السودان والتركة الثقيلة من حكم الإسلاميين

2424
عدد القراءات

2019-05-22

ظل السودان بموقعه القصيّ في الجغرافيا العربية خارج دائرة الاهتمام الفكري والسياسي خلال مراحل طويلة من تاريخه القديم والحديث، وها هو يعود اليوم إلى دائرة الضوء بعد أن لفحته نسائم الحرية والتغيير كغيره من الدول العربية بعد ثلاثين عاماً من حكم "الجبهة الإسلامية القومية" التي استولت على السلطة بانقلاب عسكري العام 1989 تحت شعار "الإسلام هو الحل" و"الإسلام دين ودولة" الذي تشترك به مع حركات الإسلام السياسي على اختلاف مرجعياتها النظرية وتنظيماتها الحركية.

اقرأ أيضاً: إسلاميو السودان يحاولون التشويش على المرحلة الانتقالية عبر هذه الثغرة
لكن اللافت هو أنّ ثورة السودانيين اليوم هي ثورة على نموذج الحكم الفاشل الذي أنتجه الإسلاميون أنفسهم وما يزالون يرفعونه شعاراً بديلاً لأنظمة الحكم "العلمانية" التي شاركوا بالثورة عليها في دول عربية أخرى، وهو ما يثبت عمق مقولة المفكر حيدر إبراهيم علي "الإسلاميون معارضون جيدون ولكنهم حكام فاشلون".

حتى الأحداث الأخيرة ظل السودان سنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام الفكري والسياسي

يعتبر المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي المتخصص في علم الاجتماع الديني، الذي أسس مركز الدراسات السودانية وأفرد جزءاً كبيراً من مشروعه الفكري لنقد الإسلام السياسي، واحداً من الكتّاب المجددين في هذا المجال في ظل غلبة الثقافة الشفوية لوقت طويل من تاريخ الثقافة السودانية، ويشكل كتابه "أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية نموذجاً" دراسة اجتماعية شاملة ومرجعاً مهماً في تاريخ الظاهرة الإسلاموية في السودان، اعتمد الباحث فيها على الملاحظة والمعايشة والشهادات الذاتية لمناصري الحركة في كتابة تاريخ موازٍ لهذه الظاهرة، من خلال إعادة قراءة المكتوب، وإظهار المسكوت عنه والمقنع وتوظيفه بحثياً في تحليل وتقييم نشاط الحركة الإسلاموية منذ نشأتها في مرحلة ما بعد الاستقلال بتأثير الفكر الإخواني المصري، وامتداده نحو الجوار السوداني في منتصف القرن الماضي حتى تمكنه من الانقضاض على السلطة بانقلاب عسكري قاده حسن البشير في العام 1989.

غلاف الكتاب
يعرض علي في الفصل الأول من كتابه سيرورة تاريخية تفصيلية للحركة ترصد المراحل المفصلية في انتشارها وصعودها، وانكفائها وتراجعها، على الصعيد التنظيمي والجماهيري، وصداماتها أو تحالفاتها مع القوى الوطنية والتشكيلات الاجتماعية السودانية في مراحل حرجة من تاريخ السودان، كمرحلة ما بعد الاستقلال التي حفلت بنشاط سياسي حول استحقاقات بناء مستقبل السودان، ومرحلة صياغة الدستور، ثم مرحلة الدخول بدوامة الانقلابات العسكرية التي أصبحت سمة عامة في الوطن العربي ودول العالم الثالث مع كل اختناق سياسي بسبب هشاشة التقاليد الديمقراطية. 

يعرض حيدر علي في الفصل الأول من كتابه سيرورة تاريخية تفصيلية للحركة الإسلامية السودانية من الصعود إلى الانكفاء

ويرجع الباحث اختلاف الإسلامويين أنفسهم حول تاريخ دخول الحركة الإسلامية إلى السودان إلى ضحالة المنتج الفكري للحركة، والتباس العلاقة بين الدين الديني والدين السياسي، وتداخل الحدود بين التنظيم الحزبي والدعوة الدينية التي تريد زيادة تفقّه الناس بدينهم من جهة، وإلى التركيبة السوسيوثقافية وطابع التدين السوداني الذي غلبت عليه تاريخياً طرق التدين الصوفية المتعددة نتيجة تداخل الدين مع الأعراف الاجتماعية المتنوعة والتقاليد القبلية البسيطة وتمازجه معها، ما أنتج نمط تدين شعبي طقوسي متعدد ومتسامح يغلب طابعه الاجتماعي على طابعه الديني المؤسسي أو السياسي من جهة ثانية. وهو ما أدى إلى عدم قبول حركة الإسلام السياسي على الصعيد الشعبي الجماهيري بداية، وتركزها في الوسط الطلابي وانحسارها (بين جدران دور التعليم كرد فعل للتيار الطلابي اليساري المتنامي مع صعود الحركة الوطنية في نهاية الأربعينيات).

اقرأ أيضاً: هذا ما تريده الأحزاب الإسلامية في السودان..
وقد أدركت الحركة الإسلامية ظروف السودان وتركيبته الاجتماعية والتاريخية فأبدت مرونة وبراغماتية في عدم  التعرض للأحزاب التقليدية دينية التوجه ذات الشعبية الواسعة بحكم تدينها الشعبي والصوفي، ولم تصطدم معها بداية، بل تحالفت مع حزب الأمة والاتحاديين أكثر من مرة منذ انطلاقتها وحتى المصالحة مع النميري العام 1978، لكنها عادت لتهاجم تلك الأحزاب والأفكار والممارسات الطائفية التي سكتت عنها بعد ربع قرن، و"قد أثبت انقلاب حزيران (يونيو) 1989 غرابة الإسلامويين سواء في طريقة الوصول إلى السلطة أو في الممارسات التي انتهجتها الحركة في تثبيت سلطانها  بممارسة أساليب التعذيب وبيوت الأشباح والفصل التعسفي الجماعي والإعدامات السريعة والاغتيالات في السجون...".

ثورة السودانيين اليوم هي ثورة على نموذج الحكم الفاشل الذي أنتجه الإسلاميون
ولا يفوت الكاتب أن يشير إلى أنّ الحديث هو عن الجناح المحافظ والانتهازي من حركة الإخوان المسلمين كما يصفه الذي أنتج "الجبهة الإسلامية القومية" بعد أن تمكن من إقصاء التيار الإسلامي التنويري من قيادة الحركة الإسلامية السودانية، وإقصاء القوى اليسارية وخاصة الحزب الشيوعي السوداني بالمكائد والتصفيات والاغتيالات واستأثر بالسلطة. وهو ما يعتبر نجاحاً سياسياً بالمنظور البراغماتي أو الذرائعي والنفعي حيث استطاعت الحركة الإسلاموية بقيادة الترابي أن تصل إلى السلطة مباشرة أو مواربة مرتين في وقت قصير من تاريخ سودان ما بعد الاستقلال من خلال مغامرة محسوبة المقدمات والوسائل فيما النتائج والعواقب فتترك للغيب. "وهذا التأرجح بين العلمانية الواقعية ودقة التنظيم، والتوكل والقدرية، هو ما يجعل التعامل معها وفهمها أمراً معقداً وصعباً للغاية".
مضمون وآليات التنظيم الإسلاموي
يعمل حيدر علي في الجزء الثاني من كتابه على تفكيك الخطاب الإسلاموي وتحليل الآليات التي يقوم عليه التنظيم تحليلاً معمقاً برصانة منهجية تنم عن سعة فكرية وانفتاح على مناهج البحث الحديثة، فيقدم في استهلال الفصل مقاربة تحليلية  لسيكولوجيا الفرد الإسلاموي داخل تنظيمات الحركة الإسلامية المغلقة ومنها "الجبهة الإسلامية القومية" مشيراً إلى أنّ الحركة الإسلامية السودانية كانت وليدة الأزمة؛ فقد "انتعش تنظيم وفكر الحركة في السودان في مناخ الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أنتجها نظام مايو العسكري عام 1972 وسقوط المشروع الديمقراطي".

تساءل حيدر علي مبكراً إذا كان ثمة مستقبل للحركات الإسلاموية التي تعتبر نفسها أمل الأمة

وفي مناخ الفشل والإحباط الذي سيطر على نفوس المثقفين السودانيين، بعدما كان نشاطها محدوداً وجمهورها ضيقاً ومحصوراً بين الطلبة وعدد من أفراد الجيش الذي ركّز عليه الإسلاميون مبكراً، عملاً بنصيحة الإخوان المصريين والاستفادة من تجربتهم؛ فدفعوا بشبابهم إلى الكلية الحربية وعملوا على تأسيس أسر إسلامية منذ الخمسينيات.
لكن مناخ الأزمة والإحباط والفراغ السياسي الذي تركته هيمنة العسكر على السياسة وإقصاء اليسار الشيوعي وفّر البيئة المناسبة للمد الإسلاموي في الوسط الشبابي المحبط والحائر ومشوش الذهنية ونصف المتعلم الذي يشكل الدين جزءاً مهماً من رصيده الثقافي، ووجد هذا الشباب في الخطاب الحركي الوثوقي واليقيني التعبوي الذي يعمل على تعطيل العقل وتنشيط العاطفة والانفعال ملاذاً من حالة الإحباط السياسي والفراغ الروحي فشكل جيش الحركة الاحتياطي القابل للتشكيل من جديد على إيقاع الخطاب الإسلاموي الجاذب السهل الذي  يقسم العالم إلى خير مطلق تمثله الذات أو الجماعة التي اصطفاها الله، وشر مطلق يمثله الآخر، أو إلى "دار الإسلام" و"دار الحرب" حسب التعبير الإسلاموي، وتَمثُّل شخصية الزعيم الإسلامي الكاريزمي والطهراني.

يرى حيدر علي في معاينته للخطاب الإسلاموي الحركي أنّه خطاب أيديولوجي بامتياز
وبذلك تكتمل شروط ميلاد متعصب نموذجي مستعد "للجهاد ضد أنظمة الكفر والاستبداد والعشائرية والتجزئة والولاء للأجنبي"، وضد مجتمعه الذي يعيش في "جاهلية" من أجل إقامة "حاكمية الله" وتثبيت شريعته، لتصبح الحركة أو الحزب هو المجتمع.
يرى حيدر علي في معاينته للخطاب الإسلاموي الحركي أنّه خطاب أيديولوجي بامتياز، حسب تعريف المفكر المغربي عبدالله العروي لمفهوم الأيديولوجيا؛ فهذا الخطاب يقوم على الانتقائية والرمزية ويعمل على تحوير الواقع وتحويله إلى نماذج مثالية، ويوظّف الرأسمال الرمزي للإسلام في عملية التحويل والتحوير. لكن التساؤل الذي يثيره الباحث هو "كيف تستطيع الأيديولوجيا الدينية رغم عدم علميتها وفقدان المنهج أن تجتذب العديد من المؤيدين ومن بينهم المتعلمون"؟

يرجع الباحث اختلاف الإسلامويين أنفسهم حول تاريخ دخول الحركة الإسلامية إلى السودان إلى ضحالة المنتج الفكري للحركة

ويرجع ذلك إلى أنّ التعليم في السودان هو تعليم تلقيني يقوم على تخزين المعلومات وليس امتلاك المنهجية العلمية في الاستقراء والتحليل والتركيب من جهة، وفي التعصب الذي يبقي أصحابه ضمن نسق فكري مغلق بإحكام من جهة ثانية، كما أنّ المؤمن بالأيديولوجيا يهتم في المقام الأول بما يحققه له هذا الإيمان من تبرير ذهني يصنع توازنه النفسي والأخلاقي والوجودي على المستوى الفردي، وما تحققه للفئة أو الطبقة أو الجماعة القومية من حفاظ على البنيان الاجتماعي؛ فالأيديولوجيا الدينية باعتمادها على الرمز والمجاز والوصف وتجويد الكلام بالتفخيم والمرادفات والتشبيهات وسحرية الكلام تُخفي السياسي وتُظهر الديني بكل قدراته الرمزية والتحليلية والأسطورية، وتلبي حاجات نفسية وعاطفية وفكرية عديدة لدى قطاعات اجتماعية كبيرة عاجزة أمام مصيرها ومصير أوطانها.
لذلك كان تركيز الوعّاظ والخطباء، كما يقول حيدر علي، على قوة الكلمة وسحر البيان لما لهما من قوة تأثير في الثقافات الشفوية والمجتمعات التي تنتشر فيها الأمية؛ لكن فهم الخطاب الإسلاموي كما يرى "لا يكتمل إلا بالتنقيب عن المسكوت عنه، ولكن يظهر في الممارسة، لذلك تختلف الحركة حين تكون معارضة عنها حينما تشارك في السلطة أو تحكم"؛ فغياب الفكر النقدي وضحالة التأصيل النظري يجعل فكر الإسلامويين، مهما كانت بلاغته وفصاحته، لا يتعدى الشعارات خاوية المضمون، وهو ما يتجلى في توظيف الدين بمرونة وبراغماتية في كل ما يخدم المصلحة السياسية والتنظيمية للحركة سواء داخل التنظيم أو في علاقاتها مع الآخرين وتحالفاتها في العمل الجبهوي، وفي عدم قدرتها على تبني منهج ثابت وموقف واضح تجاه الديمقراطية وقبول الاختلاف وإدارة الحكم غير المحاولة التلفيقية لمساواتها مع فكرة "الشورى" والتعامل مع المعارضين بمفهوم "الشوكة والفتنة" وتحويل مفهوم الحوار إلى "المكايدة"، أو تقديم رؤية واضحة للتنمية غير مفهوم "الاقتصاد الإسلامي" الملتبس وغير المعني بالعدالة الاجتماعية وحل مشكلات الفقر والمجاعة في بيئة يرتهن فيها معاش الإنسان بجود الطبيعة أو غضبها، أو حل القضية القومية، أو الموقف من العلمانية والتعددية الثقافية والعلاقة مع الجنوب الذي ما زال الإسلاميون ينظرون إلى أبنائه نظرة استعلائية، ويتجلى ذلك في الممارسة العملية والحياتية التي لم تشهد تبادلاً للزيجات بين الإسلامويين والجنوبيين الذين قبلوا انضمامهم للتنظيم أو الجبهة، على سبيل المثال لا الحصر.

حسن الترابي
لقد تساءل حيدر علي مبكراً إذا كان ثمة مستقبل للحركات الإسلاموية التي تعتبر نفسها أمل الأمة والقادرة على تحقيق الخلاص، في حين لم يبدر من تجاربها غير السلبيات والنواقص، وخلص إلى القول: "أن  الحركات الإسلاموية تكتسب قوتها من ضعف الآخرين أي بتراجع القوى اليسارية والتقدمية والوطنية"، وأنّها ستعود إلى حجمها الحقيقي بتوفر مناخ ديمقراطي يتيح لجميع القوى المجتمعية التعبير عن نفسها في إطار مجتمع مدني حقيقي، وأنّ مستقبل الحركات الإسلاموية في الوطن العربي رهين بتقاربها من القضايا الحيوية في العمل السياسي وفي التعليم والثقافة والحياة اليومية، مثل قضية الديمقراطية والعقلانية والعلمانية، وإلا "ستكون أمام أفق مسدود مهما كان حجمها المتضخم وصوتها العالي والصاخب".

اقرأ أيضاً: الهوية السلمية لثورة السودانيين تسحر العالم
مضى على كتاب حيدر إبراهيم علي واستشرافه لمستقبل الإسلامويين هذا عدة سنوات، وقد وصلت الحركات الإسلاموية إلى الطريق المسدود بعد ثلاثين عاماً من الاستبداد والفشل، وقال السودانيون بعدها كلمتهم في الساحات العامة وأسقطوا حكم الجبهة الإسلامية القومية بانتفاضة شعبية عارمة، لكن أمل السودانيين بمستقبل أفضل ما يزال معلقاً بالاحتمالات، فهل سيتاح لهم أن يصنعوا مستقبلهم، أم ستتكرر التجارب الفاشلة ويعاد إنتاج الاستبداد من جديد؟

اقرأ المزيد...

الوسوم:



السودان والتركة الثقيلة من حكم الإسلاميين

عدد القراءات

2019-05-22

ظل السودان بموقعه القصيّ في الجغرافيا العربية خارج دائرة الاهتمام الفكري والسياسي خلال مراحل طويلة من تاريخه القديم والحديث، وها هو يعود اليوم إلى دائرة الضوء بعد أن لفحته نسائم الحرية والتغيير كغيره من الدول العربية بعد ثلاثين عاماً من حكم "الجبهة الإسلامية القومية" التي استولت على السلطة بانقلاب عسكري العام 1989 تحت شعار "الإسلام هو الحل" و"الإسلام دين ودولة" الذي تشترك به مع حركات الإسلام السياسي على اختلاف مرجعياتها النظرية وتنظيماتها الحركية.

اقرأ أيضاً: إسلاميو السودان يحاولون التشويش على المرحلة الانتقالية عبر هذه الثغرة
لكن اللافت هو أنّ ثورة السودانيين اليوم هي ثورة على نموذج الحكم الفاشل الذي أنتجه الإسلاميون أنفسهم وما يزالون يرفعونه شعاراً بديلاً لأنظمة الحكم "العلمانية" التي شاركوا بالثورة عليها في دول عربية أخرى، وهو ما يثبت عمق مقولة المفكر حيدر إبراهيم علي "الإسلاميون معارضون جيدون ولكنهم حكام فاشلون".

حتى الأحداث الأخيرة ظل السودان سنوات طويلة خارج دائرة الاهتمام الفكري والسياسي

يعتبر المفكر السوداني حيدر إبراهيم علي المتخصص في علم الاجتماع الديني، الذي أسس مركز الدراسات السودانية وأفرد جزءاً كبيراً من مشروعه الفكري لنقد الإسلام السياسي، واحداً من الكتّاب المجددين في هذا المجال في ظل غلبة الثقافة الشفوية لوقت طويل من تاريخ الثقافة السودانية، ويشكل كتابه "أزمة الإسلام السياسي: الجبهة الإسلامية القومية نموذجاً" دراسة اجتماعية شاملة ومرجعاً مهماً في تاريخ الظاهرة الإسلاموية في السودان، اعتمد الباحث فيها على الملاحظة والمعايشة والشهادات الذاتية لمناصري الحركة في كتابة تاريخ موازٍ لهذه الظاهرة، من خلال إعادة قراءة المكتوب، وإظهار المسكوت عنه والمقنع وتوظيفه بحثياً في تحليل وتقييم نشاط الحركة الإسلاموية منذ نشأتها في مرحلة ما بعد الاستقلال بتأثير الفكر الإخواني المصري، وامتداده نحو الجوار السوداني في منتصف القرن الماضي حتى تمكنه من الانقضاض على السلطة بانقلاب عسكري قاده حسن البشير في العام 1989.

غلاف الكتاب
يعرض علي في الفصل الأول من كتابه سيرورة تاريخية تفصيلية للحركة ترصد المراحل المفصلية في انتشارها وصعودها، وانكفائها وتراجعها، على الصعيد التنظيمي والجماهيري، وصداماتها أو تحالفاتها مع القوى الوطنية والتشكيلات الاجتماعية السودانية في مراحل حرجة من تاريخ السودان، كمرحلة ما بعد الاستقلال التي حفلت بنشاط سياسي حول استحقاقات بناء مستقبل السودان، ومرحلة صياغة الدستور، ثم مرحلة الدخول بدوامة الانقلابات العسكرية التي أصبحت سمة عامة في الوطن العربي ودول العالم الثالث مع كل اختناق سياسي بسبب هشاشة التقاليد الديمقراطية. 

يعرض حيدر علي في الفصل الأول من كتابه سيرورة تاريخية تفصيلية للحركة الإسلامية السودانية من الصعود إلى الانكفاء

ويرجع الباحث اختلاف الإسلامويين أنفسهم حول تاريخ دخول الحركة الإسلامية إلى السودان إلى ضحالة المنتج الفكري للحركة، والتباس العلاقة بين الدين الديني والدين السياسي، وتداخل الحدود بين التنظيم الحزبي والدعوة الدينية التي تريد زيادة تفقّه الناس بدينهم من جهة، وإلى التركيبة السوسيوثقافية وطابع التدين السوداني الذي غلبت عليه تاريخياً طرق التدين الصوفية المتعددة نتيجة تداخل الدين مع الأعراف الاجتماعية المتنوعة والتقاليد القبلية البسيطة وتمازجه معها، ما أنتج نمط تدين شعبي طقوسي متعدد ومتسامح يغلب طابعه الاجتماعي على طابعه الديني المؤسسي أو السياسي من جهة ثانية. وهو ما أدى إلى عدم قبول حركة الإسلام السياسي على الصعيد الشعبي الجماهيري بداية، وتركزها في الوسط الطلابي وانحسارها (بين جدران دور التعليم كرد فعل للتيار الطلابي اليساري المتنامي مع صعود الحركة الوطنية في نهاية الأربعينيات).

اقرأ أيضاً: هذا ما تريده الأحزاب الإسلامية في السودان..
وقد أدركت الحركة الإسلامية ظروف السودان وتركيبته الاجتماعية والتاريخية فأبدت مرونة وبراغماتية في عدم  التعرض للأحزاب التقليدية دينية التوجه ذات الشعبية الواسعة بحكم تدينها الشعبي والصوفي، ولم تصطدم معها بداية، بل تحالفت مع حزب الأمة والاتحاديين أكثر من مرة منذ انطلاقتها وحتى المصالحة مع النميري العام 1978، لكنها عادت لتهاجم تلك الأحزاب والأفكار والممارسات الطائفية التي سكتت عنها بعد ربع قرن، و"قد أثبت انقلاب حزيران (يونيو) 1989 غرابة الإسلامويين سواء في طريقة الوصول إلى السلطة أو في الممارسات التي انتهجتها الحركة في تثبيت سلطانها  بممارسة أساليب التعذيب وبيوت الأشباح والفصل التعسفي الجماعي والإعدامات السريعة والاغتيالات في السجون...".

ثورة السودانيين اليوم هي ثورة على نموذج الحكم الفاشل الذي أنتجه الإسلاميون
ولا يفوت الكاتب أن يشير إلى أنّ الحديث هو عن الجناح المحافظ والانتهازي من حركة الإخوان المسلمين كما يصفه الذي أنتج "الجبهة الإسلامية القومية" بعد أن تمكن من إقصاء التيار الإسلامي التنويري من قيادة الحركة الإسلامية السودانية، وإقصاء القوى اليسارية وخاصة الحزب الشيوعي السوداني بالمكائد والتصفيات والاغتيالات واستأثر بالسلطة. وهو ما يعتبر نجاحاً سياسياً بالمنظور البراغماتي أو الذرائعي والنفعي حيث استطاعت الحركة الإسلاموية بقيادة الترابي أن تصل إلى السلطة مباشرة أو مواربة مرتين في وقت قصير من تاريخ سودان ما بعد الاستقلال من خلال مغامرة محسوبة المقدمات والوسائل فيما النتائج والعواقب فتترك للغيب. "وهذا التأرجح بين العلمانية الواقعية ودقة التنظيم، والتوكل والقدرية، هو ما يجعل التعامل معها وفهمها أمراً معقداً وصعباً للغاية".
مضمون وآليات التنظيم الإسلاموي
يعمل حيدر علي في الجزء الثاني من كتابه على تفكيك الخطاب الإسلاموي وتحليل الآليات التي يقوم عليه التنظيم تحليلاً معمقاً برصانة منهجية تنم عن سعة فكرية وانفتاح على مناهج البحث الحديثة، فيقدم في استهلال الفصل مقاربة تحليلية  لسيكولوجيا الفرد الإسلاموي داخل تنظيمات الحركة الإسلامية المغلقة ومنها "الجبهة الإسلامية القومية" مشيراً إلى أنّ الحركة الإسلامية السودانية كانت وليدة الأزمة؛ فقد "انتعش تنظيم وفكر الحركة في السودان في مناخ الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أنتجها نظام مايو العسكري عام 1972 وسقوط المشروع الديمقراطي".

تساءل حيدر علي مبكراً إذا كان ثمة مستقبل للحركات الإسلاموية التي تعتبر نفسها أمل الأمة

وفي مناخ الفشل والإحباط الذي سيطر على نفوس المثقفين السودانيين، بعدما كان نشاطها محدوداً وجمهورها ضيقاً ومحصوراً بين الطلبة وعدد من أفراد الجيش الذي ركّز عليه الإسلاميون مبكراً، عملاً بنصيحة الإخوان المصريين والاستفادة من تجربتهم؛ فدفعوا بشبابهم إلى الكلية الحربية وعملوا على تأسيس أسر إسلامية منذ الخمسينيات.
لكن مناخ الأزمة والإحباط والفراغ السياسي الذي تركته هيمنة العسكر على السياسة وإقصاء اليسار الشيوعي وفّر البيئة المناسبة للمد الإسلاموي في الوسط الشبابي المحبط والحائر ومشوش الذهنية ونصف المتعلم الذي يشكل الدين جزءاً مهماً من رصيده الثقافي، ووجد هذا الشباب في الخطاب الحركي الوثوقي واليقيني التعبوي الذي يعمل على تعطيل العقل وتنشيط العاطفة والانفعال ملاذاً من حالة الإحباط السياسي والفراغ الروحي فشكل جيش الحركة الاحتياطي القابل للتشكيل من جديد على إيقاع الخطاب الإسلاموي الجاذب السهل الذي  يقسم العالم إلى خير مطلق تمثله الذات أو الجماعة التي اصطفاها الله، وشر مطلق يمثله الآخر، أو إلى "دار الإسلام" و"دار الحرب" حسب التعبير الإسلاموي، وتَمثُّل شخصية الزعيم الإسلامي الكاريزمي والطهراني.

يرى حيدر علي في معاينته للخطاب الإسلاموي الحركي أنّه خطاب أيديولوجي بامتياز
وبذلك تكتمل شروط ميلاد متعصب نموذجي مستعد "للجهاد ضد أنظمة الكفر والاستبداد والعشائرية والتجزئة والولاء للأجنبي"، وضد مجتمعه الذي يعيش في "جاهلية" من أجل إقامة "حاكمية الله" وتثبيت شريعته، لتصبح الحركة أو الحزب هو المجتمع.
يرى حيدر علي في معاينته للخطاب الإسلاموي الحركي أنّه خطاب أيديولوجي بامتياز، حسب تعريف المفكر المغربي عبدالله العروي لمفهوم الأيديولوجيا؛ فهذا الخطاب يقوم على الانتقائية والرمزية ويعمل على تحوير الواقع وتحويله إلى نماذج مثالية، ويوظّف الرأسمال الرمزي للإسلام في عملية التحويل والتحوير. لكن التساؤل الذي يثيره الباحث هو "كيف تستطيع الأيديولوجيا الدينية رغم عدم علميتها وفقدان المنهج أن تجتذب العديد من المؤيدين ومن بينهم المتعلمون"؟

يرجع الباحث اختلاف الإسلامويين أنفسهم حول تاريخ دخول الحركة الإسلامية إلى السودان إلى ضحالة المنتج الفكري للحركة

ويرجع ذلك إلى أنّ التعليم في السودان هو تعليم تلقيني يقوم على تخزين المعلومات وليس امتلاك المنهجية العلمية في الاستقراء والتحليل والتركيب من جهة، وفي التعصب الذي يبقي أصحابه ضمن نسق فكري مغلق بإحكام من جهة ثانية، كما أنّ المؤمن بالأيديولوجيا يهتم في المقام الأول بما يحققه له هذا الإيمان من تبرير ذهني يصنع توازنه النفسي والأخلاقي والوجودي على المستوى الفردي، وما تحققه للفئة أو الطبقة أو الجماعة القومية من حفاظ على البنيان الاجتماعي؛ فالأيديولوجيا الدينية باعتمادها على الرمز والمجاز والوصف وتجويد الكلام بالتفخيم والمرادفات والتشبيهات وسحرية الكلام تُخفي السياسي وتُظهر الديني بكل قدراته الرمزية والتحليلية والأسطورية، وتلبي حاجات نفسية وعاطفية وفكرية عديدة لدى قطاعات اجتماعية كبيرة عاجزة أمام مصيرها ومصير أوطانها.
لذلك كان تركيز الوعّاظ والخطباء، كما يقول حيدر علي، على قوة الكلمة وسحر البيان لما لهما من قوة تأثير في الثقافات الشفوية والمجتمعات التي تنتشر فيها الأمية؛ لكن فهم الخطاب الإسلاموي كما يرى "لا يكتمل إلا بالتنقيب عن المسكوت عنه، ولكن يظهر في الممارسة، لذلك تختلف الحركة حين تكون معارضة عنها حينما تشارك في السلطة أو تحكم"؛ فغياب الفكر النقدي وضحالة التأصيل النظري يجعل فكر الإسلامويين، مهما كانت بلاغته وفصاحته، لا يتعدى الشعارات خاوية المضمون، وهو ما يتجلى في توظيف الدين بمرونة وبراغماتية في كل ما يخدم المصلحة السياسية والتنظيمية للحركة سواء داخل التنظيم أو في علاقاتها مع الآخرين وتحالفاتها في العمل الجبهوي، وفي عدم قدرتها على تبني منهج ثابت وموقف واضح تجاه الديمقراطية وقبول الاختلاف وإدارة الحكم غير المحاولة التلفيقية لمساواتها مع فكرة "الشورى" والتعامل مع المعارضين بمفهوم "الشوكة والفتنة" وتحويل مفهوم الحوار إلى "المكايدة"، أو تقديم رؤية واضحة للتنمية غير مفهوم "الاقتصاد الإسلامي" الملتبس وغير المعني بالعدالة الاجتماعية وحل مشكلات الفقر والمجاعة في بيئة يرتهن فيها معاش الإنسان بجود الطبيعة أو غضبها، أو حل القضية القومية، أو الموقف من العلمانية والتعددية الثقافية والعلاقة مع الجنوب الذي ما زال الإسلاميون ينظرون إلى أبنائه نظرة استعلائية، ويتجلى ذلك في الممارسة العملية والحياتية التي لم تشهد تبادلاً للزيجات بين الإسلامويين والجنوبيين الذين قبلوا انضمامهم للتنظيم أو الجبهة، على سبيل المثال لا الحصر.

حسن الترابي
لقد تساءل حيدر علي مبكراً إذا كان ثمة مستقبل للحركات الإسلاموية التي تعتبر نفسها أمل الأمة والقادرة على تحقيق الخلاص، في حين لم يبدر من تجاربها غير السلبيات والنواقص، وخلص إلى القول: "أن  الحركات الإسلاموية تكتسب قوتها من ضعف الآخرين أي بتراجع القوى اليسارية والتقدمية والوطنية"، وأنّها ستعود إلى حجمها الحقيقي بتوفر مناخ ديمقراطي يتيح لجميع القوى المجتمعية التعبير عن نفسها في إطار مجتمع مدني حقيقي، وأنّ مستقبل الحركات الإسلاموية في الوطن العربي رهين بتقاربها من القضايا الحيوية في العمل السياسي وفي التعليم والثقافة والحياة اليومية، مثل قضية الديمقراطية والعقلانية والعلمانية، وإلا "ستكون أمام أفق مسدود مهما كان حجمها المتضخم وصوتها العالي والصاخب".

اقرأ أيضاً: الهوية السلمية لثورة السودانيين تسحر العالم
مضى على كتاب حيدر إبراهيم علي واستشرافه لمستقبل الإسلامويين هذا عدة سنوات، وقد وصلت الحركات الإسلاموية إلى الطريق المسدود بعد ثلاثين عاماً من الاستبداد والفشل، وقال السودانيون بعدها كلمتهم في الساحات العامة وأسقطوا حكم الجبهة الإسلامية القومية بانتفاضة شعبية عارمة، لكن أمل السودانيين بمستقبل أفضل ما يزال معلقاً بالاحتمالات، فهل سيتاح لهم أن يصنعوا مستقبلهم، أم ستتكرر التجارب الفاشلة ويعاد إنتاج الاستبداد من جديد؟