كيف يمكن لأوروبا أن تعاقب إيران على تهريب الصواريخ مع الحفاظ على الاتفاق النووي

1210
عدد القراءات

2018-03-05

مايكل نايتس و كاثرين باور

في 27 شباط/ فبراير، أعاقت روسيا مشروع قرار لمجلس الأمن الدولي يهدف إلى الضغط على إيران في أعقاب تقرير مشين أعده "فريق خبراء الأمم المتحدة حول اليمن". وفي الشهر الماضي، خلُص تقرير اللجنة السنوي بشكل قاطع إلى أن "جمهورية إيران الإسلامية لا تمتثل للفقرة 14 من القرار 2216 (لعام 2015)"، في إشارةٍ إلى الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة على توريد الأسلحة للمتمردين الحوثيين في اليمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

وقد نُشر التقرير بالتزامن مع لقاء جمع عدداً من الدبلوماسيين الأمريكيين والأوروبيين على هامش "مؤتمر ميونيخ للأمن" الذي انعقد بين 16 و 18 شباط/ فبراير بهدف ايجاد سبل لتقييد أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، ومن ثم إقناع إدارة ترامب بتمديد فترة الاعفاءات من العقوبات الأمريكية التي تنتهي في 12 أيار/مايو. وإذا كانت دول رئيسية مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا تبحث عن طريقة لبدء المفاوضات بشكل صحيح، فإن أحد الخيارات القوية هو فرض عقوبات جديدة من قبل "الاتحاد الأوروبي" على شركات تطوير الصواريخ الإيرانية التي ربطتها لجنة الأمم المتحدة بتهريب الأسلحة إلى اليمن.

أدلة مفصلة من قبل الأمم المتحدة

كان تقرير اللجنة الصادر في 26 كانون الثاني/يناير بشأن اليمن محدداً بشكل خاص في شرح سبب اعتبار طهران غير ممتثلة، إذ ذكر: "إن جمهورية إيران الإسلامية ... أخفقت في اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع التوريد المباشر أو غير المباشر لصواريخ "بركان- 2H" الباليستية قصيرة المدى أو بيعها أو نقلها، فضلاً عن صهاريج التخزين الميدانية للوقود الدفعي السائل ثنائي الداسر للقذائف وطائرة "أبابيل- ت" ("قاصف-1") الاستطلاعية بدون طيار، إلى تحالف صالح مع الحوثيين آنذاك... وقد حدّدت اللجنة الآن مؤشرات قوية على توريد المواد الخاصة بالأسلحة المصنعة في جمهورية إيران الإسلامية أو الصادرة عنها، وذلك بعد وضع الحظر المستهدف [لتوريد] الأسلحة في 14 نيسان/أبريل 2015، ولا سيما في مجال تكنولوجيا القذائف التسيارية القصيرة المدى والمركبات الجوية بدون طيار".

وتنقسم النتائج التي توصلت إليها الأمم المتحدة ضد إيران إلى ثلاث فئات رئيسية:

توفير صواريخ باليستية بعيدة المدى

زار خبراء من الأمم المتحدة المملكة العربية السعودية في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر لتفقّد بقايا أربعة صواريخ تم إطلاقها على المملكة من اليمن (ثلاثة أُطلقت على الرياض في 19 أيار/مايو و 4 تشرين الثاني/نوفمبر و 19 كانون الأول/ ديسمبر، وصاروخ واحد على ينبع في 22 تموز/يوليو). وخلص الوفد إلى أنّ "خصائص التصميم الداخلي والسمات الخارجية ومقاييس [البقايا] تتّسق مع تلك الخاصة بصاروخ "قيام-1" المصمّم والمصنّع في إيران. ويعني ذلك أنه تم إنتاج [هذه الصواريخ] بشكل شبه مؤكد تقريباً من قبل نفس الشركة المصنعة". وعلى وجه التحديد، ظهرت على الحطام علامات تتفق مع الأنظمة التي وضعتها "مجموعة الشهيد باقري الصناعية" (SBIG) الإيرانية. وخلصت الأمم المتحدة كذلك إلى أنّ نوع السلاح المهرّب من إيران إلى الحوثيين "لم يكن صاروخاً باليستياً قصير المدى من طراز "قيام-1"، بل هو نسخة أخفّ وزناً، مصمّمة خصيصاً من قبل الشركات المصنّعة لـ "قيام-1" من أجل توسيع نطاقه إلى أكثر من 1000 كيلومتر عن طريق خفض الوزن". وبعبارة أخرى، صمّمت إيران شكلاً بديلاً من أجل [تحقيق] الهدف الواضح المتمثل في تمكين الحوثيين من ضرب الرياض ومدن أخرى تصل إلى بُعد 1000 كيلومتر من مناطق سيطرتهم.

توفير معدات وقود الصواريخ

 خلصت لجنة الأمم المتحدة أيضاً إلى أن طهران لا تمتثل للحصار، إذ تم العثور على المكوّنات المصنّعة أو المشتراة من قبل شركات إيرانية داخل خزّانات حفظ ثنائية الداسر تعمل بالوقود السائل تم اعتراضها في طريقها إلى الحوثيين. وتدعم هذه الخزّانات إعادة معالجة حمض النتريك المدخّن الأحمر المثبَّط، وهو مؤكسد الوقود الدفعي ثنائي الداسر المستخدم في الصواريخ الباليستية قصيرة المدى. وأشارت لجنة الأمم المتحدة إلى أنّ اثنين من المكوّنات تم تصنيعهما في إيران، في حين تم توريد ثلاثة أخرى إلى إيران من قبل شركات تصنيع أجنبية "تم دفع ثمن أحدها من خلال حساب مصرفي أوروبي".

توفير طائرات بدون طيار من طراز "قاصف-1"

أفاد خبراء الأمم المتحدة أيضاً أنّ عدداً من الطائرات بدون طيار من طراز "قاصف-1" والمكوّنات ذات الصلة التي وُجدت في اليمن كانت "مطابقة تقريباً في التصميم والمقاييس والقدرة لـ "أبابيل- ت" المصنّعة من قبل "شركة صناعة الطائرات الإيرانية" ". وبناءً على تصميم الطائرات بدون طيار وتعقّب الأجزاء المكوّنة، خلصت اللجنة إلى أنّ المواد اللازمة لتجميع "قاصف-1"، "قد انبثقت عن جمهورية إيران الإسلامية." وأوضحت اللجنة أنّه "تم توفير مكوّنين على الأقل من المنظومة إلى [إيران] بعد تنفيذ الحظر المفروض على الأسلحة. وتم استخدام طرف وسيط ثالث كطريق لتمويل أحد المكوّنات، فضلاً عن حساب وسيط في دولة ثالثة. ويدلّ ذلك على محاولة متعمّدة لإخفاء الوجهة النهائية للمكوّنات."

بالإضافة إلى ذلك، تواصل اللجنة التحقيق في الوقائع الأخرى المدّعى بها حول تهريب الأسلحة الإيرانية إلى اليمن، وتشمل هذه الحالات أدلة قاطعة على أنه تم تزويد أنظمة توجيه لقارب متفجر بدون قبطان، وأدلة قوية على نقل أنظمة شاملة للصواريخ الموجهة المضادة للدبابات.

وتُظهر النتائج كلها التي توصلت إليها اللجنة بوضوح أن إيران "فشلت في اتخاذ التدابير اللازمة لمنع توريد المعدات العسكرية ذات الصلة أو بيعها أو نقلها بشكل مباشر أو غير مباشر إلى قوات الحوثيين وقوات صالح، التي تعمل بناءً على توجيهات من أفراد تم إدراج أسماؤهم في القائمة." وتشمل الجهات الإيرانية الفردية الضالعة في انتهاك الجزاءات "مجموعة الشهيد باقري الصناعية" (SBIG)، و"مجموعة شهيد همّت الصناعية" (SHIG)، و"الشركة الإيرانية الصناعية لصناعة الطائرات" (HESA)، وهي شركة تابعة لـ "منظمة صناعة الطائرات الإيرانية" [التي هي نفسها جزء من "منظمة الصناعات الدفاعية" (DIO)]. وقدّمت الأمم المتحدة طلبات تعقب تتعلق بمسار هذه المعدات الإيرانية في 26 تشرين الثاني/نوفمبر و11 كانون الأول/ديسمبر و14 كانون الأول/ديسمبر، لكن لم يصل أي رد من الحكومة [الإيرانية].

توقعات اتخاذ إجراءات أوروبية

في 13 شباط/فبراير، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأن انتشار الصواريخ الإيرانية داخل سوريا واليمن يشكّل تهديداً على الحلفاء في المنطقة. وطالب بوضع إيران "تحت المراقبة بشأن صواريخها الباليستية" واقترح فرض عقوبات جديدة على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. ومن شأن اتخاذ مثل هذه الإجراءات على مستوى "الاتحاد الأوروبي" الأوسع نطاقاً أن يوجّه رسالةً قويةً مفادها أن أوروبا ترى انتشار القذائف الإيرانية بمثابة تهديد، وأنها مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة للتصدّي لها.

ومن أجل ايجاد الكيانات التي ينبغي استهدافها في هذه العقوبات، لا يتعين على "الاتحاد الأوروبي" سوى النظر في الاجراءات الأمريكية الأخيرة. فمنذ تنفيذ الاتفاق النووي، فرضت واشنطن عقوبات على ثمانية وثمانين كياناً إيرانياً لقيامها بأنشطة متعلقة بالصواريخ الباليستية،غير أنّ ثلاثة منها فقط تندرج في قائمة "الاتحاد الأوروبي". كما أن عدداً من العقوبات الأمريكية الأخيرة تستهدف الشركات التابعة لـ"مجموعة الشهيد باقري الصناعية" (SBIG) و"مجموعة شهيد همّت الصناعية" (SHIG) و"منظمة الصناعات الدفاعية" (DIO)، والتي تبقى جميعها معرضة لعقوبات الأمم المتحدة وبالتالي "الاتحاد الأوروبي".

فعلى سبيل المثال، في 4 كانون الثاني/يناير، قامت وزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات على خمس شركات فرعية تابعة لـ"مجموعة الشهيد باقري الصناعية"، التي سبق أن اتخذ "الاتحاد الأوروبي" تدابير بحق أحدها (وهي "شركة شهيد خرازي للصناعات"). ويملك "الاتحاد الأوروبي" حق تسمية الشركات الأربعة الأخرى في إطار "لائحة المجلس الأوروبي 267/2012"، التي تم تعديلها وليس إلغاءها بعد الاتفاق النووي.

ويلاحَظ أيضاً أنه في تموز/يوليو 2017 أدرجت الولايات المتحدة أسماء ست شركات تابعة لـ"مجموعة شهيد همّت الصناعية" (SHIG) لأنها قامت بتصنيع هياكل ومحركات الصواريخ الباليستية ذات القوة الدافعة، فضلاً عن أنظمة التوجيه والتحكم من النوع نفسه التي وُجدت بين الحطام الذي خضع للتفتيش في المملكة العربية السعودية. كما سعى الكونغرس إلى تسليط الضوء على هذه الأنشطة الإيرانية كجزء من "قانون مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات"، الذى تم تبنّيه في آب/أغسطس ويستدعي من الإدارة الأمريكية إصدار تقرير حول تنسيق العقوبات بين الولايات المتحدة و"الاتحاد الأوربي" كل ستة أشهر.

وقد سلّطت إجراءات أمريكية أخرى الضوء على تعاون إيران في مجال الصواريخ مع كوريا الشمالية وجهودها الرامية إلى نشرها في سوريا. وفي كانون الثاني/يناير 2016، تمّ إدراج اسم المدير التجاري لـ"مجموعة شهيد همّت الصناعية" (SHIG) السيد جواد موسوي لعمله مع مسؤولين من "شركة تنمية التعدين الكورية" (KOMID) المدرجة في قائمة الأمم المتحدة أيضاً. وفي أيار/مايو 2017، تمّ فرض عقوبة بحق نائب مدير الشؤون التجارية في "منظمة الصناعات الدفاعية" (DIO) مرتضى فاراسات بور لتنسيقه عملية بيع وتسليم متفجرات إلى "مركز الدراسات والبحوث العلمية السورية"، وهي وكالة حكومية سورية مسؤولة عن الأسلحة غير التقليدية ونظم التوصيل. وشملت العقوبة أيضاً مراقبة قروض تابعة لـ"منظمة الصناعات الدفاعية" (DIO) بلغت قيمتها عشرات الملايين من الدولارات.

وللاستفادة من التدابير الأمريكية بطريقة تقلل من العقبات الدبلوماسية المحتملة، ينبغي على واشنطن أن تشجع القادة الأوروبيين على اتخاذ إجراءات متابعة خاصة بهم، مذكرةً إياهم بأن هذه الإجراءات (1) لا تتعارض مع التزاماتهم بموجب الاتفاق النووي و (2) من غير المرجح أن تعرقل العلاقات التجارية لـ "الاتحاد الأوروبي" لأن الكيانات الإيرانية المعنية معزولة أساساً عن النظام المالي الدولي بسبب التصنيفات الأمريكية.

ومن المؤكد أن العقوبات الجديدة لن تكون كافيةً لتعطيل تدفق الصواريخ الإيرانية إلى اليمن. ويعتبر الحظر [الاعتراض] البحري أمراً ضرورياً، وبعضه يحدث بالفعل. وقد أوصى تقرير الأمم المتحدة باتخاذ المزيد من الإجراءات المماثلة، مثل وضع "آلية التحقق والتفتيش التابعة للأمم المتحدة" بصورة دائمة في ميناء الحديدة. يتعين على الوكالات الأمريكية العمل أيضاً مع نظيراتها الأوروبية للتحقيق في أنشطة شراء الصواريخ الإيرانية المذكورة في تقرير الأمم المتحدة وتعطيلها، والنظر في فرض عقوبات مشتركة لفضح الجهات الإيرانية المعنية بالمشتريات التي تستخدم شركات واجهة تعمل في الخارج. وفي الوقت نفسه، فإن أي جهد يرمي إلى جعل العقوبات التي يتخذها "الاتحاد الأوروبي" أكثر اتساقاً مع واشنطن من شأنه أن يبعث رسالةً واضحة مفادها أنّ أوروبا مستعدة للعمل مع إدارة ترامب، ومواجهة إيران والدلالة على أفعالها السيئة من أجل الحفاظ على الاتفاق النووي.

مايكل نايتس هو زميل "ليفر" في معهد واشنطن، وقد قام مؤخراً بفحص شظايا الصواريخ الإيرانية التي تم استردادها من الرياض وينبع. كاثرين باور هي زميلة "بلومنستين كاتس" في برنامج مكافحة الإرهاب في المعهد، وقد عملت سابقاً كملحقة مالية في وزارة الخزانة الأمريكية لشؤون دول الخليج في الفترة من 2013 إلى 2015.

عن"معهد واشنطن"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

منى فياض

بادرني السمكري فور دخوله لإصلاح عطل: "ما هذا يا سيدتي؟ كل هذا العنف والفلتان والفساد والسرقات العلنية من دون خجل؟"

إنه لسان حال المواطن العادي المذهول مما نحن فيه. بلد غارق في الفوضى والتهديد والتشويق! فقبل أن يستوعب إملاءات (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله، قفزت إلى الواجهة قضية اعتداء طليق ابنة النائب في البرلمان اللبناني نواف الموسوي، عليها وعلى أطفالهما. يستند الطليق إلى نفوذ والده الديني، المرجع الذي يمثل خامنئي شخصيا! فحصل إشكال أمني جعل النائب يهاجم مركز شرطة مع مجموعة من أنصاره وحصل اعتداء وإطلاق نار.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزة بالتعليقات. وانقسم الجمهور بين مدافع عما ارتكبه النائب، بشكل غرائزي أحيانا، مبديا استعداده للقتل في حال تعرضت ابنته لأمر مماثل! جاء ذلك بالطبع كرد على إجحاف قوانين الأحوال الشخصية في المحاكم الجعفرية بحق المرأة المطلقة وحرمانها من حقها بالحضانة واضطهادها والإصرار على تزويج القاصرات. فابنة الموسوي زوجت وهي قاصر أيضا.

لكن ذلك لم يمنع قسما من الرأي العام من رفض خلط الأمور، للتغاضي عن سلوك النائب ولو بسبب الاضطهاد اللاحق بابنته. فهو عضو في حزب يرفض تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبدل أن يقوم بأعمال عنف تخرق القانون، ليس عليه سوى العمل على تعديل القوانين من داخل المجلس النيابي ومواجهة مرجعياته أو القبول بنتائج خياراته السياسية والدينية.

ردود الفعل هذه تبرهن على أن المواطن اللبناني أُفقد معيار الحس السليم الذي يقضي بالفصل التام بين القضيتين. إن الدفاع عن حقوق السيدة المعنفة وإدانة عنف الطليق، لا يعفي المواطن من إدانة سلوك والدها. فالنائب الموسوي ينتمي إلى منظومة حزب الله ذات السوابق في ممارسة العنف وتجاوز القوانين. وهو مارس مرارا الاستقواء باسم حزبه. مع أن زميله النائب محمود قماطي المحاضر بالعفة، كان قد بشرنا بأن "عصر الميليشيات قد ولى". وتبين أن انتهاء صلاحية الميليشياوية وقف على أعتاب حادثة الجبل.

وعلى رأي الصحافي طوني أبي نجم: "نحن في بلد الناس تتضامن فيه مع نائب سبق أن رفض إعطاء المرأة حقوقها بالقانون وقرر أن يأخذ حق ابنته بيده!".

النيابة العامة العسكرية طلبت الموسوي إلى التحقيق، فرفض الحضور، قائلا: "أبلغوني عبر مجلس النواب أو عبر رئيسه"، وفق ما أفادت قناة MTV. على الأرجح استند الموسوي إلى انقضاء أكثر من 24 ساعة على الحادثة، ما يستوجب موافقة البرلمان. فلننتظر الآن موقف البرلمان من القضية.

شكلت هذه الحادثة وغيرها، كشافا فاضحا لما آلت إليه الجمهورية اللبنانية في عهدة السلاح المقدس، الذي يزعم البعض أنه "ضمانة حدودنا وأمننا". من هنا صعوبة خداع النفس بعد خصوصا بعد خطاب نصرالله الأخير.. فالدويلة مسحت الدولة وقضت عليها.

حزب الله، ومن في دائرته لم يعد "يرى" الدولة، وبحسب تعابيرهم: "مش قاريينكم". فبالإضافة إلى السوابق العنفية للنائب الموسوي في شتم رؤساء جمهورية والتعرض لزملائه في الندوة البرلمانية؛ سوابق الحزب أكثر من أن تعد. سيطر على الدولة بقوة السلاح باجتياحه بيروت عام 2008 ما أنتج اتفاق الدوحة بما عناه ويعنيه من أثر على الداخل اللبناني. ناهيك عن قتله المواطن هاشم السلمان بدم بارد أمام السفارة الإيرانية وأمام أعين المواطنين والأجهزة الأمنية والكاميرات. وكان له فضل إسقاط حكومة الأغلبية النيابية بمجرد إنزال أصحاب القمصان السود إلى الشارع عام 2011. ناهيك عن ملفه المثقل في المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن قضوا معه. كما رفض علنا تسليم المتهم بمحاولة اغتيال النائب السابق بطرس حرب والمتهم بقتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وغيرها من من الارتكابات والمخالفات.

لكن ذلك لا يمنع المرشد من التبشير بمحاربة الفساد وأهمية الاستقرار؛ في وقت ينقض فيه على الدولة راغبا، ليس فقط بالسيطرة على مناوئيه، بل بإخراسهم وتركيعهم، لاغيا آخر مظاهر الدولة، حتى الشكلية، بعد أن أنجز مهمته وتمكن من فرط عقد المعارضة النيابية المعروفة بـ 14 آذار، ونجح في تقسيم المسيحيين، وقسم الطائفة السنية بالقوة. لم يبق أمامه سوى تركيع النائب السابق وليد جنبلاط وتقسيم الدروز؛ بطريقة أو بأخرى. فخطابه كشف أنه خلف المطالبة بالمجلس العدلي لتكرار سيناريو سيدة النجاة التي سجن جعجع بسببها.

لكن تصاعد وتيرة العقوبات جعلته "يكتشف" وجود شعب في لبنان، وهو شعب عليه أن يشعر بالإهانة من العقوبات التي طالت نائبين من كتلة حزب الله. أما القضاء على دولته ومواطنيته فلا يعد إهانة موصوفة! والدعاوى التي رفعها بشار الأسد بحق عدد من النواب والشخصيات، ناهيك عن طلب الإعدام بحق رئيس الحكومة نفسه، لا تستحق التعليق.

كنا نزعم أن الثورات والمقاومات غايتها الدفاع عن الشعب وتأمين حياة كريمة ووطن سيد مستقل. لكننا وجدنا العكس عند "المقاومة الإسلامية"؛ فمنذ "الانتصار الإلهي الموصوف" في عام 2006، والوضع في لبنان في تدهور مستمر. تراجع النمو الاقتصادي من 8 في المئة قبل 2011 إلى صفر في المئة عام 2019، ويقال إنه أقل من ذلك.

بماذا أتحفنا خطاب نصرالله الأخير؟ من ما يقرب ثلاث ساعات ونصف الساعة، أمضى أكثر من 3 ساعات في الدفاع عن النظام الإيراني، كأنه الناطق الرسمي باسم إيران. ويجد بعض المعلقين أكثر من ذلك، إذ إنه تكلم باسم خامنئي شخصيا وكأنه مكلف بإرسال الرسائل باسمه؛ فقد جاء خطابه في عناوين صحيفة كيهان: (نصرالله، في أي حرب لن تكون "إسرائيل" محيّدة وإيران أول مَن تدمّرها). وكتبت صحيفة الوفاق الايرانية الدولية تعليقا: "السيّد نصرالله خاض حربين وانتصر فيهما: الأولى عندما حرّرت المقاومة بزعامة حزب الله الجنوب عام 2000، وأنهت الاحتلال الإسرائيلي، بعد إذلاله وإدماء أنفه. والثانية عندما تجرّأ هذا العدو على شن العدوان على لبنان عام 2006، ودفع ثمنا باهظا أبرز عناصره انهيار الثقة بجيشه الذي قيل إنه لا يُهزم. ولا نعتقد أن الانتصار الثالث بات بعيدا، خصوصا إذا اندلعت شرارة الحرب في المنطقة بتحريض إسرائيلي... والله أعلم".

إنهم يبشرونا بحرب ثالثة إذن!

يعيب نصرالله على الإسرائيليين خوفهم من الخسائر البشرية! كما سبق لحزبه أن أعاب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بكاءه أثناء الحرب. بالطبع؛ فنصرالله لا يهمه لا البشر ولا الحجر، فهو خرج "منتصرا" في حرب 2006 بعد الدمار الموصوف التي سببته لكليهما. أرواح البشر عنده أرخص كثيرا من الصواريخ التي يتباهى بها.

وحين يعدد لنا المرافق الإسرائيلية التي يهددها، وأمام نوعيتها المتطورة علميا وتقنيا، لا يرف له جفن أو يبدي ذرة أسف أمام التخلف المعيب الذي تسببت لنا بها سياساته.

تهديداته إسرائيل أثارت السخرية. وعلى ما يصف بعض المعلقين الفيسبوكيين: "يهدد إسرائيل بالعودة إلى العصر الحجري؟ أجل لأنه أدرى بذلك؛ جعل لبنان في وضع أسوأ من العصر الحجري: أنهار ملوثة، مجاري في مياه الشرب، نفايات وتلوث الماء والهواء والتربة، موت بالسرطان بالجملة، سرقات علنية وصفقات ولحوم وحبوب وأدوية فاسدة، ناهيك عن المخدرات والكبتاغون. قتل ودماء وذبح وحروب وعداوات وكيد ومكر وكذب وارتهان وعمالة وخيانة وتأخر".

وفي هذا الوقت، قدم النائب الموسوي استقالته، ما جعل البعض يعلق أنها "وسام يعلق على صدر الحزب". في نفس الوقت جاء في الأنباء: "نفى مدير مكتب الوكيل الشرعي للسيد علي الخامنئي في لبنان الشيخ محمد المقداد المعلومات المتداولة عن استقالته من منصبه". يعنى أن لا وسام يعلق ولا من يحزنون، إنه صراع بين مرجع ديني ومرجع سياسي في الحزب، وبالطبع الغلبة للديني.

هل سيثق المواطن بقيادة قدت من صوّان؟

عن "الحرة"

للمشاركة:

القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

السيد ولد أباه

في أوج الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، ظهرت «الأعلام الأمازيغية» مجدداً في تحد لقرار الحظر الذي اتخذته قيادة الجيش التي ترى عن حقق أن في الأمر تهديداً للوحدة الوطنية الجزائرية.
أحد رموز الحركة الأمازيغية الجزائرية ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية ليعلن بصراحة أن أمازيغ الجزائر عازمون على مواجهة «هيمنة الأقلية العربية» على الدولة، داعياً إلى إعادة البلاد إلى «هويتها الأصلية» وإلى الخروج من الانتماء القومي العربي ومن المؤسسات الإقليمية العربية، بل من التزامات الموضوع الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل، والتعاون الوثيق معها.
وقد تكون هذه النغمة نشازاً، لكنها أصبحت ملموسة مسموعة في منطقة شمال أفريقيا بما فيها تونس التي تقلص فيها وجود المجموعات الناطقة باللغات الأمازيغية إلى عدد قليل لا يذكر. وفي موريتانيا التي لا توجد فيها حركة أمازيغية، برزت خلال الانتخابات الرئاسية نغمة قريبة من هذا التوجه لدى أحد المرشحين طالب فيها بإعادة بناء الدولة وتوزيع علاقات السلطة فيها بين ما أسماه «المجموعة العربية البربرية» المهيمنة والمجموعة «الزنجية الأفريقية»، وحتى لو كان هذا المترشح لم يحصل إلا على نسبة هامشية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإن هذه النغمة كانت حاضرة في الاستحقاقات الماضية.
وفي المشرق العربي تصاعدت هذه النزعات «الاثنو قومية» حسب عبارة الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وتجاوزت الطابع العرقي المباشر (الأكراد والتركمان..) إلى حد تحويل الهويات الدينية والطائفية إلى نزعات قومية مقابل الانتماء العربي المشترك، مع العلم بأن المشروع القومي العربي صاغه في الأصل وحمله المارونيون والدروز والعلويون.. وغيرهم من العرب الذين لا ينتمون للأغلبية المسلمة السنية العربية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الهوية في مكونه الثلاثي (اللغة -الثقافة -الإقليم) لا يحيل إلى رابطة عضوية موضوعية ولا إلى انتماء أصلي، بل هو حصيلة سياسات واستراتيجيات مرسومة في خطاب سياسي اثنوغرافي يعود في أصوله البعيدة إلى المدرسة الاستعمارية كما بينت الدراسات ما بعد الكولونيالية الراهنة.
المفارقة المثيرة هنا هي أن الدولة الوطنية التي قامت في أوروبا الحديثة بدور حاضن المواطنة وإطار الاندماج الاجتماعي الناجح هي التي أججت في بلدان الجنوب الصراعات الاثنو قومية.
لا يعني الأمر هنا أن الانتماءات الدينية والاثنية بمعنى ما لم تكن قائمة، لكن الطابع الإمبراطوري للدولة كان يسمح لمختلف «الأقوام والملل»، حسب التسمية التراثية القديمة، أن تتعايش وتتداخل كهويات مجموعاتية متمايزة، فضلاً عن كون هذه الهويات ظلت خاضعة للتعديل المستمر والانتقال الدائم.
في العالم العثماني كرست سياسات التدخل الأوروبي، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، فكرة التمايز الاثنو قومي من خلال إجراءات حماية الأقليات والمقاربات الاثنوغرافية التي أدخلت فكرة «العرق» والأمة (بمفهومها القومي) إلى الحقل السياسي، قبل أن تنفجر النزعات القومية من الجناح البلقاني والشرق أوروبي للإمبراطورية العثمانية.
وفي المنطقة الصحراوية السودانية من أفريقيا (غرب الصحراء والساحل الأفريقي) تبلورت المقاربة السياسية الاثنوغرافية نفسها بعد تفكيك إمبراطوريات غرب ووسط أفريقيا، بصنع الهويات الاثنية المتمايزة التي لم يكن لها معنى في منظومة تقوم على الامتزاج والتداخل المستمر والتنقل الدائم ما بين الهويات والانتماءات بحيث لم يكن الدين ولا اللغة ولا الإقليم عناصر محددة في الوعي المجموعاتي.
وفي شمال أفريقيا، بلورت الأدبيات الاستعمارية الفرنسية «الأطروحة البربرية» التي لم تكن قائمة، وحاولت تكريسها من خلال نظم قانونية وتربوية وإدارية خاصة.
والغريب في الأمر، أن نموذج الدولة القومية في أوروبا قام في عمومه على بناء منظومة مواطنة على أساس الشرعية القانونية العقلانية والهوية المفتوحة المندمجة، كما اضطلعت الدولة البيروقراطية بمشروع البناء الاندماجي الاجتماعي الذي قضى على الانتماءات العرقية والقبلية، في الوقت الذي اعتمدت هذه الدول الأوروبية المقومات العرقية الاثنوغرافية المصطنعة في الهندسة السياسية للدولة الكولونيالية.
ومع أن النزعات القومية التحررية الأولى تبنت قيم الحداثة السياسية والتنوير وفكرة المواطنة المتساوية، فإن فشل «دولة الاستقلال» في إدارة التنوع الاجتماعي أفضى في كثير من الحالات إلى النكوص بالنزعة القومية الكونية إلى الدلالة الاثنو قومية الضيقة.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل امبمبة» أن العالم يعرف حالياً موجةً جديدة من إعادة الانتقال السكاني الواسع، لا يمكن اختزالها في موضوع اللجوء القسري والهجرة، بما يضع المنظور السياسي للدولة الإقليمية السيادية في ورطة لعجزها الفكري عن إدارة مفهوم المواطنة المتنقلة والهوية غير الإقليمية. كما أن هذا التحول يضع الديمقراطيات الأوروبية في ورطة لكونها قامت أصلا على حصر الحريات والحقوق في دائرة المماثل الشبيه والساكن المحلي، بما يؤدي بها إلى مأزق حقوقي وإنساني حاد في مواجهة المسؤوليات المترتبة على انهيار المجتمعات والدول التي هي حصيلة آثارها في الحقبة الاستعمارية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

لا الأتاتوركية انتهت ولا الأردوغانية نجحت

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

سام منسى

تشهد تركيا تحولات كثيرة مفصلية وعميقة بحيث يندر أن تتراكم المتغيرات وتتوالى الانعطافات الحادة في بلد واحد في مدة قصيرة نسبياً على غرار ما يحصل في تركيا هذه الأيام، لا سيما منذ اختصار معظم الصلاحيات والسلطات بشخص الرئيس رجب طيب إردوغان الذي يقضم بشراهة السلطات منذ وصول حزبه العدالة والتنمية إلى السلطة عام 2003.

ومع تزامن الذكرى الثالثة لمحاولة الانقلاب الفاشلة، تتسلم أنقرة صفقة الصواريخ الروسية «إس 400» الموقَّعة عام 2017، لينخرط إردوغان في مسار سجالي مع الحليف الأميركي. وعلى الرغم من تراجع واشنطن عن فرض عقوبات على أنقرة في الوقت الراهن، فإنها امتنعت عن تسليمها مقاتلات «إف 35» وستعيد الطيارين الأتراك المتدربين إلى بلادهم في نهاية الشهر الجاري.

والسؤال المركّب الذي لا مفرّ منه: أين أصبحت تركيا اليوم بعد 15 سنة من حكم «العدالة والتنمية»؟ ما الذي بقي من الآمال التي عُقدت على وصول إسلام سياسي معتدل وحداثي إلى السلطة عبر الصناديق والآليات المتّبعة في الديمقراطيات العريقة، كما توهم كثيرون يومذاك، إسلام سياسي كان المأمول منه أن يشكل جسراً ومنصة للحوار والتفاهم بين الشرق المسلم ودول الغرب، حوار قادر على تخطي الأطر والعبارات الخشبية التقليدية المكررة عن العلاقات بين الشرق والغرب؟

وفعلاً، شهدت تركيا بدايةً مع «العدالة والتنمية» فورةً اقتصادية ونمواً متواصلاً لسنوات عدة، حتى وقعت المحاولة الانقلابية الفاشلة في عام 2016، فشنّ إردوغان حملة قمع غير مسبوقة واختصر معظم الصلاحيات بشخصه، فترنح الاقتصاد وتدهورت قيمة العملة، وهربت أعداد كبيرة من المهارات والمواهب والرساميل من البلاد حتى بلغ عدد الأتراك المغادرين لوطنهم عام 2017 أكثر من ربع مليون شخص، بزيادة 42% عن عام 2016.

أما في السياسة، فظهر جنوح إردوغان السلطوي والتسلطي عبر القفز من رئاسة الحكومة إلى رئاسة الجمهورية، وتغييب الرئيس السابق عبد الله غُل، وإبعاد وزير الخارجية داود أوغلو، ما أدى إلى أفول زمن حزب العدالة والتنمية ودخول تركيا في زمن الإردوغانية وسِمَتها «أنا الحاكم المطلق الصلاحية»، بحيث لم يبالِ السلطان إردوغان بزجّ الآلاف في السجون من عسكريين وإداريين وقضاة وصحافيين ومعارضين وناشطين وأساتذة، بسبب أو من دون سبب، بانقلاب أو دون انقلاب. هذا الوضع دفع المفوضية الأوروبية إلى تضمين تقريرها لعام 2019 انتقادات شديدة اللهجة لتركيا، نتيجة لإصرار الحكم على قمع الحريات ما اعتبرته المفوضية خطوة تُبعد تركيا أكثر عن الاتحاد الأوروبي وقيمه وتجعل انضمامها إليه بعيد المنال. وألحق ذلك ضرراً جسيماً بالديمقراطية التركية، وأسقط مرجعيتها الإسلامية الحداثية.

وهذا ما يوصلنا إلى السمة الثانية للإردوغانية، وهي خروج تركيا عن مبدأ كانت تعتمده في سياستها الخارجية لا سيما مع دول الإقليم، وهو مبدأ «صفر مشكلات»، أي القدرة على التعامل والتفاهم مع الجميع. دخلت تركيا مرحلة إشكالية وصدامية بحيث لم توفر دولة إلا ودخلت في مواجهة معها.

لن ندخل سوريا ونظامها في عداد هذه الدول، إنما الواضح أن تركيا محاطة اليوم وأكثر من أي وقت مضى ليس فقط بخصوم بل بأعداء، أعداء قريبين وبعيدين على حد سواء.

تركيا اليوم على خلافات رئيسة وعميقة مع دول عدة بدءاً من اليونان الجار القريب على موضوع إعادة النظر في اتفاقية لوزان عام 1923 ولجوء ضباط أتراك إليها، إضافة إلى الخلاف مع قبرص بشأن التنقيب في البحر عن الغاز والبترول، وأيضاً مع إسرائيل حيث لم تعد المياه إلى مجاريها منذ حادثة أسطول الحرية. أما علاقاتها مع العراق، فهي زئبقية، فأنقرة تحتل أراضي عراقية، فضلاً عن هاجسها الأكبر وخوفها من قيام دولة كردية، وعدائها المزمن والمتحكم مع الأكراد. وعلى الرغم من تقاطع المصالح مع الجارين الحليفين، روسيا وإيران، تشوب علاقتها معهما تباينات كبيرة على رأسها الشأن السوري، وما يجري في إدلب خير دليل على ذلك.

أما العلاقات مع مصر والسعودية والإمارات فهي في حكم السيئة، بسبب التصاق إردوغان بالإخوان المسلمين وإمساكه بزمام قرارهم ودعمهم على حساب سيادة هذه الدول.

أما الجانب الأكثر غرابة وخطورة في الأداء والسلوك الإردوغاني، فهو توتر العلاقات مع الغرب لا سيما مع واشنطن جراء صفقة الصواريخ الروسية، نظراً إلى أن تركيا عضو أساسي في حلف شمال الأطلسي وترتبط أنظمتها التسليحية كلها بأنظمته التي صُممت الأسلحة الروسية لمواجهته، ما يمثل انتهاكاً للأسرار العسكرية، كما أن أجهزة الرادار المرتبطة بصواريخ «إس 400» ستغطي الأراضي التركية كلها، حيث تنتشر قواعد أميركية وأطلسية.

ماذا حصدت تركيا بعد سنوات من حكم إردوغان؟ فعوضاً عن «صفر مشكلات» في العلاقات مع الخارج، تحولت الدبلوماسية التركية إلى مفتعِلة للمشكلات وصانعة لها. وفي الداخل ضمور ملحوظ للديمقراطية التركية وحتى حزب العدالة والتنمية نفسه لم تسلم مؤسسته وهيكليته من الإردوغانية.

أما إردوغان نفسه، فحصد هزيمة مدوية بل ومذلّة في انتخابات بلدية إسطنبول المعادة تعسفاً في مواجهة أمام أوغلو، الذي قد يشكّل منافساً قوياً لزعامة إردوغان، وهو الذي لطالما ردد «أن من يربح إسطنبول يربح تركيا». خسارته إسطنبول مرتين متتاليتين ليست إلا عقاباً شعبياً مستحقاً.

كذلك لا بد من ألا يغيب عن المراقب أن الإردوغانية سعّرت الانقسام في الاجتماع التركي الذي أضحى منقسماً حسب إردوغان بين «وطنيين» و«خونة»!

السؤال الرئيس والمقلق هو: إلى أين تتجه تركيا على أكثر من صعيد، وهل ستخرج من «الأطلسي» أو يتم إخراجها من عضويته وتقترب أكثر من إيران وتلتصق بموسكو وتنضم إلى المحور الآسيوي الصيني، أم أن إردوغان سيمنى بالفشل في إسقاط الأتاتوركية والعلمانية الديمقراطية؟

غيوم داكنة في أجواء تركيا وتعتمل في مجتمعها متغيرات عميقة قد تفتح المنطقة بمجملها على مزيد من الاضطراب والنزاعات المدمرة التي كان من الأجدى تلافيها.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:



وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. من سيخلفه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تُوفَّى، اليوم، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، عن عمر يناهز 73 عاماً.

وأشارت مصادر من داخل الوكالة، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز"، إلى أنّه كان يعتزم التنحّي مبكراً، في آذار (مارس) من العام المقبل، بسبب إصابته بمرض لم يحدّدوه، أضعفه بشكل واضح خلال العام الماضي.

تُوفَّى يوكيا أمانو عن عمر يناهز 73 عاماً بسبب إصابته بمرض أضعفه بشكل واضح

وتدهورت صحة أمانو بشكل واضح منذ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، خضوعه لإجراء طبي لم تحدّده خارج النمسا، حيث مقرّ الوكالة.

وأعيد تعيين الدبلوماسي الياباني أمانو، عام 2017، على رأس الوكالة التابعة للأمم المتحدة لولاية ثالثة من أربعة أعوام، كان من المقرر أن تنتهي يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021.

وخلال توليه المنصب، أكّد أمانو مراراً أنّ عمل الوكالة تقني، وليس سياسياً، وذلك في ردّ فعل يتعلق بولاية سلفه محمد البرادعي، الذي حصل مع الوكالة على جائزة نوبل للسلام لعام 2005، ونشبت خلافات بينه وبين مسؤولين أمريكيين تتعلق بإيران.

مرشّحان مرجّحان لتولي المنصب بعد أمانو هما: المبعوث الأرجنتين "جروسي"، ومبعوث رومانيا "فيروتا"

ويختار مجلس محافظي الوكالة، الذي يضمّ 35 دولة، مدير الوكالة، بعد أن يحظى بموافقة (المؤتمر العام) للوكالة، وهو اجتماع لكلّ الدول الأعضاء، ومن المقرَّر أن ينعقد الاجتماع الدوري السنويّ للمؤتمر العام، في أيلول (سبتمبر).

وتتضمن مسؤوليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة الالتزام بالقيود المفروضة على أنشطة إيران النووية، بموجب الاتفاق المبرم بين طهران وقوى عالمية، عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي.

وهناك مرشحان مرجحان لتولي المنصب بعد أمانو، هما: مبعوث الأرجنتين لدى الوكالة، رفائيل جروسي، الذي نافس أمانو على المنصب في السابق، ومبعوث رومانيا، كورنيل فيروتا، وهو كبير منسّقي الوكالة، ويعدّ فعلياً مديراً لمكتب أمانو.

 

للمشاركة:

طهران تزعم أنّها فكّكت شبكة تجسّس.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

ذكرت وسائل إعلام إيرانية، اليوم؛ أنّ طهران ألقت القبض على 17 جاسوساً، يعملون لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحكمت على بعضهم بالإعدام.

وعرض التلفزيون الرسمي صوراً قال إنها لضباط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كانوا على اتصال بالجواسيس المشتبه بهم، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء.

إيران تلقي القبض على 17 جاسوساً يعملون لحساب الاستخبارات الأمريكية وتحكم على بعضهم بالإعدام

ولم يرد أيّ تعليق من الاستخبارات المركزية أو المسؤولين الأمريكيين.

وكانت إيران قد أعلنت، في حزيران (يونيو)؛ أنّها فكّكت شبكة تجسّس تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكن لم يتضح ما إذا كان إعلان يوم الإثنين يرتبط بالقضية نفسها.

ويأتي الإعلان عن الشبكة المزعومة بعد ثلاثة شهور من مواجهة متصاعدة بين إيران والغرب، بدأت في الأول من أيار (مايو)، مع تطبيق عقوبات أمريكية جديدة أشدّ صرامة.

ونقل التلفزيون الرسمي عن بيان لوزارة الاستخبارات؛ أنّ "الجواسيس، وعددهم 17، اعتقلوا خلال شهر آذار (مارس) 2019."

وذكر البيان: "كان الجواسيس يعملون في مراكز حساسة وحيوية في القطاع الخاص في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية؛ حيث جمعوا معلومات سرية".

وفي تقرير منفصل، نقلت وكالة أنباء "فارس"، شبه الرسمية، عن مسؤول في وزارة الاستخبارات قوله: إنّ "بعض المعتقلين حُكم عليهم بالإعدام".

الجواسيس يعملون في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية

وتستغل طهران حوادث القبض على الجواسيس المزعومين لتبرير موقفها بأنّها تتعرض لاستهداف دائم من قبل الغرب، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كما تستعمل حوادث اعتقال أشخاص مزدوجي الجنسية، كورقة ضغط فيما يتعلق بالتوتر مع الغرب، بعد خرقها للاتفاق النووي لعام 2015.

ودائماً ما توجه إيران تهم التجسس والعمالة لمواطنيها في محاكمات تعرف انتقادات كبيرة من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، في غياب أبسط مقومات شروط المحاكمة العادلة.

وحكمت إيران، في أيار (مايو)، بالسجن 10 أعوام على مواطنة إيرانية، تدعى زاغاري-راتكليف، بتهمة التجسس لصالح بريطانيا والتحريض على الفتنة؛ حيث أكدت عائلتها أنّه تمّ نقلها من زنزانتها إلى جناح الأمراض النفسية في إحدى مستشفيات طهران؛ حيث تخضع لمراقبة الحرس الثوري الإيراني.

 

للمشاركة:

انتهاكات صهيونية جديدة..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي انتهاكها للإنسانية وللقوانين والاتفاقات الدولية، متحدية المجتمع الدولي؛ حيث قامت اليوم بهدم 16 بناية تضمّ نحو 100 شقة سكنية، على أطراف مدينة القدس، في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية.

ودانت الرئاسة الفلسطينية شروع الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الإثنين، بهدم تلك الشقق السكنية.

الاحتلال الإسرائيلي يهدم 100 شقة سكنية على أطراف مدينة القدس في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية

وحمّلت الرئاسة الفلسطينية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا)، حكومة الاحتلال، المسؤولية كاملة عن هذا التصعيد الخطير ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل، وعدّته جزءاً من مخطط تنفيذ ما يسمى "صفقة القرن"، الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.

هدم منازل الفلسطينيين وتشريدهم ليس بالسياسة الجديدة على إسرائيل، ولكن هذه المرة وقاحتها واستخفافها بالمجتمع الدولي، دفعها لتنفيذ جريمتها في منطقة "واد الحمص"، التي تقع خارج الخطّ الوهمي لبلدية الاحتلال في القدس، وتصنف غالبية أراضيه ضمن مناطق "أ" التابعة للسيادة الفلسطينية، وفق اتفاق أوسلو.

من جهته، طالب أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية والمدعية العامة بفتح تحقيق بهذه الجرائم. وقال: "لدينا استيداع لدى هذه المحكمة، والمعالجة الوحيدة هي فتح تحقيق مع المسؤولين الإسرائيليين".

وأوضح عريقات أنّه "آن الأوان للدول العربية أن تدرك أنّ ما يحدث من مخطط هو تطبيق لـ "صفقة القرن"، التي أعلنت القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وفتحت الأنفاق أسفل المسجد الأقصى المبارك".

وأشار إلى أنّ الازدهار الاقتصادي، الذي أُعلن عنه في ورشة المنامة، ينفَّذ عبر هدم 100 شقة سكنية للفلسطينيين، متسائلاً: "أهذا هو الازدهار؟!"

بدوره، قال ممثل منظمة التعاون الإسلامي لدى فلسطين، أحمد الرويضي: إنّ "هدم منازل الفلسطينيين في مناطق تخضع للسلطة الوطنية بحسب اتفاق أوسلو، جريمة نكراء".

وأضاف؛ "قرار الهدم جاء نتيجة أمر عسكري، بتواطؤ مع القضاء الإسرائيلي في جريمة مشتركة ضدّ أصحاب الأرض الشرعيين، لصالح جدار "سلكي" غير مكتمل".

وأشار إلى أنّ قرارات الهدم في وادي الحمص والخان الأحمر، تأتي في سياق مخططات الاحتلال لاستكمال عزل القدس عن الضفة الغربية، والإجهاز على مبدأ حلّ الدولتين، الذي أجمع عليه العالم.

الأوساط الفلسطينية تدين جريمة الكيان الصهيوني وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوقف انتهاكاتها

ولفت إلى أنّ المعركة في القدس معركة ديموغرافية، تهدف من خلالها إسرائيل إلى تقليص عدد الفلسطينيين، من 40% من إجمالي سكان المدينة، بشقّيها الشرقي والغربي، إلى 20.%

من جهته، قال الناطق باسم الحكومة، إبراهيم ملحم: إنّ "هدم إسرائيل 100 شقة سكنية في منطقة خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية هو اعتداء على اتفاقيّتَي أوسلو وجنيف، ومؤشّر خطير يستدعي تدخلاً دولياً لوقف هذا القرار.

ورأى أنّ عمليات الهدم تطهير عرقيّ يستهدف تهجير مئات العائلات الفلسطينية، وفرض أمر واقع جديد على الأرض، واستكمالاً لفصل القدس عن محيطها.

وأكّد أنّ الحكومة ستعمل في اتجاهين؛ الأول على المستوى الدبلوماسي والاتصال بالجهات الدولية لوقف هذا التصعيد الخطير، والتدخل لحماية المدنيين، وإلزام إسرائيل بالاتفاقيات الدولية، والاتجاه الثاني تعزيز صمود المواطنين في مواجهة المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية.

كما سبق أن أصدرت بعثات الاتحاد الأوروبي، في القدس ورام الله، بياناً تطالب فيه إسرائيل بوقف هدم المنازل الفلسطينية وتقويض حلّ الدولتين.

 

للمشاركة:



حسن البدري: الحركات المتطرفة تأكل بعضها

2019-07-22

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، حسن البدري، إنّه يعجب من نفسه الآن كيف جعل مصيره حين كان شاباً صغيراً بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، على حد وصفه، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ هذا ما تأكد منه بعد اعتقاله وفق ما قال له أحد ضباط الأمن: "لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن".

ظللت أعتقد أنّ جماعتي صفوة الصفوة وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم

وأكد المنشد الأول للجماعة الإسلامية، أنّ كلّ اتجاه تكفيري يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، وأنّه لم يكن منتظراً مبادرة المراجعات للجماعة الإسلامية، "فقد كنت قد قررت الانسحاب قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي".
ورأى البدري أنّ انتشار التطرف والإرهاب يعكس أزمة ثقة في المجتمع بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ وأن أهم وسائل العلاج، في رأيه: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطيرة.
وهنا نصّ الحوار:
بداية الضياع

"المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"
كيف بدأت الطريق مع جماعات الإسلام السياسي؟

في البداية كان شأني شأن كلّ شاب في أوائل العقد الثالث من عمره خاصة، وشأن كلّ مصري عامة، كنتُ مشدوداً بالفطرة والسجيّة إلى البحث عن استقرار في حياتي، وعلاقة مع ربّي، وتدارك، أو تعويض، أو تصويب، ما ضاع وما فات في زمن الصبا، بشكل يجعل الحاضر والمستقبل أفضل.

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
في الأشهر الأخيرة من خدمتي بالجيش، قال لي أحد زملائي، ونحن واقفان معاً محلّ خدمتنا على البوابة الرئيسية لقيادة "اللواء 117": "أرى أنّك لا ينقصك سوى أن تصلي، فرنّت العبارة في أذني، وقد قالها لي مرة واحدة، ولم يكلمني بعدها مطلقاً في أي شيء يتعلق بالدين، ولم أكن قد سمعت هذه العبارة مطلقاً من شيخ كتّاب قريتنا، الذي ختمت على يديه حفظ القرآن كاملاً، سمعتها بهذا الشكل المشحون بالطاقة الروحية وبالودّ والتعاطف، فعملت مقتنعاً بنصيحته، وواظبت على الصلاة في المسجد.

كنت عضواً عليلاً ألتمس الدواء من أطباء تبين لي أنّهم ليسوا سوى مرضى

بعدها، وأنا في محطة قطار عين شمس، وكنت في طريقي لقضاء الإجازة، عثرت على كتيّب صغير مع شاب يبيع الكتيبات والمصاحف على رصيف المحطة، وهو "المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"، فاشتريته وكان سعره لا يتجاوز خمسين قرشاً، ولم أفتحه إلا بعد أن عدت من إجازتي، وكان مفهوماً ويسيراً، عدا الوصية التي تتعلق بالتحاكم وبالرابطة الروحية الإخوانية.
ومرّة قابلت أحد زملائي وسألته عن معنى كلمة الطاغوت، ثم أخذ يقرأ كتاب السيرة النبوية ويسقط كلّ ما فيها على الواقع المعاصر، ويرجّح دائماً كفّة الجماعة، ثم دعاني للذهاب للاستماع إلى الشيخ فوزي السعيد في مسجد التوحيد بغمرة، وعندما سألته عن "المأثورات"، وعن حسن البنا، قال لي: إنّ "مجدّد الدين في هذا القرن هو سيد قطب"!
وأمام هذا المسجد بدأت أبيع الكتب الدينية الصغيرة والسواك والبخور وأكسب بعض الأموال، ثم افترقنا وشقّ هو طريقه ليعمل محاسباً، وانقطع عن مواصلتي ومتابعتي، علماً أنّه يعمل بالدعوة السرية الفردية فقط، ويحلق لحيته، ولا يبدو عليه ما يشير إلى انتمائه الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
وأتعجّب الآن من نفسي كيف قامرت وجعلت مصيري ونفسي حقلاً للتجارب التي بين خيط الصواب وخيط الخطأ، بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، وانجذبت طائعاً، وكيف تقوقعت، وكيف كنت أرضى بأن أتجمّد في مكاني بلا مستقبل، فقط أعيش اليوم واللحظة، دون خطة، أو رؤية أو حماس للحياة، أو حبّ لها، وكأنما أصبحت أمشي نائماً، أو أمسيت مثل الموتى الذين أسكن فوقهم في غرفتي بمنطقة (ترب الغفير)، وكيف شقّ هو طريقه، والتزم بما يصلح دنياه وتركني حول فكرة البلاء والموت!
ولم أزل أتساءل: هل كان صادقاً فعلاً لكنّه، كغيره من معظم أبناء هذه التيارات، جاهل بالشرع والناس والواقع، أم أنّه نائم كان يسحب خلفه نائماً، أو هو ميت كان يسحب خلفه ميتاً، أو هو تائه كان يزعم أنّه سيهدي تائهاً مثله؟!
اختبار السجن

 الشيخ فوزي السعيد
لماذا اعتقلت؟ وكيف كانت الأيام الأولى من هذه المرحلة؟

كنت أسمع من الشيخ فوزي السعيد، وأتأثر به كثيراً، وأتقمّصه حرفياً، وأخطب في المساجد، وبدا ما أقوله غريباً على العامة، ومثار جدل وإرباك وصدام معهم، ومع تيارات أخرى، وحاول الجميع احتوائي بشتى الطرق، لكنّني تصلّبت فكرياً، وحكمت على كلّ محاولاتهم سلفاً بالفشل، فاضطروا للإبلاغ عني، وإخلاء مسؤوليتهم أمام رجال الأمن.

لم أكن منتظراً مراجعات الجماعة فقد قررت الانسحاب بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي

وفي أوائل العام 1997 تمّ اعتقالي، ثم خرجت وعدت كما كنت، ثم بعدها بشهور قليلة تم اعتقالي مرة أخرى، وقال لي ضابط الأمن يومها: لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن وستعرفهم على حقيقتهم.
ظللت أعتقد أنّهم صفوة الصفوة، وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم وبصحبتهم، وأنّ الذي يدخل معهم سيخرج من ذنوبه، حتى بدأت الصدمات والمفارقات التي جعلتني أتوقف وأسأل وأراجع، بل وأعترض وأناقش، بل وأصطدم وأتعارك أحياناً، وأتعرض لشتّى صنوف الأذى الجسدي والنفسي، فأنت تدخل إليهم عليلاً تلتمس الدواء فلا تجد الأطباء إلا مرضى، فيصيبك ما أصابهم فتتضاعف بلواك.

من أمام  سجن "أبو زعبل"

كيف أخذت تتغير أفكارك في السجن؟
كانت الزنزانة الأولى لي في سجن أبو زعبل الجديد خليطاً من الأفكار، مثل: الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد والتكفير، وسلفية الجهاد، وبعض المنشقين الذين تركوا الجميع ووقعوا على إقرارات توبة، كان كلّ صاحب اتجاه يدعو ويروّج سراً لاتجاهه، وكلّهم يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، والجميع في الظاهر يتعاملون بتجمّل ومجاملة وتقية، وفي العمق أسمع هذا يكفّر هذا، وهذا يفسّق هذا، وهذا يبدّع هذا، وهذا يتهم هذا بالجهل، وهذا يرمي هذا بالتشدد.

جميع التيارات الدينية المتطرفة تتعامل في الظاهر بتجمّل وتقية وفي العمق يكفّرون بعضهم

ومن طريف ما رأيت؛ أنّ تلاميذ مصطفى سلامة كانوا معنا، وكان قائدنا يعاملهم بمجاملة في الظاهر، بينما يقول سرّاً لأتباعه: "هؤلاء ليسوا ملتزمين دينياً؛ ألا ترون كيف يرتدون فانلة بحمالات!"، ورأيت عنصر التكفير لا يصلّي خلف أحد، وحين يصلّي الجهرية لا يقرأ إلا "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، ووجدت من كفّر والديه، ومن كفّر نفسه، ثم اغتسل ونطق الشهادتين وأسلم من جديد، وكرّر ذلك مراراً، ومنهم من كان يقول: "أيّما فرد لم يكفّر الكافر فهو كافر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أيّة جماعة، فإن لم تكفّر الكافر فهي كافرة"، وكان يكفّر العلماء أيضاً في الوقت الذي يعتمد فيه على تأويلات فاسدة للقرآن الكريم، بجهل وجرأة غير مسبوقَيْن! حتى أصابني الغمّ والغثيان والاكتئاب، وخرجت من أبو زعبل بعد عام ونصف العام، مصاباً بحمى روماتيزمية، أثرت فيما بعد على صمامات القلب.
منشد الجماعة الإسلامية

الشيخ كرم زهدي
كنت منشد الجماعة الإسلامية ومطربها وقت مبادرة وقف العنف؛ صف لنا تلك الأيام ودورك فيها.

كنت أجيد الشعر والتلحين والأناشيد، وأحبّ ذلك كهواية محببة لي في الوقت نفسه، وفي كلّ زنزانة دخلتها كنت أقوم بهذه الوظيفة، فألّفت نشيداً للمواساة، وآخر للصبر، ثم للتأمل والذكر، وآخر للترفيه والتسلية، وكان ذلك مقبولاً ومطلوباً من الأغلبية، حتى كانت مبادرة وقف العنف، وكانت المحاضرات والندوات والحفلة التي سجّلت صوتاً وصورة في حضور لفيف من رجال أجهزة الأمن، وعلى رأسهم المرحوم اللواء أحمد رأفت، والقادة التاريخيون للجماعة الإسلامية، وعلى رأسهم: ناجح إبراهيم، والشيخ كرم زهدي، وكانت الكلمات مناسبة للسياق والمقام والحدث والمرحلة.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
وكان معي فريق رائع من المنشدين، سواء الصولو أو الكورس، وعلى رأسهم المنشد ياسر عيد، وبدأت مراسم حفل افتتاح الندوات بالقرآن الكريم، ثم نشيد الافتتاح، ثم أناشيد وفقرات أخرى متنوعة لم نترك فيها جانباً ممكناً إلا أقمناه، حتى "الاسكتش" الفكاهي قدمناه، وسعد الجميع، وأظهر اللواء أحمد رأفت إعجابه وتشجيعه لنا، وكان من أهم أناشيد الحفل التي أديتها أنا وياسر عيد:
من أجل ماضيك المليح
أهدي بواكير القصائد
أنا طائر الفجر الجريح
مهما اغتربت هواك صائد

ما بعد المراجعات

كانت أهم المقولات المحورية للمشايخ: أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك
كيف حدث التحوّل السريع بين عناصر الجماعة بعد المراجعات؟

بدأت المحاضرات والندوات تباعاً بالسجون حول المراجعات الفكرية ووقف العنف شرعاً وعقلاً وسياسة، وكانت أهم المقولات المحورية للمشايخ وبتصرف: "أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك، وهو الآن نحسبه عند الله من الشهداء"، و"ما حدث في السجون أو خارجها من الإخوة، من ظلم أو بغي، ضدّ المخالف فهو خطأ، ومن يظلم يتعرض للظلم، ومن يرق دماء الناس بغير حقّ يتعرض أيضاً لمثل ما فعل".
وأما أنا فلم أكن منتظراً المبادرة والشرعنة والتأصيل والدراما، فقد كنت قد قررت قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي، وذكرت هنا بعضاً منه فقط، أن أبتعد عن الجميع تماماً بعد خروجي من السجن، وبالفعل نفّذت ذلك، والكلّ يعلم ذلك تماماً.

ما الفرق بين إقرارات التوبة والمراجعات التي تمّت؟
في رأيي، لا فرق بين إقرارات التوبة التي وقّع عليها أفراد من الجماعة والمراجعات التي قدمتها الجماعة، وذلك للأسباب الآتية:

التعامل مع خوارج العصر يكون بالفكر وإجراءات الاستتابة التي يقدرها المتخصصون

أولاً: الفرد وقّع على إقرار بأنّه كان ينتمي للجماعة، وأنّ هذا خطأ ارتكبه، وهو تائب منه ولن يعود إليه، وهدفه من ذلك أن يخرج، وعزمه بعد الخروج يتجه في اتجاه آخر مفارق للجماعة، وليس مفارقاً للإسلام، وأما الجماعة فقد قدمت إقراراً جماعياً وقّع عليه مشايخها يسمّونه مبادرة، والحقيقة أنّه اسم مهذّب يحفظ ماء الوجه لجماعة كلّها أقرّت بأنّها أخطأت.
ثانياً: الذين يفرّقون بين إقرار التوبة والمراجعات، هم الجماعة فقط، على أساس أنّ التائبين بالإقرارات الفردية تركوها، وأنّ التائبين جملة وبشكل جماعي، ما يزالون أبناءها، حتى بعد الخروج، وهذا المعيار مضلّل ومراوغ، وازدواجيته من الوضوح الصارخ، بحيث لا يخفى عوره وتناقضه، ولا تخفى ازدواجيته على أحد.

كيف ترى جماعات التكفير التي قابلتها بعد هذه التجربة؟
هم كما ذكرت سابقاً، وأوجزه في مصطلح "خوارج العصر الحديث"، فهم حرورية يعبدون الله بالخوف فقط، وهم أشدّ الناس صدقاً وإخلاصاً في نيّتهم لله، وأشدّ الناس تعبّداً وتنسكاً وورعاً ومجاهدة روحية، لكنّهم -وبكلّ أسف- ضلّوا الطريق، وفسد تصورهم، فكفّروا المسلمين وأئمتهم، وخرجوا على حكامهم بالسيف، واستحلوا دماء وأموال أناس معصومي الدم والمال، وغدروا بمن دخلوا البلاد، ومعهم عقد أمان؛ من جواز سفر وتأشيرة ونحو ذلك.
والتكفير تيارات كثيرة في مصر والعالم كلّه، لكنّ أشدهم خطورة عناصر تنظيم "القاعدة"، وهم في كلّ بلد، ودعوتهم منتشرة عبر الإنترنت، ولهم تأثير على نوعية معينة من الناس في كلّ بلد الآن، وأما التعامل مع خوارج هذا العصر: فالفكر يقابل بالفكر والاستتابة، وإجراءات الاستتابة يقدرها المتخصصون بقدرها حسبما يرون.
أسباب التطرف والعلاج

الفقر مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته
من خلال ما مررت به، ما هي أهم أسباب التطرف الديني من وجهة نظرك؟

أهم أسباب التطرف يمكن إيجازها في الفقر؛ وهو مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته، وكثيراً ما ينجح، والأمراض النفسية الاجتماعية؛ وهي مناخ ملائم تتولد فيه عند البعض آراء متطرفة بسبب جبنهم، أو تعرضهم للظلم وضياع الحقوق، أو تعرضهم للبلطجة، ومع قلة حيلتهم وهوانهم على الناس ورغبتهم في التنفيس عن أنفسهم والانتقام لها، أو رغبتهم في الظهور كشيء مذكور تتولد منه الأحقاد والضغائن العميقة.
كما يتكوّن مجرمون في الظلام، لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية حتى تكون لهم عزوة وسنداً ليحققوا مطامحهم الظلامية المريضة، وهؤلاء يحتضنهم المتطرفون بشكل مكثف جداً، ويزرعون فيهم، بكل سهولة، مركب الإمارة والبطولة ثم الجريمة والاستشهاد.

يتكوّن مجرمون في الظلام لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية

ثم هناك أزمة الثقة حين ينجح التطرف والإرهاب في الظهور والفاعلية، وتصدر المشهد، فاعلم أنّ ذلك بسبب ما زرعه من أزمة الثقة بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ فهو لا يتصيّد إلا في ماء عكر، وهو يستغل كلّ المنحنيات، وكلّ الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والشعوب، ويترصدها ليستغلها في إحداث أزمة الثقة، فهذا مناخ جيد بالنسبة إليه.
وأيضاً تقلص دور المؤسسة الدينية؛ فالدعاة الرسميون ينتظرون الناس في المساجد يوم الجمعة، وكلٌّ يعمل براتبه، ومن موقعه، وانتهى الأمر، وغياب دور المشاركة الأهلية التطوعية في العمل الدعوي، وعدم الرقابة على الفتوى، وعدم اتخاذ إجراءات قانونية ضدّ المتعالمين والجهلة والمجربين وميكانيكية الفتاوى، وأخيراً سلبية المواطنين.

وما علاج مشكلة التطرف والإرهاب برأيك؟
أهم وسائل العلاج، في رأيي، يمكن إيجازها في: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر قدر المستطاع، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطرة وتداركها قبل فوات الأوان، ثم مدّ جسور الثقة بين الناس وحكامهم ومؤسساتهم الدينية، ليعيش الناس تلك الثقة واقعاً ملموساً، ومحاربة البطالة؛ فهي معمل تفريخ للجريمة عامّة، والتطرف الديني خاصّة، والوقوف أمام الجهل.

للمشاركة:

لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

منى فياض

بادرني السمكري فور دخوله لإصلاح عطل: "ما هذا يا سيدتي؟ كل هذا العنف والفلتان والفساد والسرقات العلنية من دون خجل؟"

إنه لسان حال المواطن العادي المذهول مما نحن فيه. بلد غارق في الفوضى والتهديد والتشويق! فقبل أن يستوعب إملاءات (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله، قفزت إلى الواجهة قضية اعتداء طليق ابنة النائب في البرلمان اللبناني نواف الموسوي، عليها وعلى أطفالهما. يستند الطليق إلى نفوذ والده الديني، المرجع الذي يمثل خامنئي شخصيا! فحصل إشكال أمني جعل النائب يهاجم مركز شرطة مع مجموعة من أنصاره وحصل اعتداء وإطلاق نار.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزة بالتعليقات. وانقسم الجمهور بين مدافع عما ارتكبه النائب، بشكل غرائزي أحيانا، مبديا استعداده للقتل في حال تعرضت ابنته لأمر مماثل! جاء ذلك بالطبع كرد على إجحاف قوانين الأحوال الشخصية في المحاكم الجعفرية بحق المرأة المطلقة وحرمانها من حقها بالحضانة واضطهادها والإصرار على تزويج القاصرات. فابنة الموسوي زوجت وهي قاصر أيضا.

لكن ذلك لم يمنع قسما من الرأي العام من رفض خلط الأمور، للتغاضي عن سلوك النائب ولو بسبب الاضطهاد اللاحق بابنته. فهو عضو في حزب يرفض تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبدل أن يقوم بأعمال عنف تخرق القانون، ليس عليه سوى العمل على تعديل القوانين من داخل المجلس النيابي ومواجهة مرجعياته أو القبول بنتائج خياراته السياسية والدينية.

ردود الفعل هذه تبرهن على أن المواطن اللبناني أُفقد معيار الحس السليم الذي يقضي بالفصل التام بين القضيتين. إن الدفاع عن حقوق السيدة المعنفة وإدانة عنف الطليق، لا يعفي المواطن من إدانة سلوك والدها. فالنائب الموسوي ينتمي إلى منظومة حزب الله ذات السوابق في ممارسة العنف وتجاوز القوانين. وهو مارس مرارا الاستقواء باسم حزبه. مع أن زميله النائب محمود قماطي المحاضر بالعفة، كان قد بشرنا بأن "عصر الميليشيات قد ولى". وتبين أن انتهاء صلاحية الميليشياوية وقف على أعتاب حادثة الجبل.

وعلى رأي الصحافي طوني أبي نجم: "نحن في بلد الناس تتضامن فيه مع نائب سبق أن رفض إعطاء المرأة حقوقها بالقانون وقرر أن يأخذ حق ابنته بيده!".

النيابة العامة العسكرية طلبت الموسوي إلى التحقيق، فرفض الحضور، قائلا: "أبلغوني عبر مجلس النواب أو عبر رئيسه"، وفق ما أفادت قناة MTV. على الأرجح استند الموسوي إلى انقضاء أكثر من 24 ساعة على الحادثة، ما يستوجب موافقة البرلمان. فلننتظر الآن موقف البرلمان من القضية.

شكلت هذه الحادثة وغيرها، كشافا فاضحا لما آلت إليه الجمهورية اللبنانية في عهدة السلاح المقدس، الذي يزعم البعض أنه "ضمانة حدودنا وأمننا". من هنا صعوبة خداع النفس بعد خصوصا بعد خطاب نصرالله الأخير.. فالدويلة مسحت الدولة وقضت عليها.

حزب الله، ومن في دائرته لم يعد "يرى" الدولة، وبحسب تعابيرهم: "مش قاريينكم". فبالإضافة إلى السوابق العنفية للنائب الموسوي في شتم رؤساء جمهورية والتعرض لزملائه في الندوة البرلمانية؛ سوابق الحزب أكثر من أن تعد. سيطر على الدولة بقوة السلاح باجتياحه بيروت عام 2008 ما أنتج اتفاق الدوحة بما عناه ويعنيه من أثر على الداخل اللبناني. ناهيك عن قتله المواطن هاشم السلمان بدم بارد أمام السفارة الإيرانية وأمام أعين المواطنين والأجهزة الأمنية والكاميرات. وكان له فضل إسقاط حكومة الأغلبية النيابية بمجرد إنزال أصحاب القمصان السود إلى الشارع عام 2011. ناهيك عن ملفه المثقل في المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن قضوا معه. كما رفض علنا تسليم المتهم بمحاولة اغتيال النائب السابق بطرس حرب والمتهم بقتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وغيرها من من الارتكابات والمخالفات.

لكن ذلك لا يمنع المرشد من التبشير بمحاربة الفساد وأهمية الاستقرار؛ في وقت ينقض فيه على الدولة راغبا، ليس فقط بالسيطرة على مناوئيه، بل بإخراسهم وتركيعهم، لاغيا آخر مظاهر الدولة، حتى الشكلية، بعد أن أنجز مهمته وتمكن من فرط عقد المعارضة النيابية المعروفة بـ 14 آذار، ونجح في تقسيم المسيحيين، وقسم الطائفة السنية بالقوة. لم يبق أمامه سوى تركيع النائب السابق وليد جنبلاط وتقسيم الدروز؛ بطريقة أو بأخرى. فخطابه كشف أنه خلف المطالبة بالمجلس العدلي لتكرار سيناريو سيدة النجاة التي سجن جعجع بسببها.

لكن تصاعد وتيرة العقوبات جعلته "يكتشف" وجود شعب في لبنان، وهو شعب عليه أن يشعر بالإهانة من العقوبات التي طالت نائبين من كتلة حزب الله. أما القضاء على دولته ومواطنيته فلا يعد إهانة موصوفة! والدعاوى التي رفعها بشار الأسد بحق عدد من النواب والشخصيات، ناهيك عن طلب الإعدام بحق رئيس الحكومة نفسه، لا تستحق التعليق.

كنا نزعم أن الثورات والمقاومات غايتها الدفاع عن الشعب وتأمين حياة كريمة ووطن سيد مستقل. لكننا وجدنا العكس عند "المقاومة الإسلامية"؛ فمنذ "الانتصار الإلهي الموصوف" في عام 2006، والوضع في لبنان في تدهور مستمر. تراجع النمو الاقتصادي من 8 في المئة قبل 2011 إلى صفر في المئة عام 2019، ويقال إنه أقل من ذلك.

بماذا أتحفنا خطاب نصرالله الأخير؟ من ما يقرب ثلاث ساعات ونصف الساعة، أمضى أكثر من 3 ساعات في الدفاع عن النظام الإيراني، كأنه الناطق الرسمي باسم إيران. ويجد بعض المعلقين أكثر من ذلك، إذ إنه تكلم باسم خامنئي شخصيا وكأنه مكلف بإرسال الرسائل باسمه؛ فقد جاء خطابه في عناوين صحيفة كيهان: (نصرالله، في أي حرب لن تكون "إسرائيل" محيّدة وإيران أول مَن تدمّرها). وكتبت صحيفة الوفاق الايرانية الدولية تعليقا: "السيّد نصرالله خاض حربين وانتصر فيهما: الأولى عندما حرّرت المقاومة بزعامة حزب الله الجنوب عام 2000، وأنهت الاحتلال الإسرائيلي، بعد إذلاله وإدماء أنفه. والثانية عندما تجرّأ هذا العدو على شن العدوان على لبنان عام 2006، ودفع ثمنا باهظا أبرز عناصره انهيار الثقة بجيشه الذي قيل إنه لا يُهزم. ولا نعتقد أن الانتصار الثالث بات بعيدا، خصوصا إذا اندلعت شرارة الحرب في المنطقة بتحريض إسرائيلي... والله أعلم".

إنهم يبشرونا بحرب ثالثة إذن!

يعيب نصرالله على الإسرائيليين خوفهم من الخسائر البشرية! كما سبق لحزبه أن أعاب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بكاءه أثناء الحرب. بالطبع؛ فنصرالله لا يهمه لا البشر ولا الحجر، فهو خرج "منتصرا" في حرب 2006 بعد الدمار الموصوف التي سببته لكليهما. أرواح البشر عنده أرخص كثيرا من الصواريخ التي يتباهى بها.

وحين يعدد لنا المرافق الإسرائيلية التي يهددها، وأمام نوعيتها المتطورة علميا وتقنيا، لا يرف له جفن أو يبدي ذرة أسف أمام التخلف المعيب الذي تسببت لنا بها سياساته.

تهديداته إسرائيل أثارت السخرية. وعلى ما يصف بعض المعلقين الفيسبوكيين: "يهدد إسرائيل بالعودة إلى العصر الحجري؟ أجل لأنه أدرى بذلك؛ جعل لبنان في وضع أسوأ من العصر الحجري: أنهار ملوثة، مجاري في مياه الشرب، نفايات وتلوث الماء والهواء والتربة، موت بالسرطان بالجملة، سرقات علنية وصفقات ولحوم وحبوب وأدوية فاسدة، ناهيك عن المخدرات والكبتاغون. قتل ودماء وذبح وحروب وعداوات وكيد ومكر وكذب وارتهان وعمالة وخيانة وتأخر".

وفي هذا الوقت، قدم النائب الموسوي استقالته، ما جعل البعض يعلق أنها "وسام يعلق على صدر الحزب". في نفس الوقت جاء في الأنباء: "نفى مدير مكتب الوكيل الشرعي للسيد علي الخامنئي في لبنان الشيخ محمد المقداد المعلومات المتداولة عن استقالته من منصبه". يعنى أن لا وسام يعلق ولا من يحزنون، إنه صراع بين مرجع ديني ومرجع سياسي في الحزب، وبالطبع الغلبة للديني.

هل سيثق المواطن بقيادة قدت من صوّان؟

عن "الحرة"

للمشاركة:

القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

السيد ولد أباه

في أوج الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، ظهرت «الأعلام الأمازيغية» مجدداً في تحد لقرار الحظر الذي اتخذته قيادة الجيش التي ترى عن حقق أن في الأمر تهديداً للوحدة الوطنية الجزائرية.
أحد رموز الحركة الأمازيغية الجزائرية ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية ليعلن بصراحة أن أمازيغ الجزائر عازمون على مواجهة «هيمنة الأقلية العربية» على الدولة، داعياً إلى إعادة البلاد إلى «هويتها الأصلية» وإلى الخروج من الانتماء القومي العربي ومن المؤسسات الإقليمية العربية، بل من التزامات الموضوع الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل، والتعاون الوثيق معها.
وقد تكون هذه النغمة نشازاً، لكنها أصبحت ملموسة مسموعة في منطقة شمال أفريقيا بما فيها تونس التي تقلص فيها وجود المجموعات الناطقة باللغات الأمازيغية إلى عدد قليل لا يذكر. وفي موريتانيا التي لا توجد فيها حركة أمازيغية، برزت خلال الانتخابات الرئاسية نغمة قريبة من هذا التوجه لدى أحد المرشحين طالب فيها بإعادة بناء الدولة وتوزيع علاقات السلطة فيها بين ما أسماه «المجموعة العربية البربرية» المهيمنة والمجموعة «الزنجية الأفريقية»، وحتى لو كان هذا المترشح لم يحصل إلا على نسبة هامشية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإن هذه النغمة كانت حاضرة في الاستحقاقات الماضية.
وفي المشرق العربي تصاعدت هذه النزعات «الاثنو قومية» حسب عبارة الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وتجاوزت الطابع العرقي المباشر (الأكراد والتركمان..) إلى حد تحويل الهويات الدينية والطائفية إلى نزعات قومية مقابل الانتماء العربي المشترك، مع العلم بأن المشروع القومي العربي صاغه في الأصل وحمله المارونيون والدروز والعلويون.. وغيرهم من العرب الذين لا ينتمون للأغلبية المسلمة السنية العربية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الهوية في مكونه الثلاثي (اللغة -الثقافة -الإقليم) لا يحيل إلى رابطة عضوية موضوعية ولا إلى انتماء أصلي، بل هو حصيلة سياسات واستراتيجيات مرسومة في خطاب سياسي اثنوغرافي يعود في أصوله البعيدة إلى المدرسة الاستعمارية كما بينت الدراسات ما بعد الكولونيالية الراهنة.
المفارقة المثيرة هنا هي أن الدولة الوطنية التي قامت في أوروبا الحديثة بدور حاضن المواطنة وإطار الاندماج الاجتماعي الناجح هي التي أججت في بلدان الجنوب الصراعات الاثنو قومية.
لا يعني الأمر هنا أن الانتماءات الدينية والاثنية بمعنى ما لم تكن قائمة، لكن الطابع الإمبراطوري للدولة كان يسمح لمختلف «الأقوام والملل»، حسب التسمية التراثية القديمة، أن تتعايش وتتداخل كهويات مجموعاتية متمايزة، فضلاً عن كون هذه الهويات ظلت خاضعة للتعديل المستمر والانتقال الدائم.
في العالم العثماني كرست سياسات التدخل الأوروبي، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، فكرة التمايز الاثنو قومي من خلال إجراءات حماية الأقليات والمقاربات الاثنوغرافية التي أدخلت فكرة «العرق» والأمة (بمفهومها القومي) إلى الحقل السياسي، قبل أن تنفجر النزعات القومية من الجناح البلقاني والشرق أوروبي للإمبراطورية العثمانية.
وفي المنطقة الصحراوية السودانية من أفريقيا (غرب الصحراء والساحل الأفريقي) تبلورت المقاربة السياسية الاثنوغرافية نفسها بعد تفكيك إمبراطوريات غرب ووسط أفريقيا، بصنع الهويات الاثنية المتمايزة التي لم يكن لها معنى في منظومة تقوم على الامتزاج والتداخل المستمر والتنقل الدائم ما بين الهويات والانتماءات بحيث لم يكن الدين ولا اللغة ولا الإقليم عناصر محددة في الوعي المجموعاتي.
وفي شمال أفريقيا، بلورت الأدبيات الاستعمارية الفرنسية «الأطروحة البربرية» التي لم تكن قائمة، وحاولت تكريسها من خلال نظم قانونية وتربوية وإدارية خاصة.
والغريب في الأمر، أن نموذج الدولة القومية في أوروبا قام في عمومه على بناء منظومة مواطنة على أساس الشرعية القانونية العقلانية والهوية المفتوحة المندمجة، كما اضطلعت الدولة البيروقراطية بمشروع البناء الاندماجي الاجتماعي الذي قضى على الانتماءات العرقية والقبلية، في الوقت الذي اعتمدت هذه الدول الأوروبية المقومات العرقية الاثنوغرافية المصطنعة في الهندسة السياسية للدولة الكولونيالية.
ومع أن النزعات القومية التحررية الأولى تبنت قيم الحداثة السياسية والتنوير وفكرة المواطنة المتساوية، فإن فشل «دولة الاستقلال» في إدارة التنوع الاجتماعي أفضى في كثير من الحالات إلى النكوص بالنزعة القومية الكونية إلى الدلالة الاثنو قومية الضيقة.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل امبمبة» أن العالم يعرف حالياً موجةً جديدة من إعادة الانتقال السكاني الواسع، لا يمكن اختزالها في موضوع اللجوء القسري والهجرة، بما يضع المنظور السياسي للدولة الإقليمية السيادية في ورطة لعجزها الفكري عن إدارة مفهوم المواطنة المتنقلة والهوية غير الإقليمية. كما أن هذا التحول يضع الديمقراطيات الأوروبية في ورطة لكونها قامت أصلا على حصر الحريات والحقوق في دائرة المماثل الشبيه والساكن المحلي، بما يؤدي بها إلى مأزق حقوقي وإنساني حاد في مواجهة المسؤوليات المترتبة على انهيار المجتمعات والدول التي هي حصيلة آثارها في الحقبة الاستعمارية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية