أحمد بان: جماعة الإخوان شرعَنت العمليات الإرهابية

أحمد بان: جماعة الإخوان شرعَنت العمليات الإرهابية
14632
عدد القراءات

2017-10-20

ما إن صعدت جماعة الإخوان المسلمين إلى سدّة الحكم في مصر، وظنّت أنّها أمسكت بتلابيب لحظة التّمكين التي حفلت بها أدبيّاتها، حتّى أطاحت بها الجموع الهادرة، وتم تقديم قياداتهم المتطرفة إلى القضاء، وخفُت نجمها بعد أن سطع لنحو عامين، إلّا أنّ مستقبلها ما زال يلفّه الغموض؛ بين مَن يرى أنّها تشظّت وتشرذمت وأوشكت على الموت الإكلينيكيّ، ومَن يرى أنّها قد تعود في ثيابٍ جديدةٍ.

ربّما يؤمن أصحاب الرّأي الأخير بأنّ تلك الجماعة عصيّة على الاندثار، مستندين إلى شواهد تاريخيّة، وجينات بنيويّة يتمتّع بها التّنظيم، وهي التي دخلت في صدامات سابقة مع المجتمع المصري والنّظم السياسيّة، منذ الملكيّة حتّى الآن، ومع ذلك؛ فهي تخرج في كلّ مرّة، كــ "قط بسبعة أرواح"، بعد أن يظنّ الجميع، في كلّ مرّة، أنّه لن تقومَ لها قائمة بعد ذلك.

الجماعة ليست مؤهَّلة للحكم، ولم تربِّ كوادر قادرة على إدارة الدّولة المصريّة

حاولنا استشراف مآلات جماعة الإخوان ورصد أوضاعها الراهنة، مع الخبير المصريّ في شؤون الجماعات الإسلاميّة أحمد بان؛ الذي يتوقع في حواره مع "حفريات" بأنّ تلك الجماعة قد يفضي بها الحال إلى تكوين مذهبٍ جديدٍ على أنقاض الادّعاء بالمظلوميّة، بعد أن نجحت هذه المرّة، أيضاً، في تحويل فشلها إلى محنة وابتلاء، حتّى تتجنّب الصّراعات الدّاخلية وموجات المساءلة والحساب من قبل أعضائها ومن جانب المجتمع المصري.
هنا نصّ الحوار:

*رغم تعرّض جماعة الإخوان المسلمين لنكبات كبرى عبر تاريخها، إلّا أنّ هذا التّنظيم كان لديه القدرة، في كلّ مرّة، على إعادة إحياء نفسه، والعودة في شكل جديد. فما هي الشفرة التي يمتلكها حتّى يعيد صياغة نفسه في كلّ مرّة يتعرّض فيها للخناق المطبق، أم يرجع ذلك لمكوّنات ما في بنيته الفكريّة والتنظيميّة؟ وهل يمكن أن تكمن الجماعة حتّى تنتهز الظرفيّة المناسبة لتقفز في حضن المجتمع والدّولة مرّة أخرى، أم إنّ الظّروف التاريخيّة السّابقة لن يكون لها وجود في المستقبل؟

- تاريخيّاً، استطاعت جماعة الإخوان أن تهضم مواجهة الأنظمة لها، وهذا، في تقديري، عائد لسببين؛ الأوّل: أنّ حسن البنا، مؤسّس الجماعة، كان يتوقّع منذ البداية، أنّ فكرته "جالبة للصّراع مع الأنظمة والمجتمعات"، وأنّه سيدفع، هو وجماعته، بجانب ذلك كلفة باهظة، لقد كان يقول ذلك بوضوح، وقبل أن تحدث حالة التّضييق عليه وعلى جماعته، وقبل حصار حركته، كان يقول: "ما زالت دعوتكم مجهولة بين النّاس، ويوم يعرفونها، ويدركون مراميها، ستلقى منهم عداوةً شديدةً، وستدخلون في طور الامتحان". لقد كان نجاح هذا الرّجل في أنّه حوّل فكرة الفشل إلى ابتلاء في وعي الأفراد من وقت مبكّر، فالفشل الذي هو "نتاج طبيعيّ لسلوك طريقٍ خاطئ يستدعي المساءلة، والمراجعة، وإعادة النّظر في الأفكار والسّلوك" أغلق البنّا الطّريق عليه باكراً، قبل حدوثه، فكان التّنظيم دائماً ما يصف نتائج الصّدام مع المجتمع والسّلطة بـ"المحنة" التي يدَّعي أنّ مردّها جهل النّاس بحقيقة الدعوة، وغربة الإسلام، وأنّ هذه الجماعة أتت لهذه الدّنيا كي تعيد تأسيس الإسلام في هذه الحياة، بالتّالي، فإنّ جهل النّاس بحقيقة الدّين سيستجلب العداوة والرّفض.
هذه هي المحنة الحقيقية لأصحاب الدّعوات، وهي متّصلة بكلّ ما واجهه أصحاب الدّعوات الأيديولوجية تاريخيّاً، بهذا أغلق طريق المراجعة بهذا المفهوم من البداية؛ لأنّه حصّن أتباعه بفكرة "المحنة"، لقد كانت هذه الفكرة هي "الميكانيزم" الذي لجأ إليه "البنّا"، ومن تبعه فيما بعد، لغلق باب المراجعة والتأمّل والاعتراف.

خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً باستمرار داخل الإخوان المسلمين وهناك من يمارسها داخل التنظيم نفسه

أمّا مجموعة النّظام الخاصّ التي سيطرت على الجماعة من بعده فقد عزّزت هذه الفكرة، فأنكروا أنّ وجودهم في السّجون "جزاءً وفاقاً" لما فعلوه في السّاحة المصريّة؛ بل محنة حقيقيّة تتعلّق بأصحاب الدّعوات، في مواجهة المجتمعات الجاهليّة التي لا تعرف شيئاً عن إسلامها الحقيقيّ، وهذه الفكرة بُنيت عليها أعمالٌ معرفيّةٌ وإعلاميّةٌ، وسوِّقت دوليّاً على اعتبار أنّ الإخوان هم أصحاب أكبر مظلوميّة في التّاريخ، وكأنّهم "أصحاب الأخدود" في العصر الحديث، الذين لديهم استعدادٌ لأن يُحفر لهم في الأرض، أو يُنشَروا بالمناشير؛ لأنّهم متمسّكون بعقيدتهم، وليسوا متمسّكين ببرنامج فكريّ وسياسيّ مناهض للأنظمة وللمجتمعات.
 

 

*إذاً، هل ترى أنّ التّنظيم كان يدرك، ولو في عقله الجمعيّ، أنّ المظلوميّة تستجلب التّعاطف الطّاغي على العقل غير المتدبّر للواقع والسّياقات المؤدّية إليه بتجرّد، خاصّة، في مصر والمنطقة العربيّة والإسلاميّة؟
- نعم، وهذا هو صلب النّقطة الثّانية، التي تتعلّق بطبيعة الشّعب المصريّ، على وجه الخصوص، الذي يعدّ من أكثر الشّعوب تعرّضاً للظّلم تاريخيّاً نتيجة للفشل النسبي في خطط التنمية الحكومية، فقد حدثت التّغذية المتبادلة بين مظلوميّة الشّعب ومظلوميّة الجماعة، فبات هناك نوعٌ من التّفاعل المتبادل؛ فالجماعة كانت تبعث إشارتها إلى الشّعب، وكانت فحواها "نحن نتعاطف معكم، ومع مظلوميّتكم، ونريد أن نستنقذكم ممّا أنتم فيه"، وهذا الشّعب تعاطف أحياناً مع الجماعة؛ لأنّه ظنّ، لفترات طويلة، أنّها تحاول أن تحرّره من الفساد والظّلم عبر دولة الشّريعة أو دولة العدالة الإسلاميّة التي يعدهم بها الإخوان.

*وهل ما زالت هذه الحالة حاضرة؟
- لا، كان هذا قبل مرحلة وصول الجماعة للحكم؛ فهناك فاصل مهمّ يفصل لحظة ما قبل 2013 وما بعد 2013، أو تحديداً؛ ما قبل 2012 وما بعد 2012

*ما الذي حدث وفصل بين المرحلتين؟

- الذي طرأ أنّ الإخوان وصلوا لامتلاك الحكم بشكل شبه كامل، وليس مجرّد مشاركةٍ فيه؛ فقد سيطروا على مقاعد البرلمان بالكامل، بأغلبيّة تصل إلى 70% من مقاعد البرلمان، بغرفتَيه (الشّعب والشّورى)، والمنافسة على مقعد رئاسة الجمهوريّة والوصول إليها، فأضحى هناك رئيس من جماعة الإخوان للمرّة الأولى، ومع كلّ الدّعاية التي يسوِّق لها التّنظيم في أنّه أُفشِل، ولم يُترك للتّجربة أن تتطوّر، إلّا أنّ هذه التجربة، في وعي قطاعات واسعة من الإخوان، كانت فاشلة، ليس بمنطق أنّ الدّولة العميقة أفشلتها، لكن بمنطق أنّ الجماعة ليست مؤهَّلة للحكم، ولم تربِّ كوادر قادرة على إدارة الدّولة المصريّة، ولم يكن لديها الفقه السياسيّ الذي يمكِّنها من إدارة دولة بحجم مصر وتعقيدها، وتعقيد هذا الإقليم، وتعقيد هذا العالم. هذا الفشل شعرت به قواعد الجماعة كما شعر به المجتمع المصريّ، لكن ما أفاد الجماعة هو، في رأيي، "فضّ رابعة" بهذه الطريقة التي وفّرت للجماعة غطاءً من المظلومية المدعاة لتبرر فشلها في الحكم، وفي ظني أنّ الدولة لو لجأت إلى التدابير الأمنية الناعمة لانتهت أسطورة هذه الجماعة، تنظيماً وفكراً.

خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً باستمرار داخل الإخوان المسلمين وهناك من يمارسها داخل التنظيم نفسه

*هل اعتصام "رابعة" لديه القدرة على الدّفع بدماء جديدة في شريان الإخوان المتجلّط؟ وهل تكفي بمفردها لعودتهم مرّة أخرى إلى الفضاء العام، أيّاً كان شكل تصوّر هذه العودة؟
- يمكننا أن نتحدّث عن إخوان ما بعد رابعة، الذين هم إخوان ما قبل رابعة، كما فرَّقنا قبل ذلك بين الإخوان قبل وصولهم للحكم، والإخوان بعد وصولهم للحكم؛ لأنّ "رابعة" فتحت مسارات جديدة للحركة، كانت تلك الحركة ودّعتها في السابق، وأغلقت مساراتها، التي هي مسارات العنف الجديد، الذي نشأ أعقاب "الفضّ" تحت مظلّة الثّأر.
*دعنا نتحدث عن التصوّر المبدئيّ لعودة الإخوان قبل أن ننخرط في الحديث في محور العنف. هل يمكن أن تشرب الجماعة ماء الحياة،  وتدبّ فيها الرّوح من جديد؟ وهل هذا وارد في المعيار التاريخيّ، أم إنّ الظّرف الاجتماعيّ، حتّى داخل الحركة نفسها، لم يعد يتّسع لذلك؟
-  دائماً ما ساهمت طبيعة إدارة السّلطة للصّراع في إطالة عمر التّنظيم وفكره. عبد النّاصر رغم أنّه وقف في وجه الحركة بشكل قويّ، إلّا أنّه طرح إلى جانب المواجهة مشروعاً استطاع أن يسحب به قطاعات حتّى من داخل جسد الإخوان، وكان له دورٌ واضحٌ في تبنّي قادة من النّظام الخاصّ في الإخوان لأفكاره ومشروعه، واتّخذ منهم وزراء مثل؛ أحمد حسن الباقوري، وعبدالعزيز كامل، هذه أسماء برزت على السّاحة المصريّة، والتيّار الإسلاميّ، وواصل (السّادات) هذه السّياسة، حتّى إنّه أدخلهم في بنية الدّولة أيضاً. أمّا (مبارك) فكانت لديه مقاربةٌ في تحديد سقف الحركة؛ إذ كان هناك اتّفاقٌ بين الاثنين، وشروطٌ على الطّرفين ألّا يتجاوزها، لكنّهم كانوا يحاولون، في أوقات معيّنة، توسيع هامش الحركة، بعدها كان النّظام يأخذ إجراءات ضدّهم لترجعهم للخطوط الخلفيّة.
*لكنّ "يناير" أحرقت كلَّ تلك الخطوط، هل هكذا تصوّر قادة الجماعة؟
- "يناير" طرحت واقعاً جديداً، تصوّرت في غضونه جماعة الإخوان أنّ الأبواب قد فُتحت، بالتّالي، نظرت إلى الزّخم السياسيّ في أعقاب "يناير"، وذهبت للدّفع بتأسيس عدد كبير من الأحزاب المعبّرة عن عددٍ من تيّارات الحالة الإسلاميّة، وسيطرت جماعة الإخوان على غالبيّتها؛ ففي هذه المرحلة تصوّرت جماعة الإخوان، بطفوليّة مدهشة، أنّها قادرة على أن (تظهّر) كلّ هؤلاء لصالحها، على كلّ تبايناتهم وشكوكهم نحو الإخوان وشكوك الإخوان تّجاههم، وشكّلت ما سمِّي "الهيئة الشرعيّة للحقوق والإصلاح" كي تمثّل معسكراً إسلاميّاً في مواجهة المعسكر المدنيّ، واستبطان المسألة بهذه الطريقة كان من أدبيّات النّظام الخاصّ الذي امتدّ، إلى هذه اللّحظة، في أدبيّات القطبيين الذين أداروا الصّراع.

*أنت ترى أنّ جماعة الإخوان كانت تعيش في مأزق كبير قبل "رابعة"، هل كانت على وشك السّقوط التلقائيّ؟
- قبل "رابعة" كانت الجماعة في مأزقٍ كبيرٍ جدّاً بعد إزاحة الإخوان من الحكم، عبر إجراءات واضحة في 30 يونيو، اعتبره المفكّر السيد ياسين بمثابة "انقلاب شعبيّ"، وهي تسمية دقيقة؛ فهي انقلابٌ لكنّه شعبيٌّ، لم تستطع القوات المسلّحة أن تنقلب على سلطة مدنيّة منتخَبة، إلّا إذا كانت ترى جمهوراً عريضاً تمتلئ به السّاحات والميادين. أمّا الإخوان والقيادات فكانت تدرك أنّ هناك تحوّلاً حدث في الشّارع. لكن أريد أن أعود إلى مرحلة ما قبل فضّ الاعتصام؛ ففي هذا الاعتصام كان هناك سؤالٌ كبيرٌ يتردّد في أوساط الجماعة؛ هو  "ما الذي جاء بنا إلى هنا؟ ألم نكن بالأمس في قصر الحكم؟" هذا السّؤال كان يتردّد داخل "رابعة"، وهنا استحضرت ثنائيّة (المحنة والفشل)؛ فقادة جماعة الإخوان حوّلوا القضية برمّتها إلى محنة تحمي التّنظيم، لكن أيّ نظام كان من المفترض أن يكون معنيًّا بأن يبرِز القضيّة باعتبارها فشلًا للإخوان، وليست محنة من السّماء تتعرّض لها.
*لكنّ تلك التّنظيمات وضعت الدّولة برمّتها في خيارات صعبة، فلم يكن هناك ترف لتمييع فضّ الاعتصام بعد حضور شبح الحرب الأهليّة وانفراط عقد الدّولة؟
- أنا لا أتحدّث عن عدم فضّ الاعتصام، أنا أتحدّث عن فضّ الاعتصام بالقوّة، وبهذا الشّكل الذي حدث، فأنا كنت ممَّن كتبوا قبل فضّ الاعتصام مقالاً بعنوان "لا تمنحوهم مظلوميّة جديدة"؛ لأنّ الإخوان كانوا بحاجة ماسّة إلى هذه المظلوميّة لتغطي على فشلهم في الحكم.
*ماذا؟
- لأنّ هذه المظلوميّة وحدها كانت كفيلة أن تقطع دابر السّؤال: "من الذي جاء بنا إلى هنا؟"، لكنّ الفضّ بطريقة ناعمة كان سيمنع حصول الإخوان على المظلوميّة، والدّولة كانت تملك عناصر كثيرةً جدّاً، ولديها القدرة على تفريقه من الدّاخل.
*إذن، أنت ترى أنّ الدّولة فقدت صبرها باكراً؟
- لقد غاب العقل في إدارة المشهد، فبدت الدّولة وكأنّ تحرّكها سلطة وهيْبة، وأنّ سلطتها هذه تتميّع في مواجهة اعتصام على مرمَى حجرٍ من وزارة الدّفاع، فهي كانت مدفوعة بهذه العقلية، فعقل الدّولة إذا تعرَّض للسّخونة، فدائماً ما يتّخذ قرارات مندفعة.
فالدّولة تسعى دائماً إلى تبريد عقلها كي تأخذ قرارتها الصحيحة والمحسوبة بإتقان، وتقارن بين العائد والتّكلفة، وهذا لم يحدث في هذه اللّحظة، فبدأت المظلوميّة، هنا، تحقّق أهداف قادة التّنظيم، هم حصلوا على مظلوميّة تبرّر فشلهم، وتقطع الطّريق أمام سؤال المراجعة أو المساءلة للقيادات التي أخذت التّنظيم من قصر الاتحاديّة إلى الاعتصام في ميدان رابعة.
*لو أنهت الجماعة الاعتصام بشكل سلميّ وغير عنيف، لتعرّضت لنوع من المساءلة. أهذا ما تقصده؟
- ليس مجرّد مساءلةٍ؛ بل سينشأ داخل الجماعة صراع داخليّ ضار.
*لكنّ الجماعة حاولت أن تقفز على هذا للدّخول في صراع مع الدّولة واكتساب المظلوميّة التي ستغطّي على التّساؤلات؟
- لم تكن تغطّي؛ بل تحوّل ذلك إلى محنة وإيهام بأنّهم كانوا يسيرون في الطريق الصحيح، وهناك من ذهب لقطع هذا الطّريق.

فضّ اعتصام رابعة بعنف وفّر للجماعة غطاءً من المظلومية المدعاة كانت تبحث عنه لتبرر فشلها في الحكم

*لكن، مع مرور الوقت، هل تظلّ هذه المظلوميّة ناجعةً في اعتماد الجماعة عليها لمواصلة الحياة؟
-  قبل هذا، كانت المظلوميّة سلاحاً ممتدّ المفعول، يمكنه الصّبر لمدّة 30 عاماً أو يزيد، لكن هذه المرّة ستظلّ المظلوميّة خمسة أعوام لا أكثر، في تقديري، ويفقد هذا السّلاح أثره، بدليل أنّ هناك من بدأ في تجاوز "رابعة" داخل الجسد الإخوانيّ الآن، خاصّة الرّعاة الإقليميّين الذين حاولوا ركوب هذه المظلوميّة واللّعب عليها، لقد فقدوا، الآن، حماستهم لها تحت وضع تحديّاتٍ إقليميّة أعقد، فهناك موقف حماس، مثلاً، الذي أحدث مشكلاتٍ داخل قواعد الإخوان.
*هل ترفض الجماعة حتى الآن، وبشكل رسميّ، تبنّيها للعنف على يد بعض المجموعات التي رفعت السّلاح في مواجهة الدّولة؟
- ماذا تقصد بالجماعة؟ الجماعة لم تعد جماعة واحدة؛ فقد توسّعت فعليّاً إلى قسمين: الأوّل: تصرّف كحركة تعمل وفق المتاح، عندها استعدادٌ لأن تعمل تحت مظلّة أيّ نظام سياسيّ، كما عملوا تحت سقف (مبارك) بنفس البناء مع تعديلات طفيفة في لائحتها، وتبقى السّلطة المطلقة والشّكل الهرميّ قائمَين، دون أيّة إصلاحات تُذكر، وهؤلاء سيطروا على ستّة وعشرين مكتباً إدارياً للجماعة داخل مصر تقريباً، من أصل واحد وأربعين. أمّا المجموعة الأخرى، التي كان يتزعّمها محمد كمال، عضو مكتب الإرشاد، فقد سيطرت على عدد من المحافظات، إلّا أنّ هذا الجناح تشظّى الآن.

*وكيف خرجت أفكار العنف هكذا مرّة واحدة؟
- فكرة العنف عندما خرجت من داخل معسكر (كمال) لم تكن اختياراً عقليّاً هادئاً، بقدر ما تدحرجت، شيئاً فشيئاً، حتّى وصلت إلى العنف الواضح والمباشر؛ إذ إنّها بدأت بلجان ردعٍ، ثمّ تطوّرت، بعد ذلك، إلى تنظيماتٍ مسلّحةٍ، خرج جزءٌ منها عن السّيطرة.
 

شرعنة العلميات الإرهابية!

*هل كان لديهم أدبيّات يستطيعون أن ينهلوا منها في "شرعنة" العمليات الإرهابيّة؟
- نعم، وقد خطت خطوات أبعد من السّياقات القديمة؛ فبدأنا نرى مفردة "الهيئة الشرعيّة" في خطاب الإخوان، وأنت تعلم أنّه مصطلحٌ متداولٌ في أوساط الجهاديّين، لا في أوساط الإخوان، حتّى عندما كان سيّد سابق، المنظِّر الشرعيّ التاريخيّ للتّنظيم، يفتي بقتل أحد، كان يفتي دون أن يوثّق هذه الفتوى، وفي إطار سريّ جدّاً، دون أن يعلن هذا. وبات هناك هيئة شرعيّة تصدر بيانات مثل: "بيان الكنانة واحد"، و"بيان الكنانة اثنان"، وتستخدم مفردات مثل: دفع الصّائل، وهي مفردات الحركة الجهاديّة التي ظهرت لدى الإخوان مؤخّراً.
*تاريخيًّا؛ شهدت جماعة الإخوان مثل هذه الحالات؛ فهناك مجموعات رأت أنّها تنتمي إلى الجماعة الأمّ، إلّا أنّها تحاول أن تأخذها في الطّريق القويم، ثمّ تبدأ بالتحوّر، حتّى تصل إلى طورٍ جديدٍ، بعد تشكّل معالمها الخاصّة بها، ثمّ تنفصل عن الجماعة الأمّ، ثمّ تبدو جماعة الإخوان، بعد ذلك، بريئةً من الأعمال العنيفة، وهذا حدث بعد صدام الجماعة مع الدّولة عام 1965؟
- لم يكن بعد 1965 بل من عام 1947، عندما لم يعد حسن البنا يسيطر على مجموعة النّظام الخاصّ، وهذه المجموعة التي تدرّبت على السّلاح، كانت قد رفضت سلطته، فأحد قيادات الإخوان قال لي شخصيًّا إنّ حسن البنا دخل، ذات مرة، اجتماعاً لمجموعة النّظام الخاصّ قبل عبد الرحمن السندي، المسؤول المباشر عن النّظام، لكنّ السندي عندما دخل قال: ماذا يفعل هذا الرّجل هنا؟ كانوا يتمثّلون قول الشّاعر: "السّيف أصدق إنباءً من الكتب...."، فأنتم أصحاب الدّعوة، ونحن أصحاب الجهاد والفعل. ظلّت الجماعة طوال تاريخها تنتج ذراعاً مسلّحاً يتمرّد عليها بعد ذلك، وما زال هذا الجناح قائماً حتّى الآن، وأنت لا تعدم في تاريخ جماعة الإخوان الذي يمكن أن يحدّثك بأنّ هذا توزيع أدوارٍ، فعندما يأتي عبدالمنعم عبدالرؤوف، أحد كوادر الجماعة في الجيش، بعد إحالته للتّقاعد، ليقول لحسن الهضيبي، المرشد الثاني للجماعة: أنا سأقوم بانقلاب ضدّ جمال عبدالناصر، وأحتاج إلى 500 رجلٍ من الإخوان، فإذا نجح الانقلاب، يمكن لكم أن تتبنّوه، وإذا فشل تستطيعون أن تتنصّلوا منه، فطوال الوقت كان هذا "الميكانيزم" حاضراً.
*أعلنت حركة "المقاومة الشعبية"، عبر ناطقها الرّسميّ، أنّه أصبح لديها فكرٌ جديدٌ، ومنهجٌ جديدٌ، بعيداً عن جماعة الإخوان، وهذا ما يؤكّد أنّ هناك لحظة ما تنفصل فيها مثل تلك التّنظيمات عن الجماعة الأمّ، وتستطيع الجماعة، بعد ذلك، أن تتبرّأ تماماً من كلّ أفعال العنف، ثمّ تعود مرّة أخرى بخطاب آخر، في وقت ما، وهذا ما حدث تاريخيًّا. فما رأيك؟
- جماعة الإخوان لم تعترف بالعنف طوال تاريخها.

جماعة الإخوان استكملت دورة حياتها، ومرّت بما يمرّ به الأحياء؛ من طفولة، ثمّ صبا، ثمّ شباب، ثمّ شيخوخة

* لكنّ هناك جماعاتٍ خرجت من رحم محنتها، إن صحّ التّعبير، بدليل شهادات عددٍ من قادة التيّار الجهاديّ في هذا الشّأن؟
- حدث ذلك في الجماعة تاريخيّاً، فظهرت "الطّليعة المقاتلة" في سوريا، وكان أبرز نجومها (أبو مصعب السوريّ)؛ الذي كان من أفراد هذه الطّليعة، ثمّ أصبح منظِّراً جهاديّاً بعد ذلك، فهذا التطوّر كان موجوداً طوال الوقت، حتّى أيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي، كانا من الإخوان. لكن أن يعود تنظيم الإخوان الذي يخلط السياسيّ بالدعويّ، فلا أرى أنّهم سوف ينجحون في هذا بنفس نجاحاتهم في السّابق؛ لأنّ هناك متغيّراً طرأ، هو أنّ المجتمع لم يعد قادراً على التّعاطف مع مثل هذه المظلوميّة أكثر، فلم يعد هذا السّلاح ناجعاً؛ بل فقد صلاحيّته مع الوقت.
*هل ما زال لدى تلك الجماعة ما تستطيع أن تجنِّد به أعضاءً جدداً؟ وهل ما زال هذا المشروع مصدرَ إلهامٍ لشبابٍ وعناصرَ تستطيع الجماعة أن تجذبهم في السّابق، أم أنّ روافد التّجنيد خفتت وقلَّت؛ لأنّ العناصر المجنَّدة والمفترضة سترى فيها الجماعة الفاشلة في مخيالها؟
- أعتقد أنّ الفكرة فقدت الكثير من جاذبيّتها وإلهامها، وهذا، بلا شكّ، سيؤثّر في عمليّات التّجنيد، فالتّجنيد ليس مرتبطاً بوسائل؛ بل له صلة أكثر بـ "الجاذبيّة والإلهام". أعتقد أنّ هذا تراجع في نفوس كثيرٍ من النّاس، حتّى في نفوس قطاعات من الإخوان، وهذا هو الأهمّ؛ لأنّ القلب المعنيّ بفكرة التّبشير بالفكرة قد تخلخلت قناعاته، وأدركت قراءات كثيرة للإخفاقات داخل الجسد الإخوانيّ نفسه، وهذا عامل حاسم في المسألة.

الإخوان في الإنعاش
*إذاً، إذا توقّفت عمليّات التّجنيد فهل يمكننا أن نقول: إنّ الجماعة ستشهد انقطاعًا جيليًّا مستقبلًا؟

- في النّهاية، إنّ أيّة فكرةٍ لها دورة حياة، وأنا مع أنّ جماعة الإخوان استكملت دورة حياتها، بمعنى أنّها مرّت بما يمرّ به الأحياء؛ من فترة طفولة، ثمّ صبا، ثمّ شباب، ثمّ شيخوخة، ثمّ وفاة. هذه الشّيخوخة طالت إلى حدٍّ كبيرٍ، وعاجلتها ظروف الوصول إلى الحكم، ففشلت في إدارته، وفي إدارة الاحتجاج والمعارضة، فجمعت بين الفشلَين تحت مظلّة تعقيدات دوليّة لها أثرها، بما يؤكّد أنّنا، في النّهاية، أمام إرهاصات واسعة لمراجعة داخل جسد الجماعة، تبدو فيها مدفوعة بفشلها من جهة، وبرفض المجتمع تحت أيّة مسوغات من جهة أخرى.
*قلت إنّ جماعة الإخوان لم تراجع نفسها، وإنّ الواقع السياسيّ هو الذي يحرّكها، لأنّ الحركة تسبق التّنظير، فهل ترى أنّ ثمّة سياقاً مختلفاً هذه المرّة، أم أنّ المشكلة تكمن في "الجين" الإخوانيّ أو في بنيتها الفكريّة والتنظيميّة التي تمنعها من ذلك؟
- نعود إلى العتبة التي بدأت بها كلامي؛ هل الذي جرى محنة أم فشل؟ لأنّ كلّ نتيجة ستؤدّي إلى مسارٍ مختلفٍ. فإذا اقتنع العقل الجمعيّ للجماعة بأنّ الذي جرى هو فشلٌ يستدعي إعادة النّظر في جملة الأفكار، والوسائل، والأدبيّات. إذاً؛ فهم على طريقٍ صحيحٍ للمراجعة، قد تنتج شيئاً جديداً، مع ملاحظة أنّ القيادات في مثل هذه التنظيمات هي التي تقتنع ثمّ ترشّح للقواعد، فإذا حدث، فأنتَ أمام مراجعة قد تنتج فكراً جديداً، وإذا لم يحدث، وسيقابل بمقاومة شديدة بالقطع؛ فقد تعيد الجماعة إنتاج نفسها في نفس الشكل القديم المتخلّف، حتّى إن بقي الجسد ضعيفاً تنظيميّاً، إلّا أنّه قد يؤسَّس على ضفاف المظلوميّة لمذهبٍ إسلاميٍّ جديدٍ، تقترب فيه الحالة الإخوانيّة من مشاهد تأسيس المذهب الشيعيّ، حتّى وإن بقيت أقليّة، فإذا استسلمت هذه الأقليّة لأجواء المحنة فهذا سيوصلها إلى مذهبٍ دينيٍّ جديدٍ، بالتّالي، لن تنجز مراجعةً، ولن تخرج من متاهتها.
وأعتقد أنّ هذا قد يحدث، وقد يحدث معه مجموعة لإنتاج مراجعات تتزايد شجاعتها مع الوقت، ويوجد هنا عاملٌ قد يسارع من هذا أو يبطئ منه، وهو طبيعة اختيارات النظام السياسيّ وأدائه وخياراته، فكلّ نجاح للنّظام في النّظام السياسيّ سيصبّ في مصلحة هذا.


 

*وهل يمكن أن تكون هناك معالجة لمظلوميّة الإخوان، سواء من المجتمع المدنيّ أو الدّولة؟
- المجتمع المدنيّ ليس مؤهّلًا لذلك، والنّظام السياسيّ غير راغبٍ فيه؛ لأنّه يميل، دائماً، إلى المقاربة الأمنيّة، فلا أتصوّر أن يكون ذلك عاملاً حاسماً في مواجهة الفكرة؛ إنّما قد يكون عاملاً حاسماً في مواجهة التّنظيم.
*أتعتقد أنّ الجسد الإخوانيّ العامّ لم ينخرط في العنف المسلّح؟
- أنا على يقينٍ بأنّ (80 %) من الجسد الإخوانيّ غادر المشهد بعد فضّ اعتصامَي رابعة والنّهضة، ولم ينخرط في حالة احتجاج، أو في حالة عنف، وأنّ ما يواجه المجتمع المصريّ هو الـ (20%) المتبقية، الفاعلة والمنقسمة ما بين المؤمنين بمحمود عزّت والمؤمنين بكمال، والأكثريّة مع عزّت.
*هل يمكن أن نفسّر هذا بأنّ مجموعات الإخوان التي انخرطت في العنف كان معظمها شباب أغرار؟
- نعم، وفشل هؤلاء أكّد لدى المجموعات الأخرى أنّ العنف مساره مغلق في النّهاية.
*لكنّ الجسد العامّ سيدفع الكلفة والفاتورة؟
- نعم، لقد دفع، ولا زال، لأنّ الأجهزة الأمنيّة ستوسّع، بطبيعة الحال، من دائرة الاشتباه.
*حدث عند الجميع نوعٌ من الصّدمة؛ عندما أتى قادمٌ من الخلف كمحمد كمال، لا يعرفه كثيرٌ من النّاس، ثم مضى يأخذ الإخوان للعنف، ويشرعن له.
- خلق التقيّة في مواجهة المجتمع كان حاضراً، أيضاً، داخل التّنظيم؛ فكان هناك مَن يمارس التقيّة داخل التنظيم نفسه، وقياداته وعناصره، وقد حدثت واقعةٌ شهيرةٌ بين مصطفى مشهور ومحمد فريد عبد الخالق؛ إذ وقع بينهما خلاف حول "رسالة التّعاليم"، فقد تفاجأ عبدالخالق بأنّ مشهور قرّر دراسة "رسالة التّعاليم" للصّف الإخوانيّ، فقال له: إنّ هذه الرّسالة لم تكن مكتوبة للإخوان؛ بل للنّظام الخاصّ، وكانت نقطة فاصلة بين الاثنين، فهذه العناصر كانت حريصة على تدريس تلك المناهج في الجماعة كي يبقى باب العنف مفتوحاً؛ لذلك ستجد المنهج الحركيّ لمنير الغضبان يحفل بالإشارات، وهو ما جعل العنف في البنية التحتيّة ممكناً.

 

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



سعيد ناشيد: حكومة العدالة والتنمية أصدرت أسوأ القرارات وأشدها إيلاماً

2020-02-17

أجرت الحوار: إلهام الطالبي


أسّس الكاتب والمفكر المغربي سعيد ناشيد، "الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية"، التي تضمّ مجموعة من الشخصيات السياسية والثقافية والنقابية بالمغرب.
"الجبهة ترحّب بضحايا كلّ القوانين والقرارات المجحفة التي اتخذتها حكومة العدالة والتنمية، علماً بوجود قوانين بالغة الخطورة لا يعرفها إلا القليلون، وتمّ تمريرها في صمت احتيالي غير مبرّر، وفق أسلوب الحيل الفقهية الذي يتقنونه، ونرى أنّه لا يليق بدولة المؤسسات"، يقول ناشيد في ندائه الذي استجاب له مواطنون مغاربة وشخصيات عمومية.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة

وفي هذا الحوار مع "حفريات"؛ يُجيب الكاتب المغربي، سعيد ناشيد، عن أسباب تأسيسه لشبكة ضحايا حكومة العدالة والتنمية، ويتحدث عن أهداف هذه الشبكة؟ وهل يُمكن أن تتصدى لمشروع الإسلام السياسي بالمغرب؟ 

حكومة العدالة والتنمية هي الأكثر تطبيقاً لتعاليم البنك العالمي وصندوق النقد الدولي

لماذا قررتم تأسيس الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية خلال هذه الفترة بالضبط؟
جاء قرارنا بالعمل على تأسيس الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية في سياق يتسم بتدهور الأحوال الاجتماعية للمواطنين، وارتفاع الهشاشة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وأما على المستوى السياسي؛ فالمُلاحظ استشراء انعدام الثقة في المؤسسات، وخلط الأوراق بين أدوار كلّ من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، فضلاً عن ضمور الفاعلية السياسية، وتدهور الأخلاق، وانسداد الأفق، وتفشّي قيم الريع والمحسوبية والصدقات بدل العمل والتضامن والإنتاج.

كلّ تحالفات الإسلام السياسي، سواء مع السلطة أو الجيش أو أمريكا أو اليسار انتهت جميعها إلى اصطدام دراماتيكي

أمام هذا الوضع تُصرّ الحكومة على التنصل من مسؤولياتها وتفضّل التذرع بنظرية المؤامرة وثقافة المغلوبية، وبذلك النحو تُحاول دغدغة غرائز الجموع، وذلك رغم أنّ الدستور الحالي يمنح لرئيس الحكومة صلاحيات لم يمنحها أيّ دستور سابق لرئيس الحكومة.. رئيس الوزراء.
مُقابل ذلك كلّه تُعاني المعارضة من عجز وظيفي، وعوز في الوسائل التي أهملتها بفعل تواكلها على الخطاب الحداثي للدولة، وبذلك النحو فوتت على نفسها فرصة امتلاك أدوات الضغط الضرورية، من قبيل العمل النقابي والجمعوي والإعلامي، رغم أنّ المنتظر كان وجود معارضة حداثية قوية لحكومة تنهل من الإسلام السياسي.
فوق ذلك نرى النقابات بدورها شبه مشلولة، رغم أنّ حكومة العدالة والتنمية هي الأكثر تطبيقاً لتعاليم البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وهي التعاليم التي أجهزت على كثير من المكتسبات.
أين تكمن المعضلة في نظركم؟
عموماً، تكمن معضلة بعض قوى الحداثة التي حاولت التصدي للمشروع الأصولي في ثلاثة اختلالات أساسية:
أولاً: عدم استقلالها عن السلطة، بل لقد دفعها التعويل على الخطاب الحداثي للدولة في المستوى الرسمي إلى الكسل والتواكل، ما سمح باختلال في موازين القوى لصالح القوى الأصولية، وهو الاختلال الذي يهدّد بالإجهاز على ممكنات الانتقال الديمقراطي الحداثي في المغرب، والانقلاب على روح ما سمّي بـ "العهد الجديد".

اقرأ أيضاً: أزمة صامتة بين المغرب وتركيا بسبب ليبيا وقمة كوالالمبور
ثانياً:
ثقافة الريع في بعض الأحيان، وهو المرض الذي أصاب كثيراً من القوى وانتهى إلى شلّ فاعليتها، من بينها أحزاب ونقابات ونخب جامعية.
ثالثاً: إغفال الأدوات الفكرية والثقافية، وتهميش النخب التي تشتغل على الإصلاح الديني، رغم أنّ المغرب يعتلي طليعة حقيقية في هذا المجال؛ حيث ظنّ الكثيرون أنّ المعركة ضدّ الفكر الأصولي يُمكن اختزالها في البعد السياسوي عبر الانتخابات أو الخطاب الحزبي أو ثقافة التفاهة أحياناً.

ما هي أهداف شبكة ضحايا حكومة حزب العدالة والتنمية؟
حين نتحدث عن الضحايا، فالمطلوب، بلا شكّ، هو الإنصاف، ويكون الإنصاف هذه المرة عبر مُراجعة كلّ القوانين التي أصدرتها حكومة العدالة والتنمية، سواء خلال فترة عبد الإله بن كيران، أو إبان فترة سعد الدين العثماني.
في هذا الإطار، بوسعنا أن نعتبر أنّ نضالات التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد تندرج ضمن سياق فاعلية ضحايا حكومة العدالة والتنمية، وهي دليل إضافي على حاجة المغرب اليوم إلى فاعليات مُستقلة بالفعل، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.

اقرأ أيضاً: هل تتحمّل حكومة الإسلاميين بالمغرب فشل التعليم؟
كما أنّنا نعتقد بوجود فاعليات أخرى تندرج ضمن هذا الإطار، من قبيل مركز الشهيد آيت الجيد مثلاً، والذي يُكافح من أجل الحقيقة والإنصاف في قضية مقتل الطالب اليساري، آيت الجيد، قبل أعوام مضت، وضمن المتهمين هناك أحد قادة حزب العدالة والتنمية، والملف ما يزال معروضاً أمام القضاء.

حكومة العدالة والتنمية هي الحكومة التي أصدرت أسوأ القوانين والقرارات

الزعيم السابق لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، كان قد صرّح عدة مرات، بأنّ هناك جهات تقف عائقاً أمام أداء حزبه لمهامه، ما رأيك في ذلك؟

يتعلق الأمر بلعبة بالغة الخطورة والضرر، حذرنا منها مراراً، وقد تفنن بن كيران في لعبها، فقد كان بوسعه أن يتخذ أسوأ القرارات، ثم يلتف عليها بأسلوب مزدوج؛ حيث يظهر أمام الدولة كأنّه "ملكي أكثر من الملك"، فلا يطبق سوى ما يريده "سيدنا"، مدعياً بعد ذلك أنّه يستشيره على الدوام، ولا يفعل إلا ما يرضيه، ثم سرعان ما يلقي بالمسؤولية على كاهل "الدول العميقة" أمام قواعد حزبه وكتائبه الإلكترونية، سواء بدعوى أنّ "الدولة العميقة" تفرض عليه بعض الأمور، أو أنّها تمنعه من إتمام بعض الأمور، وكلّ هذا دون أن يرغمه أحد على توضيح ما هي تلك الأمور.

اقرأ أيضاً: هل ينتمي حزب العدالة والتنمية المغربي لتنظيم الإخوان المسلمين؟
إنّه اللعب على الغموض الذي يمنحه القدرة على إحراج الجميع دون أن يحاسبه أيّ أحد، لا سيما أنّه لا يتورع عن توظيف الخطاب الفقهي التقليدي، والذي هو حجة من لا حجة له.
لماذا تنحون باللائمة على حزب العدالة والتنمية، وتحمّلونه مسؤولية ما يعيشه المغرب من مشاكل على كافة الأصعدة، بينما هناك أحزاب أخرى تشكل الحكومة؟

حين ننتقد حكومة العدالة والتنمية اليوم فنحن لا نمنح شهادة حسن السيرة لأيّة حكومة سابقة أو حزب آخر، بما فيها حكومة عبد الرحمن اليوسفي، التي نرى أنّها، انطلاقاً من وجهة نظر التاريخ المقارن، بمثابة التجربة الأفضل ضمن الحكومات السابقة منذ استقلال المغرب، بل ننتقد الأسوأ، وهذا كلّ ما في الأمر.

اقرأ أيضاً: هل يسعى إخوان المغرب فعلاً لفصل الدين عن السياسية؟
لقد صدرت قوانين وقرارات سيئة عن حكومات سابقة، لا شكّ في ذلك، غير أنّ حكومة العدالة والتنمية هي الحكومة التي أصدرت أسوأ القوانين والقرارات، وأشدها إيلاماً للمُواطنين والموظفين والمتقاعدين.
عندما دشّن عبد الإله بن كيران عهده بخطاب "عفا الله عما سلف" فقد كان واضحاً بأنّ هناك من عليه أن يدفع ثمن "المال المسلوب".
في الفترة الأخيرة، تبنت القيادية في حزب العدالة والتنمية، أمينة ماء العينين، خطاباً حداثياً، وأضحت تدافع عن الحريات الفردية، هل هذا مؤشر على أنّ الحزب بدأ يعيد النظر في خطاباته ويجددها؟
ننظر إلى المراجعات بعين التقدير، غير أنّها ما تزال تُمثل حالات فردية محصورة، والمأمول أن تنتقل إلى حالة عامة، لأجل ذلك يحتاج حزب العدالة والتنمية، ومعه عموم الإسلام السياسي، إلى ثورة ثقافية.

القطيعة مع فقه الغزوات وبأنّ أنصار العدالة والتنمية هم أشبال ابن تيمية ما تزال عملاً شاقاً وبعيد المنال

إذ يجب أن يقطع الحزب نهائياً مع أيديولوجية حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي، ليس فقط في مستوى الخطاب السياسي وإعلان النوايا، وإنما في مستوى البنية الثقافية والنفسية لأنصار العدالة والتنمية، حين نسمع خطابات في أجواء الغضب تتبجح بأنّ أنصار العدالة والتنمية هم أشبال ابن تيمية، على سبيل المثال، أو نحو ذلك مما تفوّه به بن كيران في أحد خطاباته الغاضبة، نفهم أنّ القطيعة مع فقه الغزوات ما تزال عملاً شاقاً وبعيد المنال.
مطلوب أيضاً القطيعة مع مفاهيم فقه التوسعات الإمبراطورية، من قبيل مفاهيم التدافع والاحتراب والجماعة واللواء وتقسيم العالم إلى مسلمين وكفار، وما إلى ذلك من مفاهيم تنتمي إلى العصر الوسيط.

استفاد المؤسسون من أجواء الصراع بين الدولة واليسار خلال سبعينيات القرن الماضي

مع اقتراب ذكرى 20 شباط (فبراير)؛ هل استفاد حزب العدالة والتنمية من احتجاجات عام 2011 بالمغرب ليترأس الحكومة؟
سيرورة صعود حزب العدالة والتنمية كانت جارية منذ عقود مضت، وذلك منذ استفاد المؤسسون من أجواء الصراع بين الدولة واليسار خلال سبعينيات القرن الماضي، وأثناء ذلك استفاد بن كيران، كما هو معروف، من دعم وزير الداخلية الأسبق، إدريس البصري، من أجل تفادي ثورة على النمط البولشيفي، أو ثورة على النمط الإيراني، غير أنّ أجواء ما كان يسمى بالربيع العربي شكلت فرصته السانحة لغاية التغول والتغلغل داخل دواليب الإدارة، لقد استفاد حزب العدالة والتنمية من أجواء ما كان يسمى بالربيع العربي، وأثناء ذلك أنتج خطاباً متعدّد الأبعاد؛ فقد قدم نفسه للدولة باعتباره الأقدر على حمايتها من الهزات، وذلك جراء قدرته على إنتاج خطاب شعبوي وغوغائي قادر على التلاعب بالطاقة الغضبية للناس، بيد أنّه، في المقابل، قدّم نفسه لقواعده ولعموم الناس باعتباره الأقدر على حماية "المستضعفين" ممن كان بن كيران يصطلح عليهم بالأشباح والتماسيح، وقدم نفسه للقوى الديمقراطية باعتباره الأقدر على مواجهة ما كان يسميه بن كيران "التحكّم"، وبهذا النحو من الأقنعة المتعددة تميزت تجربة العدالة والتنمية.
كيف ستتصدى شبكة ضحايا حكومة العدالة والتنمية لمشروع الإسلام السياسي بالمغرب؟
أهم ما يُمكن أن تفعله الشبكة؛ هو محاولة العمل على تجميع كلّ الفاعليات التي ينشئها ضحايا حكومة العدالة والتنمية، وذلك وفق ثلاث غايات أساسية:
أولاً: تفويت الفرصة على حكومة العدالة والتنمية في التنصل من مسؤوليتها فيما آل إليه الوضع جراء قراراتها المجحفة.
ثانياً: النضال بكلّ الوسائل المتاحة والمشروعة من أجل مراجعة كلّ القوانين والقرارات المجحفة التي صدرت عن هذه الحكومة.
اقرأ أيضاً: ما موقف الإسلاميين في المغرب من الأمازيغية؟
ثالثاً:
المحاسبة القانونية والقضائية لكلّ المتورطين في قضايا إرهاب أو عنف أو تطرف، والذين استفادوا من الاختلال في النسق السياسي العام قصد الإفلات من المساءلة أو العقاب.

كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي بالمغرب؟

بعبارة واضحة؛ كلّ تحالفات الإسلام السياسي، سواء مع السلطة أو الجيش أو أمريكا أو اليسار، أو غير ذلك من التحالفات، قد انتهت جميعها إلى اصطدام دراماتيكي بين الطرفين، كلّ التجارب تُؤكد ذلك.
إذا نجح المغرب في جعل النهاية أقلّ دراماتيكية، فسيكون قد صنع الاستثناء بالفعل.
هل سينجح في ذلك؟
لا نملك أيّ توقع بهذا الخصوص، غير أنّنا قررنا عدم الوقوف موقف المتفرج.

للمشاركة:

منير أديب: الإمارات الأكثر نجاحاً في مواجهة الإرهاب وتلك هي الأسباب

2020-02-12

أجرى الحوار: حاتم زكي


قال الباحث المصري منير أديب إنّ داعش وغيرها من التنظيمات التكفيرية لا تمتلك مستقبلاً حقيقياً يضمن لها الاستمرار بالمنطقة برغم امتلاكها للعتاد العسكري، وشبكة تمويل ضخمة، وعدداً كبيراً من المقاتلين، لافتاً في حواره مع "حفريات" إلى أنّه "لا يجوز التعامل بشكل قانوني أو سياسي مع التنظيمات غير القانونية والتكفيرية التي تحارب الدولة، وتسعى لهدمها وانهيارها.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان: مستقبل مظلم وموت محتمل
وأكد الخبير في شؤون الحركات الإسلامية المتطرفة والإرهاب الدولي أنّ المواجهة الفكرية مع الإرهاب تظل هي الحل الناجز، مشيداً بتجربة دولة الإمارات "التي تمثّل نموذجاً ناجحاً وفريداً في مواجهة التطرف عبر اعتمادها استراتيجية متكاملة تربط بين الفكري والأمني والعسكري".

هناك اختلافات وتناقضات في السياسات الدولية سمحت بظهور التنظيمات المتطرفة

وأضاف أديب أنّ عودة الدولة عبر المؤسسات الدينية والتعليمية يضعف تواجد تلك التنظيمات تلقائياً ويعمل على اضمحلالها، داعياً رجال المؤسسة الدينية الرسمية إلى "نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن، والمؤسسة الدينية هي وحدها المخولة بهذه المهمة".
يذكر أنّ منير أديب كاتب صحفي مصري، له عدة كتب في مجال الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، مثل: "خريطة الإرهاب المسلح"، و"الدولة الإسلامية فكرة زائفة أم حقيقة غائبة"، وكتاب "كلمات خلف القضبان، سهام الجهاديين أم روضة الزنازين؟"، وله كتاب تحت الطبع بعنوان "الإخوان المسلمون والعنف: قراءة في الأدبيات المجهولة للعمل المسلح".
وهنا نص الحوار:
مستقبل داعش والإرهاب

كيف ترى مستقبل تنظيم داعش، وما مدى قدرته على الانتشار في مناطق جديدة؟
أرى أنّ تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة لا يمتلك مستقبلاً حقيقياً؛ ربما سينجح في الاستيلاء على مناطق معينة لفترة، ولكنه سرعان ما ينهزم وينسحق، وداعش خير دليل على ما أقول بما سيطرت عليه من مناطق شاسعة بين العراق وسوريا في 29 حزيران (يونيو) 2014، إذ انهارت "دولته" بعد مرور خمسة أعوام، وبالتالي التنظيم ليس له مستقبل حقيقي لإقامة دولة وإن سيطر على الأرض، ولكن هذا ليس معناه انهيار التنظيم ما يجعلنا نتهاون في مواجهة تلك التنظيمات.

اتسم النموذج الإماراتي بامتلاك رؤية عامة لاستراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف

أعتقد أنّ هناك تحديات عديدة أمام العالم والإقليم والدول المعنية بهذا الشأن، وهو أن تسعى لمواجهة حقيقية وفعالة ضد هذا الخطر المحدق؛ فللأسف هناك دول إقليمية تدعم تلك التنظيمات مثل تركيا.
وهناك اختلافات وتناقضات في السياسات الدولية سمحت بظهور التنظيمات المتطرفة، وتؤكد عدد من التقارير الاستخباراتية العودة الشرسة لتنظيم داعش؛ فوفقاً لتقديرات استخباراتية فإنّ التنظيم يمتلك شبكة مالية واسعة تقدر بـ100 مليون دولار، ويمتلك أسلحة خفيفة وثقيلة، كما أنّه يسعى لامتلاك طائرات مسيّرة، وما يزال يضم عدداً من المقاتلين يتراوح عددهم بين (18 و30) ألف مقاتل كخلايا نائمة، والتنظيم للأسف نجح في الانتشار في بيئات حاضنة تنسجم مع أفكاره وخطابه التكفيري مثل غرب أفريقيا وشمال شرق آسيا وأفغانستان وليبيا، ودول كثيرة كمناطق بديلة للموصل والرقة.

أثار التدخل التركي في الشأن الليبي تساؤلات عديدة حول خلفياته، فما هي الأسباب الحقيقية وراءه؟
هناك أسباب مباشرة لهذا التدخل منها دعم الجماعات المتطرفة التي تحالفت معها حكومة الوفاق في طرابلس، خاصة أنّ المنظمات المتطرفة والنظام التركي خرجا من مشكاة واحدة لها نفس الأيدولوجيا والرؤية والتفكير والسياسات.
وبالتالي الدعم التركي طبيعي ومنطقي، والنظام التركي يعيد تلك الجماعات للمشهد من خلال حمايتها وتجنيد مقاتلين وإرسالهم إلى ليبيا ويدعم كل من يعملون على عودة الخلافة العثمانية، وتمكين جماعة الإخوان المسلمين في الحكم، وتنصيب أردوغان سلطاناً للخلافة، ويضع يده في يد قطر، ويتوافق مع حزب النهضة في تونس، ويدعم الإخوان المسلمين المصريين وخاصة بعد ثورة 2013، ويستضيفهم على أراضيه كورقة لابتزاز النظام المصري سياسياً.

مواجهة الإرهاب

كيف ترى آليات مواجهة تلك التيارات المتشددة التي تنسب نفسها إلى الإسلام؟
هناك جوانب عديدة لمواجهة تلك التيارات المتشددة أمنياً وعسكرياً وفكرياً، الجانب الأمني يتعلق بمهاجمة الخلايا وتفكيكها، والجانب العسكري المتعلق بتوفير معلومات استخباراتية وتقديمها للأجهزة الأمنية لتفكيك الخلايا وإحباط مخططاتها، والجانب الفكري شديد الأهمية الذي يحتوي تجديد الفكر الديني ودعم الثقافة المستنيرة وإعداد مناهج تعليمية وبرامج ثقافية لتغيير أنماط الفكر المتطرف وزرع التسامح وقبول الآخر.

اقرأ أيضاً: حزب الإصلاح يحوّل اتفاق الرياض حصان طروادة لتصدير الإخوان إلى عدن
وبالتالي هناك عدة آليات أخطرها على الإطلاق الآليات الفكرية؛ لأنها مسؤولة عن تفكيك فكر الإرهاب ومواجهة الأفكار وتجفيف منابعها، وهناك فرق بين مواجهة الإرهابي ومواجهة الإرهاب؛ أي مواجهة الأفكار؛ لأن ذلك كالحرث في البحر، وهذا ما يحدث في كثير من العواصم العربية.
أشرت في أكثر من مقابلة ومقال إلى نجاح النموذج الإماراتي في مواجهة التطرف، فكيف ترى سمات هذا النموذج وأسباب نجاجه؟
اتسم النموذج الإماراتي بامتلاك رؤية عامة لاستراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف، ولعلها العاصمة العربية الوحيدة التي نجحت في تفكيك أفكار التنظيم على أراضيه، وتخلت عناصره طوعاً وبمحض إرادتهم عن أفكارهم المتطرفة.

لا يمكن مواجهة التنظيمات الإرهابية دون قراءة تلك الظاهرة قراءة علمية واعية

يمكن تلخيص تلك الاستراتيجية في عدة أدوات تتعلق بمواجهة أفكار التطرف: عبر إقامة مؤسسات معنية بنشر ثقافة التسامح ونبذ الكراهية مثل وزارة التسامح، بالإضافة إلى إشاعة الروح العلمية والنقدية في المناهج التعليمية؛ فهي صمام أمان للشباب ضد ما قد يتسرب لهم من الفضاء الإلكتروني من أفكار متطرفة، واللجوء لمواجهة الإرهاب خارج أراضيها الذي سينتقل إليها حتماً، فسخّرت إمكانياتها لمواجهة الإرهاب المعولم.
وأخيراً قراءة التنظيمات المتطرفة قراءة علمية واعية عبر المراكز السياسية المتخصصة والتعاون مع خبراء متخصصين في مجال مواجهة الإرهاب؛ فلا يمكن مواجهة تلك التنظيمات دون قراءة تلك الظاهرة قراءة علمية واعية وهذا ما يغيب عن العديدين في مواجهة هذه الظاهرة.
أخطاء التعامل الإسلام السياسي

كثيراً ما أكدت أنّ التعامل القانوني مع جماعة الإخوان المسلمين ظل غائباً في فترات الحكم السابقة، فما السبب وراء ذلك؟
أعتقد أنّ تفكيك الأفكار المؤسسة لتلك التنظيمات مثل توظيف فكرة "المظلومية الإخوانية" في استقطاب جمهور واسع من الشباب وغيرها من الأفكار المؤسسة لخطاب التطرف يجب أن تكون من أولويات المواجهة الفكرية ضد تلك الحركات الظلامية، ولا يجوز في رأي الشخصي أن نتعامل بشكل قانوني مع التنظيمات غير القانونية أو أن نتعامل بشكل سياسي مع التنظيمات التكفيرية التي تحارب الدولة، وتسعى لهدمها وانهيارها وتظل المواجهة الفكرية مع الإرهاب هي الحل الناجز، وإذا فككنا الأفكار المؤسسة لتلك التنظيمات انتهت هذه الجماعات لا محالة.

ألا ترى أنّ الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تدهورت في العهود السابقة ساهمت بصعود الجماعة؟
بكل تأكيد؛ الإخوان المسلمون ومثل هذه التنظيمات قدمت نفسها بديلاً للدولة عبر النشاطات الخيرية، كما قدمت نفسها دعوياً عندما اعتلى خطباؤها المنابر، وأعطوا الدروس الدينية في المساجد مستغلين غياب المؤسسة الدينية.

اقرأ أيضاً: مجلة فرنسية تحذر من خطر "أحفاد الإخوان" على أوروبا
كما أنّهم اخترقوا التعليم بتأسيسهم لمدارس تحت شعارات "إسلامية" لتفريخ أجيال جديدة تحمل مشروعهم السياسي، ولكن من المؤكد أنّه عندما تعود الدولة عبر المؤسسات الدينية والتعليمية يضعف ويضمحل تواجد تلك التنظيمات تلقائياً. والقاعدة تقول إنّ تلك الجماعات عندما تنتشر فهذا معناه غياب الدولة عن القيام بدورها السياسي والتعليمي والثقافي وعندما تحضر الدولة تغيب تلك التنظيمات.

لطالما شددت على ضرورة نقد التراث الديني التقليدي ودور المؤسسات الدينية الرسمية في الفهم الصحيح للدين، كيف تقيم هذا الدور في مواجهة خطاب التطرف؟
هناك دور كبير للمؤسسات الإسلامية الرسمية لمواجهة خطاب التكفير؛ فإذا غاب دورهم فقُل على الدنيا السلام، وهناك دور أعمق يجب أن تقوم به في مواجهة خطاب التكفير المنتشر بين الشباب، ومصر بها مؤسسات إسلامية عريقة وذات مكانة عليها أن تجتمع لتقديم رؤية متماسكة للرد على الخطاب التكفيري وتفكيكه، وستنتهي تلك التنظيمات بالرد عليهم ودحض انحرافاتهم وفهمهم المعيب والخاطئ للتراث.

على رجال المؤسسة الدينية الرسمية نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن

التراث من وجهة نظري ليس مقدساً؛ فما لا يناسب الواقع والمستقبل لا نأخذ به، وعلينا نقد التراث، ولا شيء مقدس بخلاف النص القرآني، وعلى رجال المؤسسة الدينية الرسمية نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن، والمؤسسة الدينية هي وحدها المخولة بنقد التراث.
انتقد كثيرون مؤسسة الأزهر لرفضها تكفير داعش؛ أنا أرى أنّ أهم ما يميز الأزهر على مدار تاريخه هو أنّه مؤسسة وسطية ومعتدلة ميّزت نفسها برفض التكفير، وهي ترفض مبدأ التكفير ذاته وليس تكفير داعش لأنّها داعش، والانزلاق في فخ تكفير الجماعات المتطرفة يفتح الباب لتكفير كل مخالف في الرأي والاعتقاد؛ وبالتالي تطبيق حد القتل بحق من ستكفّره تلك الجماعة وتلك، ويجعل الأزهر بمكانته العلمية الرفيعة يتشابه في النهاية مع الجماعات التكفيرية.

بدأ المتابعون يكتشفون حقيقة القنوات الإخوانية، فما هي الآليات التي تستخدمها تلك القنوات في مخاطبة مشاهديها؟
هناك أزمة حقيقة لدى الإعلام المسيّس الذي يذكر نصف الحقيقة فقط، ويستغلها كقميص عثمان في معاركه السياسية التي تستفيد منها الدول التي تستضيف تلك القنوات الفضائية لابتزاز الدولة المصرية.
وأغلب تلك القنوات تتعمد إرسال رسائل خادعة لجمهورها، وهي منصات وأذرع إعلامية لتنظيمات كجماعة الإخوان المسلمين وهي تدافع عنها بشراسة.
ومن أشكال تلاعبهم المبالغة في نسبة المشاهدة وخلط الحقائق بالأكاذيب، وهناك معلومات أدلى بها بعض العاملين في تلك القنوات تفيد بأنها ترفع شعارات غير حقيقية ليس لها علاقة بالواقع وتمارس عكسها، وهذا يجسد الفشل المهني والإعلامي، وهذه المنصات تهدد الأمن الفكري والاجتماعي نظراً لما يبث بها من أكاذيب تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتحضّ على العصيان لمصلحة قوى سياسية معروفة الأهداف مثل الإخوان المسلمين.

للمشاركة:

رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي لـ"حفريات": لست عميلاً لأمريكا أو إسرائيل

2020-02-03

أجرى الحوار: محمود أمين


أبدى رئيس الوزراء العراقي السابق، زعيم تحالف النصر، حيدر العبادي، تحفظه على ترشيح محمد توفيق علاوي لرئاسة الحكومة المرتقبة، مؤكداً أنّ المحاصصة ستكون مقتل النظام السياسي في العراق. كما نفى الاتهامات بعمالته للخارج سواء لأمريكا أو إسرائيل أو أي دولة عربية.

رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي: مأزق الكتلة الأكبر مازال قائماً والحكومة المرتقبة ستأتي على شاكلة الحكومة المستقيلة

وفيما اتهم حكومة عبد المهدي بمضاعفة الفساد وضرب الاحتجاجات، أدان اختراق واشنطن وطهران، لسيادة بلاده خلال الفترة الماضية. وقال العبادي في حوار مع "حفريات": "أدنّا الانتهاكات الأمريكية للسيادة العراقية، كما ندين الانتهاك الإيراني أيضاً، لسنا أعداء لأحد، ونطلب الصداقة والتعاون مع جميع دول العالم على قاعدة المصالح المشتركة".
وهنا نص الحوار:

كيف تنظرون الى ترشيح الدكتور محمد توفيق علاوي لقيادة الحكومة المرتقبة؟
العبادي: لسنا طرفاً بطرح مرشح لرئاسة الوزراء في هذه المرحلة، وما زلنا متمسكين بما دعونا له سابقاً باختيار شخصية مؤهلة تحظى بثقة الشعب كرئيس للوزراء لمرحلة انتقالية مؤقتة، تنتهي بإجراء انتخابات حرة نزيهة بإشراف أممي، وإجراء تحولات بالحياة السياسية بما يخدم طموحات الشعب.

العبادي: الفساد في العراق مؤسسي والمحاصصة السياسية ستكون مقتل النظام السياسي في العراق وعلى الجميع تدارك ذلك

حدثنا عن حراك تشكيل الحكومة ومأزق تحديد من هي الكتلة الأكبر في البرلمان.
العبادي: هناك أطراف سياسية، تريد تكرار سيناريو تشكيل حكومة السيد عادل عبد المهدي، بتسمية رئيس جديد للحكومة الانتقالية، وهذا خطأ كبير، لكون مسألة الكتلة الأكبر مازالت عالقة لغاية الآن دون تحديد من هي. كما أنني أحذر من معاودة تكرار ما حصل مع الحكومة السابقة؛ لأنّ هناك من يريد أن يأتي بتابع له كرئيس للوزراء، ليستمر بتقاسم المناصب، وهذا الأسلوب سيضيّع البلد.
اتهامات بالعمالة
شخصكم يواجه اتهامات بالعمالة لأنكم تختلفون عن بعض القوى السياسية الأخرى، بماذا تجيبون على ذلك؟
العبادي: طبيعي؛ لأنّ كل من يخالف أو يعترض داخل العملية السياسية، يتهم إما بالعمالة لأمريكا أو السعودية أو إسرائيل، علماً أنّ الأخيرة عدوةً لنا ونعمل ضدها، ومن يقول إنني مرتبط بها، يناقض الواقع.
وما هو ردكم على اختراق السيادة العراقية من قبل إيران وأمريكا؟
العبادي: سبق أن أدنّا ذلك، أدنّا الانتهاكات الأمريكية للسيادة العراقية، كما ندين الانتهاك الإيراني أيضاً، لسنا أعداء لأحد، ونطلب الصداقة والتعاون مع جميع دول العالم على قاعدة المصالح المشتركة، كما  نؤكد رفضنا لأي صراعات أو تصفية حسابات إقليمية دولية على حساب الدم والأرض والسيادة العراقية، وأدعو الشعب والرئاسات الثلاث والقوى الوطنية إلى حفظ وحدة واستقرار ومصالح العراق، وأطالبهم بالوحدة والتضامن الوطني، وأن نجعل مصالح العراق وسلامة شعبه خطاً أحمر في سياساتنا.

شرعية الاحتجاجات
كسياسي ورئيس وزراء سابق، هل ثمة شرعية للتظاهرات القائمة؟

العبادي: الشعب العراقي وصل إلى مرحلة من الإحباط واليأس، نتيجة عدم تلبية السلطة القائمة لحاجاتهِ من الأمن والخدمات، وفرص العمل، حكومتي السابقة سلّمت الحكومة التي تلتها، مبالغ طائلة، فأين الإنجازات والمشاريع؟ كل ما أخشاه هو تجاهل المطالب الشعبية، الذي قد يؤدي الى حالة من الانهيار، لا سمح الله.

كيف تنظر إلى التظاهرات المطالبة بالإصلاح. وكيف تقرأ نهايتها؟
العبادي: الشعب الذي أعطى شبابه قرباناً لوطنه وحريته ومبادئه، لن يتراجع عن الإصلاح مهما كلف الأمر، هؤلاء الذين وهبوا أرواحهم للحياة لن يموتوا، وهذا الوطن الذي علّم الإنسانية الحضارة، ولقّن الغزاة دروساً في الوطنية والسيادة سيكون النصر حليفه، ولن يفلح القمع ولا الظلم أبداً.
وما هي وجهة نظركم لدور الحكومة في ظل تصاعد أعمال العنف خلال الاحتجاجات؟
العبادي: للأسف الحكومة استهانت بالدماء، وفاجأني رد فعل القوات الأمنية العنيف ضد المتظاهرين، وهذا ما يتحمله القائد العام للقوات المسلحة؛ لأنّ الوحدة بآمرها، كما يقال. لهذا أنا مازلت قلقاً جراء تصاعد أعمال العنف في الكثير من ساحات الاحتجاج.

آلية التعاطي مع ملف الحشد الشعبي
كيف تقرأ تعامل حكومتك وحكومة السيد عبد المهدي مع ملف الحشد الشعبي؟

العبادي: حكومتي أرادت دمج الحشد الشعبي بالقوات الأمنية، ووصلنا من حكومة السيد عبدالمهدي أنهم يسيرون في عملية دمج الحشد الشعبي مع القوات العراقية عموماً، وإبعادها عن التأثير السياسي. كنت أصر مع الأخ عبد المهدي على أن يكون هناك تنفيذ للأمر الديواني، وليس إصداره فقط. ففي عام 2018، أصدرتُ نظاماً للحشد الشعبي ينظّمه ويمنع التدخل السياسي فيه. كما أنّ عبد المهدي كان مع الأمر الديواني الذي بدأت به ومع النظام الخاص بالحشد الذي صدر في فترة حكومتي.
لماذا لم يتم تحييد الحشد عن السياسة؟
العبادي: عندما كنت رئيساً للحكومة أصدرت تعليمات قبل الانتخابات النيابية بضرورة أن يفصل قادة الحشد عملهم في الحشد عن العمل السياسي، ومن يريد الترشح للانتخابات، عليه الاستقالة من الحشد. المقاتلون في الحشد هم أبناء البلد، فأنا أتحدث عن جهات سياسية تستغل الحشد لمصالحها، وأسمع من مقاتلين أنّ الرواتب تدفع لأشخاص ليسوا منهم. هؤلاء فضائيون، فهم غير مقاتلين، ويأخذون رواتب المقاتلين، إنه أمر غريب.

ما طبيعة العلاقة بينك وبين قادة الحشد، هل هي إيجابية أم سلبية؟
العبادي: بصراحة، علاقتي بمختلف قادة الحشد الشعبي، قائمة على الإيجاب، كما لدي لقاءات مستمرة معهم، ونقطة اختلافنا هي في استثمار الحشد لغاية غير عامة.

حيدر العبادي: ندين اختراق السيادة العراقية من قبل طهران وواشنطن ولسنا طرفاً في أي نزاع دولي

المخاطر المحيطة بالنظام السياسي
برأيكم ما هي التحديات التي تعتبرونها مصدر قلق في الوقت الحالي؟

العبادي: من أبرز التحديات التي نراها تواجه النظام السياسي في العراق، هو عدم الفصل بين السلطات الثلاث، القضائية والتنفيذية والنيابية، حيث إنّ بعض البرلمانيين يتدخلون في العمل الحكومي التنفيذي، وهذه خطورة على النظام الديمقراطي؛ لأنّه في ظل عدم احترام الصلاحيات والفصل بين السلطات، ستكون الفوضى قائمة.

بصفتكم رئيس وزراء سابق، كيف تنظرون إلى ملف الفساد الآن، وما هي معالجاتكم له؟
العبادي: الفساد مستشرٍ، ولا يمكن القضاء عليه بضربةٍ واحدة، وفي دورة أو دورتين رئاسيتين. بل يحتاج الى عمل دؤوب ومستمر، لكي تقضي عليه. لكن علينا تقديم إجراءات تحارب الفساد، ويلمسها المواطن، وليس العكس. لهذا أقول إنّ عدم محاربة الفساد السابق وإضافة فساد جديد له يؤدي الى الإحباط واليأس لدى المواطن. في هذه الحكومة المستقيلة بات بيع المناصب علنياً، وتم إنشاء مناصب جديدة داخل وزارات معينة، لغرض بيعها، ويتم ذلك علناً أيضاً، وهذا فساد جديد بصراحة. كما أشير إلى وضعِ حصصٍ للكتل السياسية في مختلف العقود الحكومية، ولكل حزبٍ حصة في ذلك. سابقاً، كان يحدث فساد، لكن الفاسد يشعر بالخوف ويتستر من الدولة والمحاسبة، أما الآن فليس هناك خوف، والحكومة والقضاء لا يتحركان إزاء الفساد الحالي.

الفساد في العراق مؤسسي
إذا، ما هي الخطوات العملية المطلوبة لمكافحة الفساد في الراهن العراقي؟

العبادي: الفساد في العراق مؤسسي، نتيجة امتلاك الأحزاب السياسية لجاناً اقتصادية، فضلاً عن فساد شخصيات نافذة في الدولة. وقد شكلنا في نهاية العام 2016 مجلساً أعلى لمكافحة الفساد، وقد استمر عملي مع المجلس سنتين، وكذلك استمر رئيس الوزراء اللاحق عادل عبدالمهدي بالعمل به، ويمثل هذا المجلس قضية إستراتيجية في ملف مكافحة الفساد، وقد تمت الاستعانة بخبراء دوليين وتعاون دولي لكشف أموال الفاسدين وعقاراتهم خارج العراق، فضلاً عن المتابعة التكنولوجية عبر الشبكة المعلوماتية لكشف تواصلاتهم وتعاملاتهم مع أقرانهم، وهذه طريقة تقنية في ملاحقة الفاسدين. لهذا تم اعتقال الكثير من المسؤولين من ضمنهم وزيران سابقان تم جلبهما للعراق، بينما الحكومة المستقيلة هرّبت اثنين من المسؤولين كانا معتقلين لديها، نتيجة غياب آليات مكافحة الفساد لديها.

في ظل هذه الصورة القاتمة، هل تعتقدون بأنّ النظام السياسي مهدد بالانهيار؟
العبادي: أقول بصراحة إنّ المشكلة ليس في النظام الدستوري الحالي، بل في ممارسة هذا النظام من قبل الأحزاب السياسية وفق قاعدة المحاصصة، لاسيما أنّ تلك الأحزاب في الغالب منها، أحزاب ليس قديمة بل تشكلت بوحي اللحظة، وهي عبارة عن تحالفات انتخابية سريعة، ما تلبث أن تتفكك بعد الانتخابات من أجل مكاسب معينة. لذا أرى أننا سنكون في نفقٍ مسدود في حال عدم تجاوز هذه الممارسات.

للمشاركة:



الحوثيون يعيقون وصول المساعدات لليمنيين.. وثائق وشهادات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية استغلال المنظمات الإغاثية الدولية، التي تحاول مساعدة الشعب اليمني المنكوب.

وكشفت وثائق أممية؛ أنّ الميليشيات فرضت على برامج إمدادات الأمم المتحدة إلى اليمن ضرائب 2% كشرط لإيصال مساعدات الإغاثة لهذا البلد الذي مزقته الحرب.

وأكّدت الوثائق، التي حصلت عليها وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية؛ أنّ الميليشيا الانقلابية أخضعت الوصول إلى المناطق الواقعة تحت سيطرتهم لمجموعة شروط ترفضها وكالات المساعدات، وذلك لأنّها ستمنح الحوثيين نفوذاً أكبر في تحديد من يتلقى تلك المساعدات.

الميليشيات الحوثية تفرض على برامج إمدادات الأمم المتحدة إلى اليمن ضرائب 2% كشرط لإيصال مساعدات

ونقلت عن مسؤول رفيع المستوى بالأمم المتحدة، فضّل عدم الكشف عن هويته؛ أنّ جهود الحوثيين لعرقلة الإمدادات الإنسانية عاقت كثيراً من برامج توفير الغذاء للنازحين جراء الحرب ذات الأعوام الستة، مضيفاً "أكثر من 2 مليون مستفيد تأثروا بشكل مباشر".

وظلت الأمم المتحدة، إلى حدّ كبير، ملتزمة الصمت تجاه الضغوط التي تتعرض إليها، لكن خلف الكواليس لم تتراجع المنظمة أو المتبرعون الدوليون عن موقفهم المعارض لمطالب الحوثيين.

والتقت "أسوشيتد برس" 7 من العاملين والمسؤولين في الأمم المتحدة ووكالات مستقلة بشأن الوضع، وجميعهم تحدثوا شرط عدم كشف هويتهم، فضلاً عن أنّها اطلعت على عشرات الوثائق، من بينها رسائل بريد إلكتروني لمسؤولي مساعدات.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أرسلت ليز جراندي، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، خطاباً إلى رئيس الوزراء الذي عينه الحوثيون، تشكو فيه بشأن قائمة طويلة من المطالب.

وقالت جراندي في الخطاب: "الغالبية العظمى من تلك المطالب تعوق وتؤخر إيصال المساعدات، وكثير من بنودها تنتهك المبادئ الإنسانية".

وعلى مدى عدة أشهر، طالب الحوثيون بالحصول على حصة 2% من الميزانية الإجمالية للمعونات، وهو شرط رفضته الأمم المتحدة والمتبرعون، وفق "إسوشيتد برس."

وكالة برنامج الغذاء العالمي تفكّر في قطع مساعدات الغذاء التي تستهدف 12 مليون يمني شهرياً

وفي رسالة بريد إلكتروني؛ قال المتحدث باسم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: إنّ محاولات الحوثيين لفرض ضريبة على المساعدات الإنسانية غير مقبولة وتتعارض بشكل مباشر مع المبادئ الإنسانية الدولية.

وطبقاً للوكالة الأمريكية للتنمية، تبرعت الولايات المتحدة بـ 686 مليون دولار إلى اليمن عام 2019.

والأسبوع الماضي، بدا أنّ الحوثيين يتراجعون عن شرط الـ 2%، لكن ما يزالون يواصلون الضغط من أجل امتيازات أخرى، طبقاً لمسؤول مساعدات.

وتفكّر وكالة برنامج الغذاء العالمي في قطع مساعدات الغذاء، التي توصلها إلى 12 مليون يمني شهرياً، بحسب ما قاله مسؤول بالأمم المتحدة، موضحاً: "لسوء الحظ؛ الشعب سيعاني، لكنّ الحوثيين لا يمكنهم استخدام الناس كرهائن لفترة طويلة".

 

 

 

للمشاركة:

الكورونا الجديد يجتاح مدينة قم الإيرانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية وفاة شخصين جراء إصابتهما بفيروس كورونا المستجد، في مستشفى بمدينة قم.

ورغم تأكدات وكالة الأنباء الرسمية "إرنا"؛ أنّ المصابين الذين توفيا لم يسافرا خارج إيران، أو خارج مدينة قم، قبل إصابتهما، إلا أنها نقلت لاحقاً خبر قرار إقفال المدارس والجامعات في المدينة، اليوم، كإجراء وقائي للحدّ من انتشار الفيروس.

وأكّد نائب وزير الصحة لوسيلة إعلام محلية عدم اكتشاف إصابات خارج مدينة قم، حتى الآن، لكن شبكة "بي بي سي" الفارسية علمت أنّ 25 شخصاً يخضعون الحجر الصحي في المستشفى ذاته في قم، بسبب الاشتباه في إصابتهم بفيروس "كوفيد 19".

وزارة الصحة الإيرانية تؤكد وفاة شخصين جراء إصابتهما بفيروس كورونا المستجد

هذا وقد أعلنت بكين، اليوم، أنّها رصدت، خلال الساعات الـ 24 الماضية، 394 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجدّ، في أدنى حصيلة يومية يسجّلها الوباء في الصين، منذ حوالي شهر، فيما ارتفعت حصيلة الوفيات الناجمة عن الفيروس في الصين القارية إلى 2118 حالة، بعد أن سجّلت مقاطعة هوبي، بؤرة الوباء في وسط البلاد، 114 حالات وفاة خلال الساعات الـ 24 الفائتة.

وقالت لجنة الصحة الوطنية في تحديثها اليومي لحصيلة الوفيات والإصابات؛ إنّ الغالبية العظمى من هذه الإصابات الجديدة سجّلت في هوبي، بؤرة الوباء في وسط البلاد، في حين سجّلت 45 إصابة جديدة فقط في سائر أنحاء البرّ الرئيس للصين.

وبحسب الحصيلة الجديدة؛ فقد بلغ عدد المصابين بالفيروس في عموم أنحاء الصين القارية 74500 مصاب.

السلطات الإيرانية: إقفال المدارس والجامعات في قم كإجراء وقائي للحدّ من انتشار الفيروس

وأعلنت منظمة الصحة العالمية؛ أنّ المواطن الأجنبي الذي سُجلت إصابته بـ "كوفيد 19" في مصر لم يعد يحمل الفيروس، لكنّه سيبقى 14 يوماً في الحجر الصحي.

وأعلن مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال مؤتمر صحفي؛ أنّ المعلومات الآتية من الصين تشير إلى انخفاض عدد الإصابات الجديدة.

وأضاف: "رأينا ظهوراً منتظماً لحالات جديدة خارج الصين، لكننا لم نرَ بعد استمراراً لانتشار الفيروس داخل البلاد، عدا في ظروف خاصة، مثل ما حصل في سفينة "دياموند برنسيس"".

 

 

للمشاركة:

تراجع الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها.. بماذا تأثرت؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

تراجعت الليرة التركية مجدداً، اليوم، لتظلّ قرب أدنى مستوياتها في التداولات العادية منذ أيار (مايو) الماضي، مع تخوف المستثمرين من تصاعد التوترات في منطقة إدلب السورية؛ حيث تقترب أنقرة من مواجهة عسكرية.

وسجلت الليرة 6.0895 مقابل الدولار في الساعة 0534 بتوقيت غرينتش، بعد أن ضعفت إلى 6.1 في معاملات خفيفة مبكرة، ومقارنة مع 6.0845، أمس، وفق "رويترز".

وأظهرت بيانات من معهد الإحصاء التركي، اليوم؛ تراجع مؤشر ثقة المستهلكين إلى 57.3 نقطة في الشهر الحالي، عن 58.82 في الشهر السابق.

الليرة التركية تنهار على وقع تصاعد التوترات في منطقة إدلب السورية والمواجهات العسكرية

وفي أيار (مايو) الماضي، لامس المؤشر 55.3، أدنى مستوياته منذ نشر البيانات للمرة الأولى في 2004، مع سقوط الاقتصاد في الركود، ويشير مستوى ثقة دون 100 إلى نظرة تشاؤمية، بينما تعني أيّة قراءة فوق 100 التفاؤل.

وانخفضت الليرة بنسبة 11% في العام الماضي، لأسباب من بينها توغل عسكري تركيا في سوريا، لتصل خسائرها على مدى عامين إلى 36%، ويقول متعاملون إنّ بنوكاً حكومية تبيع الدولار لدعم العملة خلال اضطراب السوق.

وتهدف الإجراءات الحكومية، التي شملت فرض قيود على الصرف الأجنبي ومتطلبات الاحتياطيات بهدف تعزيز الإقراض، إلى تحقيق استقرار في العملة في الوقت الذي يتعافى فيه الاقتصاد المتعثر من ركود. وتتوقع أنقرة أن يقفز النمو إلى معدل 5% هذا العام وهو ما يزيد عمّا يتوقعه معظم المحللين.

المرصد السوري: عدد النقاط التركية في منطقة "خفض التصعيد" بسوريا يرتفع  إلى 39 نقطة

 وفي الإطار الميداني في إدلب، الذي يلقي بظلاله على الليرة، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم؛ أنّه رصد دخول رتل عسكري تركي من معبر كفرلوسين شمال إدلب في سوريا، مشيراً إلى أنّ الرتل يتألف من 80 شاحنة وعربة مصفحة ودبابات.

وأوضح المرصد، عبر حسابه على "تويتر"؛ أنّ القوات التركية أنشأت نقطة عسكرية جديدة في قرية بزابور بجبل الزاوية.

وأشار إلى أنّه رصد، قبل ساعات، تمركزاً للقوات التركية في أعلى قمة "النبي أيوب" الإستراتيجية، التي تشرف على مناطق جبل الزاوية وسهل الغاب، إضافة إلى أجزاء من طريق حلب-اللاذقية الدولي.

وقال إنّه رصد إنشاء نقطة عسكرية بالقرب من بلدة بسنقول الواقعة على الطريق ذاته.

وأشار إلى أنّ عدد النقاط التركية في منطقة "خفض التصعيد" يرتفع بذلك إلى 39 نقطة.

مسؤول تركي: تركيا تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب لضمان الأمن

ويرتفع أيضاً عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت المنطقة ذاتها، بحسب المرصد، خلال الفترة الممتدة من الثاني من شهر شباط (فبراير) الجاري وحتى الآن، إلى أكثر من 2535 شاحنة وآلية عسكرية تركية إلى الأراضي السورية، تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، بينما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة إلى أكثر 7300 جندي تركي.

هذا وقد صرّح مسؤول تركي، اليوم؛ بأنّ بلاده تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب، شمال غرب سوريا، كأحد الخيارات لضمان الأمن في المنطقة.

وأضاف المسؤول، دون ذكر اسمه، لوكالة "رويترز": "إيران وتركيا وروسيا تخطط للاجتماع في طهران، مطلع آذار (مارس) المقبل، لمواصلة مناقشة الوضع المتأزم في إدلب، والأزمة السورية".

ولفت المسؤول إلى أنّ وفداً روسياً قد يأتي إلى أنقرة قبل الاجتماع في طهران لإجراء مزيد من المحادثات حول إدلب.

 

للمشاركة:



أغاني المهرجانات: هل هي "أخطر" من فيروس كورونا في مصر أم "فن" قائم بذاته؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

أشرف مدبولي

بوجه حزين، وملامح مصرية مآلوفة، وفي منزل يحوي أثاثا بسيطا، قالت الأم بنبرة باكية: "وحياة رحمة ابنتك بلاش (لا) تعاقب ابني".

هذه السيدة هي والدة المغني محمد محمود، الشهير باسم حمّو بيكا، أحد مطربي المهرجانات في مصر، وكانت توجه كلماتها هذه إلى نقيب الموسيقيين من خلال برنامج تلفزيوني على قناة محلية.

وبينما كان يشاهد البرنامج عدد من رواد مقهى شعبي بحي امبابة، وهو حي شعبي بمحافظة الجيزة، مساء الاثنين، قال أحدهم بلهجة مصرية عامية: "هذه الحرب كلها تستهدف الناس الذين يحاولون إسعادنا ويعينونا على نسيان همومنا...".

وهنا رفع عامل المقهى صوت مشغل الأغاني على وقع أغنية شعبية، تسمى مؤخرا مهرجان، لمطربَين باسم "كزبرة وحنجرة".

وكانت نقابة الموسيقيين في مصر قد أصدرت قرارا بمنع مَن يُعرفون بمطربي المهرجانات من الغناء في المنشآت السياحية والملاهي الليلية، باعتبار أن كلمات أغانيهم "تحمل ألفاظا متجاوزة وكلمات تخالف العُرف القيمي، وتتعدى على الرواسخ الثابتة للمجتمع المصري"، وفقا لبيان النقابة.

وردًا على قرار منع المهرجانات أقام المطرب الشعبي حمّو بيكا، أحد الذين تقدموا لنيل عضوية النقابة عدة مرات ورُفض طلبه، دعوى قضائية في محاولة لإلغاء القرار، ولكن المفاجأة كانت في أنه لم يختصم نقابة الموسيقيين التي كان يجب عليه أن يختصمها، بل اختصم نقابة الفنانين التشكيليين!

وظهرت أغاني المهرجانات في مصر قبل نحو عقد ونصف في أوساط الشباب من الطبقات العمالية وتحت المتوسطة في المناطق الشعبية، وبعض وسائل المواصلات، وحفلات الزفاف الشعبية، غير أنها اجتذبت جمهورا أكبر من المستمعين من طبقات أخرى خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وقال هاني شاكر نقيب الموسيقيين، وهو مطرب معروف يغني منذ أكثر من أربعين عاما: "إن هناك شبه اتفاق بين طوائف المجتمع على الحالة السيئة التى باتت تهدد الفن والثقافة العامة، بسبب هذه النوعية من الأغاني".

واحتلت ردود الفعل على قرار منع مطربي المهرجانات الصحف وبرامج التلفزيون بل والبرلمان وساحات المحاكم خلال الأيام الثلاثة الماضية، وساد جدل حاد بين مؤيد للقرار ورافض له.

وبينما قال المتحدث باسم البرلمان المصري صلاح حسب الله إن هذه "المهرجانات أخطر على مصر من فيروس كورونا"، أوضحت بسمة وهبة، وهي مذيعة شهيرة وزوجة برلماني بارز، أن المهرجانات "أصبحت فنا في حد ذاته يجتذب الملايين".

وصدر قرار منع مطربي المهرجانات بعد يوم واحد من حفل موسيقي حضره عشرات الآلاف في ملعب القاهرة الدولي، شارك فيه مغنّي المهرجانات حسن شاكوش، بأغنية "بنت الجيران"، وهي الأغنية التي احتلت الأسبوع الماضي المركز الثاني في قائمة الأكثر استماعا على موقعَي يوتيوب وساوندكلاود بأكثر من 100 مليون مشاهدة واستماع.

وأوضحت غرفة المنشآت السياحية أنها تؤيد قرار منع مطربي المهرجانات من الغناء في منشآتها، مؤكدة أن أي منشأة سياحية تخالف القرار ربما تتعرض للإيقاف المؤقت أو النهائي.

"حجْر على الذوق العام"

يقول نصر عبدالله، وهو سائق ميكروباص في القاهرة، إن هذه "محاولة للحجر على اختيارات الناس وأذاوقهم، وأرى أن المهرجانات ستنتصر لأنها تتحدث عن مشكلات الناس، على خلفية نغمة موسيقية متكررة".

ويتفق معه أحد الركاب ويدعى عبد العليم، 23 عاما، قائلا: "يستحيل أن تنصب نقابة الموسيقيين نفسها وصيا على الناس فتخبرهم ما يجب الاستماع إليه، وكأننا لا نستطيع التمييز".

أما فايزة عبد السلام، وهي موظفة في الخمسين من عمرها، والتي كانت في ذات الميكروباص، فتتخذ رأيًا وسطا قائلة: "الموضوع عرض وطلب، وإذا كان الطلب على المهرجانات كبيرا بهذه الصورة، فيجب اعتباره فنا قائما بذاته".

وتستخدم موسيقى المهرجانات جهاز الكمبيوتر في تشكيل الألحان وتستعين بكلمات لكُتّاب شباب، غير محترفين، وتدور معظم أفكار كلماتها حول مشكلات الشباب وأحلامهم، وتختلف عن الاتجاه المعروف في الغناء العربي الذي يركز بشكل أكبر على الحب والرومانسية.

وبحسب كثير من المنتجين والنقاد الموسيقيين، غيّرت أغاني المهرجانات وجه الساحة الغنائية في مصر، بعدما أثبتت أن الاستماع لها في تزايد مستمر في الشارع وفي الحفلات وعبر الإنترنت.

وامتدح حلمي بكر، وهو ملحن معروف، قرار منع مطربي المهرجانات، منتقدا هذا النوع من الغناء ومَن يؤديه، قائلا: "مطربو المهرجانات هم بالأساس جزّارون وسائقو توكتوك".

كما أوضح بكر أن انتشار مثل هذه الأغاني هبط بالفن الغنائي ودفع بعض المطربين الجيدين إلى ترك المجال.

ودعم البرلمان قرار النقابة بمنع مطربي المهرجانات، موضحا على لسان متحدثه الرسمي أن "مواجهة أغاني المهرجانات مسؤولية مشتركة بين الجميع في الدولة المصرية".

وتقدم النائب البرلماني فرج عامر بمقترح لتعديل قانون العقوبات يدعو فيه إلى تشديد عقوبة اللفظ الخادش عموما لتتراوح بين عام وثلاثة أعوام، بدلا من غرامة بقيمة 500 جنيه (30 دولارا) حاليا.

وقال عامر في تصريح صحفي: "أغاني المهرجانات بها ألفاظ لا يجب أن تقال، وأصبحنا نردد هذه الأغاني بما فيها من لغة متردية وإسفاف، فبدأت تنتشر في المجتمع وللأسف ستتحول إلى لغة سائدة".

وطالب عامر، الذي قال إنه تقدم بطلب التعديل التشريعي قبل أشهر، بتشجيع الكتاب المميزين وتكريمهم وأن تكون هناك برامج تثقيفية ومسابقات أدبية وشعرية تهتم باللغة العربية، لمواجهة الابتذال والتردي الذي أسفرت عنه المهرجانات.

وبينما يطالب عامر بذلك، يطالب آخرون باحتضان مطربي المهرجانات وتعليم من لديه موهبة منهم وفرض رقابة على كلمات أغانيهم، وفي الوقت نفسه حثِّ المنتجين على تشجيع المواهب الشابة.

وتستمر حالة الجدل حول مطربي المهرجانات في مصر، بين مَن يرى المنع حلا، ومَن يرى الاحتضان والتدريب وسيلة لمواجهة الفن بالفن.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

إيران: آخر نداءات الإصلاحيين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

حسن فحص

على الرغم من اتساع رقعة الأصوات الإصلاحية والمدنية والعلمانية الداعية لمقاطعة الانتخابات البرلمانية التي ستجري يوم الجمعة في الواحد والعشرين من شباط فبراير الجاري 2020، إن كان علانية او من خلال التزام الصمت والعزوف الهادئ عن المشاركة والرسائل التي يحملها للنظام ومراكز القرار، الا أن اصواتاً من كبار قادة التيارين الإصلاحي والمعتدل وحتى من القوى المنتقدة داخل التيار المحافظ، ترفع الصوت عاليا بالدعوة الى المشاركة الواسعة والكثيفة لمنع وقطع الطريق على خسارات اكبر لعل اقربها واقساها سيطرة التيار المتشدد اليميني على البرلمان، وبالتالي السيطرة والهيمنة على البلاد من دون حسيب أو رقيب.

قد تبدو هذه الدعوات غير منطقية او واقعية امام الاستنفار الذي يعيشه التيار المحافظ من اجل ضمان الحصول على أعلى حصة من مقاعد البرلمان وحسمها لصالح مرشحيه بغض النظر عن الجناح الذي يمثلونه، إن كان المتشدد او الأصولي، وقد ذهبت بعض الاطراف الاصلاحية الى حد اعتبار هذه الدعوة بمثابة تسليم واستسلام والقبول بالتسوية أمام قوى النظام والسلطة المحافظين، الا ان اصحاب هذه الدعوات ينطلقون من اعتقاد بان العازفين عن المشاركة سيصابون بالندم لاحقا عندما يدركون الخطأ الذي ارتكبوه عندما قرروا مقاطعة صناديق الاقتراع، وانهم ساهموا في حرمان أنفسهم وحرمان الاصلاحيين والمعتدلين القدرة على ايصال اصواتهم للرأي العام من خلال منبر البرلمان.

وتبرز اهمية هذه الدعوات لدى هذا الطيف من الاصلاحيين والمعتدلين، نتيجة الإجراءات التي اتخذها التيار المحافظ من خلال لجنة دراسة اهلية المرشحين في مجلس صيانة الدستور والمجزرة التي ارتكبها بحق المرشحين والتي لم تقتصر على الوجوه الإصلاحية البارزة والاساسية، بل طالت وجوها معتدلة ومستقلة وحتى محافظة وسطية، وقد ارتفع منسوب الخوف من النتائج المتوقعة بعد قرار رئيس البرلمان الحالي وأحد أبرز شخصيات التيار المحافظ علي لاريجاني العزوف عن الترشيح، خصوصا بعدما ادرك حجم الاستنفار الذي يسيطر على المعسكر المحافظ ويحفزه على الانقضاض على أي طرف قد ينازعه على تحقيق أهدافه باستعادة السيطرة على البرلمان. وقد زاد  من تجذر هذه المخاوف قرار صيانة الدستور عدم تأييد أهلية علي مطهري الذي يعتبر من أبرز الشخصيات المحافظة التي مارست دورا انتقاديا ووسطيا خلال الازمات السياسية التي مرت بها ايران خلال السنوات التسع الماضية خاصة ازمة فرض الاقامة الجبرية على زعيمي الحركة الخضراء مهدي كروبي ومير حسين موسوي وزوجته.

ولا يعتبر الرئيس حسن روحاني الجهة او الطرف الوحيد بين الاصلاحيين والمعتدلين الذين رفعوا الصوت مرارا وتكرارا بالدعوة الى المشاركة الواسعة في الانتخابات حفاظا على احد اهم وابرز مظاهر الديمقراطية في ايران وان كان بحدها الادنى والمقيد عبر مجلس الصيانة، فالنتائج التي اسفرت عنها استطلاعات الرأي للشارع الايراني خصوصا في العاصمة طهران أظهرت ان نسبة المشاركة الشعبية في الاقتراع لن تتعدى 24 في المئة، وهي نسبة غير مسبوقة في تدنيها بمختلف العمليات الانتخابية في تاريخ الثورة، وهذه الانتخابات ان سمحت للتيار المتشدد بالسيطرة على البرلمان، فانها ستفتح الطريق امام تراجع الاصوات المعتدلة والحوارية والمستقلة القادرة على تقديم خطاب غير صدامي يهدئ من التوتر الداخلي ولا يعطي الخارج خصوصا الادارة الامريكية الذريعة لممارسة المزيد من التشدد والحصار والعقوبات ضد ايران والشعب الايراني.

ولعل من أسباب العزوف الشعبي عن المشاركة في هذه الانتخابات، حالة تراجع الثقة التي زادت مستوياتها كثيرا خلال الاشهر الماضية، خصوصا بعد موجة القمع والاعتقالات التي شهدتها ايران جراء التظاهرات المطلبية في شهر تشرين الثاني نوفمبر 2019 بعد قرار النظام رفع اسعار الوقود وتفاقم الازمات الاقتصادية وانهيار العملة الوطنية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. وهي اسباب لم يعمل النظام والسلطة على ترميمها بما يسمح بتعزيز الاعتقاد الشعبي بقدرته على احداث تغيير عبر المشاركة في الانتخابات وانتاج طبقة سياسية جديدة تعبر عن طموحاته واحتياجاته. وعليه فان المسؤولية الاكبر في هذا العزوف تقع على عاتق النظام الذي لم يبادر الى طمأنة الشارع الشعبي لموقعه ودوره وتأثيره، فضلا عن تزايد الشكوك بعدم نزاهة الانتخابات ما يساهم في تراجع مستويات المشاركة.

امام هذه المعطيات، وما يضاف اليها من ان التيار الاصلاحي يواجه صعوبات حقيقية نتيجة النشاط الذي مارسته مقصلة مجلس صيانة الدستور بحق مرشحيه، في مختلف محافظات ايران، فان التيار المحافظ يدخل السباق الانتخابي منطلقا من قاعدة وحصة محسومة تبدأ من حصوله على 160 مقعدا من اصل 260 سيجري عليها الانتخاب من مجموع 290 مقعدا هي عدد مقاعد البرلمان، والسبب يعود الى ان مجلس الصيانة قد قام بعملية تنظيف واسعة امام مرشحي التيار المحافظ وازاح عن طريقهم المنافسين لهم، في حين ان الدوائر التي قد يكون التيار الاصلاحي قادرا على تقديم مرشحين له فيها لا يتجاوز عدد مقاعدها الثمانين (80) هي مجمل من سيمثل هذا التيار في كل ايران والمنافسة عليها لن تكون سهلة لوجود خصوم محافظين في الدوائر التي يمثلونها، أما في العاصمة طهران فان التيار الاصلاحي قد يكون قادرا على تشكيل لائحة متكاملة من 30 مرشحا، الا ان حظوظ تحقيق خرق لا تبدو واضحة على الرغم من وجود 14 نائبا من النواب الحاليين بينهم، لان التيار المحافظ يعتبر معركة طهران مفصلية في تأمين الشرعية لاحكام قبضته على البرلمان واختيار رئيسه وهيئته الرئاسية.

المعطيات المتوفرة لا تشير الى امكانية تحقيق معجزة تقلب النتائج التي تمت هندستها بعناية، الا ان الرهان يبقى على حجم المشاركة وأن ينتفض المقترعون في اللحظات الاخيرة- وهو أمر مستبعد- لتغيير النتيجة وتوجيه رسالة واضحة للتيار المحافظ بأن نبض الشارع في مكان آخر خارج هذه الهندسات وبعيدا عن المصادرات.

عن "المدن"

للمشاركة:

سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

جلدم أتاباي شانلي

قرار الحكومة التركية المشاركة النشطة في الحرب المستمرة في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا سيؤدي على الأرجح إلى ضغط كبير على اقتصاد البلاد الهش بالفعل.

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن تركيا ستضرب أهدافاً سورية في أي مكان إذا استمرت الهجمات على الجنود الأتراك في آخر جيب رئيسي يسيطر عليه مقاتلو المعارضة في سوريا.

ومنذ الأسبوع الماضي، نشرت تركيا أكثر من ألف جندي في إدلب، حيث قُتل 13 جندياً تركياً خلال الأسبوع الماضي جراء القصف السوري. وتطالب تركيا القوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا بالانسحاب من المواقع خلف 12 مركز مراقبة لتركيا في المنطقة، والتي تم إنشاؤها بموجب اتفاق سوتشي لعام 2018 بين أنقرة وموسكو.

اختار أردوغان تحدي موسكو فيما يتعلق بإدلب على الرغم من المخاطر الاقتصادية المحتملة لهذه الخطوة. فعندما انهارت العلاقات بين البلدين تماماً بعد أن أسقطت أنقرة طائرة مقاتلة روسية في عام 2015 على حدودها مع سوريا، انخفضت تجارة تركيا مع روسيا بنسبة الثلث تقريباً من 23.9 مليار دولار في عام 2015 إلى 16.8 مليار دولار.

وبدأ البلدان في تحسين العلاقات في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة في تركيا في عام 2016 وأقاما علاقات أوثق منذ ذلك الحين. ولكن بالنظر إلى أن هدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتمثل في التخلص من جميع المقاتلين الجهاديين في إدلب، فمن غير المرجح أن تتوصل روسيا وتركيا إلى اتفاق هذه المرة.

من الواضح أن التدفق الهائل للاجئين من إدلب، التي تضم ثلاثة ملايين شخص بحسب تقديرات الأمم المتحدة، والذين يُعتقد أن 1.2 مليون منهم لاجئون نزحوا من أماكن أخرى في سوريا، سيكون أول نتيجة لزيادة التوتر في المحافظة. وتقول الأمم المتحدة إن حوالي 700 ألف شخص فروا بالفعل من إدلب هرباً من الاشتباكات بين قوات الحكومة السورية والمقاتلين الجهاديين، سعياً لإيجاد مأوى في تركيا، التي تستضيف بالفعل حوالي 3.6 مليون سوري.

ويقول أردوغان إن العدد أكبر من ذلك، أي ما يقرب من مليون شخص. وفي حال بدأ هؤلاء الأشخاص بالمرور عبر الحدود، ستكلف موجة اللاجئين الجديدة تركيا ما لا يقل عن اثنين إلى ثلاثة مليارات دولار سنوياً. بالنظر إلى أن تركيا يجب أن تتعامل مع معدل بطالة يبلغ 15 في المئة في القطاعات غير الزراعية ومع تنامي المشاعر المناهضة للاجئين بين الأتراك، فإن التكلفة السياسية الكلية لسياسة تركيا في إدلب لا يمكن أن يتحملها حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وستكون هناك بالطبع تكلفة لتدهور العلاقات مع روسيا. ليس في قطاع الطاقة، حيث يبدو أن روسيا ضمنت مصالحها في صفقات مع تركيا. لكن قرار تركيا شراء أنظمة دفاع روسية من طراز إس-400، مما أبعد حلفاء أنقرة في الغرب، سيكون له ثمن.

ستحتاج تركيا إلى إعادة موازنة علاقاتها مع الغرب، لا سيما مع الولايات المتحدة. بعد زيارته الأخيرة للبيت الأبيض في نوفمبر، قال أردوغان إن تركيا قد تفكر أيضاً في شراء بطاريات صواريخ باتريوت أميركية الصنع. وفي حال كان هذا التنازل لا مفر منه للحصول على دعم الولايات المتحدة في إدلب، فإن هذا سيعني نفقات إضافية بقيمة تتراوح بين ملياري وثلاثة مليارات دولار للخزانة التركية. ستدفع أنقرة ثمناً باهظاً مقابل سياستها القائمة على السعي لتحقيق مكاسب استراتيجية باللعب على تضارب المصالح بين واشنطن وموسكو.

وستلعب موسكو ودمشق بالورقة الكردية في سوريا على الأرجح ضد تركيا لكبح أي خطوة عدوانية من أنقرة. يشعر المقاتلون الأكراد في سوريا بتخلي الولايات المتحدة عنهم حيث تركتهم في حماية 600 جندي أميركي فقط حول حقول النفط في شمال شرق سوريا بعد قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات قبل توغل تركي في أكتوبر.

ومن خلال إشراك القيادة الكردية السورية بفعالية في جهودها لصياغة دستور جديد في سوريا، يمكن لروسيا هز الأسس المتزعزعة بالفعل لسياسة أنقرة. حاولت الحكومة التركية تبرير توغلاتها العسكرية في شمال سوريا من خلال التأكيد على التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي لتركيا من قبل قوات سوريا الديمقراطية، والتي تقول الحكومة التركية إنها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي يقاتل داخل تركيا من أجل الحكم الذاتي على مدى ما يربو على ثلاثة عقود.

ولم تخف أنقرة أبداً المكاسب الاقتصادية المحتملة لمثل هذه التوغلات، كما ذكرت بوضوح في أكتوبر عندما حددت خططاً لبناء منشآت سكنية لما يصل إلى مليون لاجئ سوري في المناطق التي تهدف إلى السيطرة عليها بعد عمليتها العسكرية في شمال شرق سوريا. لكن التوصل لاتفاق بين الأكراد السوريين والرئيس بشار الأسد يمكن أن يضع حداً لأحلام أنقرة لتعزيز صناعة البناء والتشييد من خلال مشاريع جديدة في سوريا. وهذا يعني خسارة عائدات بقيمة بضعة مليارات من الدولارات لصناعة البناء في تركيا، والتي كانت بمثابة المحرك الأساسي للنمو التركي لمدة 15 عاماً حتى عام 2018.

سيتأثر السوق التركي حتماً بشكل عام بالتوترات السياسية والعسكرية والاشتباكات في سوريا. لن تكون الإدارة الاقتصادية التركية قادرة بعد الآن على إبقاء الليرة تحت مستوى ستة دولارات، وهو مؤشر نفسي. وسيكون من المستحيل على تركيا الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، والتي تحارب الخزانة التركية للإبقاء عليها من خلال بيع الأوراق المالية بقيمة مليارات الليرات.

ثمة أيام مظلمة في انتظار البنك المركزي التركي، الذي خفض أسعار الفائدة الرئيسية على الإقراض إلى النصف من 24 في المئة منذ يوليو إلى 11.75 في المئة في يناير. إن سياسته المتمثلة في الحد من سوق المبادلة من خلال منع تحركات المستثمرين الأجانب ليست مستدامة في ظل ظروف استثنائية. تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أنه سيكون من المستحيل على الحكومة تحقيق أهداف النمو الاقتصادي لعام 2020. ونظراً لأن الوضع في إدلب سيكون له أيضاً آثار تضخمية، فإن عواقب التوترات الدائمة في إدلب ستكون أكثر حدة.

كان بإمكان تركيا أن تتجنب كل هذه المخاطر إذا كانت اتبعت سياسة مختلفة تجاه دمشق منذ بداية الحرب الأهلية السورية في عام 2011. والآن، بالنظر إلى عدد القتلى الأتراك في إدلب، يبدو أن أنقرة متأخرة للغاية في توجيه سياساتها في هذا الاتجاه.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية