هل للدين دور حاسم في مواجهة التغير المناخي؟

هل للدين دور حاسم في مواجهة التغير المناخي؟
3300
عدد القراءات

2019-12-12

ترجمة: محمد الدخاخني


يعتبر خطاب التّغيّر المناخيّ بشكل عامّ مفهوماً غربيّاً في معظم الدّول الإسلاميّة. وباكستان، الّتي يبلغ عدد سكّانها حوالي 220 مليون نسمة، ليست استثناءً. أوّلاً، لا يشكّل التّغيّر المناخيّ موضوع نقاش عامّ هنا، كما يتّضح من حقيقة أنّ بضعة آلاف فقط شاركوا في مسيرة "جُمَعٌ من أجل المستقبل"، في أيلول)سبتمبر( الماضي. وغالبيّة النّاس، الّذين يكافحون في كثير من الأحيان لتغطية نفقاتهم، إمّا لا يهتمّون بالتّدهور البيئيّ أو يرفضونه بوصفه أجندة نخبويّة تروّج لها المنظّمات غير الحكوميّة.
إذن، ما الّذي يمكن القيام به لخلق وعي حول قضيّة عالميّة وخطيرة تهدّد النّظام البيئيّ والوجود الإنسانيّ بأكمله؟

يمكن استخدام السرديات الدينية التي تدعم أجندة صديقة للبيئة أن تساعد في زيادة الوعي بشأن التغير المناخي

يقول نشطاء إنّ نقص التّعليم في دول مثل؛ باكستان يصعّب بشكل أكبر القيام بحملة لحماية البيئة. ويؤكّد مشروع "إيكو إسلام" التّابع لهيئة "دويتشه فيله" على الحاجة إلى التّواصل مع المجتمعات المحلّيّة والتّحدّث معها بلغتها الخاصّة حول القضايا البيئيّة. ونظراً لأنّ الدّين يلعب غالباً دوراً كبيراً في حياة النّاس، فإنّ استخدام السّرديّات الدّينيّة الّتي تدعم أجندة صديقة للبيئة يمكن أن يساعد في زيادة الوعي بشأن التّغيّر المناخيّ.
وبعد مؤتمر "إيكو إسلام" الأوّل في جاكرتا، إندونيسيا، في الشّهر الماضي، عقدت "دويتشه فيله" المؤتمر الثّاني في كراتشي، باكستان، يوم السّبت. وكان الهدف من المؤتمر تسليط الضّوء على الرّسائل الصّديقة للبيئة في الإسلام وتشجيع رجال الدّين على نشر وتعزيز قضيّة مكافحة التّغيّر المناخيّ. وتعاونت منظّمة "الدّور الثّاني"، وهي منظّمة غير حكوميّة مقرّها كراتشي، مع "دويتشه فيله" في ترتيب الفعالية.

بناء الجسور

من جانبه، أخبر المدير العام لـ "دويتشه فيله"، بيتر ليمبورغ، مؤتمر كراتشي أنّ الوقت قد حان لإدخال الدّين في النّقاش حول التّغيّر المناخيّ. وقال ليمبورغ: "يتمتّع الزّعماء الدّينيّون بقدرة كبيرة على الوصول إلى عامّة النّاس. وفي بعض الأحيان لا تستطيع الحكومة ووسائل الإعلام التّأثير عليهم بهذه الطّريقة. ومن المهمّ أيضاً تذكير النّاس بأنّ دياناتهم  لطالما أكّدت على حماية البيئة".
وأضاف المدير العام: "يمكننا، باعتبارنا مؤسّسة إعلاميّة، تقديم الكثير. يمكننا إطلاق حوارات. لكنّنا لا نريد أن نعلّم النّاس ما يجب عليهم القيام به؛ نستطيع فقط طرح أفكار يمكنهم من خلالها حماية بيئتهم".

اقرأ أيضاً: كيف خلق التغيّر المناخي حروباً لأجل شربة ماء؟
ورأى موشين نقوي، وهو باحث في الإسلام، أنّ المصادر المقدّسة في الإسلام يمكن أن تُلهم النّاس ليصبحوا أصدقاء للبيئة.
وأوضح قائلاً: "فإذا نظرنا إلى تعاليم الإسلام، نجد العديد من الأمثلة الّتي تحثّ على حماية البيئة. على سبيل المثال، أصدر النّبيّ محمّد تعليمات للمسلمين برعاية البشر والحيوانات وحتّى الأشجار. ولا يسمح للبشر بإلحاق الضّرر بالنّظام البيئيّ".
وأضاف: "إنّ مبادرة دويتشه فيله توفّر منصّة لأشخاص من مختلف الأديان لمناقشة مسألة التّغيّر المناخيّ. لكنّنا بحاجة إلى التّواصل مع الجماهير. فهذه الحوارات تستهدف عادة طبقة متعلّمة، ونحن بحاجة إلى التّواصل مع الأشخاص العاديّين".

تفاقم مشكلة المناخ

تواجه باكستان عدداً من التحدّيّات بسبب التّدهور البيئيّ والتّغيّر المناخيّ. فقد أدّى الاحترار العالميّ إلى فصول أطول وأقسى، وندرة المياه في الدّولة الواقعة في جنوب آسيا وصفت بأنّها تهديد أكبر من الإرهاب.
وأدّى التّوسّع العمرانيّ وقطع الأشجار إلى زيادة كبيرة في تلوّث الهواء في العقود القليلة الماضية. وحذّرت منظّمة العفو الدّوليّة يوم الجمعة من أنّ عشرات الآلاف من سكّان مدينة لاهور معرّضون لخطر الإصابة بأمراض الجهاز التّنفّسيّ بسبب رداءة نوعيّة الهواء. وألقت المنظّمة بالّلوم في ارتفاع مستويات الضّباب الدّخانيّ على الاستجابة غير الكافية للحكومة الباكستانيّة.

إذا نظرنا إلى تعاليم الإسلام، نجد أمثلة تحثّ على حماية البيئة؛ فالنّبيّ أصدر تعليمات للمسلمين برعاية البشر والحيوانات وحتّى الأشجار

وأقرّ مرتضى وهب، مستشار البيئة لرئيس وزراء مقاطعة السّند، بأنّ التّغيّر المناخيّ لم يتمّ التّصدّي له بالشّكل الصّحيح في بلاده. وقال: "إنّه قطاع مهمل في باكستان. لكنّنا الآن نتعامل مع هذه المسألة بجدّيّة. وقد اعتمدنا مؤخّراً سياسة تهدف إلى زيادة الشّراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ لحماية البيئة. كما حظرنا استخدام البلاستيك المخصّص للاستعمال لمرّة واحدة".
وقال داعية البيئة الباكستانيّ توفيق باشا موراج إنّ السّلطات الباكستانيّة "ليس لديها وقت لمعالجة التّغيّر المناخيّ".
وأضاف: "لكن يجب أن أضيف أنّه في الآونة الأخيرة تُجبَر السّلطات على إيلاء المزيد من الاهتمام لمشكلات المناخ لأنّها أصبحت أكثر وضوحاً وتؤثّر على حياة النّاس".

اقرأ أيضاً: التغيّر المناخي يعيد تشكيل خريطة العالم والطبيعة البشرية
وقال النّاشط البيئيّ أيضاً إنّه لا يجب على النّاس النّظر دائماً إلى الحكومة لإصلاح مشكلاتهم. "إنّنا بلد يبلغ عدد سكّانه 220 مليون نسمة. وإذا وفّر كلّ شخص قطرة ماء كلّ يوم، فبإمكاننا توفير 220 مليون قطرة ماء كلّ يوم".


شامل شمس، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/why-religious-narratives-are-crucial-to-tackling-c...

اقرأ المزيد...
الوسوم:



باريس تواجه تحديات جهادية جديدة في الساحل الأفريقي.. ما أبرزها؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-27

ترجمة: مدني قصري


بعد 7 أعوام من قرار فرانسوا هولاند بإرسال جنود فرنسيين إلى شمال مالي بهدف منع الجماعات الإسلامية من السيطرة على البلاد، حان الوقت لإعادة تحديد وتوضيح أهداف عملية "برخان".
لقد شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد، والحاجة إلى تغيير مخططاتهم ومجالات تدخلهم، وذلك بعد الاجتماع الذي عقده قادة منطقة مجموعة الخمس G5، في باو، في 13 كانون الثاني (يناير) من العام الجاري، في سياق يزداد تعقيداً وخطورة بالنسبة لفرنسا.

شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد
كانت بداية القمة، التي كان من المقرر انعقادها أصلاً في 16 كانون الأول (ديسمبر) 2019، جد سيئة؛ حيث جاءت في أعقاب مقتل 13 جندياً فرنسياً في المعركة، في 25 تشرين الأول (نوفمبر) الماضي، وكان لدى رؤساء الدول الأفريقية انطباع سيئ حول استدعاء إيمانويل ماكرون لهم إلى مدينة باو بجنوب غرب فرنسا، الحامية العسكرية التاريخية، لأجل 7 من الضحايا، في حين تشجب جيوشهم مئات الوفيات.

التهديد الجهادي يبعث على المزيد من القلق فهو متجذر بين السكان الأصليين وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد

وتمّ تأجيل الاجتماع أخيراً، بعد هجوم شنّه الجهاديون في شهر كانون الثاني (يناير) الجاري على ثكنات نيجيرية؛ حيث أعاد الزعماء الأفارقة الخمسة تأكيدهم على طلب فرنسا بالتدخل لإعادة تعريف أهداف "برخان"، من جهة، والرغبة في التوسع إلى شركاء جدد في الاجتماع، من جهة أخرى.
إنّ تخفيف حِدة التوترات التي يغذيها الخطاب المعادي للفرنسيين في بلدان الساحل ليس مجرد وهم؛ فلم تعد المسألة تتعلّق بمنع الجهاديين الأجانب من بناء ملاذ في شمال مالي، بل باتت تتعلّق بالقتال ضد المقاتلين المحليين الذين يستخدمون الخطاب الإسلاموي لفرض سيطرتهم على السكان والاستيلاء على السلطة في 3 دول. ويبعث التهديد على المزيد من القلق، فهو متجذر بين السكان الأصليين، وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد في بعض الأحيان، مما يضع الجيش الفرنسي في وضع مربك ومعقد.
الفخ يزداد انغلاقاً
السلفيون في الساحل، حتى لو صَدمت مفاهيمُهم الدينية التقاليدَ المحلية، فإنّهم يستغلون النزاعات على الأراضي بين المزارعين والرعاة، ويشككون في الأرباح التي يستمدها الزعماء التقليديون من السيطرة على ما يأتي وما يخرج من بضاعة وأشياء أخرى؛ بما في ذلك الاتجار بالأسلحة والمهاجرين والمخدرات، كما يستغل السلفيون شعور الظلم الذي تشعر به الفئات المحرومة من السكان، حيث يتهم الجهاديون، القوى المركزية بالفساد ويتهمون الحكام الأفارقة بالعجز عن ضمان الحد الأدنى من صلاحيات الدولة؛ الأمن والعدالة والصحة والتعليم.

اقرأ أيضاً: لماذا ترفض شعوب الساحل الأفريقي الوجود العسكري الفرنسي؟
كيف يمكن أن يحكم الجنود الفرنسيون مثل هذه النزاعات المحلية دون أن يكونوا شركاء مع الأنظمة الفاسدة التي لا تحظى بالشعبية؟ تأمُل باريس الخروج من هذه النزاعات من خلال مغادرة شمال مالي - حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية - ومن ثمّ إعادة الانتشار في منطقة ليبتاكو، على حدود مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث يتركز التهديد الآن.

يود الجيش الفرنسي منع جماعة "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" (EIGS)  من أن تتجذر أكثر في ما يُسمى بمنطقة الحدود الثلاثة، بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث الوضع الأمني الأكثر تدهوراً، ويقول الجنرال لوكنتر إنّه "اليوم، في هذه المنطقة الشاسعة للغاية، الموارد المتاحة لعملية برخان ليست كافية لنشر الجنود على مدار 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع". وإن قامت عملية برخان بتعبئة 4500 رجل رسمياً، فهناك حوالي 2000 فقط موجودون بالفعل على الأرض.

تأمل باريس الخروج من هذه النزاعات بمغادرة شمال مالي حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية

ومنذ بدء العملية الفرنسية في مالي، كان عام 2019 أكثر الأعوام دموية؛ بحصيلة 1500 قتيل عسكري من جانب الجيوش المشاركة، و 4000 ضحية مدنية.
مع ذلك، فقد بدأ الفخ ينغلق؛ ففي حين يزيد الاستمرار في القتال من خطر التورط في الوحل والتعرض للجيوش المحلية، إلّا أنّ الانسحاب سيكون أسوأ من ذلك، حيث سيدفع بلدان الساحل وسكانها إلى الفوضى وإلى قبضة الديكتاتورية الدينية، مع ما يترتب على ذلك من آثار فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب.
ويحتاج الأمر إلى أكثر من قمة واحدة لمجموعة الخمس، حتّى يتم إزالة سوء التفاهم حول فوضى ساحلية ليس لها حلول جيدة دون دعم بناء الديمقراطيات الأفريقية التي تحترم أخيراً جميع السكان.
"الحرب في الساحل لا يمكن كسبها بواسطة قوة غربية"
قام كل من جان ميشيل ديبرات، وسيرج ميخايلوف، وأوليفييه لافكورك، بتحليل سبب نجاح عملية "برخان" في كسب جميع المعارك وخسارة الحرب ضد الجهاديين الإسلاميين.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
في معرض حديثه في صحيفة لوموند، خرج الجنرال برونو كليمان - بولتي، عن الصمت بشأن التدخل الفرنسي في الساحل، وإن اتبعنا تحليله، دون تغيير النهج، فإنّ فرنسا بصدد خسارة الحرب، ليس لأنّ قوة "برخان" مُهدّدة من قِبل ما يشبه "ديان بيان فو" في الرمال، ولكن لأنّ التاريخ يعلمنا أنّ الجيش يمكن أن يكسب كل المعارك ويخسر الحرب، إذ على الرغم من نجاحاته التكتيكية، لا يستطيع منع العدو من تحقيق أهدافه.

ومنذ عام 2017، توسعت مجالات نشاط الجهاديين الإسلاميين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتضاعفت عملياتها، حيث يمثّل الهجوم والاستيلاء على موقع إنديليمان عام 2019، والذي قُتل فيه 49 جندياً مالياً، في 1 تشرين الثاني (نوفمبر)، وتدمير موقع إيناتيس Inates في 17 كانون الأول (ديسمبر)، والذي كبّد الجيش النيجيري خسائر فادحة (71 قتيلاً و30 مفقوداً)، برهاناً على القدرات العسكرية الجهادية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في إقليم الساحل الإفريقي يخرج عن عباءة القاعدة وداعش
ولا تُمثّل الحرب في الساحل نزاعاً بسيطاً يستطيع أن يُنهيه اتفاق الجزائر؛ فالتقدم الجهادي الإسلامي في مالي وبوركينا يمكن أن يزعزع استقرار غرب أفريقيا. أولاً؛ في ساحل العاج حيث لا يمتلك الجيش مصداقية كبيرة، فضلاً عن التنافسات العرقية الشرسة، إذ ستجد الدولة نفسها في انتخابات محفوفة بالمخاطر عام 2020، وستؤدي سيطرة الجهاديين على طرق الصحراء، في النهاية، إلى توسيع الاتجار بالكوكايين والأسلحة والمهاجرين الذين سيتسلل إليهم إرهابيون، عاجلاً أم آجلاً.
أطروحات المؤامرة
على أرض الواقع، يُنظر إلى النزاع بشكل متزايد على أنّه مواجهة عرقية بين مزارعي بامبارا أو دوجون أو موسِي ضد رعاة شعب الفولاني (1)، الذين تم دمجهم على عجل مع الجهاديين. وتشعر السلطات المحلية بالضيق من العدو الذي يحتفظ بالمبادرة ولا تفهم ما يرون بأنه فشل عملية "برخان"، كما تزدهر أطروحات المؤامرة حول لعبة مزدوجة من قبل فرنسا، أكثر فأكثر، حيث يعدّ شعب الفولاني كبش فداء مثالي، فيما يدعو المتطرفون بالفعل إلى القتل، وقد يجد جنود فرنسا أنفسهم في خضم تصفيات الحساب العرقية.
بالنسبة للجيش الأجنبي، فإنّ إجراء عمليات مكافحة حرب العصابات بحثاً عن عدو يختبئ بين السكان أمر صعب للغاية، والإخفاقات في فيتنام وأفغانستان تذكرنا بذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
ولا يمكن كسب الحرب في الساحل، التي لم تعد تتطور الآن في شمال مالي شبه المهجور ولكن في قرى وسط مالي وشمال بوركينا، بواسطة قوة غربية، كما يمنع فشل الأجهزة الحكومية في الدولتين تنفيذ إستراتيجية لطخة الزيت (التي تنتشر بسرعة) الغالية على فكر جالياني (2)، والتي تشهد الإدارة وهي تستعيد تدريجياً سيطرتها على المناطق الآمنة في "برخان" (مالي)، ولن يغيّر تدخل القوات الخاصة الأوروبية من الوضع شيئاً.
إذا أرادت فرنسا أن تتجنب الخروج من المنطقة يوماً ما تحت ضغط شعبي، يجب عليها أن تراجع طرائق وجودها، مراجعة كاملة، وأن توافق على ترك المركز الأول للجهات الفاعلة المحلية، هذا ما قاله الجنرال كليمنت - بوليه.


مصدر الترجمة الفرنسية:

www.lemonde.fr


الهوامش:

1- الفلان شعب يقطن مواطن عديدة في غرب أفريقيا ووسط أفريقيا والساحل الأفريقي، والحجاز ويشكلون أقلية في كل دولة يسكنوها (باستثناء غينيا)، لذا يتحدثون لغات أخرى بجوار لغتهم الأم، ولديهم ثقافة خاصة مميزة. وجلّهم من المسلمين.
2-  جوزيف سيمون غالياني (بالفرنسية: Joseph Simon Gallieni)  قائد عسكري فرنسي ( 1849- 1916 ) شارك في بداية الحرب العالمية الأولى.

للمشاركة:

هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:

تجارة تهريب البشر في أفريقيا.. أرباح خيالية ومعاناة لا تنتهي

2020-01-25

ترجمة: علي نوار


تنشط شبكات التهريب التي تعمل في مجال الهجرة بشمال أفريقيا منذ عدة عقود. لكن تسارع وتيرة موجات الهجرة فضلاً عن عسكرة إقليم الساحل الأفريقي تجعل مسارات الهجرة عملاً أكثر إدراراً للربح، وخطورة في الوقت ذاته أيضاً.

حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين

إنّ حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين. ويسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا مثل؛ الجزائر وليبيا ومصر أو حتى يقرّروا عبور البحر المتوسط من أجل الوصول إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل، والفرار من النزاعات أو الفقر أو التغيّر المناخي. وحتى وقت وجيز مضى كان المهاجرون يتّجهون نحو الشمال على متن شاحنات مقابل أثمان منخفضة إلى حد ما مع دفع رشاوى في بعض المنافذ الحدودية. وكانت هذه الهجرة غير قانونية ولا تخضع لأيّ رقابة، لكنّها لم تكن رغم ذلك غير شرعية أو سرية. وفي العام 2000 قرّرت أوروبا البدء في تطبيق استراتيجية إعادة تعيين الحدود بشمال أفريقيا في خطوة أولى نحو وقف تدفّق المهاجرين.

يسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا

ومنذ ذلك الوقت باتت هذه المسارات أصعب ما أدّى بالتالي إلى ظهور شبكة كاملة وسرية من الأشخاص الذين يؤمّنون الجوانب اللوجستية لهذه المسارات والمهاجرين، وهو الأمر الذي عنى تحقيقهم لمكاسب خيالية فاقت حتى في بعض الأحيان الأرباح التي يدرّها تهريب الأسلحة والمخدّرات. بل إنّ أرباح عصابات تهريب المهاجرين تقُدّر بين 255 مليوناً و300 مليون دولار في ليبيا وحدها عام 2015. ولقد أضحت هذه العصابات فاعلاً رئيساً في فهم حركة الهجرة عبر أفريقيا: فـ80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر.

اقرأ أيضاً: الهند وخطر"قانون الهجرة"

وبالوصول إلى هذه النقطة يصبح من الضروري التمييز بين الأنواع المختلفة من هذه المنظمات. حيث يُطلق عليها أحياناً عصابات وفي مواضع أخرى شبكات متخصصة في إدخال المهاجرين بشكل غير قانوني إلى دول أخرى وبصورة طوعية مع عصابات حقيقية لتهريب الأشخاص. ورغم أنّ المسمّيات تتباين كثيراً على مدار الرحلة، فإنّنا هنا بصدد التركيز على النوع الأول: الشبكات السرية لتهريب المهاجرين التي تدبّر رحلة السفر. ورغم أنّ كل مسار مختلف في حد ذاته، إلّا أنّ هناك أسلوباً مُعمّماً ومشتركاً بين جميع هذه الشبكات التي لا تتّسم بالترتيب الهرمي في بنيتها أو المركزية لكنّها تقوم في الحقيقة على مجموعة من الاتفاقات الغامضة بين الأطراف المتداخلة في مسار الهجرة، والتي تتغيّر وتشهد تعديلات بشكل مطّرد. بالتالي تكون النتيجة هي أنّ مسارات الهجرة تتغيّر بدورها بحيث يكون الثابت الوحيد في كل هذه العملية هو نقطة الانطلاق والوجهة التي يرغب المهاجر في الذهاب إليها.

اقرأ أيضاً: ظاهرة هجرة الأوروبيين من بلادهم تنتشر في الدول الآتية.. لماذا؟

وتكون نقطة الانطلاق عادة هي المتعهّد الذي تتمحور مهمّته حول تنظيم المراحل المختلفة والوسطاء أو الميسّرين الذين يتولّون كل مرحلة. وفي أغلب الأحوال يكون هذا المتعهّد من نفس جنسية باقي المهاجرين، ويكون هؤلاء المتعهّدون في بعض الأحيان هم الذين يحصلون على المبلغ المالي المُستحق نظير الرحلة بكاملها على أن يدفعوا للوسطاء. وتتشابه فكرة المتعهّد هذه ربما مع شركات السفر التي تقدّم المساعدة طوال الرحلة وتضمن وصول جزء لا بأس به من عملائها إلى أوروبا، وهو شيء يُقابل بالاستحسان في المجتمعات المُصدّرة للهجرة. بينما تتّسع قائمة الوسطاء لتشمل كلاً من الوصلات بين مراحل الطريق وحتى سائقي الشاحنات مروراً بأصحاب الـ"التجمّعات" ومراكز استقبال المهاجرين في دول المعبر.

وترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا قد يصل عدد الوسطاء إلى سبعة على سبيل المثال. كما أنّ جنسية المهاجر لها دور أيضاً في تحديد سعر الرحلة، حيث يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم. بالمثل، أصبحت الرحلة مكلّفة بسبب وقائع الاعتداء والرشاوى والاختطاف التي تدفع المهاجرين لبذل المزيد من الموارد المالية؛ لأنّه في حال امتنعوا عن الدفع فقد ينتهي بهم الأمر إلى العمل بالسخرة أو الاستغلال الجنسي في حالة النساء. وقد شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الرحلات على خلفية الحرب في سوريا ونزوح السوريين بأعداد كبيرة لا سيما وأنّ قوتهم الشرائية أعلى بكثير. ويُقدّر أنّ السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار، وأنّ نفس الرحلة قفز سعرها بعدها بعام واحد فقط ليصبح 20 ألف دولار.

وصحيح أنّ المسارات متنوّعة وتشهد تعديلات مستمرّة، إلّا أنّ هناك تقليدياً طريقين رئيسين: أولهما ذلك الذي يبدأ من دول غرب أفريقيا ليعبر النيجر أو مالي، وثانيهما هو طريق الشرق الذي ينطلق من القرن الأفريقي. ويستهدف المساران في الوقت الحالي على الأغلب بلوغ الأراضي الليبية رغم أنّ المهاجرين لا يقرّرون مغادرتها والعبور إلى أوروبا كما هو الاعتقاد الشائع. فدول مثل؛ المغرب والجزائر ومصر أصبحت وجهات مُختارة من قبل المهاجرين الوافدين من جنوب الصحراء والذين يرتحلون إلى تلك البلدان سنوياً لامتهان أعمال موسمية في قطاع الزراعة.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر

طريق غرب أفريقيا

نظرياً يُعد هذا الطريق أيسر؛ لأنّه يخلو من كثير من التعقيدات الروتينية بفضل مروره عبر أراضي الدول الأعضاء في التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي أنشأت منطقة حركة حرة فيما بينها عام 1979. ويسمح هذا الأمر مبدئياً بالسفر دون الحاجة لاستصدار تأشيرات ويُكتفى فقط بوثيقة سفر وشهادة صحية لأغلب محطّات الطريق، باستثناء ليبيا التي هي الوجهة النهائية لهذا المسار. بيد أنّ الواقع مختلف كلّية؛ ففي بعض الأحيان قد تصل كلفة استخراج وثيقة سفر لأسعار باهظة للغاية، كما قد يضطّر المسافرون لدفع رسوم غير رسمية عند عبور الحدود، ما يضطرّ المهاجرين لتجنّب المرور من المنافذ الحدودية الرسمية.

80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر

ويلتزم جميع المهاجرين القادمين من هذه المنطقة بالمرور عبر الأراضي المالية أو النيجرية؛ أي بؤرة نشاط عصابات الجريمة المنظمة. ومن هناك يتم اتّخاذ الطريق الأوسط نحو الجزائر ثم إلى ليبيا أو حتى المغرب. وتنشط في هذه المنطقة شبكات تهريب البشر التي بدأت العمل منذ عام 1995 بالتزامن مع ثورة الطوارق التي اندلعت في النيجر ودول الجوار الأخرى مع بداية حقبة التسعينيات. وتحوّل قدامى المحاربين المتقاعدين بعد انتهاء الصراع إلى سائقين ومرشدين للمهاجرين بفضل معرفتهم الجيّدة بالصحراء، وشرعوا في إنشاء وكالات مهمّتها التكفّل ببنود الإقامة ومختلف وسائل النقل حسب المبلغ الذي يدفعه المهاجر. وقد أصبحت مدينة أجاديس في النيجر نقطة أساسية في الطريق الغربي قبل الدخول إلى الصحراء وهي واحدة من أخطر مراحل الرحلة والتي يصبح اللجوء إلى الوسطاء فيها أمراً محتوماً خاصة مع غياب وسائل النقل التقليدية.

كان هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات في النيجر حتى أربعة أعوام مضت تقريباً، وبالتالي تأثّر اقتصاد المدينة. لكن وفي 2016 صدر قانون في البلاد بتمويل من صندوق التنمية الأوروبي ليضع إطاراً قانونياً للاعتقال في المنطقة بحيث أُلقي القبض على 282 ميسّراً ومصادرة 350 شاحنة، الأمر الذي نتج عنه تراجع بنسبة 75% في حركة تهريب المهاجرين بأجاديس عام 2017 ومعاناة الاقتصاد المحلّي. إلّا أنّه وبعيداً عن مواجهة تهريب المهاجرين، فقد دفعهم هذا المنع للبحث عن مسارات أخرى أخطر حيث يعانون مزيداً من الانتهاكات لحقوق الإنسان والرشاوى والاكتظاظ داخل المخيمات وبالتالي ارتفاع معدّل الوفيات. كما أنّ تكلفة الرحلة ارتفعت كثيراً، فإذا كانت الرحلة في 2013 من أجاديس إلى سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية تكلّف 100 دولار، فقد قفزت بحلول 2017 ليصبح سعرها 600 دولار.

طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي بسبب الإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة

أما الفاعلون الأساسيون المكلفون بعملية تهريب المهاجرين في الطرق الجديدة السرية فهم عادة التجمّعات البدوية بالمنطقة مثل؛ الطوارق والتبو والأوباري. وبفضل معرفة هذه القبائل الجيدة بالصحراء على جانبي الحدود، فقد نجحت في السيطرة على جزء من الأراضي الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. وتتّسم العلاقات بين هذه القبائل بالتوتّر نظراً لتنافسها فيما بينها للاستئثار بسوق المهاجرين. وتتواجد قبائل التبو والزغاوة بشكل رئيس بين تشاد وليبيا، بينما تتولّى قبيلة أولاد سليمان العربية أمر المهاجرين منذ دخولهم مدينة سبها الليبية، ويهيمن الطوارق على جزء كبير من تجارة المهاجرين في الجزائر. لكن العلاقات بين هذه القبائل والجماعات المحلّية الأخرى مُبهمة: فمن جانب تتآزر في تهريب المهاجرين، لكنّها تقدّم نفسها أيضاً كأطراف فاعلة قادرة على ضبط الحدود وبالتالي الحصول على أموال أوروبية. ووصل الأمر لدرجة التأكيد بأنّ فرنسا دفعت إلى الميليشيات والقبائل لوقف دخول المهاجرين.

وكما هو الحال في مسارات أخرى، لا يكون الطريق مباشراً على الدوام، وفي كثير من الأحيان يقضي المهاجرون فترات طويلة من الوقت بإحدى المدن محاولين جمع المال اللازم لمواصلة المراحل المقبلة من الرحلة. ويُعتقد أنّ المهاجرين يضطرون للبقاء في أجاديس لفترة تتراوح بين سبعة أشهر وعام كامل. وفي تشاد، الدولة التي تُعدّ ملتقى المسارين الغربي والشرقي، توجد مناجم الذهب في شمال شرقي البلاد، لذا يتّجه الكثيرون للعمل في التعدين لفترة ما قبل الاستمرار. وفي أسوأ الأحوال ينتهي بهم الأمر مُختطفين أو مُجبرين على العمل بالسخرة.

هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات

طريق القرن الأفريقي

يبدأ الطريق الشرقي بأفريقيا من منطقة القرن الأفريقي من دول مثل؛ الصومال وأثيوبيا وإريتريا، مروراً عبر السودان والصحراء الليبية، حتى يلتقي مع الطريق الغربي عند سواحل ليبيا. وتخصّ طلبات اللجوء سواء في ليبيا أو مصر غالباً مواطنين وافدين من دول القرن الأفريقي. لكن طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي، على خلفية الاعتقالات والإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة ضد هؤلاء الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والتي نتج عنها الحدّ وبشكل كبير من تدفّق المهاجرين عبر الأراضي المصرية اعتباراً من العام 2017.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء والأمر يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا يصل عدد الوسطاء لسبعة

وترى منظمة الهجرة العالمية أنّ طريق القرن الأفريقي هو الأكبر من حيث حركة تهريب المهاجرين. وبالفعل تسيطر على الطريق عصابات محلّية صغيرة، باستثناء بعضها التي تتكوّن من شبكات أكثر تعقيداً. وبحسب تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فإنّ عبور الجانب الأكبر من المنافذ الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا والسودان يستلزم تدخّل المهرّبين والوسطاء، وبالكاد توجد فئة محدودة للغاية من المهاجرين تجرؤ على سلوك الطريق بمفردها.

وتبدأ العقبات في وجه المهاجرين بصعوبة الحصول على التأشيرات. وإذا كان بوسع الأثيوبيين دخول الأراضي السودانية بشكل قانوني عن طريق تأشيرة مؤقّتة، لكن الموقف ليس عينه بالنسبة للإريتريين والصوماليين الذين يمنحهم المهرّبون جوازات سفر إثيوبية زائفة. وبعد تجاوز التعقيدات الروتينية، تظهر الجوانب اللوجستية وهي مُعضلة بالنسبة للمهاجرين وموضع استفادة شبكات التهريب. ويمكن للإريتريين دخول السودان سيراً على الأقدام أو داخل شاحنات، ويتكلّف سعر هذه المرحلة بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يورو، وهو مبلغ قد يعادل قيمة الرحلة بالكامل.

اقرأ أيضاً: إيطاليا: محاكمة 7 سماسرة هجرة

ومن أجل عبور السودان بلا مشكلات، يعمل المهرّبون على إلباس المهاجرين داخل الحافلات ملابس تقليدية سودانية، بعد تجاوز مدينة ميتيما الإثيوبية وهي نقطة ذات أهمية استراتيجية على الحدود مع السودان. ولدى الاقتراب من الحدود الليبية يظهر وسطاء جدد يكونون غالباً من القبائل في الصحراء، والذين يسهمون في عملية المرور عبر شاحنات. وفيما يخصّ الشرق السوداني، تسيطر قبائل الرشايدة التي تنشط في مجال رعي الجمال، على شبكات تهريب المهاجرين، رغم أنّ هناك مجموعات أخرى تسعى بقوّة للحصول على جزء من هذا العمل على الحدود مع تشاد.

بالمثل، يبعد طريق القرن الأفريقي تماماً عن فكرة كونه مساراً يتّسم بالسهولة، وتتكرّر فيه بكثرة حالات وفاة المهاجرين لأسباب عديدة تتنوّع بين الجفاف والسقوط من أعلى العربات المكتظّة أو تعطّل الشاحنات في وسط الصحراء. وذلك دون احتساب هؤلاء الذين يتعرّضون للاختطاف بغرض طلب فدية أو الاتجار بهم كعبيد أو هؤلاء الذين يعانون الاستغلال الجنسي.

الوصول للساحل الأفريقي على المتوسط

فور عبور الصحراء الأفريقية بأي من هذه الطرق، تصبح ليبيا هي الوجهة الرئيسة حيث تبدأ شبكات التهريب في اكتساب درجة أكبر من التعقيد والتنظيم. وقد صار البلد العربي الواقع على البحر المتوسط نقطة مركزية تعمل منها العصابات المتخصّصة في تنظيم الرحلات على متن القوارب إلى أوروبا أو حتى اختطاف أشخاص وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم. كما تفرض شبكات التهريب سيطرتها أيضاً على عدد كبير من مراكز إيواء اللاجئين حيث يجرى احتجازهم انتظاراً لدورهم في استقلال قارب نحو أوروبا. وأكبر المدن التي توجد بها مثل هذه المراكز هي طرابلس وبني وليد، فضلاً عن وجود مراكز في مدن أخرى مثل طبرق أو سرت.

يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم

ويحوّل النظام الساري على مراكز احتجاز اللاجئين هذه الأماكن إلى منجم تستفيد منه الميليشيات المسلّحة وشبكات التهريب التي ظهرت في إطار غياب الاستقرار في ليبيا الغارقة في مستنقع الفوضى منذ 2011. وقد توصّلت الوكالة الأوروبية لضبط الحدود (فرونتكس) إلى أنّ الجيش الليبي نفسه ربما يكون متورّطاً في إدارة مراكز المهاجرين. هناك معلومة مهمّة كذلك وهي أنّ 20% من المراكز تحمل صفة رسمية؛ أما البقية فتتبع شبكات التهريب. ومثل كل تجارة وعمل، تقدّم العصابات خدمات خاصة لهؤلاء الذين يستطيعون دفع المزيد، مثل تقليص وقت الانتظار لأقل حدّ ممكن. كما أنّه من الشائع طلب رشاوى أو فديات من أجل الخروج. وبعد المرور عبر هذه المراكز، تتقاضى العصابات ألفاً و800 يورو تقريباً نظير الرحلة على متن قارب إلى صقلية. وتوجد حالة من المنافسة بين العصابات على أولوية انطلاق القوارب التابعة لها، ويصل الأمر في حالات نادرة إلى إبلاغ ذوي المهاجرين الذين يلقون مصرعهم غرقاً ودفع تعويضات مالية لهم بهدف الحفاظ على سمعتها في سوق الهجرة.

السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار

ورغم عدم وجود شبكات على نفس الدرجة من التنظيم على أراضيها، إلّا أنّ بعض دول شمال أفريقيا باتت كذلك قاعدة لأسواق مختلفة. ففي الجزائر، ترتبط أغلب عمليات مهرّبي البشر وإسهاماتهم في إدخال المهاجرين إلى المغرب أو ليبيا، بتزوير الوثائق الرسمية. فجواز السفر الجزائري يتكلّف 50 يورو، بينما يبلغ سعر وثائق المفوضية الأممية للاجئين التي تمنح صفة اللاجئ في الجزائر 10 يورو. كما تقرّ السلطات المغربية بوجود شبكات التهريب بطول حدودها الشرقية منذ مطلع الألفية، وتتكرّر وبشكل متزايد حالات اختطاف المهاجرين من أجل طلب فدية أو إجبارهم على العمل بالسخرة سواء في الجزائر أو المغرب.

لكن تجارة الهجرة من الجنوب إلى الشمال التي تدرّ أرباحاً هائلة لا تتوقّف عند السواحل الجنوبية للبحر المتوسط. فقد تمكّنت شبكات التهريب من الامتداد ولا تزال تزاول نشاطها على الجانب الآخر من البحر عن طريق مسار أوروبي جديد. وفي إيطاليا، على سبيل المثال، تعمل العصابات التقليدية على انتزاع موطئ قدم لها في هذا السوق الجديد عن طريق بسط نفوذها إلى مخيمات اللاجئين في البلد الأوروبي. وهناك توجد أنماط مختلفة من التنظيم وجنسيات أخرى وأسعار متباينة، وفي نهاية المطاف يبدو أنّ هذه التجارة هي ذاتها، ما يشير بجلاء إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على القارة السمراء.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/36jGe8P

للمشاركة:



قراصنة أتراك يشنّون هجمات إلكترونية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

أفادت قناة "سكاي نيوز عربية"،  بأنّ قراصنة إنترنت يعملون لحساب الحكومة التركية ينفذون هجمات إلكترونية تستهدف حكومات في أوروبا والشرق الأوسط.

وكشف تحقيق أجرته وكالة "رويترز"؛ أنّ الهجمات الإلكترونية الواسعة النطاق، التي يقودها قراصنة يعملون لصالح الحكومة التركية، استهدفت ما لا يقل عن 30 منظمة، بما في ذلك الوزارات الحكومية والسفارات والأجهزة الأمنية، وكذلك الشركات وغيرها من المجموعات، وفق مراجعة أجرتها الوكالة لسجلات الإنترنت العامة .

"رويترز": الهجمات الإلكترونية استهدفت ما لا يقل عن 30 منظمة، من بينها خدمات البريد الإلكتروني للحكومة القبرصية واليونانية

ومن بين الضحايا؛ خدمات البريد الإلكتروني للحكومة القبرصية واليونانية ومستشار الأمن القومي للحكومة العراقية.

ووقعت الهجمات القبرصية واليونانية والعراقية، التي حدّدتها "رويترز"، في أواخر عام 2018 أو أوائل عام 2019.

وقال خبراء الأمن السيبراني: إنّ "سلسلة الهجمات مستمرة"، مضيفين أنّ "الهجمات تسلط الضوء على نقطة ضعف في الركيزة الأساسية للبنية التحتية على الإنترنت التي يمكن أن تترك الضحايا عرضة للهجمات التي تحدث خارج شبكاتهم الخاصة، ما يجعل من الصعب اكتشافها والدفاع عنها.

وتتضمن الهجمات اعتراض حركة الإنترنت إلى مواقع المستهدفين، ما قد يمكن القراصنة من الوصول غير المشروع إلى شبكات الهيئات الحكومية وغيرها من المنظمات.

 ونقلت الوكالة عن مسؤولين بريطانيين ومسؤول أمريكي واحد؛ أنّ النشاط يحمل بصمات عملية تجسس عبر الإنترنت مدعومة من الدولة أجريت لتعزيز المصالح التركية.

للمشاركة:

ميليشيات الحوثي تستهدف سوقاً شعبياً في تعز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

شنّت ميليشيات الحوثي الإرهابية، اليوم، هجوماً على سوق شعبي غرب مدينة تعز اليمنية، أسفر عن مقتل 3 مدنيين وإصابة 10 آخرين في حصيلة أولية.

واستهدفت الميليشيا سوق "المقهاية" في منطقة الضباب بتعز، بعدد من قذائف الهاون أثناء تجمع المدنيين، وفق ما نقلت وكالات إعلام محلية، وفق موقع "المشهد" اليمني. 

ميليشيات الحوثي تستهدف بقذائف الهاون سوق "المقهاية" وتقتل 3 مدنيين وتصيب 10 آخرين

كما تعرّضت عدة مناطق سكنية في المطار القديم لقذائف حوثية، وسمِع دوي انفجارات عنيفة.

وكثفت الميليشيا الحوثية، خلال الأيام الماضية، هجماتها الإرهابية بمأرب وتعز، وسط تصعيد عسكري يهدّد بنسف الجهود الدولية الرامية لإحلال السلام.

وأحبطت مقاتلات التحالف العربي أوسع هجوم حوثي على مديرية "نهم"، شرق صنعاء، ومكنت قوات الحكومة الشرعية اليمنية من استعادة مواقع استراتيجية كانت خسرتها، الخميس الماضي.

هذا وقد توسّعت المواجهات المسلحة بين الحوثيين والجيش الوطني، لتشمل محافظات عدة؛ صنعاء والجوف ومأرب وتعز والبيضاء والضالع، وكانت أكثرها ضراوة المواجهات في جبهة نهم، البوابة الشمالية الشرقية للعاصمة صنعاء.

المواجهات المسلحة بين الحوثيين والجيش تتوسع في محافظات صنعاء الجوف مأرب تعز البيضاء الضالع

وقد تحدّثت مصادر محلية لموقع "المشهد" اليمني، اليوم، عن أنّ أبرز مواقع المواجهات كانت بمديرية نهم.

الجدیر بالذكر؛ أنّ طیران التحالف العربي ساند قوات الجیش الوطني بأكثر من خمسین غارة جویة ،منھا 35 غارة على مواقع الملیشیا في الجوف، و10 على جبھة نھم بمحافظة صنعاء، والبقیة متفرقة على مأرب وصعده وحجة.

 
 
 
 
 

 

للمشاركة:

على وقع الاحتجاجات.. هل يقرّ البرلمان اللبناني ميزانية 2020؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

وقعت اشتباكات، صباح اليوم، في محيط البرلمان اللبناني بين عدد من المتظاهرين وعناصر من الجيش والقوى الأمنية، بعد منع الأمن للمحتجين من التقدّم نحو المجلس وأجبارهم على التراجع، قبل ساعات قليلة من موعد جلسة مجلس النواب اللبناني لبحث موازنة 2020.

وسقط عدد من الجرحى جراء محاولات متفرقة لمجموعات من المحتجين للدخول إلى مداخل ساحة النجمة من عدة مفارق، وذلك رغم كلّ الإجراءات الأمنية والسواتر الإسمنتية التي تحيط بمجلس النواب ما دفع البعض الى تشبيهها بمنطقة معزولة، وفق "فرانس برس".

إصابة عدد من المحتجين اللبنانيين جراء الاشتباكات مع عناصر الأمن والجيش بمحيط مجلس النواب

وعمد محتجون، منذ صباح اليوم، إلى قطع عدة طرقات في بيروت وبعض المناطق الأخرى، في محاولة لعرقلة انعقاد جلسات نقاش الموازنة.

وجلسة مناقشة موازنة الـ2020 ستحضرها الحكومة الجديدة، بينما رأت أوساط سياسية أنّ حضور الحكومة قبل نيلها الثقة أمر غير دستوري، فيما يقول مؤيدون لانعقاد هذه الجلسة إنّ مناقشة الموازنة وإقرارها أمر يجب أن يحصل في المواعيد الدستورية.

وأعلنت كتل سياسية وبعض النواب المستقلين مقاطعتها لهذه الجلسة؛ بسبب عدم دستوريتها؛ كون الحكومة ستناقش موازنة قبل نيلها الثقة، وهي موازنة رفضها الشعب ونزل إلو الشارع معترضاً عليها، ما دفع الحكومة التي وضعتها إلى الاستقالة.

وفيما سبق انعقاد الجلسات، اتخذت القوى الأمنية والعسكرية تدابير أمنية مشددة، إضافة إلو تعزيز الأسوار الباطونية التي أصبحت كالجدار العازل تفصل مجلس النواب عن محيطه.

حسان دياب يؤكد أنّ حكومته لن تعرقل موازنة 2020 التي أعدتها حكومة سعد الحريري

من جهته، قال رئيس الوزراء اللبناني، حسان دياب، اليوم في تصريح نقلته "سبوتنيك"، إنّ حكومته لن تعرقل موازنة 2020 التي أعدتها حكومة سعد الحريري المستقيلة في تشرين الأول (أكتوبر).

وكان دياب يتحدث في بداية النقاش البرلماني حول ميزانية 2020، وذلك بحسب وكالة "رويترز".

ووقّع الرئيس اللبناني، ميشيل عون، الأسبوع الماضي، مراسيم تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة برئاسة حسان دياب، وأكد الأخير أنّ الحكومة تضمّ وزراء بعيدين عن السياسة والأحزاب، داعياً لمساعدتها في مهمتها، وحظي "حزب الله"، المدعوم من إيران، بحقيبتي الصحة والصناعة.

للمشاركة:



القبائل الليبية: لا نفط قبل سحب الشرعية من حكومة السراج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

وضعت القبائل الليبية خمسة شروط لإعادة فتح الحقول والموانئ النفطية، وهي إسقاط الاعتراف بحكومة فايز السراج، وتغيير رئيس المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة، من خلال تقسيمها إلى 4 أقاليم.
ودعا شيوخ قبائل وناشطون مدنيون في شرق وجنوب ليبيا لإغلاق موانئ بلادهم احتجاجا على ما وصفوه باستغلال حكومة طرابلس لعائدات النفط لدفع أموال لمقاتلين أجانب وتمويل التدخل العسكري التركي. ويتهم المطالبون بإيقاف تصدير النفط حكومة الوفاق بصرف الأموال لجلب "المرتزقة" و"المستعمرين الأتراك".
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس، أعلنت أن الإنتاج النفطي سينخفض من 1.2 مليون برميل يوميا إلى 32 ألف برميل يوميا بحلول يوم الخميس القادم، مشيرة إلى أن الإنتاج النفطي تراجع حتى السبت الماضي بمعدل 75 في المئة عقب إغلاق موانئ النفط الرئيسية شرق ليبيا الأسبوع الماضي.
وأكدت أن الخسائر المالية بلغت 256.6 مليون دولار حتى 23 يناير، داعيةً إلى “إنهاء الاقفالات والسماح لها باستئناف الإنتاج فوراً، من أجل ضمان استمرار إمدادات إنتاجات الوقود إلى كافة المناطق ورفد دورة الاقتصاد الليبي”.
ويرى مراقبون سياسيون، وفقاً لما أوردته صحيفة "العرب" اللندنية الصادرة اليوم، أنّ سحب الاعتراف الدولي بحكومة السراج المنبثقة عن اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015 يمثل الشرط الأهم الذي يتفق عليه مجلس النواب والقيادة العامة للجيش والقبائل وعدد من الدول الإقليمية والدولية التي ترى أن تلك الحكومة أصبحت جزءا من المشكلة، ولا يمكن أن تتحول إلى جزء من الحل بسبب تبعيتها للأتراك واستقوائها بالميليشيات والمرتزقة والجماعات الإرهابية وتبديدها للثروة الوطنية.
وأكد المبعوث الأممي غسان سلامة أن ليبيا بحاجة الآن إلى حكومة جديدة تهتم بخدمة المواطنين وتهيئ الوضع للانتخابات من أجل حل مشكلة الشرعية المستعصية، وأضاف “إن العملية السياسية في ليبيا ليست مسألة أشخاص، ولا يعني البعثة أن يكون فايز السراج رجل المرحلة الحالية من عدمه”.
وينظر المحللون السياسيون إلى غلق الحقول والمنشآت النفطية على أنه يضع العالم أمام الحقيقة التي كان يتجاهلها وهي ضيق مجال التأثير الفعلي لحكومة السراج على الأرض مقابل سيطرة الجيش الوطني على أكثر من 90 بالمئة منها، وبالتالي فإن الميزة الوحيدة للحكومة المعزولة في طرابلس هي التصرف في إيرادات الثروة الموجودة خارج سيطرتها من خلال مؤسسة النفط والبنك المركزي ومصرف ليبيا الخارجي.
وتملك ليبيا أضخم احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا وهي مورد مهم للخام الخفيف منخفض الكبريت.
وتُعتبر إيرادات بيع النفط هي المصدر الوحيد الذي يعتد به لدخل ليبيا من الدولارات، إذ درت 22.5 مليار دولار في 2019 لبلد لا يزيد عدد سكانه على ستة ملايين نسمة.
ولعلّ ذلك ما يُفسّر بشكل دقيق المطامع التركية المُتصاعدة في ليبيا لضمان حصتها من غنائم النفط، فضلا عن أهداف أيديولوجية باتت واضحة جدا تتمثل في تمدّد أفكار الإسلام السياسي واستعادة الإرث العثماني في المنطقة.
وتقع معظم منشآت النفط الليبية في مناطق تسيطر عليها قوات موالية للقائد العسكري خليفة حفتر، الذي وسع تدريجيا نطاق نفوذه على مدى الأعوام الستة الأخيرة بمساعدة حلفاء أجانب، من بينهم الإمارات العربية المتحدة ومصر وروسيا.
ومنذ إبريل، يشن الجيش الوطني الليبي الذي يقوده حفتر هجوما على القوات المتحالفة مع الحكومة المؤقتة في طرابلس، والمدعومة من تركيا التي لا يُخفي رئيسها رجب طيّب أردوغان مطامعه الاقتصادية في أكير خزان نفطي بالقارة السمراء.
وتقول السلطات في الشرق الليبي إنّ إغلاق المنشآت النفطية نتج عن ضغط شعبي. لكن المؤسسة الوطنية للنفط تقول إنه بأمر مباشر من الجيش الوطني الليبي.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

الحكاية من طقطق إلى مؤتمر برلين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-27

سالم العوكلي
سقط النظام في ليبيا، أعلن يوم التحرير بتاريخ 23 أكتوبر 2011 ، ودخل قاموسنا عيد جديد اسمه عيد التحرير ويوم عطلة رسمية، جرت انتخابات يوم 7/7/2012 خسر فيها تيار الإسلام السياسي خسارة فادحة، وفاز بها التحالف الوطني الذي تأسس في 4 شهور فقط، التف تيار الإسلام السياسي، المتكون من جماعة الإخوان وحليفها التكتيكي الجماعة الليبية المقاتلة، على النتائج وتحكم في المؤتمر الوطني، السجين السابق بتهم إرهابية، عبدالحكيم بالحاج، رئيس حزب الوطن الذي لم يفز بأي مقعد شكّل من خارج المؤتمر كتلة “الوفاء لدم الشهداء” بدعم قطري وأصبحت الكتلة المؤثرة (تم إشهار حزب الوسط في فندق كورونثيا ببذخ عالٍ وكان علم قطر على المنصة ولونه خلفية لها). بدأ المؤتمر الوطني أعماله في طرابلس وشكل حكومة سماها حكومة تكنوقراط بها 5 وكلاء وزارات سيادية عائدون من حرب أفغانستان، أصدر المؤتمر الوطني قانون العزل السياسي وقرار رقم 7 الذي رخص لغزو مدينة بن وليد، وأحال الكثير من الضباط الكبار على التقاعد، وفي هذه الأثناء كانت الاغتيالات يومية في مدينتي بنغازي ودرنة، اغتيال أكثر من 500 ضابط وعسكري ورجل أمن في مدنية بنغازي، إضافة إلى العشرات من الصحفيين والناشطين الحقوقيين، اغتيال 184 شخصية من نخب درنة بينهم ضباط وقضاة ومحامون ومدونون وأساتذة المعهد العالي ورجال أمن ونشطاء مدنيون، وتمت كل هذه الاغتيالات قبل ظهور تنظيم داعش على السطح، ولم يُحقَق في أي جريمة من هذه الجرائم ولما يُلاحق مرتكبوها، رغم وجود سلطة تشريعية وحكومة الكيب التي أعقبتها حكومة ثانية برئاسة علي زيدان، مشاهد تُظهر بوسهمين رئيس المؤتمر الوطني بعد تطبيق قانون العزل على رئيسه الأول، المقريف، بمثابة رئيس الدولة وهو في قبضة ميلشياويين يبتزونه فيما سمي بقضية حنين، مشاهد أخرى تظهر رئيس الوزراء علي زيدان مختطفا من قبل ميليشياويين في ملابس النوم. هناك في الشرق البعيد، القوات الخاصة في بنغازي وحدها تقاوم الميليشيات الإرهابية التي سيطرت على بنغازي، كتب أحدهم على جداره “كل يوم يقتل ضباط وعسكريون في بيوتهم أو أمام المساجد أو في سياراتهم أمام أبنائهم فلماذا لا يجمع العسكريون بعضهم البعض ويدافعون عن أنفسهم. هكذا بدأت ما تعرف بمعركة الكرامة، مجموعة ضباط وعسكريون قرروا الدفاع عن أنفسهم أو الموت وهم يقاتلون.

انتهت ولاية المؤتمر الوطني، وحين رغبوا في التمديد خرجت مظاهرات تقول لا للتمديد، تشكلت لجنة فبراير، قامت انتخابات برلمانية بدون أحزاب أو قوائم خسرها التيار الإسلاموي الذي يقوده الإخوان مرة أخرى، لكن وجود مقر البرلمان في بنغازي ــ وهي تحت سيطرة قوات درع ليبيا (ذراع الإخوان العسكري) والجماعة المقاتلة وأنصار الشريعة ــ طمأنهم، فعدد التوابيت أمام مقر البرلمان أفضل من عدد المقاعد داخله كما حدث في طرابلس، خطوة غير محسوبة ينتقل عبرها مقر البرلمان إلى طبرق وخارج تحكم ميليشيات الإسلام السياسي تماما، رُفعت قضية تطعن في دستورية إجراءات التسليم والاستلام والمقر بالنسبة للبرلمان، وحكمت المحكمة المحاصرة بالميليشيات لصالح الطعن، لكن المجتمع الدولي اعترف بالبرلمان وحكومته المؤقتة، فقامت حرب فجر ليبيا من معركتين: معركة قسورة ضد ميليشيات الزنتان في طرابلس وضد ورشفانة تسببت في نزوح عشرات الآلاف من منازلهم، ومعركة الشروق التي أرسلت أرتالا مسلحة تجاه الشرق الليبي وتم صدها.

انقسمت البلد وبعض المؤسسات، وقاطع نواب تابعون لهذا التيار، من الغرب والشرق، البرلمان في طبرق. في سياق التشريعات والقوانين أصدر مجلس النواب في طبرق قانونا يلغي قانون العزل السياسي وقانون العفو العام (وهذا أفضل ما فعله في مرحلته المرتبكة)، بينما المؤتمر الوطني أصدر قانون العزل السياسي، وقرارا بغزو مدينة بن وليد بحجة أن خميس القذافي حي ومتمترس بها، ونفهم من هذا الفارق الجوهري أن المؤتمر الوطني كان نهجه انتقاميا، والبرلمان كان اتجاهه تسامحيا تصالحيا. استمرت جلسات مجلس النواب تعقد بهدوء ولم يعكرها سوى عكاز شيخ مسن سماه الإعلام (بوعكوز) وأصبح هذا العكوز العقبة الرئيسية أمام بناء الدولة وفق الإعلام الموجه، ونُسيت التوابيت التي كانت توضع أمام مقر المؤتمر الوطني المحاصر بالميليشيات المدججة.

معركة الكرامة اتسعت واستطاعت أن تنجز على الأرض ما عجزت عنه السلطات المختلفة، اتخذ البرلمان قرارا بإعادة الضباط الذين أحالهم المؤتمر الوطني للخدمة، وتعديلا في قانون الجيش الليبي يستحدث منصب القائد العام، واتخذت رئاسة البرلمان القرار رقم 20 لسنة 2015 بتعيين اللواء خليفة حفتر قائدا عاما للجيش وترقيته إلى رتبة فريق، وليؤدي القسم الدستورية أمام البرلمان (في القرار يسمى “الجيش الليبي” وليس الجيش الوطني أو الجيش العربي الليبي). سياسة التمكين التي يقوم بها الإخوان كانت على قدم وساق ونجحت بشكل واضح في تمكين أتباعها من مناصب مفصلية في مؤسسات العاصمة السيادية المسؤولة عن قوت الليبيين ومعاشاتهم، ويبدو أن لا تيار سياسي قادر على مواجهتهم بعد أن خرج التحالف الوطني من المشهد المسلح، ورأى الناس أن لا مؤسسة قادرة على مواجهة هذا الحزب ذي الأذرع المسلحة سوى الجيش الذي كان يقاتل ويدرب ويخرج دفعات جديدة ويستعين بقوى شعبية داعمة.

لحل أزمة الانقسام، بدأ الحوار الليبي من عاصمة إلى عاصمة حتى استقر في الصخيرات، انبثق عن هذا الحوار المضني اتفاق الصخيرات السياسي، وفجأة ظهر اسم المهندس الكهربائي فايز السراج لرئاسة المجلس الرئاسي من مكان غير متوقع أو منظور، ولم يكن اسمه مطروحا للمنصب من قبل الأطراف الليبية المشاركة في التفاوض.

بعد شد وجذب حضر السراج إلى برلمانه في طبرق واكتمل النصاب القانوني، لأن مدة ولاية البرلمان انتهت ولا سبيل للتمديد إلا عبر هذا الاتفاق، ووافق البرلمان على الاتفاق بشروط: تضمينه في الإعلان الدستوري، ومراجعة المادة الثامنة المتعلقة بالجيش وقياداته، وعلى أن يقدم حكومته لتنال موافقة البرلمان، قدم السراج حكومة موسعة رفضت من البرلمان، لكن مديري المسألة اعتبروا هذا الاجتماع ترخيصا للمجلس الرئاسي المتكون من سبعة أعضاء، أخذ السراح ترخيصه وغادر طبرق ولم يرجع أبدا إلى طبرق أو المنطقة الشرقية عموما حتى كتابة هذه السطور، قاطع نائبا المجلس الرئاسي من الشرق ومن الزنتان، القطراني والأسود المجلس، وبسرعة اعترف المجتمع الدولي برمته بالمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق التي تشكلت دون أن تأخذ موافقة البرلمان أو تؤدي القسم، ورغم أن الاتفاق لم يُضمّن في الإعلان الدستوري ولا المادة الثامنة روجعت. سياسة الأمر الواقع أصبحت هي الاستراتيجية ما أدى إلى انقسام حقيقي، بقايا من المؤتمر الوطني المنتهية ولايته تنادوا وشكلوا المجلس الأعلى الاستشاري وسموه (المجلس الأعلى للدولة)، وظهرت تقارير أممية تتحدث عن فساد بالمليارات، وكان الجيش في هذه الفترة يخوض حربه ضد الجماعات الإرهابية في بعض مدن الشرق ويدافع عن الهلال النفطي ضد الميليشيات الإرهابية.

بعد معارك شرسة ودمار في بعض المدن سيطر الجيش على الهلال النفطي وبنغازي ودرنة، وواصل معاركه في الجنوب الليبي، إلى أن وصل إلى مشارف طرابلس، بعد 8 أشهر من معارك الاستنزاف والتضييق على الجماعات المسلحة التي تسيطر على العاصمة وبعض المدن الأخرى، وعملية خاطفة أحكم سيطرته خلال ساعات على مدينة سرت، ذهب السراج إلى أردوغان الذي خسر معاركه في سوريا للاستنجاد به، وقعت اتفاقيات الحدود البحرية والدعم العسكري والأمني، أردوغان اعتبر تدخله في ليبيا دفاعا عن منطقة نفوذ سابق وعن إخوة له في ليبيا، وعن طريق مطارات تركيا تقاطر بقايا المعارضة السورية التي تتحكم فيها جماعة الإخوان المسلمون على ليبيا بعد أن يئسوا من إمكانية إسقاط النظام السوري، بعضهم يريد أن يجاهد وبعضهم يريد أن يفر إلى أوروبا من الشواطئ الليبية وكان الدولار سيد اللعبة، تحولت المعركة من معركة بين الجيش والجماعات المسلحة في طرابلس إلى معركة مع المخطط التركي الذي دمر مثيله سوريا. فجأة كان لقاء موسكو للاتفاق على وقف إطلاق النار، وقع السراج ومن معه مباشرة ولم يوقع القائد العام للجيش الليبي. وتم تسريع وتيرة انعقاد مؤتمر برلين الذي أُجِّل أكثر من مرة ليكون يوم 19 يناير 2020، انعقد المؤتمر وخرج ببيان إنشائي، شبيه تماما لبياناتهم في المسألة اليمنية والسورية التي ليس لها علاقة بما يحدث فعلا فوق الأرض. .

مؤتمر برلين باختصار: اجتماع عاجل حضرته الدول العلمانية الكبرى من أجل إنقاذ حكم الجماعات الإسلامية في ليبيا!!!. وخطوة أخرى لتمكين سياسة الأمر الواقع ووضع الأزمة الليبية في إفريز.

أما غسان سلامة الذي مل من المسألة الليبية فلا يريد سوى حقنها بمسكن مؤقت والمضي في حال سبيله.

عن موقع "218tv"

للمشاركة:

باريس تواجه تحديات جهادية جديدة في الساحل الأفريقي.. ما أبرزها؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-27

ترجمة: مدني قصري


بعد 7 أعوام من قرار فرانسوا هولاند بإرسال جنود فرنسيين إلى شمال مالي بهدف منع الجماعات الإسلامية من السيطرة على البلاد، حان الوقت لإعادة تحديد وتوضيح أهداف عملية "برخان".
لقد شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد، والحاجة إلى تغيير مخططاتهم ومجالات تدخلهم، وذلك بعد الاجتماع الذي عقده قادة منطقة مجموعة الخمس G5، في باو، في 13 كانون الثاني (يناير) من العام الجاري، في سياق يزداد تعقيداً وخطورة بالنسبة لفرنسا.

شعر شركاء باريس في دول الساحل الأفريقي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد)، بالتهديد
كانت بداية القمة، التي كان من المقرر انعقادها أصلاً في 16 كانون الأول (ديسمبر) 2019، جد سيئة؛ حيث جاءت في أعقاب مقتل 13 جندياً فرنسياً في المعركة، في 25 تشرين الأول (نوفمبر) الماضي، وكان لدى رؤساء الدول الأفريقية انطباع سيئ حول استدعاء إيمانويل ماكرون لهم إلى مدينة باو بجنوب غرب فرنسا، الحامية العسكرية التاريخية، لأجل 7 من الضحايا، في حين تشجب جيوشهم مئات الوفيات.

التهديد الجهادي يبعث على المزيد من القلق فهو متجذر بين السكان الأصليين وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد

وتمّ تأجيل الاجتماع أخيراً، بعد هجوم شنّه الجهاديون في شهر كانون الثاني (يناير) الجاري على ثكنات نيجيرية؛ حيث أعاد الزعماء الأفارقة الخمسة تأكيدهم على طلب فرنسا بالتدخل لإعادة تعريف أهداف "برخان"، من جهة، والرغبة في التوسع إلى شركاء جدد في الاجتماع، من جهة أخرى.
إنّ تخفيف حِدة التوترات التي يغذيها الخطاب المعادي للفرنسيين في بلدان الساحل ليس مجرد وهم؛ فلم تعد المسألة تتعلّق بمنع الجهاديين الأجانب من بناء ملاذ في شمال مالي، بل باتت تتعلّق بالقتال ضد المقاتلين المحليين الذين يستخدمون الخطاب الإسلاموي لفرض سيطرتهم على السكان والاستيلاء على السلطة في 3 دول. ويبعث التهديد على المزيد من القلق، فهو متجذر بين السكان الأصليين، وينطوي الآن على صراعات طائفية مرتبطة بالأجداد في بعض الأحيان، مما يضع الجيش الفرنسي في وضع مربك ومعقد.
الفخ يزداد انغلاقاً
السلفيون في الساحل، حتى لو صَدمت مفاهيمُهم الدينية التقاليدَ المحلية، فإنّهم يستغلون النزاعات على الأراضي بين المزارعين والرعاة، ويشككون في الأرباح التي يستمدها الزعماء التقليديون من السيطرة على ما يأتي وما يخرج من بضاعة وأشياء أخرى؛ بما في ذلك الاتجار بالأسلحة والمهاجرين والمخدرات، كما يستغل السلفيون شعور الظلم الذي تشعر به الفئات المحرومة من السكان، حيث يتهم الجهاديون، القوى المركزية بالفساد ويتهمون الحكام الأفارقة بالعجز عن ضمان الحد الأدنى من صلاحيات الدولة؛ الأمن والعدالة والصحة والتعليم.

اقرأ أيضاً: لماذا ترفض شعوب الساحل الأفريقي الوجود العسكري الفرنسي؟
كيف يمكن أن يحكم الجنود الفرنسيون مثل هذه النزاعات المحلية دون أن يكونوا شركاء مع الأنظمة الفاسدة التي لا تحظى بالشعبية؟ تأمُل باريس الخروج من هذه النزاعات من خلال مغادرة شمال مالي - حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية - ومن ثمّ إعادة الانتشار في منطقة ليبتاكو، على حدود مالي والنيجر وبوركينا فاسو، حيث يتركز التهديد الآن.

يود الجيش الفرنسي منع جماعة "الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى" (EIGS)  من أن تتجذر أكثر في ما يُسمى بمنطقة الحدود الثلاثة، بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، حيث الوضع الأمني الأكثر تدهوراً، ويقول الجنرال لوكنتر إنّه "اليوم، في هذه المنطقة الشاسعة للغاية، الموارد المتاحة لعملية برخان ليست كافية لنشر الجنود على مدار 24 ساعة في اليوم، 7 أيام في الأسبوع". وإن قامت عملية برخان بتعبئة 4500 رجل رسمياً، فهناك حوالي 2000 فقط موجودون بالفعل على الأرض.

تأمل باريس الخروج من هذه النزاعات بمغادرة شمال مالي حيث يُتهم الفرنسيون بالتواطؤ مع مزاعم ومطالب الطوارق الوحدوية

ومنذ بدء العملية الفرنسية في مالي، كان عام 2019 أكثر الأعوام دموية؛ بحصيلة 1500 قتيل عسكري من جانب الجيوش المشاركة، و 4000 ضحية مدنية.
مع ذلك، فقد بدأ الفخ ينغلق؛ ففي حين يزيد الاستمرار في القتال من خطر التورط في الوحل والتعرض للجيوش المحلية، إلّا أنّ الانسحاب سيكون أسوأ من ذلك، حيث سيدفع بلدان الساحل وسكانها إلى الفوضى وإلى قبضة الديكتاتورية الدينية، مع ما يترتب على ذلك من آثار فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب.
ويحتاج الأمر إلى أكثر من قمة واحدة لمجموعة الخمس، حتّى يتم إزالة سوء التفاهم حول فوضى ساحلية ليس لها حلول جيدة دون دعم بناء الديمقراطيات الأفريقية التي تحترم أخيراً جميع السكان.
"الحرب في الساحل لا يمكن كسبها بواسطة قوة غربية"
قام كل من جان ميشيل ديبرات، وسيرج ميخايلوف، وأوليفييه لافكورك، بتحليل سبب نجاح عملية "برخان" في كسب جميع المعارك وخسارة الحرب ضد الجهاديين الإسلاميين.

اقرأ أيضاً: لماذا لم يحتل الإرهابيون الساحل الغربي لأفريقيا؟
في معرض حديثه في صحيفة لوموند، خرج الجنرال برونو كليمان - بولتي، عن الصمت بشأن التدخل الفرنسي في الساحل، وإن اتبعنا تحليله، دون تغيير النهج، فإنّ فرنسا بصدد خسارة الحرب، ليس لأنّ قوة "برخان" مُهدّدة من قِبل ما يشبه "ديان بيان فو" في الرمال، ولكن لأنّ التاريخ يعلمنا أنّ الجيش يمكن أن يكسب كل المعارك ويخسر الحرب، إذ على الرغم من نجاحاته التكتيكية، لا يستطيع منع العدو من تحقيق أهدافه.

ومنذ عام 2017، توسعت مجالات نشاط الجهاديين الإسلاميين في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتضاعفت عملياتها، حيث يمثّل الهجوم والاستيلاء على موقع إنديليمان عام 2019، والذي قُتل فيه 49 جندياً مالياً، في 1 تشرين الثاني (نوفمبر)، وتدمير موقع إيناتيس Inates في 17 كانون الأول (ديسمبر)، والذي كبّد الجيش النيجيري خسائر فادحة (71 قتيلاً و30 مفقوداً)، برهاناً على القدرات العسكرية الجهادية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في إقليم الساحل الإفريقي يخرج عن عباءة القاعدة وداعش
ولا تُمثّل الحرب في الساحل نزاعاً بسيطاً يستطيع أن يُنهيه اتفاق الجزائر؛ فالتقدم الجهادي الإسلامي في مالي وبوركينا يمكن أن يزعزع استقرار غرب أفريقيا. أولاً؛ في ساحل العاج حيث لا يمتلك الجيش مصداقية كبيرة، فضلاً عن التنافسات العرقية الشرسة، إذ ستجد الدولة نفسها في انتخابات محفوفة بالمخاطر عام 2020، وستؤدي سيطرة الجهاديين على طرق الصحراء، في النهاية، إلى توسيع الاتجار بالكوكايين والأسلحة والمهاجرين الذين سيتسلل إليهم إرهابيون، عاجلاً أم آجلاً.
أطروحات المؤامرة
على أرض الواقع، يُنظر إلى النزاع بشكل متزايد على أنّه مواجهة عرقية بين مزارعي بامبارا أو دوجون أو موسِي ضد رعاة شعب الفولاني (1)، الذين تم دمجهم على عجل مع الجهاديين. وتشعر السلطات المحلية بالضيق من العدو الذي يحتفظ بالمبادرة ولا تفهم ما يرون بأنه فشل عملية "برخان"، كما تزدهر أطروحات المؤامرة حول لعبة مزدوجة من قبل فرنسا، أكثر فأكثر، حيث يعدّ شعب الفولاني كبش فداء مثالي، فيما يدعو المتطرفون بالفعل إلى القتل، وقد يجد جنود فرنسا أنفسهم في خضم تصفيات الحساب العرقية.
بالنسبة للجيش الأجنبي، فإنّ إجراء عمليات مكافحة حرب العصابات بحثاً عن عدو يختبئ بين السكان أمر صعب للغاية، والإخفاقات في فيتنام وأفغانستان تذكرنا بذلك.

اقرأ أيضاً: لماذا تحول الإرهاب في الساحل الأفريقي إلى أزمة عالمية؟
ولا يمكن كسب الحرب في الساحل، التي لم تعد تتطور الآن في شمال مالي شبه المهجور ولكن في قرى وسط مالي وشمال بوركينا، بواسطة قوة غربية، كما يمنع فشل الأجهزة الحكومية في الدولتين تنفيذ إستراتيجية لطخة الزيت (التي تنتشر بسرعة) الغالية على فكر جالياني (2)، والتي تشهد الإدارة وهي تستعيد تدريجياً سيطرتها على المناطق الآمنة في "برخان" (مالي)، ولن يغيّر تدخل القوات الخاصة الأوروبية من الوضع شيئاً.
إذا أرادت فرنسا أن تتجنب الخروج من المنطقة يوماً ما تحت ضغط شعبي، يجب عليها أن تراجع طرائق وجودها، مراجعة كاملة، وأن توافق على ترك المركز الأول للجهات الفاعلة المحلية، هذا ما قاله الجنرال كليمنت - بوليه.


مصدر الترجمة الفرنسية:

www.lemonde.fr


الهوامش:

1- الفلان شعب يقطن مواطن عديدة في غرب أفريقيا ووسط أفريقيا والساحل الأفريقي، والحجاز ويشكلون أقلية في كل دولة يسكنوها (باستثناء غينيا)، لذا يتحدثون لغات أخرى بجوار لغتهم الأم، ولديهم ثقافة خاصة مميزة. وجلّهم من المسلمين.
2-  جوزيف سيمون غالياني (بالفرنسية: Joseph Simon Gallieni)  قائد عسكري فرنسي ( 1849- 1916 ) شارك في بداية الحرب العالمية الأولى.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية