تمرير قانون النفط يفاقم الانقسامات السياسية في الصومال

حذّرت مجموعة المراقبة التابعة للأمم المتحدة، والمعنية بالصومال، من تداعيات عمليات التنقيب عن النفط التي تنفذها حكومة الرئيس محمد عبد الله فرماجو، على جهود إحلال السلام في البلد، الذي يعاني من تردي الأوضاع الأمنية. وأعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلقهم إزاء حثّ النرويج للصومال على إنشاء منطقة اقتصادية خالصة (EEZ)  قبالة سواحلها مع شركة نفط نرويجية.

اقرأ أيضاً: الصحفية الصومالية هودون ناليي تكتب بدمائها سيرة الأمل وتتحدى الإرهاب
وقالت مجموعة المراقبة التابعة للأمم المتحدة، في تقرير قدّمته للجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن في أوائل الشهر الماضي: إنّ "التنقيب سيؤدي لزيادة الصراع السياسي بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو والحكومات الإقليمية، مما ينذر بتفاقم الانقسامات العشائرية ويهدّد الأمن والسلام".

مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الصومالية سعت حكومة الرئيس محمد عبد الله فرماجو إلى تمرير قانون النفط بشكل سريع

وبحكم امتلاكه سواحل بحرية طويلة، يعدّ الصومال من المناطق الموعودة بثروة نفطية كبيرة، وفق عمليات المسح والتنقيب التي تقوم بها شركات عالمية للبحث عن الذهب الأسود في المنطقة، وكانت هناك شركات كبرى تعمل في هذا المجال قبل انهيار الدولة عام 1991، وفي الأعوام الأخيرة؛ تلاحقت الاكتشافات النفطية والغازية في الصومال؛ حيث أكّدت أكثر من شركة عالمية إمكانية وجود مكامن للنفط والغاز قابلة للاسترداد بالمنطقة.
وتُبدي الحكومة الصومالية الحالية اهتماماً ملحوظاً لتنقيب النفط وتصديره إلى الخارج لاستمرار البقاء في المسرح السياسي، خاصة مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية في البلاد، وهو ما دفع حكومة الرئيس محمد عبد الله فرماجو إلى تمرير قانون النفط، بشكل سريع، في أيار (مايو) الماضي، وعقد صفقات مع شركات نفط عالمية لاستخراج النفط الصومالي.

مؤتمر لندن للنفط والغاز 2019

مؤتمر لندن
وفي خضمّ سعيها الحثيث لتسريع عملية استخراج النفط والغاز من قبل السواحل الصومالية؛ عقدت الحكومة الصومالية في السابع من شباط (فبراير) من هذا العام، مؤتمراً دولياً عرضت فيه نتائج المسح السيزمي الذي أجرته شركة "سبيكترام" منذ 2015 في المياه الإقليمية للصومال، حضره عددٌ من ممثلي الحكومة والبرلمان الصوماليين، وممثلي الشركات النفطية، إضافة إلى وكالات الأنباء العالمية.

اقرأ أيضاً: أين ذهبت تجربة الصومال بالمساواة بين الجنسين؟
وأهم الملاحظات على مؤتمر لندن هي: منح وزارة البترول صلاحية القيام بعرض المسوحات السيزمية، الأمر الذي رُفض من قبل البعض؛ لأنّ عرض الثروة النفطية على العالم من اختصاص الهيئة الصومالية للنفط التي لم تتشكَّل بعد، خاصة أنّ هناك قراراً سابقاً أخطرت به حكومة الرئيس محمد عبد الله فرماجو؛ بأنّ التنقيب والتمهيد له لن يتم إلا بعد إصدار قانون للنفط، وهو ما تمّ بطريقة غير دستورية، بحسب مراقبين.
ووفقاً للمادة (44) من الدستور الصومالي الانتقالي؛ يجب على الحكومة والولايات التفاوض فيما يخصّ استغلال ثروات البلاد بشكل موافق للدستور، ولم تتشاور الحكومة الفيدرالية مع الولايات في القانون الذي صادق عليه مجلس الشعب، في أيار (مايو) الماضي، كما أنّ هناك مؤسسات كان يجب تشكيلها أولاً، مثل: مجلس ثروات البلاد والهيئة الوطنية للبترول، وشركة النفط الحكومية، إضافة إلى القوانين الضرورية الأخرى، مثل: قانون الضرائب للثروات، وقانون مكافحة الفساد، وقانون البيئة، وهو ما لم تلتزم به الحكومة الصومالية الاتحادية.

مظاهرات في لندن ضدّ تدخّل الشركات البريطانية في الصومال

وتسبّب مؤتمر لندن بموجة من الغليان الشعبي في الشارع الصومالي؛ حيث شهدت المدن الصومالية، وبعض الجاليات في أوروبا، مظاهرات مختلفة لرفض مؤتمر لندن، معتبرين أنّها مناسبة لبيع الثروة الوطنية بطريقة غير دستورية، كما وجّهت أحزاب المعارضة انتقادات لاذعة لما جرى في المؤتمر، واصفة ما حدث من الحكومة بأنّه انتهاك صارخ للدستور، متهمين الحكومة ببيع ثروة البلاد في "مزاد علني" لصالح شركات أجنبية.

اقرأ أيضاً: حصيلة هجوم جوبالاند الصومالية.. من وراءه؟
من جانبها، رفضت الحكومة الصومالية تلك الاتهامات، وقالت إنّ "المؤتمر يهدف إلى عرض الامتيازات النفطية في البلاد، أمام شركات النفط العالمية، بغرض استكشاف فرص تطويرها، كما ذُكر على لسان وزير البترول والثروة المعدنية؛ أنّها شرعت في استكمال ما بدأته الحكومة السابقة.

مخاطر أمنية وسياسية
وقالت مجموعة المراقبة التابعة للأمم المتحدة في تقريرها السنوي لهذا العام إنّ "التناقضات التي يحملها قانون النفط الصومال، ما لم يتمّ حلها، قد تؤدي إلى زيادة الصراع السياسي بين الحكومات الفيدرالية والإقليمية التي تخاطر بتفاقم الانقسامات العشائرية وبالتالي تهديد السلام والأمن".
وفي 5 أيلول (سبتمبر) 2015؛ تعاقدت الحكومة الصومالية مع شركة "سبيكتروم" البريطانية، لإجراء مسح شامل على الساحل الجنوبي للبلاد، وذلك بموجب اتفاق بأن تقوم شركة "سبيكتروم" بعملية بحث عن مخزون الغاز الطبيعي والنفط في مساحة تبلغ 28 كلم من الساحل الصومالي.

اقرأ أيضاً: مظاهرات حاشدة ضدّ الرئيس الصومالي على هذه القرارات
كما تمّ إجراء أول الاستطلاعات الغازية من قبل شركة Soma Oil and Gas" (SOG)"؛ وهي شركة مقرّها المملكة المتحدة تأسست عام 2013 بهدف "البحث عن فرص استكشاف النفط والغاز في الصومال"، وكشفت تقارير إعلامية تورّط شركة "SOG" في شبهات فساد، بعد أن اتّهمتها مجموعة مراقبة الصومال وإريتريا التابعة للأمم المتحدة بدفع مئات الآلاف من الدولارات الأمريكية إلى وزارة البترول والثروة المعدنية الصومالية؛ ابتداءً من عام 2014، وقد عمل رئيس الوزراء الصومالي الحالي، حسن علي خيري، لدى هذه الشركة، منذ تأسيسها وحتى تعيينه رئيساً للوزراء، في آذار (مارس) 2017.

رئيس الوزراء الصومالي الحالي حسن علي خيري

وإضافة إلى شبهات الفساد تلك؛ تثار مخاوف عديدة من الخبراء والباحثين مغبة استيلاء حركة الشباب الإرهابية على هذه الثروة النفطية الكامنة للدرجة التي يطالب فيها البعض بتأجيل استخراج البترول الصومالي لحين جاهزية الأجهزة الأمنية في الدولة لحماية هذه الثروة القومية، ولحين عودة الاستقرار السياسي للبلاد بصورة كاملة.

غياب سياسة واضحة لمكافحة الفساد يمكن أن تدخل البلاد في حروب أهلية إذ ضخّت مليارات الدولارات من عائدات النفط

كما يخشى البعض من عدم وجود خبرة اقتصادية في التعامل مع هذه الثروة وتسويقها عالمياً، ويطالبون أصحاب صلاحيات عقد الاتفاقيات بالتأنّي في توقيع صفقات البيع والاستغلال، بما يضمن تحقيق الاستفادة الكاملة للبلاد من ثرواتها النفطية.
وعلى المستوى السياسي؛ أشعل قانون النفط الجديد أزمة سياسية بين الأقاليم الفيدرالية والحكومة الاتحادية؛ حيث أعلنت ثلاثة أقاليم فيدرالية إيقاف تعاملاتها مع الحكومة الاتحادية، وعزت ذلك إلى تخوّفها من أن يشرعن قانون النفط الجديد تفاهمات سرية بين جهات متنفذة داخل الحكومة الاتحادية وشركات أجنبية، ومن تمرير صفقات فساد لملايين الدولارات، وخصوصاً بعد الكشف عن دعم مالي قدمته بعض الشركات النفطية للحكومة الاتحادية، وهناك معلومات صحفية تتحدث عن أنّه؛ بين عامي 2015 و2017؛ دفعت سبكتروم 450،000 دولار، كلّ ستة أشهر، لوزارة البترول، وفق تقرير نشره مركز مقديشو للبحوث والدراسات.

مصالح متضاربة مع كينيا
من جهةٍ أخرى؛ كشفت شركة "قطر للبترول"، في الرابع والعشرين من تموز (يوليو) الجاري؛ عن اتفاقية أبرمتها مع شركتَي  "Eni" و"Total"، اشترت بموجبها 25% من أسهم الشركتين اللتين تقومان بالتنقيب عن البترول في ثلاثة حقول في السواحل الكينية بالقرب من الحدود الصومالية.

اقرا أيضاً: حزب الآفاق الوطني يحذّر الرئيس الصومالي.. لماذا؟!
وأعلنت الشركة؛ أنّها اشترت (13.75%) من أسهم شركة "Eni" و(11.25%) من أسهم شركة "Total" ؛ إذ تقوم الشركتان بالتنقيب عن البترول في الحقول الثلاثة، وهي:L11A" "، و"L11B"، و""L12.
وكانت شركة "Eni" الإيطالية متهمة في السابق بالقيام بعملية تنقيب للبترول بطريقة غير شرعية في مناطق بحرية صومالية تدّعيها كينيا.
وقد اشتعلت في أوائل هذا العام أزمة دبلوماسية بين الصومال وكينيا، بعد أن استدعت الأخيرة سفيرها لدى الصومال، وطالبته بالمغادرة؛ بحجة "طرح مقديشو عطاءات تنقيب عن النفط والغاز في منطقة بحرية متنازع عليها بين الجانبين"، فيما أكّد مسؤول شركة "سبيكترام" في أفريقيا والشرق الأوسط، غراهام ميهو؛ أنّ عقدها مع الحكومة الصومالية شمل الإقليم الصومالي فقط، دون المنطقة التي تدّعيها كينيا، في ردّه على مزاعم كينيا بأنّ نشاط الشركة شمل المياه المتنازع عليها، مضيفاً أنّ "سبيكترام" حصلت على المعطيات السيزمية في مساحة قدرها 20 ،185 كم2، وتصرّ الشركة على أنّ ما تمّ لم يكن بيعاً للكتل النفطية، بل خطوة لترويج النفط الصومالي بناء على البيانات التي جمعتها الشركة منذ أن بدأت العمل في السواحل الصومالية في 2015.

اقرأ أيضاً: نواب صوماليون يرفضون خرق فرماجو للدستور
وتكشف اتفاقية شركة "قطر للبترول" مع الجانب الكيني، النقاب عن الدور القطري في النزاع على الحدود البحرية بين الصومال وكينيا، خاصة أنّ تقارير إعلامية أشارت إلى أنّ قطر من الجهات التي تمارس الضغوط على الصومال لإنهاء النزاع بينها وبين كينيا بمفاوضات ثنائية، بعيداً عن محكمة العدل الدولية.

اشترت "قطر للبترول" 25% من أسهم شركتي"Eni" و "Total"

تفاؤل حذر
وطبقًا لتقرير نشرته مجلة "نيوأفريكان"، بعنوان "التدافع على الصومال: هل الطفرة النفطية نعمة أم نقمة؟"؛ فإنّ إيرادات النفط الصومالي قد توفر فرصاً للتنمية الحقيقية إذا تم استغلالها من قبل قيادة لديها رؤية وتصور للمستقبل والتعلم من تجارب الدول النفطية في إفريقيا وخارجها، وهناك العديد من الأمثلة على سوء إدارة الموارد الطبيعية، مما يؤدي إلى الاعتماد المفرط على النفط كما في حالة فنزويلا، والهجرة القسرية المدفوعة بعوامل اقتصادية، كما في حالة نيجيريا، وعدم المساواة الحادة في الدخل كما في حالة أنغولا.

اقرأ أيضاً: إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال
وبحسب التقرير؛ فإنّ غياب سياسة واضحة لمكافحة الفساد والمحسوبية، وعدم التوافق التام بين حكومات الأقاليم والحكومة الاتحادية في مقديشو، يمكن أن يُدخِل البلاد في دوامة حروب أهلية في حين ضخّ مليارات الدولارات من عائدات النفط، ودخول شركات تجارة الذهب الأسود الأرستقراطية إلى البلاد، وإحكامها السيطرة على مفاصل الاقتصاد الوطني مما يؤخر تعافي الصومال من ويلات الحروب الأهلية التي طحنت آمال الصوماليين بامتلاك حكومة مركزية قرابة ثلاثة عقود.

اقرا أيضاً: الصومال يغلي: لماذا يربط الرئيس فرماجو مصالح بلاده بأجندات خارجية؟
وفي المجمل؛ ما يزال طريق إنتاج النفط في الصومال طويلاً، وعدم الأخذ بعين الاعتبار والتعلم من تاريخ الدول المنتجة للنفط، والتي تسيطر عليها الشركات العالمية، مثل: الغابون ونيجيريا، ستكون له عواقب وخيمة على المسار السياسي والاقتصادي في البلاد على المدى الطويل.

الأقسام: