هل ينزلق السودان إلى صراع هوياتي بعد إعلان علمانية الدولة؟

هل ينزلق السودان إلى صراع هوياتي بعد إعلان علمانية الدولة؟

مشاهدة

08/09/2020

جدل يدور في السودان بعد توقيع رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، نصّ إعلان مبادئ، يكرّس الفصل بين الدين والدولة، مع رئيس الحركة الشعبية - شمال، جناح عبد العزيز الحلو، في أديس أبابا.

وعقب الإعلان خرجت أصوات سودانية مناهضة للعلمانية، من المحسوبين على الحركات الإسلامية، الذين كانوا في تظاهر احتجاجي دائم على التعديلات التشريعية التي أقرّتها وزارة العدل، بشأن جرائم الزنا والردّة وحقوق المرأة وغيرها.

اتفاق حمدوك- الحلو سيفرز صراعاً من نوع جديد؛ يحدّد هوية السودان، ويمنح الإسلاميين نافذةً للعودة إلى الشارع، للتجييش باسم الدين، مستغلين عقود الأسلمة التي رعاها نظام الإنقاذ

وهناك عدّة تخوفات جراء ذلك الإعلان؛ تتضمن الخلاف المتوقع حول تفسير نصّ "فصل الدين عن الدولة"، والذي ربط الحلو تطبيق السلام بتنفيذه، وردّ فعل الحركات والأحزاب الإسلامية، والخوف من انجرار السودان وراء صراع هوية غامض، حول موقف الدولة من الدين، يشغل السلطة والنخب عن الوضع الاقتصادي والاجتماعي العسير الذي تعيشه البلاد.

وهناك تساؤل مشروع حول جدوى تمسك عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان - جناح عبد الواحد نور بمبدأ "العلمانية"، الذي يخلق جدلاً أكثر مما يفيد في منطقتنا العربية - الإسلامية، منذ ما يزيد عن قرن حتى اليوم.

علمانية الدولة: المطلب الغامض

لا يوجد اتفاق على مفهوم "العلمانية" بين أغلب المنظّرين، وتختلف تطبيقات الدول لهذا المفهوم باختلاف الظروف التاريخية التي مرت بها كلّ دولة.

حمدوك والحلو أثناء توقيع إعلان المبادئ في أديس أبابا

وخلق المفهوم إشكالية كبيرة منذ دخوله إلى الثقافة العربية، ورأى البعض أنّ التخلص منه بحمولته السلبية أفضل من الخوض في جدال حول تعريفه، ورغم أنّ إعلان المبادئ بين حمدوك والحلو، في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، لم يشتمل على هذا اللفظ، لكنّه تضمّن جملة تماثل اللفظ في غموضه، جاءت في البند الثالث، وهي: "يجب إقامة دولة ديمقراطية في السودان. وكي يصبح السودان بلد ديمقراطي؛ حيث يتم تكريس حقوق جميع المواطنين، يجب أن يقوم الدستور على مبدأ "فصل الدين عن الدولة"، وفي غياب هذا المبدأ يجب احترام حق تقرير المصير".

اقرأ أيضاً: بعد فيضانات السودان.. كيف يمكن تخفيف أثر الكارثة؟

واشتمل البند على جملة تعريفية تقول: "حرية المعتقد والعبادة والممارسة الدينية مكفولة بالكامل لجميع المواطنين السودانيين، كما لا يجوز للدولة تعيين دين رسمي، ولا يجوز التمييز بين المواطنين على أساس دينهم".

ولو اشتمل البند الثالث على الفقرة الأخيرة لما خلق حالة البلبلة بين المتابعين، ولأكد على جوهر العلمانية في جزئية الحرية الدينية، ولكنّ ربما تكون الحالة السودانية استدعت النصّ على الفصل بين الدين والدولة.

الأكاديمي السوداني عمار ود عائشة مختار لـ"حفريات": تخفّي بعض الأحزاب خلف كلمة مدنية الدولة هو واقعي أكثر، لأنّها تقطع الطريق على الحركات الإسلامية لاستغلال كلمة العلمانية

وحول ذلك، يقول الناشط السياسي السوداني، عبد العظيم صادق: "هناك خلط كبير بين المؤسسات الدينية ومؤسسات الدولة في السودان؛ فمثلاً كانت البنوك ملزمة بتعيين رجال دين مهمتهم الإفتاء للبنك حول ما هو حرام أو حلال في تعاملاته، وكان رجل الدين يتحكم في مدير البنك، رغم أنّه لا يملك خبرة في الاقتصاد أو الإدارة، وكذلك شركات التأمين، وكان رجال الدين يتقاضون رواتب كبيرة".

اقرأ أيضاً: الإمارات ترسل مساعدات عاجلة إلى السودان

ويضيف صادق، لـ "حفريات": "لم يتم الإعلان عن علمانية الدولة في اتفاق حمدوك-الحلو، بل الاتفاق على مناقشة ذلك، وإذا تعذر فللحركة الشعبية - شمال حقّ تقرير المصير في ولايتي؛ جنوب كردفان، والنيل الأزرق، إلى جانب ذلك فقوانين السودان حتى الآن لم تشهد سوى تغيير طفيف، فمسألة عقوبة الخمر ما تزال موجودة على المسلم؛ رغم أنّ غالبية سكان الولايتين من المسلمين، إلا أنّ من عاداتهم شرب الخمر في الأفراح والأتراح وكلّ المناسبات، لذلك مسألة بسيطة مثل هذه مهمة، وتبرّر طرحهم لعلمانية الدولة".

ومن جانبه، يرى الصحفي السوداني، إبراهيم ناصر؛ أنّ الحكومة السودانية علمانية، لكنّها تتبنى علمانية أقرب للنموذج البريطاني؛ الذي لا يتصادم مع الدين، ويسمح بوجود هوية دينية للدولة، دون أن تؤثر على التشريع، ويحبذون الإصلاح التدريجي، على عكس نموذج العلمانية التصادمي الذي تتبناه الحركة الشعبية شمال-جناح الحلو، وحركة التحرير-جناح عبد الواحد نور، والأقرب للنموذج الفرنسي.

جدل حول الهوية

ويتابع الصحفي ناصر، لـ "حفريات" بقوله: " اتفاق حمدوك-الحلو سيفرز صراعاً من نوع جديد؛ يحدّد هوية الدولة السودانية، ويمنح الإسلاميين نافذةً للعودة إلى الشارع، للتجييش باسم الدين، مستغلين عقود الأسلمة التي رعاها نظام الإنقاذ البائد".

اقرأ أيضاً: تحرير 22 شخصاً من عصابات الاتجار في البشر بالسودان... ما علاقة ليبيا؟

ومن جانبه، يقول الناشط والمحلل السياسي السوداني، خالد بابكر أبو عاقلة: "من تجربتنا السابقة، وبعد سقوط نظام المخلوع البشير، وقعنا في خلق الاصطفافات المؤيدة والمعارضة، ودخلنا فيما يشبه الدعاية الإيديولوجية، ولذلك أرى أنّ من الافضل الشروع في الإصلاحات القانونية، وإعادة هيكلة الدولة السودانية دون تعريفات وعناوين بالبنط العريض، ودون اعلانات إلا ما هو ضروري، على الأقل ليجرب الناس أولاً فوائد هذه الإصلاحات في حياتهم".

ويتابع أبو عاقلة لـ "حفريات": "فالإصلاحات الاجتماعية والقانونية ليست أقوالاً وحسب، بل أيضاً معايشة اجتماعية، وإذا كنا مقتنعين بفائدتها فمن الأفضل أن نعيشها دون تسميات طنانة، ودعاية تخلق قوى ضغط في مواجهتها، ونحن في أمسّ الحاجة للتوافق".

ويتبنى الأكاديمي الاقتصادي السوداني، عمار ود عائشة مختار، وجهة نظر مختلفة، ويشرحها بقوله: "الصراع في أرض الواقع ليس كما هو بين النخب؛ فإذا نظرنا لتاريخ البلاد سنجد أنّ الشعب عاش في حالة تسامح ممتازة، حتى بعد حكم الإسلاميين، فأغلب الناس لا يتخذون الهوية عاملاً حاسماً في حياتهم، وبالتالي إذا صارت الدولة علمانية أو مدنية أو دينية فالأمر لا يمثل شيئاً عظيماً".

اقرأ أيضاً: السودان والتركة الثقيلة من حكم الإسلاميين

ويردف ود عائشة مختار بقوله: "حتى الساسة عندنا لا يعطون مسألة الهوية اهتماماً كبيراً في برامجهم الانتخابية والدعائية، ولا تخاطب الأحزاب المجتمع في قضية الهوية، فهذا ترف بالنسبة إلى أوضاع السودان، والظنّ أنّ اتفاق حمدوك-الحلو سيخلق صراع هوية هو تعامل بسيط مع القضية".

ويرى ود عائشة مختار؛ أنّ تخفي بعض الأحزاب خلف كلمة مدنية الدولة هو واقعي أكثر، لأنّها تقطع الطريق على الحركات الإسلامية لاستغلال كلمة العلمانية، بما تحمله من مفهوم مشوّه في مجتمعاتنا، وفي الوقت نفسه تحفظ الحقوق والقيم وسيادة القانون، وغيرها من القيم العلمانية.

اختلاق قضية الهوية

يرى البعض أنّ إصرار عبد العزيز الحلو، وعبد الواحد نور على علمانية الدولة الصريحة هو نوع من الإفلاس؛ إذ إنّ الإعلانات السابقة للسلام تضمنت مبدأ "المعاملة على أساس المواطنة"، وآخر ذلك إعلان جوبا، الذي نصّ صراحةً على؛ فصل المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة.

اقرأ أيضاً: مناوي: جهود الإمارات جعلت سلام السودان ممكناً

ويوضح ذلك الصحفي إبراهيم ناصر بقوله: "الحركات المسلحة بنت خطابها على معاداة شخوص نظام الإنقاذ، وبعد سقوط النظام فقدت أداتها التجييشية، لذلك طرحت مسألة العلمانية، دون أن يكون لديها أساس فكري حول ذلك، بل الأمر أقرب إلى الشروط التعجيزية، حيث ربطت مصير بقاء ولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان في السودان بالتوصل لاتفاق حلّ "فصل الدين عن الدولة"، فإن لم يتحقّق ذلك يكون تقرير المصير".

حمدوك والحلو في لقاء سابق

ويفتح هذا الشرط الباب أمام المطالبة بالاستقلال عن السودان، فمن السهل على عبد العزيز الحلو أن يتهم الحكومة بالإخلال بمبدأ "فصل الدين عن الدولة"، ما دام لا يوجد اتفاق حول معنى هذا النصّ، وحدود الفصل، في العالم أجمع.

ويلتمس الناشط والمحلل السياسي، خالد بابكر أبو عاقلة، العذر لطرح عبد العزيز الحلو، ويعزو ذلك إلى انعدام الثقة في الجهاز السياسي والعسكري، بعد أعوام من الصراع مع نظام الإنقاذ.

ويقول أبو عاقلة: "الحلو وكثيرون لا يثقون في الجهاز السياسي، ولا في إدارة الاختلاف ولذلك يحاولون أن يكونوا واقعيين، بعد أن رأوا إسلوب وطرق الحكم الإسلامي وفشله في إدارة الدولة والسلطة والموارد وتقزيمه للسودان، وهم يشعرون أن هذه هي أنسب لحظة في تاريخ السودان ليصرحوا بما يريدون، وليدفعوا المشهد السياسي إلى الأمام، والأحزاب السياسية في السودان لا تختلف عن الحلو للدعوة للعلمانية في شيء، إلا أنّها تنتهج أسلوباً آخر للتخفي والقفز بأفكارهم إلى الأمام".

اقرأ أيضاً: الأزمة الاقتصادية في السودان: مسؤولية الجيش أم الحكومة؟

ويشدّد المحلل السياسي أبو عاقلة؛ على أنّ العلمانية ليست حلاً للمشاكل، بل إطار يُخلق الحلّ داخله، باحترام التنوع والتعدد والديمقراطية؛ ففي جنوب السودان ما يزال الصراع السياسي على أسس عنصرية وقبلية وتاريخية، رغم علمانية الدولة.

وكانت الحركة الشعبية - شمال، جناح الحلو، شاركت في مفاوضات جوبا للسلام، وانسحبت منها في 20 آب (أغسطس) الماضي، ومن المتوقع أن تعود للمفاوضات غير المباشرة مع الحكومة، عبر منبر جوبا.

الصفحة الرئيسية