هل يجلب نظام الدفاع الجوي الروسي "S-400" الشؤم لتركيا؟

هل يجلب نظام الدفاع الجوي الروسي "S-400" الشؤم لتركيا؟

مشاهدة

25/01/2021

عشيّة تنصيب الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، أظهر مرشّح الرئيس الأمريكي، جو بايدن، لمنصب وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، موقفاً حازماً نحو تركيا؛ إذ لوّح بلينكن بإمكانية توقيع عقوبات جديدة في إطار شرائها منظومة الدفاع الروسي "إس – 400"، والتي جلبت على تركيا عقوبات خاصة بقطاع الصناعات العسكرية، أواخر العام الماضي.

ويبدو أنّ الولايات المتحدة لم تكتفِ بهذه الحزمة من العقوبات، وتنوي فرض عقوبات جديدة، لكنّها ستوقّع من قبل نظام بايدن، الذي نُصِّب رئيساً في العشرين من كانون الثاني (يناير) الجاري.

هل تحتمل تركيا المزيد؟

قبل أكثر من عام، كان من المنتظر أن تفرض إدارة الرئيس الأمريكيّ السابق، دونالد ترامب، عقوبات على تركيا، لحيازتها نظام دفاع جوّي روسي، ولطالما دفع الكابيتول هيل، ترامب، لفرض عقوبات إلزامية، بعد أن تسلّمت تركيا نظام الدفاع الجوي الروسي "S-400"، بقيمة 2.5 مليار دولار، في تموز (يوليو) 2019.

وردّت الولايات المتحدة بسرعة، بطرد تركيا من برنامج الطائرة المقاتلة "F-35"، لكنّ إدارة ترامب توقفت عن فرض عقوبات، بينما دعا حلفاء ترامب، مثل السناتور ليندسي غراهام تركيا، إلى عدم تفعيل النظام.

وحذّرت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) من أنّ منظومة "إس -400" ستعرّض الطائرة "F-35" للخطر، باستخدام رادارها لفحص الطائرة بشكل سلبيّ، مما يسمح للنظام الروسي بتحديدها وإسقاطها بسهولة أكبر في القتال.

 تدرك الولايات المتحدّة جيداً الأهمية الجيوسياسيّة التي تمثلها تركيا، كحليف للناتو، ولا تودّ أن تفقد هذا الحليف أو أن ينحرف نحو الصين وروسيا

منح القانون الأمريكيّ الرئيس السابق، حقّ فرض سلّة من خمس عقوبات أو أكثر، وبمقتضى تلك القوانين؛ فإنّ للرئيس كامل الحرية في تضييق الخناق على تركيا من أجل البيع، بما في ذلك منع الصادرات، أو منع بعض المسؤولين من إجراء معاملات أمريكية، أو إيقاف التعاملات المالية والبنكيّة والمؤسسات الدولية من تقديم القروض، وهي خطوة إذا ما تمّ تفعيلها، فقد تتسبّب في دمار كبير للاقتصاد التركي، المتضرّر بدوره منذ الأزمة التي تتفاقم من عام 2018، بيد أنّ كلّ الصلاحيات التي كانت بين يدي الرئيس ترامب، الذي كان حليفاً لأردوغان بشكل كبير، انتقلت الآن إلى جو بايدن، الذي لا يعدّ أردوغان حليفاً له، في ظلّ الإجراءات القمعية والسياسات التوسعيّة التي يمارسها الرئيس التركيّ منذ حادث الانقلاب المزعوم.

وذكرت وكالة "رويترز"، في بداية توقيع العقوبات؛ أنّ إدارة ترامب ستفرض العقوبات بموجب قانون مواجهة أعداء أمريكا من خلال العقوبات، وهو قانون عام 2017، الذي يهدّد بالانتقام الماليّ من  الدول التي تشتري أسلحة من روسيا وأعداء أمريكيين آخرين، لكنّ تركيا، التي تمتعت بعلاقة تقارب مع روسيا، بعد الإسقاط التركي لطائرة روسيّة، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، على الأراضي السوريّة، توترت العلاقة بينهما مؤخراً، بسبب تصاعد الأزمة في ناغورني كاراباخ مؤخراً؛ حيث وجد البلدان نفسيهما متورّطين في حرب بالوكالة في أرمينيا وأذربيجان، بعد مسيرة طويلة من حروب الوكالة في سوريا وليبيا.

مسلسل التهدئة

حفِل عام 2020 بملامح فريدة من الغطرسة التركيّة، التي بلغت ذروتها، حتى وصلت إلى القاع مجدداً، بعد أن عرض الرئيس التركيّ رغبته في فتح قنوات تواصل جيد مع الاتحاد الأوروبي، معرباً عن أنّ تركيا لا ترى نفسها إلّا جزءاً من أوروبا، ومجدِّداً رغبة بلاده في الانضمام إلى الاتحاد، كما قدّم وزير الخارجيّة التركي، مشروعاً لإعادة العلاقات التي تدهورت بشدّة مع الجانب الفرنسي، في الوقت نفسه الذي طلبت فيه الإدارة التركية اجتماعاً مع االيونان، للحديث حول الخلافات في شرق المتوسط.

اقرأ أيضاً: روسيا وتركيا: علاقات معقدة بين الخفاء والعلن

 كلّ هذه العلامات عكست تقارباً تحاول تركيا أن تبديه مع اقتراب تنصيب رئيساً جديداً لأمريكا، يرى في الرئيس التركي ديكتاتوراً لا يلتفت إلى حقوق الإنسان، كما وصفه في عدة تصريحات صحفية، خلال حملته الانتخابية، وهو ما يصفه الباحث في مركز "الأهرام" للدراسات السياسية والإستراتيجيّة، بشير عبد الفتاح، بالمهادنة التي قدّمتها الإدارة التركيّة خوفاً من أيّ تصعيد جديد، أوروبي أو أمريكي، قد يفقد تركيا توازنها، بعد كلّ هذه الأزمات.

بشير عبد الفتاح

ويتابع، في تصريح لـ "حفريات": "تركيا لا تستطيع الاستغناء عن منظومة الدفاع الصاروخي الروسي "إس – 400"، لكنّ صدمة العقوبات الموقّعة من الولايات المتحدة الأمريكية، دفعتها للتحدي والاستعراض في البداية، والتلويح بإمكانية شراء منظومة جديدة، لتظهر أمام العالم أنّها سيدة قرارها، ولا تخشى عقوبات أيّة دولة، مهما كانت، وهو ما لا تريده الولايات المتّحدة الأمريكية، لأنّ تركيا، في حال اشترت منظومة جديدة، ستجبر أمريكا على توقيع عقوبات، وهو ما سيدفع بتركيا إلى التحالف مع روسيا والصين، وسيضرّ أيضاً بالوضع الاقتصادي التركي المتدهور؛ لذلك فإنّ مصير تركيا مرهون بالتهدئة مع القوى العظمى، التي لن تتحمّل عقوباتها".

الباحث في مركز الأهرام بشير عبد الفتاح لـ"حفريات": الإدارة التركيّة تهادن أمام العقوبات العديدة، خوفاً من تصعيد أمريكي أوروبي، يهدّد الاقتصاد التركي المأزوم

تدرك الولايات المتحدّة جيداً الأهمية الجيوسياسيّة التي تمثّلها تركيا، كحليف للناتو، ولا تودّ أن تفقد هذا الحليف، لكنّها، في الوقت نفسه، تسعى لئلّا يذهب هذا الحليف، إلى أعداء الولايات المتّحدة (روسيا والصين)، ويتحالف معهم، وهو ما تحاول تركيا بالفعل ممارسته منذ فترة، وهي مقامرة تعرف تركيا جيداً نهايتها المحفوفة بالمخاطر؛ لذلك تحاول الحدّ من التقارب الصيني الروسي؛ خشية التصعيد الأمريكيّ. 

ما علاقة شرق المتوسط؟

لا تقتصر مغامرات تركيا في الخارج حول السعي نحو الغاز ومصادر الطاقة، إنّها محاولة جريئة لإقامة تعديلات جيوسياسية ترسمها تركيا، يتجلّى ذلك في حلقة تكرّرت بشكل مضجر، عدة مرات، منذ تموز (يوليو) الماضي، بعد أن اشتبكت سفن المسح الزلزالي التركية وسفن البحرية مع السلطات اليونانية، أثناء البحث عن منابع الغاز في المياه، قبالة جزيرة "كاستيلوريزو" اليونانية الصغيرة، لا تتفق تركيا واليونان، الخصمان الدائمان، على الحدود البحرية للبحر الأبيض المتوسط.

ومع كلّ مرة تتشاجران فيها، يسارع النقّاد إلى تقليص المواجهة اليونانية التركية إلى خلاف ثنائيّ حول الموارد الطبيعية. في الواقع؛ فإنّ الخلاف حول "كاستيلوريزو" وتوغّلات تركيا في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​بشكل عام، هي مجرّد أعراض قريبة لصراع عميق الجذور على السيادة.

 كانت تلك المعركة تختمر منذ عقود، وتفاقمت مؤخراً؛ بسبب التخلي عن مبادئ السياسة الخارجية التركية القائمة منذ فترة طويلة على أساس الحذر والنفور من المغامرة.

ولا شيء يحدث في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​يمكن فصله عن الديناميكيات الأوسع في منطقة تلتقي فيها أوروبا وآسيا وأفريقيا، والتي لطالما كانت نقطة الصفر لسياسات القوى العظمى، لكنها طورت نقطة ضعف جديدة في أعقاب حرب العراق المشؤومة لواشنطن، والتي دفعت إلى إعادة تشكيل أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة حول العالم. والآن أصبحت الولايات المتحدة غير مستعدّة بشكل متزايد للتدخّل بشكل حاسم في الخارج، مما يتيح المجال للجهات الفاعلة الأخرى للتنافس في السعي لتحقيق أجنداتها الفردية، في محاولة لاقتطاع مجالات نفوذها الخاصة؛ لذلك فإنّ العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة وما تشهده من تحالفات عميقة، ترسم ملامح التواجد الجيوسياسي لتركيا، التي لا يمكن فصل تحركاتها في المنطقة عمّا تريده الولايات المتحدة.

الصفحة الرئيسية