك بالتزامن مع هجرة أعداد كبيرة من المهاجرين اللبنانيين من الطائفة الشيعية إبان الحرب الأهلية".

آليات النشاط الإيراني في القارة

ويتابع: "في الفترة التي أعقبت الحرب الأهلية اللبنانية، ومع هجرة اللبنانيين إلى أفريقيا، كانت الحكومات الأفريقية، ومن بينها غانا، مثلاً، أكثر مرونة مع إيران بخصوص أنشطتها على أراضي الشمال الأفريقي، بحجة مساعدة المسلمين والمهاجرين اللبنانيين، وفي هذا السياق، تزايدت وتيرة التشييع بين أبناء السنّة، وبدأت طهران في بناء المراكز الطبية والمدارس، التي تروّج لها ولثورتها الإسلامية، وأبرزها الجامعة الإسلامية في غانا، كما أنّ الحال لا يختلف كثيراً في نيجيريا، التي تحتضن اليوم نسبة كبيرة من الشيعة، رغم أنّه لم يكن هناك أيّ وجود شيعيّ، قبل ثمانينيات القرن الماضي نهائياً، ولا توجد إحصائيات ثابتة حول تعداد الشيعة في نيجيريا، ولكن يقدّر تعدادهم حالياً بما لا يقل عن 3.5 مليون، وهناك مصادر أخرى توضح أنّ عددهم لا يقلّ عن 10 ملايين".

ويلفت الحامدي إلى أنّ "حملات التشييع في نيجيريا يقودها إبراهيم الزكزاكي، الذي يرأس ما تُعرف بـ "الحركة الإسلامية النيجيرية"، وقد قامت إيران باستقطابه بعد أن تابعت ميوله السياسية المنحازة لأدبياتها وأفكارها، فعمدت إلى توظيفه في عدة أدوار سياسية لحسابها، وبدوره، استفاد من تلك الارتباطات الجديدة، التي تخدم طموحه بصدد الوصول للحكم، بواسطة الانقلاب على الحكومة؛ إذ إنّه سعى بشكل محموم إلى تشكيل مجموعة مسلّحة، على غرار حزب الله اللبناني في نيجيريا، كما اتّخذ من مناطق الشمال، خصوصاً في ولايتَي كوتو وسوكوتو، ثكنة له ولميليشياته، في محاولة للانقلاب على النفوذ السنّي في تلك الولايات".

اقرأ أيضاً: قيادي في حماس يثير الجدل بحديث عن قاسم سليماني... ماذا قال؟

كما يبرز النشاط الاقتصادي، وحجم التبادل التجاري، مدى التغلغل والنفوذ الإيراني بأفريقيا، والذي بدأ مع وصول الرئيس الإيرانيّ السابق، هاشمي رفسنجاني، لسدّة الحكم، في الفترة بين عامَي 1989 و1997، حسبما يشير الباحث المتخصص في الشأن الإيرانيّ؛ إذ أولى رفسنجاني "اهتماماً منقطع النظير لبناء جسور التعاون الاقتصاديّ في سياسته الخارجية مع الدول الأفريقية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، بينما استمرّت هذه السياسة إلى أن وصلت ذروتها، في فترة حكم محمود أحمدي نجاد، والذي أسّس مصنع "إيران خودرو" للسيارات، في السنغال، عام 2007، ويعدّ المصنع الأول من نوعه في المنطقة، ومنه تصدر إيران منتجاتها من السيارات إلى سائر دول أفريقيا، وحتى تركيا، بأسعار زهيدة".

الصفحة الرئيسية