تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"

3052
عدد القراءات

2019-07-06

جمال جوهر
أوجدت تركيا لنفسها «مساحة نفوذ» على الجانب الغربي من الأراضي الليبية. ومن ثم، دعمت هذه «المساحة» مبكراً بفتح خط ساخن مع تنظيم الإخوان المسلمين، وعناصر الجماعة الليبية المقاتلة، فآوت أمراء الحرب الفارين من المعارك، وعالجتهم في مشافيها، وجعلت من أراضيها نقطة انطلاق لفضائيات «التكفير والتحريض».

ومع دوران عجلة الاقتتال في الضاحية الجنوبية للعاصمة طرابلس قبل ثلاثة أشهر، زادت من تحديها فدعمت بالسلاح الميليشيات المؤدلجة، سراً وجهراً، في خرق واضح لقرارات مجلس الأمن الدولي، لكن مجلس النواب في شرق ليبيا اعترض على ما وصفه بـ«التدخل السافر»، وطالب بعقد جلسة طارئة لجامعة الدول العربية.

التحرّك التركي باتجاه ليبيا جاء سريعاً...على أنقاض انهيار نظام معمر القذافي.

جاء قبل ثماني سنوات، بحثاً عن «مؤيدين جدد»، والمساهمة في إعادة رسم خريطة تشكيل ليبيا على النحو الذي يتوافق مع رغبة الرئيس رجب طيب إردوغان، الذي يتمتع اليوم بصلاحيات واسعة وطموح أوسع. وكانت الحصيلة إشراع أبواب تركيا للجماعات المتشددة، بالتوازي مع تقوية شوكة تنظيم الإخوان المسلمين، والسماح لمتطرفين - بل وإرهابيين معروفين - ليبيين باستخدام الأرضي التركية في حربهم الهادفة للهيمنة على بلادهم.

تدخلات أنقرة في ليبيا، وفقاً لنواب برلمانيين واختصاصيين تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، بدأت منذ اندلاع «انتفاضة» 17 فبراير (شباط) عام 2011، منذ ذلك التاريخ قيادات يتهمها القضاء الليبي بـ«التورّط في جرائم عنف وإرهاب والإضرار بالأمن القومي»، مثل عبد الحكيم بلحاج، المتهم من قبل «الجيش الوطني الليبي» بأنه «استولى خلال عام 2011 على أموال طائلة»، بالإضافة إلى علي الصلابي، الذي تربطه علاقة قوية بـ«الجماعة الليبية المقاتلة» والمُدرج اسمه في «قوائم الإرهاب». كذلك تستضيف أنقرة قيادات ينتمون لما يسمّى «مجلس شورى بنغازي» المصنّف «تنظيماً إرهابياً»، ومنهم أحمد المجبري، وطارق بلعم.

علاج «الدواعش»

الدوافع والأدوار التي تلعبها أنقرة في ليبيا كثيرة. فهي من ناحية لم تكتف باحتضان المتطرفين، وفتح أبواب أنقرة على مصراعيها أمامهم، بل إنها تتدخل بشكل، وصفه المتحدث باسم «الجيش الوطني» اللواء أحمد المسماري «يمثل خطورة على البلاد»، من خلال دعم التيارات المتطرفة والجماعات المسلحة. ورأى المسماري أن تركيا استغلت الأوضاع الأمنية في ليبيا ونقلت عناصر إرهابية من (جبهة النصرة) في سوريا إلى جبهات القتال في العاصمة طرابلس لمواجهة «الجيش الوطني»، والشيء ذاته تطرق إليه وزير خارجية الحكومة المؤقتة عبد الهادي الحويج، بقوله إن «تركيا تنقل مقاتلي النصرة إلى بلادنا وبأعداد كبيرة».

للدلالة على اتساع الدور التركي في ليبيا، كشف المسماري عن أن أنقرة متورّطة في مساندة عناصر إرهابية ضالعة ضد القوات المسلحة، وذهب إلى أنها (تركيا) «تقاتل منذ عام 2014 مع الجماعات الإرهابية في بنغازي ودرنة وغيرها من المدن». وكان «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر قد شنّ عام 2014 عملية أُطلق عليها «الكرامة» ضد ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي» الذي تقوده جماعة «أنصار الشريعة» المصنفة منظمة إرهابية لدى الأمم المتحدة وعدد من الدول. كذلك تصدى «الجيش» لميليشيات «فجر ليبيا» التي هي تحالف ميليشيات ذات توجه إسلامي كانت تضم «درع ليبيا الوسطى» وغرفة «ثوار ليبيا»، بالإضافة إلى ميليشيات إخوانية.

ولا تتوقّف اتهامات المسماري لأنقرة، عند نقلها مقاتلين من سوريا إلى طرابلس، بل تحدث عن أن جرحى الجماعات المتشددة الذين أصيبوا في معارك سابقة مع الجيش، كانوا يتلقون العلاج في تركيا... إذ يشير إلى أن «أحد الإرهابيين الذي يعمل لصالح ميليشيات الإخوان تورط في الإشراف على علاج عناصر (داعش) في مستشفيات تركيا». وهو ما توافق مع تقارير إعلامية سابقة تناقلتها وسائل إعلام محلية، كشفت أن كثيرا من المتطرفين تلقوا العلاج في إسطنبول.

حلم إردوغان

على المسار نفسه، كرّست الدبلوماسية التركية في ليبيا خلال السنوات الماضية حالة من الانحياز البيّن لتنظيم الإخوان المسلمين، إذ كثف السفير التركي لدى البلاد سرهات أكسين، زياراته المتعددة إلى منزل عبد الرحمن السويحلي، الرئيس السابق للمجلس الأعلى للدولة. والسويحلي لا يتمتع حالياً بأي صفة رسمية باستثناء كونه مناوئاً لحفتر، كما يصفه كثيرون بأنه رجل قطر في ليبيا، ما دفع سعيد إمغيب، رئيس مجلس النواب الليبي، لوصف ذلك بمحاولات تركية «للعب على وتر تنظيم الإخوان». وتابع إمغيب في حديث إلى «الشرق الأوسط» أبعد، فقال إن الرئيس التركي إردوغان «لم يجد وسيلة لتحقيق حلمه إلا عن طريق هذا التنظيم الإرهابي، الذي تحكّم في مفاصل الدولة بعد ثورة 17 فبراير، واستعان بتركيا منذ الأيام الأولى لـ(الثورة) عن طريق التواصل عبر بعض سكان مدينة مصراتة من أصول التركية». واعتبر إمغيب أن إردوغان «يسعى حالياً إلى التحكم في ليبيا، والسيطرة على كل الموارد الطبيعية وتحويل بلادنا إلى دولة تابعة لبلاده».

وحقاً، حرص إردوغان منذ الإرهاصات الأولى لـ«ولادة الدولة الجديدة»، على استضافة سياسيين ونواب ينتمي أغلبهم إلى المنطقة الغربية (طرابلس ومحيطها)، في قصر الرئاسة بتركيا، على رأسهم السويحلي، وخلفه في رئاسة المجلس الأعلى للدولة خالد المشري، أحد مؤسسي حزب «العدالة والبناء» الذي هو الذراع السياسية لتنظيم الإخوان المسلمين في ليبيا. بيد أن الدكتور كرم سعيد، الباحث في الشأن التركي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أرجع ذلك إلى أن تركيا «تراهن على المجلس الرئاسي بقيادة فائز السراج، ومعه فصائل التيار الإسلامي، لإعادتها إلى الساحة الليبية مجدداً». وما يُذكر أنه إبان عهد القذافي، كانت ليبيا سوقاً مهمة لقطاع البناء التركي، كما ضخت أنقرة أموالاً في المؤسسات الليبية للاستثمار قبل توقفها عقب سقوط القذافي. ولكن مع اتساع قبضة «الجيش الوطني» على مزيد من الأراضي الليبية، فضلاً عن منطقة الهلال النفطي وحقول النفط في الجنوب، بدلت أنقرة مواقفها وقناعاتها، وهو ما دفعها للتعويل على التيارات المتشددة والمجموعات المسلحة على أمل أن يكون لها دور في البلد الغني بالنفط.

سلاح... وإعمار... ونفط

الرهانات التركية تلك نظر إليها سعيد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» على أنها «تمثل تهديداً للأمن العربي برمته». وأردف قائلا: «إردوغان لديه أطماع اقتصادية، فهو من جهة، يبتغي من دعم السراج وميليشيات مصراتة فرصة لفتح سوق للسلاح التركي، وفي هذا انتهازية سياسية واضحة، إذا ما وضعنا في الحساب أنها (تركيا) تصدر سلاحاً بـ6 مليارات دولار أميركي في العام. وبالتالي، ترى تركيا أن الفرصة مواتية لتجريب سلاحها في مواجهة (الجيش الوطني)».

وبالفعل، فإن الشواهد على تزويد أنقرة للعناصر المتشددة في الغرب الليبي بالأسلحة كثيرة، ما يمثل انتهاكاً واضحاً للحظر الذي فرضه مجلس الأمن منذ رحيل القذافي. ففي يناير (كانون الثاني) 2018، أوقفت اليونان سفينة متجهة إلى ليبيا من تركيا تحمل مواد متفجرة. وفي يناير الماضي، اتهم البرلمان، الذي يتخذ من مدينة طبرق (شرق البلاد) مقراً له، أنقرة بدعم الإرهابيين الذين قتلوا 40 شخصاً بالقرب من مسجد في مدينة بنغازي.

وعلى الرغم من القرار الدولي 1970 الصادر عن مجلس الأمن خلال مارس (آذار) 2011، الذي طالب جميع الدول الأعضاء بالأمم المتحدة بمنع بيع أو توريد الأسلحة ومتعلقاتها إلى ليبيا، بجانب القرار 2420 - الذي يسمح للدول الأعضاء بتفتيش السفن المتجهة إلى ليبيا أو القادمة منها بهدف التصدي لدخول السلاح إلى ليبيا - كان الواقع على الأرض أمراً مختلفاً تماماً.

إلى جانب ذلك، رأى الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن تركيا «تستهدف أيضاً الحصول مستقبلاً على النصيب الأكبر من عقود إعمار ليبيا»، و«التأثير على مقاربات دول الجوار، وإزعاج مصر، بالحصول على موطئ قدم على السواحل الليبية. ومن ثم، فرض سيطرة ما على البحر المتوسط من أجل مماحكات ومضايقات تتعلق بالحقوق النفطية هناك».

وكانت مصر قد أعادت ترسيم الحدود البحرية بينها وبين قبرص في منطقة شرق المتوسط بعد ظهور اكتشافات جديدة للغاز في منطقة المياه الاقتصادية بين مصر وقبرص، وهو أمر أثار انزعاج تركيا. وللعلم، ما كانت تركيا تعارض حفتر على طول الخط، ففي أعقاب إسقاط القذافي عملت على توحيد مختلف الميليشيات المسلحة في «جيش وطني» موحّد. ومعلومٌ أن ليبيا غرقت في الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، وتفاقمت حدة الأزمة مع بدء حفتر في 4 أبريل (نيسان) عملية عسكرية على طرابلس، أعلن أنها «تستهدف القضاء على الإرهاب».

وراهناً، تدعم تركيا مشروعها في ليبيا من خلال قنوات فضائية - بعضها يتبع قيادات في تنظيم الإخوان - من بينها «ليبيا الأحرار» و«شبكة الرائد الإعلامية» و«قناة التناصح»، والأخيرة يديرها سهيل الغرياني نجل مفتي ليبيا المعزول الصادق الغرياني، وهي توصف في ليبيا بأنها «أحد أهم أبواق الجماعات المتطرفة والميليشيات المسلحة».

الطائرات المُسيّرة

غير أن ما كان يفعله إردوغان سراً، بتهريب السلاح إلى الجناح المتشدّد في الغرب الليبي، أصبح يرتكبه في وضح النهار وأمام الجميع. ولقد أعلنت حكومة «الوفاق الوطني» بشكل رسمي عن وصول شحنة ومدرعات تركية الصنع إلى القوات الموالية للمجلس الرئاسي، عن طريق ميناء طرابلس، وتتكوّن من أربعين ناقلة مدرعة من طراز «بي. إم. سي كيربي»، وعدد غير معروف من الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات وبنادق قنص ورشاشات. وقال المسؤول الأمني الليبي محمد المصينعي لـ«الشرق الأوسط» إن إردوغان «تجاوز قرارات أممية تستوجب الحساب والمعاقبة الدولية».

هذا، وفور توزيع الأسلحة والذخائر على الميليشيات المسلحة الموالية لـ«حكومة الوفاق»، دبّت الخلافات بين الميليشيات المسلحة في مدينة الزاوية، الواقعة غرب العاصمة طرابلس، بسبب رغبتها في الاستحواذ على عدد أكبر من المدرّعات التركية، إذ تطورت إلى معركة دامية قتل فيها مسلحان اثنان، وما زال وضع المدينة رهناً للتوتر واندلاع معارك جانبية.

وأمام تصاعد وتيرة الحرب بين «الجيش الوطني» والقوات الموالية لـ«الوفاق»، دخلت تركيا بثقلها على خط القتال الدائر بالمحيط الجنوبي للعاصمة منذ قرابة ثلاثة أشهر، وباشرت إمداد قوات السراج بطائرات مُسيّرة (درون). وحسب المتحدث باسم «الجيش الوطني» وأيضاً عدد من المراقبين، تمكنت هذه الطائرات من إحداث تغير على الأرض، خاصة بعدما خسر «الجيش» مدينة غريان، جنوب العاصمة، في معركة دامية قضى فيها عشرات المقاتلين. ودفعت هذه النكسة حفتر إلى توجيه قواته باستهداف السفن التركية في المياه الإقليمية الليبية وكل «الأهداف الاستراتيجية التركية» على الأراضي الليبية من شركات ومقار ومشاريع، رداً على ما وصفه بـ«غزو تركي غاشم» تتعرض له البلاد. وقال اللواء المسماري في حينه، إن الأوامر صدرت «للقوات الجوية باستهداف السفن والقوارب داخل المياه الإقليمية وللقوات البرية باستهداف كل الأهداف الاستراتيجية التركية»، كما «تم إيقاف جميع الرحلات من وإلى تركيا والقبض على أي تركي داخل الأراضي الليبية». وعلى الأثر، ردت أنقرة من جانبها بسرعة على لسان وزارة دفاعها، مهددة بأنه إذا وقع أي هجوم يستهدف سفنها من جانب القوات التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، فإنها ستعتبر قوات حفتر «هدفاً مشروعاً» للجيش التركي.

الجامعة العربية

على صعيد متّصل، بدا من تصريحات إردوغان الأخيرة للصحف المحلية، أنه عازم على المضي قدماً نحو التصعيد باتجاه «الجيش الوطني» الليبي. ذلك أنه وصف حفتر، على خلفية توقيف ستة أتراك في ليبيا، بأنه «ليس أكثر من قرصان»، الأمر الذي قرأه البعض، بأن الرئيس التركي يخطط لما هو أبعد من التصريحات المستفزة. وربما يفكر قريباً في التدخل لصالح «حكومة الوفاق» بشكل أكثر قوة. غير أن مجلس النواب الليبي، ووزارة الخارجية بالحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء بـ(شرق البلاد) حذرا الحكومة التركية من «أي عمل يهدد سلامة المواطنين الليبيين أو ممتلكاتهم في الداخل والخارج».

وقالت الوزارة إن «حرب ليبيا على الإرهاب ستنتهي لا محالة بفضل بسالة (الجيش الوطني)، وإن أبناء ليبيا سيتصالحون من أجل بلادهم دون سجون ودون ميليشيات ودون فوضى السلاح ودون جريمة واتجار بالبشر ودون إرهاب». ورأت الوزارة في بيان لها أن «تركيا وكل من يدعم الخارجين عن القانون والمطلوبين محلياً ودولياً سيخسرون كل مصالحهم».

وفيما يخص مجلس النواب الليبي، أمام هذا التصعيد التركي، طالب المجلس في مذكرة رسمية بعقد جلسة طارئة لجامعة الدول العربية خلال الأيام المقبلة. وقال النائب طلال ميهوب، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان، إن لجنة الدفاع والأمن القومي تطالب الجامعة العربية بعقد جلسة طارئة لبحث ما وصف بـ«التدخل التركي» في ليبيا، واتخاذ قرارات حاسمة وإجراءات عاجلة ضد هذه التحركات المرفوضة.

يبقى القول، إن سعيد إمغيب، وهو عضو مجلس النواب عن مدينة الكفرة (جنوب شرقي ليبيا)، قال في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إن «محاولات إردوغان لأخونة ليبيا، تستهدف أولا توجيه السياسة في البلاد لاستخدامها فيما بعد للضغط على دول الجوار، وخاصة مصر»، بالإضافة إلى «التحكم في الموارد والثروات الطبيعية في البلاد من أجل دعم الاقتصاد التركي المترنّح بسبب سياساته الفاشلة».

من المجنزرة إلى الـ«درون»... أسلحة في طريقها إلى ميليشيات طرابلس

- مالت تركيا بعد رحيل معمّر القذافي إلى الفصائل المسلحة، والجماعات المصنفة «إرهابية». وبدأت في إثبات حضورها ونفوذها في ليبيا من خلال استقطاب رموز تنظيم جماعة الإخوان، والتيارات المتشددة، إمّا بدعوتهم إلى القصر الرئاسي، أو دعمهم بالسلاح وفقاً لتقارير «الجيش الوطني» الليبي، منذ إطلاقه عملية «الكرامة» في عام 2014.

-لاحق سلاح الجو الليبي التابع لـ«الجيش الوطني» في يونيو (حزيران) الماضي، طائرة تركية مسيّرة أغارت على القوات، وأسقطتها أثناء هبوطها في المدرج الذي خرجت منه بقاعدة مطار معيتيقة بالقرب من الدشم العسكرية. وأعلن الجيش عن إصابة طائرة تركية من دون طيار «درون» فوق مدينة غريان، على بعد 80 كيلومتراً جنوب العاصمة طرابلس، بعد استهدافها عددا من الأحياء السكنية بشكل عشوائي.

- وصلت سفينة محملة بأسلحة وآليات عسكرية إلى ميناء طرابلس - الخاضع لسيطرة الميليشيات - في18 مايو (أيار) الماضي، آتية من ميناء صمسون التركي. والسفينة التي تحمل اسم «أمازون» ثبت أنها محملة بمجنزرات عسكرية وأسلحة متنوعة، كما أظهرت صور التقطت من على متنها.

- تمكنت السلطات الليبية من ضبط سفينة تركية محملة بالأسلحة في ميناء الخُمس (شرق العاصمة طرابلس) في 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وتبيّن من خلال تفتيش حمولتها وجود حاويتين حجم 40 قدما معبأة بأطنان من الأسلحة والذخائر القادمة من تركيا. وتعد هذه الواقعة الثانية خلال أقل من سنة، بعدما أُعلن في يناير ضبط سفينة تركية كانت متجهة إلى ليبيا بنحو 500 طن من المتفجرات.

- أعلن الناطق الرسمي باسم «الجيش الوطني» الليبي اللواء أحمد المسماري، في 17 مايو الماضي، أن كثيرا من قادة الإرهابيين في درنة موجودون في تركيا، ومن هناك يتلقون تعليماتهم.

- ضُبطت شحنة أسلحة مكونة من ثلاثة آلاف مسدس تركي الصنع، في ديسمبر الماضي، ما يؤشر وفقاً لمتابعين إلى أنها «لم تكن مخصصة للجيش النظامي، بل للأنشطة الإرهابية للجماعات المسلحة».

- التقى خالد المشري، الرئيس الحالي للمجلس الأعلى للدولة، يوم 19 أبريل الماضي، الرئيس التركي بقصر الرئاسة التركي. وناقش الطرفان الجهود المبذولة لتنسيق الموقف الدولي، وسبل إنجاح الحل السلمي للأزمة في ليبيا.

- استقبل إردوغان، وفدا من لجنة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في مجلس النواب الليبي، يوم 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، وجرى اللقاء بعيداً عن عدسات وسائل الإعلام، واستغرق ساعة و20 دقيقة، ولم يصدر بعد أي بيان عن الرئاسة حول ما تناوله الجانبان خلال الاجتماع.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

كشفت الأرقام الرسمية في تركيا عن استقالة نحو مليون عضو من حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد توقعات رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي استقال مؤخرا من الحزب بأن “العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه”.

وشرعت استقالة أوغلو أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية الأبواب على مصراعيها نحو تفكك الحزب، الأمر الذي كان متوقعا بعد الخسارة المذلة التي مني بها خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي فازت بها المعارضة.

ويتساءل مراقبون سياسيون إذا كان المنشقون في السابق يعملون انقلابا ويستولون على الحكم، فإن المنشقين عن أردوغان يتخذون طريقا مغايرة بسحب جمهور الحزب وخزانه الانتخابي، وهي صيغة أخطر لكونها تواجه الرئيس التركي بأسلوبه، عبر اعتماد نتائج الانتخابات كورقة ضغط وفرض للأمر الواقع.

واستنادا إلى موجة الانشقاقات، فإن حظوظ أردوغان وحزب العدالة ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية، ولن تمكن الرئيس التركي من النفوذ المطلق الذي يحرص على تثبيته الآن، وربما تنجح في قلب المعادلة بخلق تحالف أوسع يطيح به.

وتعكس الاستقالات انفجار الغضب المتراكم داخل حزب العدالة والتنمية على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاستبدادية وعلى تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء.

وزادت سياسات أردوغان التي توصف بالفاشلة لاسيما تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي من حدة نفور قيادات من الحزب وقواعده التي لم تنطل عليها تبريراته بوجود “مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا”.

وبينت أحدث الأرقام التي نشرتها محكمة النقض التركية مطلع سبتمبر الحالي أن 844.391 شخصا قد استقالوا من حزب العدالة والتنمية منذ أغسطس 2018، ليبقى عدد الأعضاء 9.87 مليون شخص.

واستقال ما يقارب 56 ألفا من هؤلاء في الفترة ما بين الأول من يوليو والسادس من سبتمبر. وبالنظر إلى موجة الاستقالات التي حدثت منذ استقالة داود أوغلو في الثالث عشر من سبتمبر، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير عند الإحصاء في المرة القادمة.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 بالمئة وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي جرت يونيو الماضي، إلى 30.6 بالمئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أو.آر.سي البحثية المرتبطة بالحزب.

ومن المتوقع أن يلتحق المستقيلون من الحزب بحزبين جديدين ما زالا في طور التأسيس؛ الأول يعمل أحمد داود أوغلو على إنشائه، والثاني يستعد وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول، الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان.

ويتهم أردوغان بالعمل على تهميش القيادات المهمة داخل الحزب التي لم تكن تبدي له الولاء ولا تذعن لأوامره وإملاءاته وخاصة أحمد داود أوغلو وعبدالله غول وعلي باباجان، وهو ما فتح له الطريق لإرساء نظام دكتاتوري داخل الحزب.

وتتواتر الأنباء عن عزم 80 نائبا من العدالة والتنمية الاستقالة من الحزب وهو ما يهدد بفقدانه للأغلبية داخل البرلمان المتكون من 600 مقعد، وبالتالي عجزه عن إقرار القوانين.

وتثير أزمة الاستقالات والانشقاقات داخل العدالة والتنمية تساؤلات مراقبين للشأن السياسي التركي وما إذا كانت خارطة التحالفات السياسية والحزبية ستتغير على ضوء هذه التطورات.

ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان بقيادة أحمد داود أوغلو وعلي باباجان في صورة تحالفهما مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لعب دورا كبيرا في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وبحسب أحدث استطلاعات للرأي فإن هناك حوالي نسبة 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريبا، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيسي على قاعدته الشعبية.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

وأثارت رغبة أردوغان في السيطرة على قرار الحزب استياء عميقا من القيادات المحلية إلى القيادات التنفيذية العليا، وازدادت حدة الاستياء عقب الهجوم العنيف الذي شنه على المنشقين من الحزب في يوليو الماضي، حيث وصفهم بالخونة وتوعدهم بدفع ثمن “تمزيق الأمة”.

ويستبعد محللون أن تدفع الهزائم السياسية والانتخابية والانشقاقات التي مني بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى تغيير الرئيس التركي منهجه في الحكم، وتلطيف تعامله مع المعارضة وتجاوز الانقسامات السياسية داخل حزبه.

ولا ترى الكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز لورا باتيل أن أردوغان يمكن أن يتخذ منهجا توافقيا بعد ستة أشهر من الانتخابات المحلية التي مُني فيها حزبه بخسائر موجعة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة.

ويؤيد كثيرون ما ذهبت إليه باتيل باعتبار أسلوب العناد الذي يتميز به أردوغان، إذ سبق له أن علق على استعداد باباجان لإطلاق حزبه بالقول “يقولون إن بعضهم يؤسسون حزبا، لا تضعوهم في بالكم، فكم شاهدنا من انشقوا عنا وأسسوا أحزابا، ولم يعد لهم ذكر حاليا، لأن من يقوم بمثل هذه الخيانات حتما يدفع الثمن غاليا”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

بركان في وجه إخوان تونس.. استقالات وانشقاقات وملفات فساد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

بركان يعصف بالبيت الداخلي لتنظيم الإخوان في تونس، إثر هزيمة مرشحها عبدالفتاح مورو في الانتخابات الرئاسية المبكرة، حيث انطلقت سلسلة استقالات ومساءلات داخلية تهيئ لانفجارات بالمستقبل.

وقدم رئيس مكتب الغنوشي زبير الشهودي رسالة إلى الشعب التونسي أعلن فيها استقالته من الحزب، داعيا خلالها رئيس الحركة إلى اعتزال السياسة.

الشهودي، الذي مثل أمين سر الحركة والناطق الرسمي باسمها طيلة عامي 2012 و2013، اتهم صهر الغنوشي "رفيق عبدالسلام" بالفئة الفاسدة والمفسدة، مشيرا إلى وجود دكتاتورية يمارسها رئيس إخوان تونس من خلال هيمنة عائلته.

الكاتب المختص في الجماعات الإسلامية بسام حمدي، قال في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن الاستقالات التي ضربت حركة النهضة هي نتيجة وجود اعتراض كبير على الأسلوب الذي يعتمده زعيمها راشد الغنوشي والقرارات التي يتخذها بشأن البلاد.

وحمل قواعد الإخوان الهزيمة المدوية لمرشحهم عبدالفتاح مورو إلى رئيس الحركة، الذي فشل في لعبته السياسية تجاه تونس.

الاستقالات تبين أن قيادات من الحركة لم تعد تنضبط للتسيير الذي يقوم به راشد الغنوشي رفقة صهره رفيق عبدالسلام، حيث أعلن بعض منهم عن دعمهم للمرشح للجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية قيس سعيد دون انتظار الموقف الرسمي للحركة.

وبيّن بسام حمدي في هذا السياق أن الحركة الإخوانية في تونس هي أسيرة ملفات داخلية مرتبطة بالتهرب المالي والضريبي والاستفادة من مواقع الحكم طيلة 8 سنوات.

عائلة الغنوشي ثراء غير مبرر
تصريحات القيادات الإخوانية المناقضة لسياسة راشد الغنوشي التي تعددت في الفترة الأخيرة، اعتبرها عديد من المراقبين انحدارا في شعبية الإخوان وانكشافا لوجههم الحقيقي.

وعبر عن هذه الصراعات الداخلية للإخوان بشكل مكثف وزير الفلاحة التونسي الأسبق وعضو حركة النهضة محمد بن سالم، في تصريحات إعلامية سابقة وذلك بالقول "الغنوشي يكذب ويحاول توظيف أبنائه في المواقع المتقدمة للدولة".

اتهام الغنوشي بالكذب والتزييف هو السمة البارزة في الفترة الأخيرة لزعيم متورط في بناء جهاز سري في تونس، ومنخرط في التخطيط للاغتيالات السياسية وانتشار الإرهاب منذ عام 2011.

وأكد الباحث في العلوم السياسية مروان عرايبية، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن "الثراء الفاحش لعائلة الغنوشي خاصة ابنه معاذ وصهره رفيق عبدالسلام جاء نتيجة عمليات تبييض أموال خطيرة واختلاسات جعلت من أنصار الحركة بحالة غضب في ظل أقلية تعيش الثراء وغالبية تعاني ضنك الحياة".

وتابع عرايبية "البنك المركزي التونسي مطالب بالتحقيق في التمويلات التي تتلقاها حركة النهضة الإخوانية الجدية، والتي ستكشف مدى تورطها والعناصر التابعة لها في الإرهاب من خلال أموال خارجية مشبوهة".

وقدر حسب رأيه الأموال التي أدخلتها حركة النهضة لتونس لحسابها الخاص منذ سنة 2011 بـ"4 مليارات دولار، مؤكدا أنها "متأتية بالخصوص من تركيا وغيرها عبر وسائل غير قانونية".

التفتت المحتوم
هزيمة عبدالفتاح مورو فتحت أبواب المساءلة أمام قيادات الإخوان وحجم الأموال التي تم ضخها، وجعلت الكثير من المحافظين في تونس يشككون في مصداقية الإخوان، حسب المراقبين.

ويقول أستاذ العلوم الاجتماعية محمد الحفصي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن "الغطاء الإخواني أصبح مكشوفا، وإن مسار التفتت هو قدر محتوم"، حسب تقديره.

وشهد إخوان تونس استقالات منذ شهر يونيو/حزيران الماضي، حيث انشق منها المكلف بالعلاقات الخارجية لحركة النهضة محمد غراد والمستشار الخاص لراشد الغنوشي لطفي زيتون.

وأكدت مصادر في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن "المرحلة المقبلة ستعرف فيها الحركة استقالات أخرى، خاصة مع بروز دعوات ضد الغنوشي بالاستقالة واعتزال السياسة وكشف حساباته البنكية المتفرعة في بعض الدول".

وأوضحت أن "البحث عن نتائج أفضل لحركة النهضة في الانتخابات التشريعية هو مجرد أضغاث أحلام يريد حقنها الغنوشي لأنصاره كمسكن للسكوت عن جرائمه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئاً ولا يتعلمون شيئاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

بابكر فيصل

في رثائه للمفكر المصري الراحل، كمال أبو المجد، قال سعد الدين إبراهيم إن كثيرين سيذكرون مآثر الرجل، من بينهم "عقلاء جماعة الإخوان المسلمين" الذين طالما نصحهم بأن يتجاوزوا الماضي ويستفيدوا من دروسه، وأضاف أنه سأل أبو المجد عن الحكمة وراء تلك النصيحة بالذات فأجابه قائلا: "إن أغلبية الإخوان المسلمين، وخاصة قياداتهم كانوا مثل أسرة البوربون التي حكمت فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: لا يتذكرون شيئا، ولا يتعلمون شيئا، فيرتكبون نفس الخطايا، فيثور عليهم الشعب من جديد".

وجدت توصيف أبو المجد للإخوان المسلمين صائباً إلى الحد البعيد خصوصاً فيما يلي دعوتهم لقيام الدولة الإسلامية وسعيهم الدؤوب للوصول للسلطة لإنفاذ شعارات الحاكمية والشريعة دون أن يكون لهم رؤية واضحة لماهية الدولة التي يريدون إقامتها أو البرامج المفصلة التي يسعون لتطبيقها.

وهو الأمر الذي أكده قبل سنوات زعيم الجماعة في السودان، حسن الترابي، الذي قاد الإخوان المسلمين للسلطة عبر الانقلاب العسكري على النظام الشرعي المنتخب في يونيو 1989، ولكنه بعد مرور عشر سنوات على وجودهم في السلطة انشق عن تلاميذه الذين آثروا البقاء مع العسكر الانقلابيين وقام بنقد تجربتهم في الحكم معلنا كفره بالانقلابات العسكرية.

في هذا الإطار قال الترابي إن: "الحركات الإسلامية تريد إقامة دول إسلامية وتطبيق الشريعة ولكنها لا تعرف طريقة إقامة الدولة وشكلها. إن المشروع الإسلامي في الأغلب نظري لا علاقة له بالواقع".

وأضاف "يجب أن تأتي كل الحركات الإسلامية في عالمنا بالبرامج المفصلة في كل هموم الحياة، الآن هم مواجهون بالأسئلة الصعبة حول العلاقات الدولية وقضايا الديمقراطية ومعاش الناس، ليت الحركات الإسلامية تخرج من الشعارات المبهمة إلى تقديم مناهج مفصلة".

وعندما سُئل الترابي في حوار مع صحيفة الاتحاد الإماراتية عام 2004 عن شعار "الإسلام هو الحل" أجاب بالقول: "حينما قابلت عباس مدني الزعيم الاسلامى الجزائري مؤخرا في الدوحة بقطر نصحته وإخوانه ألا يدخلوا الانتخابات الجزائرية وسألتهم: ماذا أعددتم من برامج للحكم؟ وقلت لهم إن شعار الإسلام هو الحل لا يكفي".

قال الترابي حديثه أعلاه في السنوات الأولى من الألفية، وبعد تجربة حكم فاشلة أنتجت نظاما شموليا قابضا صادر الحريات ومارس أفظع أنواع الكبت والقمع، وأشعل الحروب الأهلية، وشهدت البلاد في ظله أوسع انتشار للفساد وسوء الإدارة، ولكن الترابي نفسه لم يدرك أن تلك العلة ظلت مصاحبة لمسيرة الجماعة منذ نشأتها، ولم يدرس تاريخ الجماعة جيدا قبل أن يتخذ قرار تنفيذ الانقلاب العسكري للوصول للسلطة.

قبل حوالي نصف قرن من حديث الترابي المشار إليه، وعلى وجه التحديد في عام 1952، كتب الداعية الإسلامي، محب الدين الخطيب، الصديق المقرَّب من مؤسس الجماعة ومرشدها الأول، حسن البنا، وأحد المؤسسين لمجلة الإخوان "المسلمون"، مقالا بمجلة "المسلمون" تحت عنوان: "متى وكيف يقوم الحكم الإسلامي".

تحدث الخطيب في مقاله عن الانتخابات التي جرت في "ديار الشام" قبل ستة أعوام من تاريخ كتابة المقال، وقال إن الإخوان المسلمين هناك وجدوا تعاطفا عظيما، ولكنه لم يكن متحمسا لتقدمهم في الانتخابات، وقد لاحظ حسن البنا عدم حماسته لأمر فوز الجماعة في الانتخابات، وقام بزيارته في مقر صحيفة الإخوان التي كان يرأس تحريرها، وقال له إن جميع الإخوان مهتمون بانتخابات الشام "إلا أنت فإني أراك واقفا تتفرج بدم الشيوخ، وعهدنا بك أنك أكثر حماسة منا لكل ما نتحمس له".

أوضح الخطيب أنه أجاب على البنا قائلا: "إني خائف أن ينجحوا، وأن تكون أكثرية النواب منهم، فتكون النتيجة تأليف الوزارة منهم واضطلاعهم بمسؤولية الحكم (...) فبدت على وجهه إمارات الدهشة رحمه الله وسألني: وهل هذا مما تخافه؟ قلت: أجل". قال البنا: " إذن فإني كنت مصيبا بالمجيء إليك الآن، فإن اختلافنا إلى هذا الحد يحتم علينا أن نتفاهم".

أضاف الخطيب أنه سأل البنا: "هل لو بلغ النجاح بالإخوان المسلمين في الشام إلى درجة أن تتألف منهم الوزارة، سيتولون الحكم بالموظفين الموجودين في الوزارات والمصالح والدوواوين، أم سيعزلونهم ويأتون بموظفين من بلاد أخرى؟"، فأجابه البنا "طبعا سيبقى الموظفون كما هم، إلا من يكون ملوثا بمخازي يؤاخذه عليها القانون".

أوضح الخطيب للبنا أن العيوب التي أصابت نظام الحكم كبيرة وأن الشكوى من الموظفين الموجودين عظيمة، وأنه ستترتب على الاعتماد عليهم نتائج وخيمة "ومهما استعان وزراء الإخوان المسلمين برؤساء تغلب عليهم النزاهة فإن العيوب أفدح من أن تصلح إلا بقوة خارقة تتاح من عالم الغيب، وهذا ما لا نرى الآن دلائله، ونتيجة ذلك أنه سيوصم به الإسلام نفسه".

أما السؤال الأهم الذي وجهه الخطيب للمرشد المؤسس، فقد كان: هل وزارة الإخوان المسلمين ستتولى الحكم بهذه الأنظمة، أم أعددتم أنظمة إسلامية تحل محلها؟، أجاب البنا قائلا: "لم تتح لنا الفرصة بعد لإعداد أنظمة إسلامية، ولم يتخصص أحد منا حتى الآن لهذه الدراسة، ولو فعلنا فإن الجو لا يلائم هذا التغيير، ولا نجد الآن من يعين عليه".

أوضح الخطيب للبنا رؤيته المتمثلة في أنه "إذا كان الإخوان المسلمون في الشام ستتولى وزارتهم الحكم بالأنظمة الموجودة وبالموظفين الموجودين، فما فائدة الإسلام من هذا؟ أنا أرى أن تحمُّل غير الإخوان المسلمين مسؤولية هذا العبء أكثر فائدة للإسلام من تحمل الإخوان هذه المسؤولية".

ثم قال محب الدين الخطيب شارحا فكرته: إن المسلمين مضى عليهم سنوات يقتصرون في إسلامهم على المسجد ومظاهر رمضان ومناسك الحج، ألا يستطيعون أن يصبروا عشرين سنة أخرى يربون فيها جيلا يعيش للإسلام وأنظمته، لا لنفسه ووجاهته، ويعدون فيها لذلك الجيل أنظمة الإسلام وآدابه وقواعده وأحكام فقهه الاجتماعي والإداري والمالي والدولي، فضلا عن تنظيم فقه الالتزامات والعقود، وفقه القصاص والتعزيرات والحدود. وأعظم من كل ذلك أن نتعرف إلى سنن الإسلام في أهدافه الملية وتوجيهاته المتعلقة بكيانه ومقاصده ومراميه. إن هاتين الأمانتين: أمانة إعداد الجيل الآتي، وإعداد النظام له، إذا استطعنا القيام بهما في عشرين سنة كان هذا أعظم عمل قام به المسلمون منذ ألف سنة إلى الآن.

نحن هنا بإزاء وجهة نظر مختلفة أبداها الخطيب حول توجه الإخوان للحكم وطريقة تعاملهم مع السلطة، فالرجل يعتقد أن الأولوية يجب أن تكون لتربية وتدريب أعضاء الجماعة على أساليب الحكم حتى يستطيعون إدارة جهاز الدولة على الطريقة الإسلامية كما يفهمهما الإخوان المسلمون، وهو كذلك يدعو لأن تطور الجماعة منظورها لنظام الحكم الإسلامي الذي تدعو له، والذي يجب أن يكون بالضرورة مختلفا عن أنظمة الحكم السائدة.

أما النقطة الأكثر أهمية التي أثارها الخطيب فهي عدم امتلاك الإخوان المسلمين لتصورات واضحة للدولة الإسلامية التي ينشدون إقامتها، وهذا هو جوهر المشكلة التي ظلت الجماعة تعاني منها منذ نشأتها وحتى اليوم، فهي تكتفي برفع الشعارات التي تخاطب عواطف الناس، وعندما تصل للحكم تعجز عن إدارة السلطة ويكون الفشل حليفها الحتمي.

عن "الحرة"

للمشاركة:



ميليشيات الحوثي الإرهابية تواصل جرائمها في حيس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

تواصل ميليشيات الحوثي الإرهابية جرائمها في محافظة الحديدة والمدن المحطية بها، مستغلة كافة إمكاناتها الحربية من مقذوفات وأسلحة وألغام وقناصة؛ حيث استهدفت الميليشيات الإرهابية، أمس، تجمّعات سكنية شمال مديرية حيس، جنوب الحديدة، غرب اليمن، مستخدمة الأسلحة القناصة المتوسطة والخفيفة.

الميليشيات الإرهابية فتحت نيران أسلحتها القناصة صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان في حيس

وأفادت مصادر محلية في حيس، نقلت عنهم صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ الميليشيات فتحت نيران أسلحتها القناصة من مناطق تمركزها شمال المديرية صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان .

وأضافت المصادر: "عمليات القنص متواصلة منذ ساعات ظهيرة أمس حتى اللحظة، بشكل مكثَّف ومستمر" .

وكانت الميليشيات الحوثية قد ارتكبت مجازر مروعة بحقّ السكان في حيس، قبل أيام، سقط إثرها شهداء وجرحى من الأطفال، ودمِّرت عدد من المنازل وسط المدينة.

وفي سياق آخر؛ ذكر مصدر محلي بمحافظة حجة، أنّ ميليشيا الحوثي شيّعت، أمس، قائدها الميداني بجبهة حرض، المدعو حسن محمد فايد الحاتمي.

ميليشيا الحوثي تشيّع قائدها الميداني بجبهة حرض، الإرهابي المدعو حسن محمد فايد الحاتمي

وأشار المصدر إلى أنّ "الحاتمي لقي مصرعه على أيدي قوات الجيش اليمني بالمنطقة العسكرية الخامسة، أثناء صدّ هجوم الميليشيا، الأحد الماضي، على محيط مدينة حرض".

ويعدّ الصريع الحاتمي، شقيق إبراهيم محمد الحاتمي، مشرف الميليشيات بمديرية أفلح اليمن، وكلاهما متورطان في عمليات الاعتقال، وملاحقة أبناء المديرية، وفي جرائم أخرى كثيرة.

 

 

للمشاركة:

المنتدى العربي يحذّر من الاستثمار في تركيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

حذّر اقتصاديون سعوديون من مخاطر الاستثمار في تركيا؛ بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي، وضعف الثقة في القضاء.

وقال رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية، الدكتور سامي العبيدي: إنّ "الاستثمار الناجح يتطلب استقلال القضاء واستقرار الوضع الاقتصادي، وإذا نظرنا إلى تركيا نجدها في المرتبة 116 عالمياً في استقرار الاقتصاد، وفي المرتبة 111 في استقلال القضاء، وبالتأكيد هذا مؤثر سلبي لضمان أيّ استثمار أو تعامل تجاري"، وفق ما أوردت صحيفة "الاقتصادية".

اقتصاديون يؤكدون أنّ الاستثمار في تركيا غير آمن لعدم الاستقرار الاقتصادي وضعف القضاء

العبيدي أوضح، خلال انعقاد المنتدى العربي الأول بعنوان: "دور الإعلام في التوعية بمخاطر الاستثمار الخارجي – تركيا نموذجاً"، في العاصمة السعودية، الرياض، أنّ "أغلب الاستثمارات في تركيا لأفراد وليست استثمارات شركات"، محذراً من الاستثمارات فيها، سواء عقارات أو غيرها؛ إذ لا توجد حماية لحقوق المستثمرين، ومؤكداً أنّ القطاع الخاص السعودي واعٍ لهذا الأمر.

بدوره، رأى مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادي، الدكتور يسري الشرقاوي؛ أنّ "تركيا لا تمتلك مقومات الاستثمار والاستقرار الاقتصادي"، مبيناً أنّ "80% من حجم استثمارات السعوديين في تركيا يعود لأفراد".

وأفاد بأنّ "تركيا تعيش أزمة اقتصادية حادة، بسبب السياسات التي انتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وذلك ما انعكس سلباً على الليرة التركية، التي انهارت أمام الدولار الذي بلغ نحو 5.7 ليرة".

من جهته، دعا رئيس لجنة المكاتب الاستشارية في غرفة الرياض، المهندس خالد العثمان؛ إلى موقف خليجي لتجنّب هذه المخاطر الاستثمارية، منوّهاً إلى أنّ الاستقرار السياسي في تركيا لم يعد موجوداً، وبسببه أصبح الاستثمار خطراً في ظلّ عدم الاستقرار.

كما ذكر العثمان بقضايا النصب العقاري، التي تعرض لها مواطنون كويتيون في تركيا.

يذكر أنّ كثيراً من المواطنين تعرضوا لعمليات نصب واحتيال من شركات عقارية، وعند لجوئهم للقضاء؛ تبيّن أنّ المحتالين يتملصون من مسؤولياتهم عبر منافذ قانونية لا تنصف المستثمرين الأجانب.

 

للمشاركة:

صالح يوجه بمنع نقل المتظاهرين إلى العاصمة الجزائرية.. هذه مبرراته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

أعلن رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، أمس؛ أنّه أعطى تعليمات للقوى الأمنية "للتصدي" للحافلات والعربات التي تقلّ متظاهرين من خارج العاصمة، أيام الجمعة، وتوقيفها، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها.

وقال قايد صالح، خلال تفقد قوات عسكرية في تمنراست: "لاحظنا ميدانياً؛ أنّ هناك أطرافاً من أذناب العصابة ذات النوايا السيئة تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير، المتمثل في خلق كلّ عوامل التشويش على راحة المواطنين، من خلال الزجّ الأسبوعي بعدد من المواطنين يتمّ جلبهم من مختلف ولايات الوطن إلى العاصمة"، وفق "فرانس برس".

صالح: هناك أطراف تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير والتشويش على راحة المواطنين

وأشار إلى أنّ الهدف من ذلك "تضخيم الأعداد البشرية في الساحات العامة التي ترفع شعارات مغرضة وغير بريئة"، معتبراً أنّ "الغرض الحقيقي هو تغليط الرأي العام الوطني بهذه الأساليب المخادعة لتجعل من نفسها أبواقاً ناطقة، كذباً وبهتاناً، باسم الشعب الجزائري".

وأضاف: "عليه، أسديت تعليمات إلى الدرك الوطني، بغرض التصدي الصارم لهذه التصرفات، من خلال التطبيق الحرفي للقوانين السارية المفعول، بما في ذلك توقيف العربات والحافلات المستعملة لهذه الأغراض، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها".

ويأتي هذا الإعلان بعد مرور ثلاثة أيام على تحديد الرئيس الجزائري المؤقت، عبد القادر بن صالح، 12 كانون الأول (ديسمبر)، موعداً للانتخابات الرئاسية.

ويرفض المحتجون إجراء الانتخابات في ظلّ الحكومة الحالية، مطالبين بتفكيك النظام الموروث من عشرين عاماً من حكم بوتفليقة.

ويجتاح المتظاهرون شوارع العاصمة الجزائرية، كلّ يوم جمعة، منذ ثلاثين أسبوعاً، للمطالبة برحيل كلّ أركان النظام، بعد أن نجحوا في حمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة.

 

 

 

للمشاركة:



هجمات 11 أيلول وتاريخ الحرب الباردة.. إعادة تشكيل العالم

2019-09-19

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّ الذّكرى السّنويّة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) بما يُشبه مرحلة انتقاليّة. فلم تعد الجروح طازجة بعد 18 عاماً، لكن هذا اليوم الرّهيب لم يُكرَّس بعد في الماضي التّاريخيّ السّحيق. وهذا يجعل الوقت مناسباً لتقييم ما حُقِّق في مكافحة الإرهاب العالميّ، وما يجب عمله.

زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين وليس أمريكا

ولا أستطيع التّفكير في أيّ شخص أفضل لمناقشة هذا الأمر من فيليب زيليكو. وقد كان لزيليكو، وهو الآن أستاذ للحوكمة في مركز ميلر بجامعة فرجينيا، تاريخه المهنيّ الطّويل داخل الحكومة، وترقّى إلى منصب مستشار في وزارة الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج دبليو بوش. لكنّه اشتُهِر بدوره مديراً تنفيذيّاً لـ "لجنة 9/11 الفيدراليّة"، ومن هنا كان المؤلِّف الرّئيس لتقرير الّلجنة حول الهجمات. (وإذا لم تكن قد قرأته بعد، فإنّه يجب عليك ذلك: فالتّقرير لا يقدّم فحصاً شاملاً لما حدث من أخطاء فحسب، وإنّما يأخذ شكل روايات عالم الجاسوسيّة المثيرة).
هذا الأسبوع، سيصدر لزيليكو، وزميلة قديمة له من أيّام وجوده داخل الحكومة، وزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس، كتاب جديد بعنوان "لبناء عالم أفضل: خيارات لإنهاء الحرب الباردة وخلق كومنولث عالميّ". إنّه عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ عام 1991، وهو موضوع يأتي في الوقت المناسب، بشكل خاصّ في ضوء جهود الصّين وروسيا، و، للأسف، أمريكا دونالد ترامب لهزّ هذا العالم في أسسه. وفي ما يلي نصٌّ معدٌّل لمحادثةٍ أجريناها هذا الأسبوع:

توبين هارشو: قبل أن نعود إلى دروس الماضي البعيد، لنبدأ بذكرى هذا الحدث الحزين. من بين التّوصيات الواردة في تقرير 9/11، هل يمكنك تسمية توصية واحدة أُحرِز فيها تقدّم جيّد؟
فيليب زيليكو: لقد جعلنا من الأصعب بكثيرٍ على الجماعات الإسلامويّة المتطرّفة أن تتشكّل وتعمل بأمانٍ داخل الولايات المتّحدة. وكان مختطِفو طائرات 9/11 قد حصلوا على تدريبهم ونُظِّموا هنا، وهذا يبدو الآن أقلّ احتمالاً. لسوء الحظّ، تحوّل الخطر إلى القتلة المسلّحين الّذين يستهدفون حشوداً بأكملها، وكثيرٌ منهم من القوميّين البيض.

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر: كيف انتهز ترامب آلام الأمريكيين لتعزيز الكراهية؟!
هارشو: هل يرجع التّقدّم في مواجهة الإرهابيّين الإسلامويّين إلى حدّ كبير إلى قانون باتريوت وغيره من تدابير الأمن والمراقبة الوطنيّة؟
زيليكو: لا، ليس هذا فحسب. فقد طوّرنا الكثير من القدرات لحماية البلاد داخليّاً على نحو لا يتحدّد بالضّرورة في التّشريعات. ففي مكتب التّحقيقات الفيدراليّ وفي مختلف الوكالات البلديّة - وانظر إلى الطّريقة الّتي غيّرت بها إدارة شرطة نيويورك المسار الّذي تعمل به في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث 9/11 - هناك قصّة كبيرة. وبشكل عام، ثمّة وعي أكبر بالخطر، ممّا أدّى إلى تحسين القدرات بطرق عديدة. وأفضل الدّفاعات تأتي في شكل دفاعات ذات طبقات لا تقوم فيها طبقة واحدة بكلّ العمل.

زيليكو: أحد أسباب عملي مع كونداليزا رايس أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه ونتشارك بتفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر

هارشو: لا يزال الإرهابيّون ينشطون في الخارج. على سبيل المثال، يركّز الكثير من النّقاش الخاصّ بالانسحاب من أفغانستان على ما إذا كانت ستُصبِح ملاذاً آمناً للإرهابيّين. فهل تؤمن بنظريّة الملاذ الآمن؟
زيليكو: ساعدت "لجنة 9/11" في ترسيخ نظريّة الملاذ الآمن. فقد جادلنا أنّه إذا تركتَ المُلتجأ يتطوّر إلى نقطةٍ معيّنة، فيمكن للعدوّ حينها بناء قدرات قد تكون خطيرة للغاية. إذاً، تعود المشكلة إلى سؤال أين نرسم الخطّ، فيما يتعلّق بما يحتاج إليه الأمريكيّون وكيف عليهم فعل ذلك. يشعر النّاس بالقلق من أنّنا إذا انسحبنا بالكامل من أفغانستان، فسوف ينزلق البلد إلى حرب أهليّة وقد يصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامويّة. لكنّني أستطيع أن أستخدم الحجّة نفسها، ليس فقط بشأن أفغانستان، ولكن أيضاً اليمن وليبيا وسوريا والصّومال وغيرها. وإذا كان هذا سيُجبرنا على الحفاظ على قوّات أمريكيّة كبيرة في كافّة تلك البلدان وأكثر، وعلى أخذ أحد الجوانب في الحروب الأهليّة في كافّة تلك البلدان، فتلك وصفة مستحيلة.

 فيليب زيليكو
هارشو: يعني هذا القيام بالكثير من الأشياء.
زيليكو: هذه التّدابير العسكريّة لا تُعدّ أفضل الطّرق لجعل هذه الدّول أكثر مقاوَمة. إنّ الأمر ينطوي على الكثير من الجهود السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصّعبة الّتي تحتاج الولايات المتّحدة أيضاً إلى الانخراط فيها بشكل بنّاء، ولكن، بشكل أساسيّ، لا يملك النّاس الصّبر أو الاهتمام لفهم أو متابعة هذه الجهود.
هارشو: بالعودة إلى 9/11 وكتابك الجديد مع رايس، "لبناء عالم أفضل"، يتّضح أنّني قد نسيت أنّه في اليوم التّالي للهجمات، أجرى بوش محادثة هاتفيّة مطوّلة مع الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، من أجل التّأسيس لشراكة ما. وقد انحرف ذلك إلى علاقة قوامها القسوة اليوم. فهل هناك أيّ فرصة لحل مشكلاتنا مع روسيا؟

اقرأ أيضاً: مع ذكرى 11 سبتمبر.. أزمات تكبر وترامب لا يكترث
زيليكو: في كتابنا هذا، جادلنا بأنّ القطيعة مع روسيا لم تحدث بشكل حاسم حتّى منتصف العقد الأول من القرن العشرين. وبدلاً من التّعامل مع الأمر باعتباره قصّة نذالة روسيّة، فإنّنا نتعاطى معه على أنّه مأساة حزينة ومعقّدة إلى حدّ ما. لكن منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، صاغ بوتين سياسته ونظامه حول فكرة العدوّ الأمريكيّ والخطر الّذي تمثّله المجتمعات الحرّة، وليس هذا الخطر بالسّياسيّ أو العسكريّ فقط، وإنّما هو ثقافيّ أيضاً، حيث يصوِّر بوتين المجتمعات الحرّة على أنّها منحطّة ثقافيّاً. وحتّى لو خضتّ بعض النقاشات الجيّدة مع بوتين حول السّياسة، فلن تكون قادراً على عكس الطّريقة الّتي بنى بها عقله من أجل الحصول على السّلطة العليا.

الكتاب الجديد عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ

هارشو: إنّ توسّع حلف شمال الأطلسيّ من بين شكاوى بوتين الكبرى بشأن علاقته بالولايات المتّحدة والغرب. وهناك الكثير من العاملين في مؤسّسة السّياسة الخارجيّة اليوم ينظرون إلى ذلك باعتباره خطأً اقتُرِف في الماضي. فما شعورك حين تنظر إلى الماضي؟
زيليكو: يقدّم كتابنا مناقشة متوازنة لما حدث بالضّبط، ومتى ولماذا اتُّخِذت القرارات الرّئيسة. وأنا لم أكن مؤيّداً كبيراً لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ في أوائل التّسعينيّات. واعتقدتّ بشكل أساسيّ أنّنا نحتاج إلى التّركيز على مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل الحروب في البلقان. لكن النّظريّة القائلة بأنّ توسّع الحلف هو سبب هذه القطيعة عن روسيا خاطئة إلى حدّ كبير. لقد كان مصدر توتّر، ولكن ربّما أسوأ مصدر للتوتّر في التّسعينيّات بأكملها هو الحرب على كوسوفو في عامي 1998 و1999، والّتي مزّقت العلاقة مع بوريس يلتسين وخلّفت الكثير من المشاعر الملتهبة عندما وصل بوتين إلى السّلطة.

زيليكو ووزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس
والأسباب الحاسمة الّتي أدت إلى القطيعة مع روسيا وقعت خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبح بوتين يعتقد أنّ الغرب بشكل عام يتبنّى أجندة للحرّيّة يحاول فيها تكرار ثورات عام 1989 - والّتي كان قد عاشها بوتين شخصيّاً في ألمانيا الشّرقيّة - في أوروبا الشّرقيّة. لذلك، في تلك المرحلة، أصبح توسّع المؤسّسات الغربيّة شرقاً مصدر قلق روسيّ أساسيّ، خاصّة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الغرب. ولم يقتصر الأمر فقط على حلف شمال الأطلسيّ - وقد حُظِرت عضويّة أوكرانيا في الحلف عام 2008 على يد الأعضاء الآخرين، خاصّة ألمانيا. الأهم من ذلك هو توسّع الاتّحاد الأوروبيّ. ومن جانبه، اعتقد بوتين أنّ هذه التّحرّكات تأتي بمثابة مراحل لإحداث ثورة حرّيّات في روسيا. وكان ردّ فعله قويّ للغاية، وهو ما تضمّن بدء الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2014.
هارشو: كيف نتعامل معه اليوم؟

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب: أبرز المحطات والأحداث
زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين، وليس الولايات المتّحدة. وتريد روسيا علاقات اقتصاديّة مع أوروبا أكثر بكثير ممّا تريدها مع الولايات المتّحدة. إنّ الأوروبيّين يُدافِعون عن هذه العقوبات لأنّهم بالطّبع قلقون كثيراً من أيّ انهيار قد يلحق بالأمن الأوروبيّ - إنّهم يهتمّون بالوضع، بصراحة، أكثر بكثير ممّا تهتمّ الحكومة الأمريكيّة الحالية.
هارشو: لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض هؤلاء القادة الأوروبيّين، وانتقدهم علناً ووتّر العلاقات. فهل يمكن إصلاح هذه الجسور على يد إدارة أخرى، أم أنّ هناك من الأضرار ما هو دائم؟
زيليكو: هناك بعض الأضرار الدّائمة. وقد أصبح لدى الأوروبيّين الآن شعور أعمق وأكثر مأساويّة بما هو ممكن، ليس فقط مع الولايات المتّحدة، ولكن داخل قارّتهم وبلدانهم. كان هذا أحد أسباب قيامنا بتأليف كتابنا الجديد عن الطّريقة الّتي أُنشئ بها العالم الحديث في بداية التّسعينيّات. فالشّعوب على جانبي المحيط الأطلسيّ - وفي آسيا، بالفعل - تشكّك الآن في هذا النّظام برمّته. لذا، إذا كان لابُدّ من إعادة اختراع هذا النّظام، فقد اعتقدنا [في كتابنا] أنّه من الضّروريّ فهم كيف ولماذا اختُرِع كومنولث الأُمم الحرّة في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر
إذاً، تكمن إحدى القضايا الحاسمة بشأن المستقبل، ببساطة، في طرح السّؤال التّالي: هل يريد الأمريكيّون تأسيس شراكات مع أوروبا من أجل القيام بعمل مشترك؟ هل يريد الأوروبيّون تأسيس شراكات مع الأميركيّين من أجل القيام بعمل مشترك؟ أعتقد أنّه بالنّسبة إلى معظم الأوروبيّين ومعظم الأمريكيّين، فإنّ الإجابة عن هذين السّؤالين هي نعم. السّؤال التّالي: هل يمكن للأوروبيّين والأمريكيّين إيجاد القادة الّذين بمستطاعهم صياغة تلك الشّراكات وإكسابها طابعاً عمليّاً؟ الأمر بحاجة إلى مبادئ وشراكات وأبعاد عمليّة، ويجب أن تجتمع كلّ هذه الأشياء من خلال بعض القادة.

لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض القادة الأوروبيّين
هارشو: المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، في آخر حياتها السّياسيّة. ويبدو أنّ الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، يحاول الاستيلاء على عباءة القيادة الأوروبيّة. فهل هناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل ما تَصِفه؟
زيليكو: من الصّعب التّكهّن بمن سيكون بين قادة أوروبا خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات من الآن. وإذا كان هناك أيّ شيء مطمئن، فسأخبرك أنّه في منتصف الثّمانينيّات، لم يكن يعتقد أحد أنّه لدى المستشار الألمانيّ، هيلموت كول، رؤية عظيمة لمستقبل أوروبا. لقد بدا وكأنّه مُحافِظ برجوازيّ حكيم ومستقرّ.
هارشو: في بعض الأحيان يتعلّق الأمر برمّته بالظّروف، أليس كذلك؟
زيليكو: صحيح. في بعض الأحيان، يجتمع مزيج الظّروف والأشخاص والمبادئ. لم يكن كول هو الوحيد الّذي فعل ذلك، ولم يكن فقط الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، ولا الرّئيس جورج دبليو بوش فحسب. لقد كانوا، كما يُقال، براغماتيّين راديكاليّين.
هارشو: هذا مصطلح عظيم.
زيليكو: لقد كانوا أشخاصاً حَذِري المزاج، لكن نظراً لطابعهم العمليّ الكثيف، كانوا على استعداد للقيادة وتحويل موقف ألمانيا بأسرع طريقة ممكنة، وتحويل حلف شمال الأطلسيّ، والمؤسّسات الماليّة والتّجاريّة الدّوليّة، والأمم المتحدة - كلّ ذلك لأنّ هذا بدا عمليّاً في ظلّ هذه الظّروف.
هارشو: دعنا نذهب إلى الصّين. هل تؤمن بـ "مصيدة ثيوسيديدز" - فكرة أنّ الولايات المتّحدة والصّين مُقدّر لهما الذّهاب إلى الحرب؟
زيليكو: لا أؤمن بذلك. هل هناك خطر صراعٍ مع الصّين الصّاعدة؟ بالطّبع. لكنّنا لسنا متّجهين إلى الحرب. وتقريباً، قراءتي للتّاريخ ليست حتميّة تماماً. ولا أعتقد أنّ الصّينيّين أنفسهم قد اكتشفوا أين سيكونون وأين يريدون أن يكونوا بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن. إنّهم يواجهون الكثير من الصّعوبات في تحقيق المراحل التّالية من النّموّ الاقتصاديّ. كما يقتربون من ذروتهم السّكّانيّة الآن، ومن ثمّ سيتقلّص تعداد سكّانهم ويتقدّم في العمر بسرعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
إنّ الوضع مع الصّين أسوأ ممّا كان عليه قبل خمسة أعوام. ويرجع هذا إلى التّطوّرات الّتي حصلت على جانبي المحيط الهادئ، وطريقة حكم الصّين. لكنّنا نؤكّد في كتابنا الجديد أنّنا لا نعتبر المواجهة الحربيّة حتميّة. ولا نعتقد أنّ نداءات التّشبيه بالحرب الباردة مفيدة للغاية في المساعدة على حلّ مشكلات السّياسة. المفارقة هي أنّ الصّينيّين هم الّذين يدّعون الآن أنّهم يريدون أن يكونوا قادة العالم وبُناة المؤسّسات العالميّة، في حين أنّ الولايات المتّحدة تبتعد عن تلك المؤسّسات.

زيليكو متحدثاً عن كوندوليزا رايس: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً
هارشو: إنّنا نسير في "شراكة عبر المحيط الهادئ" فيما يقومون ببناء مبادرة "الحزام والطّريق".
زيليكو: إنّهم من يحاولون تقديم قيادة عالميّة وشراكات عالميّة. وبالرّغم من أنّنا نحاول المواجهة عن طريق بعض الحجج الخاصّة بالعالم الهنديّ-الباسيفيكيّ، فإنّك إذا تحدّثت إلى قادة في أستراليا أو الهند أو اليابان، أعتقد أنّهم سيقدّمون في السّرّ بعض النّصائح المختلفة للولايات المتّحدة حول أفضل السّبل للتّنافس خلال هذه الأوقات الصّعبة.
هارشو: هل تعتقد أنّ شبكة الحلفاء العالميّة تحاول فقط انتظار رحيل ترامب عن الرّئاسة؟

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
زيليكو: هذا يعتمد على من تتحدّث في هذه البلدان، لأنّهم منقسمون ومشتّتون، أيضاً - مثلاً، يعتقد بعض السّياسيّين الأستراليّين أنّ ترامب رائع. لكنّني أعتقد بشكل عام أنّهم يجدون أنفسهم عالقين في نقاش محتدم. ما يريدونه هو أن تحدّد الولايات المتّحدة كيفيّة القيادة البنّاءة في هذه الشّراكات. ثمّ تسأل نفسك: شراكات لفعل أيّ شيء؟ هل نرغب في نظام اقتصاديّ عالميّ مفتوح؟ ليس من الواضح في الوقت الحالي أنّنا نرغب في ذلك - لكن جميع شركائنا الآسيويّين تقريباً يريدون نظاماً كهذا. حسنٌ، إذا كنا نريد نظاماً اقتصاديّاً مفتوحاً، فسيتعيّن علينا بناء ذلك من خلال الشّراكات، وليس بالاعتماد على أنفسنا فقط. إذا كنّا نريد الحصول على أمنٍ سيبرانيّ وإنترنت يخدم مصالحنا وفق قواعد القرن الواحد والعشرين ولا يخلق تقسيمات رقميّة جديدة، فسوف نحتاج إلى شركاءٍ في بناء هذا العالم أيضاً.
هارشو: بالحديث عن الشّراكات، دعنا ننهي بالشّراكة مع كوندوليزا رايس. هل يمكنك التّحدّث قليلاً عن هذا التّعاون؟

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟
زيليكو: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً - كلّ منّا يعرف ماهية نقاط القوّة والضّعف لدى الآخر، وما الأدوار الّتي يمكن أن يلعبها كلّ منّا على أفضل وجه. على سبيل المثال: هي تقرأ الرّوسيّة، أمّا أنا فلا؛ أستطيع أن أقرأ الألمانيّة، أمّا هي فلا تستطيع ذلك. هناك بعض الموضوعات الّتي تتطلّع إليّ لأخذ زمام المبادرة في الكتابة حولها. ثمّ هناك موضوعات أخرى أرغب أن تقوم هي بكتابة مسوداتها الأولى. وبعد ذلك يقدّم كلّ منّا مساهمته، ونتداول مسوداتنا. لكن أحد الأسباب الّتي جعلتنا نعمل معاً في الحكومة هو أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه، ونتشارك في تفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر.


المصدر: توبين هارشو، بلومبرغ

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

كشفت الأرقام الرسمية في تركيا عن استقالة نحو مليون عضو من حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد توقعات رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي استقال مؤخرا من الحزب بأن “العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه”.

وشرعت استقالة أوغلو أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية الأبواب على مصراعيها نحو تفكك الحزب، الأمر الذي كان متوقعا بعد الخسارة المذلة التي مني بها خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي فازت بها المعارضة.

ويتساءل مراقبون سياسيون إذا كان المنشقون في السابق يعملون انقلابا ويستولون على الحكم، فإن المنشقين عن أردوغان يتخذون طريقا مغايرة بسحب جمهور الحزب وخزانه الانتخابي، وهي صيغة أخطر لكونها تواجه الرئيس التركي بأسلوبه، عبر اعتماد نتائج الانتخابات كورقة ضغط وفرض للأمر الواقع.

واستنادا إلى موجة الانشقاقات، فإن حظوظ أردوغان وحزب العدالة ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية، ولن تمكن الرئيس التركي من النفوذ المطلق الذي يحرص على تثبيته الآن، وربما تنجح في قلب المعادلة بخلق تحالف أوسع يطيح به.

وتعكس الاستقالات انفجار الغضب المتراكم داخل حزب العدالة والتنمية على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاستبدادية وعلى تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء.

وزادت سياسات أردوغان التي توصف بالفاشلة لاسيما تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي من حدة نفور قيادات من الحزب وقواعده التي لم تنطل عليها تبريراته بوجود “مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا”.

وبينت أحدث الأرقام التي نشرتها محكمة النقض التركية مطلع سبتمبر الحالي أن 844.391 شخصا قد استقالوا من حزب العدالة والتنمية منذ أغسطس 2018، ليبقى عدد الأعضاء 9.87 مليون شخص.

واستقال ما يقارب 56 ألفا من هؤلاء في الفترة ما بين الأول من يوليو والسادس من سبتمبر. وبالنظر إلى موجة الاستقالات التي حدثت منذ استقالة داود أوغلو في الثالث عشر من سبتمبر، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير عند الإحصاء في المرة القادمة.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 بالمئة وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي جرت يونيو الماضي، إلى 30.6 بالمئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أو.آر.سي البحثية المرتبطة بالحزب.

ومن المتوقع أن يلتحق المستقيلون من الحزب بحزبين جديدين ما زالا في طور التأسيس؛ الأول يعمل أحمد داود أوغلو على إنشائه، والثاني يستعد وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول، الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان.

ويتهم أردوغان بالعمل على تهميش القيادات المهمة داخل الحزب التي لم تكن تبدي له الولاء ولا تذعن لأوامره وإملاءاته وخاصة أحمد داود أوغلو وعبدالله غول وعلي باباجان، وهو ما فتح له الطريق لإرساء نظام دكتاتوري داخل الحزب.

وتتواتر الأنباء عن عزم 80 نائبا من العدالة والتنمية الاستقالة من الحزب وهو ما يهدد بفقدانه للأغلبية داخل البرلمان المتكون من 600 مقعد، وبالتالي عجزه عن إقرار القوانين.

وتثير أزمة الاستقالات والانشقاقات داخل العدالة والتنمية تساؤلات مراقبين للشأن السياسي التركي وما إذا كانت خارطة التحالفات السياسية والحزبية ستتغير على ضوء هذه التطورات.

ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان بقيادة أحمد داود أوغلو وعلي باباجان في صورة تحالفهما مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لعب دورا كبيرا في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وبحسب أحدث استطلاعات للرأي فإن هناك حوالي نسبة 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريبا، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيسي على قاعدته الشعبية.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

وأثارت رغبة أردوغان في السيطرة على قرار الحزب استياء عميقا من القيادات المحلية إلى القيادات التنفيذية العليا، وازدادت حدة الاستياء عقب الهجوم العنيف الذي شنه على المنشقين من الحزب في يوليو الماضي، حيث وصفهم بالخونة وتوعدهم بدفع ثمن “تمزيق الأمة”.

ويستبعد محللون أن تدفع الهزائم السياسية والانتخابية والانشقاقات التي مني بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى تغيير الرئيس التركي منهجه في الحكم، وتلطيف تعامله مع المعارضة وتجاوز الانقسامات السياسية داخل حزبه.

ولا ترى الكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز لورا باتيل أن أردوغان يمكن أن يتخذ منهجا توافقيا بعد ستة أشهر من الانتخابات المحلية التي مُني فيها حزبه بخسائر موجعة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة.

ويؤيد كثيرون ما ذهبت إليه باتيل باعتبار أسلوب العناد الذي يتميز به أردوغان، إذ سبق له أن علق على استعداد باباجان لإطلاق حزبه بالقول “يقولون إن بعضهم يؤسسون حزبا، لا تضعوهم في بالكم، فكم شاهدنا من انشقوا عنا وأسسوا أحزابا، ولم يعد لهم ذكر حاليا، لأن من يقوم بمثل هذه الخيانات حتما يدفع الثمن غاليا”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

بركان في وجه إخوان تونس.. استقالات وانشقاقات وملفات فساد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

بركان يعصف بالبيت الداخلي لتنظيم الإخوان في تونس، إثر هزيمة مرشحها عبدالفتاح مورو في الانتخابات الرئاسية المبكرة، حيث انطلقت سلسلة استقالات ومساءلات داخلية تهيئ لانفجارات بالمستقبل.

وقدم رئيس مكتب الغنوشي زبير الشهودي رسالة إلى الشعب التونسي أعلن فيها استقالته من الحزب، داعيا خلالها رئيس الحركة إلى اعتزال السياسة.

الشهودي، الذي مثل أمين سر الحركة والناطق الرسمي باسمها طيلة عامي 2012 و2013، اتهم صهر الغنوشي "رفيق عبدالسلام" بالفئة الفاسدة والمفسدة، مشيرا إلى وجود دكتاتورية يمارسها رئيس إخوان تونس من خلال هيمنة عائلته.

الكاتب المختص في الجماعات الإسلامية بسام حمدي، قال في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن الاستقالات التي ضربت حركة النهضة هي نتيجة وجود اعتراض كبير على الأسلوب الذي يعتمده زعيمها راشد الغنوشي والقرارات التي يتخذها بشأن البلاد.

وحمل قواعد الإخوان الهزيمة المدوية لمرشحهم عبدالفتاح مورو إلى رئيس الحركة، الذي فشل في لعبته السياسية تجاه تونس.

الاستقالات تبين أن قيادات من الحركة لم تعد تنضبط للتسيير الذي يقوم به راشد الغنوشي رفقة صهره رفيق عبدالسلام، حيث أعلن بعض منهم عن دعمهم للمرشح للجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية قيس سعيد دون انتظار الموقف الرسمي للحركة.

وبيّن بسام حمدي في هذا السياق أن الحركة الإخوانية في تونس هي أسيرة ملفات داخلية مرتبطة بالتهرب المالي والضريبي والاستفادة من مواقع الحكم طيلة 8 سنوات.

عائلة الغنوشي ثراء غير مبرر
تصريحات القيادات الإخوانية المناقضة لسياسة راشد الغنوشي التي تعددت في الفترة الأخيرة، اعتبرها عديد من المراقبين انحدارا في شعبية الإخوان وانكشافا لوجههم الحقيقي.

وعبر عن هذه الصراعات الداخلية للإخوان بشكل مكثف وزير الفلاحة التونسي الأسبق وعضو حركة النهضة محمد بن سالم، في تصريحات إعلامية سابقة وذلك بالقول "الغنوشي يكذب ويحاول توظيف أبنائه في المواقع المتقدمة للدولة".

اتهام الغنوشي بالكذب والتزييف هو السمة البارزة في الفترة الأخيرة لزعيم متورط في بناء جهاز سري في تونس، ومنخرط في التخطيط للاغتيالات السياسية وانتشار الإرهاب منذ عام 2011.

وأكد الباحث في العلوم السياسية مروان عرايبية، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن "الثراء الفاحش لعائلة الغنوشي خاصة ابنه معاذ وصهره رفيق عبدالسلام جاء نتيجة عمليات تبييض أموال خطيرة واختلاسات جعلت من أنصار الحركة بحالة غضب في ظل أقلية تعيش الثراء وغالبية تعاني ضنك الحياة".

وتابع عرايبية "البنك المركزي التونسي مطالب بالتحقيق في التمويلات التي تتلقاها حركة النهضة الإخوانية الجدية، والتي ستكشف مدى تورطها والعناصر التابعة لها في الإرهاب من خلال أموال خارجية مشبوهة".

وقدر حسب رأيه الأموال التي أدخلتها حركة النهضة لتونس لحسابها الخاص منذ سنة 2011 بـ"4 مليارات دولار، مؤكدا أنها "متأتية بالخصوص من تركيا وغيرها عبر وسائل غير قانونية".

التفتت المحتوم
هزيمة عبدالفتاح مورو فتحت أبواب المساءلة أمام قيادات الإخوان وحجم الأموال التي تم ضخها، وجعلت الكثير من المحافظين في تونس يشككون في مصداقية الإخوان، حسب المراقبين.

ويقول أستاذ العلوم الاجتماعية محمد الحفصي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن "الغطاء الإخواني أصبح مكشوفا، وإن مسار التفتت هو قدر محتوم"، حسب تقديره.

وشهد إخوان تونس استقالات منذ شهر يونيو/حزيران الماضي، حيث انشق منها المكلف بالعلاقات الخارجية لحركة النهضة محمد غراد والمستشار الخاص لراشد الغنوشي لطفي زيتون.

وأكدت مصادر في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن "المرحلة المقبلة ستعرف فيها الحركة استقالات أخرى، خاصة مع بروز دعوات ضد الغنوشي بالاستقالة واعتزال السياسة وكشف حساباته البنكية المتفرعة في بعض الدول".

وأوضحت أن "البحث عن نتائج أفضل لحركة النهضة في الانتخابات التشريعية هو مجرد أضغاث أحلام يريد حقنها الغنوشي لأنصاره كمسكن للسكوت عن جرائمه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية