العيديّة.. متى ظهرت؟ وما أبرز أشكالها عبر التاريخ؟

يرتبط العيد بمظاهر الفرح والبهجة والتكافل، وتأتي "العيديّة" في مقدمة تلك الطقوس، حتى باتت عنصراً أساسياً مرتبطاً بذاكرتنا وصورتنا عن العيد، فما هو أصل العيدية؟ وكيف بدأت قصتها؟

هل نجد لها أصلاً في العهد النبويّ؟

حرص النبيّ، عليه الصلاة والسلام، على إرساء تقاليد الفرح والبهجة بمناسبة حلول العيد، وجاء في العبادات ما يمكن اعتباره أصلاً وبدايةً لـ"المعايدة" المرتبطة بالإهداء والعطاء؛ ففي عيد الفطر، كانت زكاة الفطر الواجب أداؤها على كل فرد قبل دخول العيد، وهدفت لتحقيق التكافل بين أفراد المجتمع، وإدخال البهجة والسعادة إلى قلوب الفقراء والمحتاجين. وفي عيد الأضحى، كانت الأضاحي هي الوسيلة لتحقيق التكافل ومساعدة المحتاجين وإسعادهم.

العصر الفاطمي.. مولد ثقافة الاحتفال

خلال العهود الإسلاميّة الأولى تطوّرت طقوس ومراسم خاصّة بالأعياد، ولكن الذروة جاءت مع بلوغ الحضارة الإسلاميّة أوجها في القرن الرابع الهجري، وبالتحديد في عصر الدولة الفاطمية، مع استقرار حكم الخلافة الفاطميّة في القاهرة أواخر القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي.

بالرغم من شمول العيديّة أشكالاً مختلفة من الهدايا والحلوى والملابس إلّا أنّها أصبحت تطلق تحديداً على المبلغ النقديّ

اشتهر الفاطميون باهتمامهم عموماً بمظاهر الاحتفال وإحياء المناسبات اهتماماً كبيراً، ومن ذلك الاهتمام بطقوس البهجة والاحتفال في شهر رمضان، وفي ذكرى المولد النبوي، وبالأعياد، وغيرها من المناسبات الدينيّة التي أصبح لها ارتباطات اجتماعية وثقافيّة، فأصبحت المناسبات الدينية في هذا العصر مرتبطة بالاحتفالات، وأُرسيت فيه الكثير من الطقوس التي أعادت صياغة الثقافة الإسلاميّة، وما يزال الكثير منها ممارساً ومنتشراً بين المسلمين حول العالم حتى يومنا هذا؛ بدءاً من الفانوس، إلى المسحّراتي، ووصولاً إلى العيديّة.

الكثير من الممارسات الاحتفالية الإسلامية ترجع في نشأتها إلى العصر الفاطمي

ونجد عند مؤرخي العصر الفاطمي، كالوزير عزّ الملك المسبحي، وتقيّ الدين المقريزي، تفصيلاً لطقوس ومظاهر احتفال الخلفاء الفاطميين بالأعياد، ومن تلك الطقوس، كانت "العيديّة"، التي ظهرت آنذاك لأوّل مرة كهبة مستقلة عن سائر العبادات. وكان ذلك منذ عهد الخليفة "المعزّ لدين الله الفاطميّ"، الذي أراد أن يستميل أفئدة المصريين في مبتدئ حكم دولته لبلادهم؛ فكان يأمر بتوزيع الحلوى وإقامة الموائد، وتوزيع النقود، والهدايا، والكسوة، مع حلول كلّ عيد، على رجال الدولة وعامة الرعيّة، كما كان يهدي بنفسه دراهم فضيّة مخصصة للفقهاء والقرّاء والمؤذنين، مع انتهاء ختمة القرآن الكريم ليلة العيد.

تراجعت طقوس الاحتفال جزئياً في العهد الأيوبيّ ورعاية الدولة لها خاصة مع الانشغال بالحروب الصليبيّة

وكان طقس توزيع النقود يعرف باسم "التوسعة"، وهو أول شكل ظهرت فيه "العيديّة" كمبلغ مالي يتم توزيعه ووهبه بمناسبة حلول العيد، فكان الخليفة يشرف من قصره صبيحة يوم العيد، وينثر الدراهم والدنانير الذهبيّة على من أتى من عامة الناس للمعايدة.
أما الكسوة، فقد كانت توزع على الخاصّة والعامة، وكانت تصنع قبل شهر ونصف الشهر لتكون جاهزة ليلة العيد، وبلغت النفقات المخصصة لغاية صناعة الكسوة في القرن السادس الهجريّ مبلغاً مقداره عشرون ألف دينار ذهبيّ. وإلى جانب المال والكسوة، كانت المعايدات تشمل صنع الكعك والحلوى وتوزيع كميات كبيرة منها في الطرقات. كُلّ ذلك رسّخ وبلور مناسبة العيد باعتبارها مناسبة عامّة مقترنة بتقاليد الفرح والبهجة.

كان المعزّ يأمر بإقامة الموائد وتوزيع النقود والهدايا والكسوة مع حلول كلّ عيد

العصر المملوكيّ.. شكل واسم جديد

تراجعت طقوس الاحتفال جزئياً في العهد الأيوبيّ، خاصة مع الانشغال بالحروب الصليبيّة، وتراجعت رعاية الدولة لها، ومع دخول عصر المماليك، واستقرار ملكهم ببلاد مصر والشام، عادت الطقوس الاحتفاليّة للازدهار من جديد.

اقرأ أيضاً: العيد في الذاكرة الإماراتية.. بهجة الأطفال لا تتغير

وعرفت العيديّة باسم جديد هو "الجامكيّة"، وصارت عبارة عن مبلغ يصرف بأمر مباشر من السلطان كمرتب خاصّ بمناسبة حلول العيد، يمنح لموظفي الدولة من الجند وحتى الأمراء وكبار الموظفين. و"الجامكيّة" كلمة مشتقة من "الجامة" وهي مفردة تركيّة تعني الثوب واللباس، ويقصد بـ"الجامكيّة" بذلك المال المخصص للملابس؛ حيث كان الهدف منها إعانة الرعيّة وتمكينهم من شراء كسوة جديدة خاصّة بالعيد.

العصر العثماني.. الدولة تنسحب
في العصر العثماني، اختلف شكل العيديّة مجدداً، وكان التحوّل الأهم أنّها لم تعد مبلغاً تتولّى صرفه الدولة، وإنما تحوّلت إلى ثقافة وعادة شعبيّة يقوم الناس بأدائها فيما بينهم، كنوع من التعبير عن البهجة، وسعياً لتحقيق التكافل والمعونة فيما بينهم. وكانت هذه العادة تنحسر في الأرياف والبوادي بسبب صعوبة ظروف المعيشة، وارتبطت أكثر بطقوس العيد عند أهل المدن والحواضر خاصّة. ولم تكن العيديّة مرتبطة آنذاك بتوزيع مبالغ ماليّة حصراً، وإنما ارتبطت بمختلف أشكال الهدايا، من الطعام، والملابس، وغيرها.

اليوم.. الأطفال هم الرابح الأكبر

ومع نهايات العصر العثماني ودخول الحقبة المعاصرة، استقر شكل "العيديّة" كما نعرفها اليوم، وعرفت بهذا الاسم المشتق من اسم المناسبة. وطرأ عليها تحوّلات جديدة، فأصبح من يقوم بها بالأساس هو ربّ الأسرة والأبناء الأكبر سناً من الأشخاص العاملين أصحاب الدخل، وأصبح المستقبل الأول لها هم الأطفال، ثم تأتي الزوجة والبنات الأكبر سناً. وبالرغم من شمول العيديّة أشكالاً مختلفة من الهدايا والألعاب والحلوى والملابس، إلّا أنّها أصبحت تطلق تحديداً على المبلغ النقديّ.

اقرأ أيضاً: عيد "أربعينية الصيف" الذي يحتفل به الإيزيديون.. ماذا تعرف عنه؟

أصبحت العيديّة بالنسبة للأطفال بمثابة كنز ثمين؛ يحتفظون بها، ويحصونها، ويتباهون بها أمام أقرانهم، وهي بمثابة أول شكل لمبلغ مالي معتبر يتعاملون معه، يمتلكونه في مقتبل حياتهم. وإذا كانت بهجة العيد تأتي بالأساس من بهجة وسرور وفرحة الأطفال، فإنّ بهجة الأطفال بالعيد باتت مقترنة بالضرورة بالحصول على العيديّة.

الأطفال هم المستقبل الأول للعيديّات اليوم

وعلى الرغم من صمود وبقاء هذه العادة شائعةً إلى يومنا، إلّا أنّه مع تراجع الأوضاع الاقتصاديّة في العديد من البلدان ظهرت بوادر لتراجعها وتحويلها إلى أشكال عينيّة غير نقديّة تكون أقلّ كلفة، في حين ما تزال الغالبية مستمسكة بها كما هي؛ باعتبارها أصبحت ذات قيمة رمزيّة ومعنوية مرتبطة بذاكرتنا وصورتنا عن العيد وأجوائه، لا يمكن تخيّل العيد من دونها.

الأقسام: