إيكونوميست: الحكومات العربية توطّد سلطاتها بالتوجه إلى العلمانية

6334
عدد القراءات

2017-11-21

سابِقاً، خلال أيام الجُمَع، كان يمتدُّ تجمُّع المصلين خلف محمد يوسف، وهو داعية شاب مُتَزَمّت في بَلْدَة المنصورة المصرية، إلى الأزِقَّة المحيطة بمسجده. الآن، الشيخ محمد يُعدُّه أسبوعًا جيدًا إذا ملأ نصف المكان.

في القاهرة، على بعد 110 كيلومترات (68 ميلًا) إلى الجنوب، نساء غير محجبات يجلسن في مَقَاهي الشوارع، التي كانت تقليديًا حِكرًا على الذكور، ويدخنّ النَّارَجيلة. بعض المُنشآت تُقدِّم الكحول، الذي يُحرِّمه الإسلام. "إننا في حالة تراجع ديني"،  يَئِنُّ الشيخ محمد، الذي يشاركه في قُنُوطه رجال دين في كثير من أجزاء العالم العربي.

الدعم لفرض الشريعة الإسلامية في مصر انخفض من 84٪ في عام 2011 إلى 34٪ في عام 2016

وفقًا للباروميتر العربي، وهو مشروع يعمل على إجراء استطلاعات للتوجهات، فإنّ أجزاء كثيرة في المنطقة تصير أقل دينية. والناخبون الذين دعموا الإسلامويين بعد اندلاع "الربيع العربي" في عام 2011 أصابتهم خيبة أمل إزاء أدائهم وغيروا عقولهم. في مصر، الدعم لفرض الشريعة الإسلامية انخفض من 84٪ في عام 2011 إلى 34٪ في عام 2016. والمصريون يصلون بشكل أقل، أيضًا (انظر الرسم البياني).

وفي أماكن مثل؛ لبنان والمغرب، يستمع نصف عدد كبير من المسلمين إلى تِلاَوَة القرآن اليوم، مقارنة بعام 2011. والمساواة بين الجنسين في التعليم ومكان العمل، التي يعوقها التقليد الإسلامي منذ زمن طويل، مقبولة على نطاق واسع. "إن المجتمع يقود التغيير"،  وفق قول ميشيل روبين، وهو أمريكي يرأس "الباروميتر".

ولكن ذلك يأتي، أيضاً، كمَحْصُول جديد لقادة عرب قاموا بتكييف سياساتهم مع روح العصر. وتصرفهم يصدر، جزئياً، عن مصلحة ذاتية سياسية. إن سُلطويُّ المنطقة، الذين حاولوا سابقًا اختيار الإسلامويين كحلفاء، يعتبرونهم الآن أكبر تهديد لحكمهم. من خلال كَبْح نفوذ رجال الدين، فإنّهم يضعفون أيضًا ضوابط سلطتهم. ومع ذلك، يبدو أنّ لدى العديد من القادة العرب اهتماماً أصيلاً بتوليد مجتمعات أكثر علمانية وتسامحاً، حتى لو كانت إصلاحاتهم لا تمتد إلى المجال السياسي.

الإمارات العربية المتحدة قادت الطريق في تَخفيف القيود الدينية والاجتماعية، في وقت تخاض فيه حملة إقليمية ضد الحركات الإسلاموية، بإزاء تمويل فروع لجامعات غربية ومعارض فنية. وشجَّع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد الشابات على الخروج من العزلة المحلية ودخول الخدمة العسكرية، بما في ذلك ابنته. وكثيرًا ما تمشي المجنَّدات في الشوارع في الزيّ الرسمي. وفي تناقض واضح مع القادة القوميين بعد الاستقلال، الذين طهَّروا مجتمعاتهم من الأرمن واليونانيين والإيطاليين واليهود، تبنَّى التنوع، على الرغم من أنّ القيود الصارمة على المواطنة ما تزال مستمرة.

في مصر، لم يحظر الرئيس عبد الفتاح السيسي فقط جماعة الإخوان المسلمين، وهي الحركة الإسلاموية البارزة في المنطقة، ولَكِنّه ندد أيضًا بالأزهر، أقدم مقر للتعلُّم في العالم الإسلامي، بسبب "التَعَصُّب". وقد أغلق آلاف المساجد، وقال إن المسلمين يجب ألا يضحوا بالأغنام في منازلهم خلال الاحتفالات الدينية دون ترخيص. وفي بعض الشواطئ، حُظِرَ البوركيني الذي يُغطي الجسم وتلبسه النساء المحافظات. وبمعزل عن أسلافه من الحكام، حضر السيسي قداس عيد الميلاد في الكاتدرائية القبطية بالقاهرة ثلاثة أعوام متتالية (على الرغم من أنه لا يمكث طويلًا). "لقد أصبحنا أكثر أوروبية"، وفق ما أوضح مسؤول مصري.

تحولات السعودية

التحول الأكثر وضوحًا، وإن كان ما يزال وليدًا، في المملكة العربية السعودية، حيث قام محمد بن سلمان، ولي العهد الشاب، بكَبْح الشرطة الدينية، وإقالة الآلاف من الأئمة، وإطلاق مركز جديد للوسطية من أجل مراقبة "النصوص المُزَيّفة والمتطرِّفة". وسوف يُسمَح قريبًا للنساء بالقيادة والدخول إلى الملاعب الرياضية. ويجري تشجيعهن بالفعل على العمل. والآن، يريد الأمير محمد أن يؤسِّس مدينة جديدة، نيوم، يبدو أنها ستأتي على غرار مدينة دبي. وأشرطة الفيديو التي تروِّج لها تُظهِر نساء دون حجاب يحتفلون مع رجال. "إننا نعود فقط إلى ما كُنّا عليه، إلى الإسلام المعتدل، منفتحين على العالم وكافَّة الأديان"، هكذا أخبرَ ولي العهد مستثمرين أجانب في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي.

هذه الخطوة نحو الاعتدال بعيدة كل البعد عن أن تكون منتشرة في كل مكان. في بلدان ذات حكومات أقل دينامية، مثل؛ الجزائر والأردن وفلسطين، تُظهِر استطلاعات الرأي أن دعم الشريعة والتعاطف مع الحركات الإسلاموية مرتفع ومتنامٍ. لَكِن يمكن العثور على العلمانيين حتى في الأحياء الأكثر محافظة، متحررين من قبضة جهاديي تنظيم (داعش)، يتجمَّع سكان الموصل (العراق) في المقاهي المُجدّدة التي نشأت حول جامعة المدينة المدمَّرة. هذا، ويُنادي العديدون منهم بالإلحاد. وتجري إعادة فتح قسم الفنون الجميلة بعد أن أغلقه (داعش) قبل ثلاثة أعوام، مع ضعف استيعابه السابق من الطلاب.

المَشَقّة الاقتصادية، التي كانت تؤجِّج حركات المعارضة الإسلاموية، قد تؤدي إلى تآكل الآراء التقليدية بشأن دور المرأة

المَشَقّة الاقتصادية، التي لطالما نُظِرَ إليها على أنّها تؤجِّج حركات المعارضة الإسلاموية، قد تؤدي أيضًا إلى تآكل الآراء التقليدية بشأن دور المرأة في المجتمع. وفي ظل ارتفاع التضخم وتخفيض الدعم في العديد من البلدان، نادرًا ما يكون راتب واحد كافيًا لإعالة الأسرة. لذلك، يشجع الأزواج زوجاتهم على العمل. وتترك البنات منازلهن في المناطق الريفية للدراسة أو العمل في المدن.

اعتدال دون تمثيل

كل هذا التغيير يأتي كمتعة ممزوجة بألم عند ليبراليي المنطقة، الذين يريدون المزيد من الانفتاح السياسي، أيضًا. لَكِن بعض القادة العرب يتصرَّفون إلى حد بعيد مثل كمال أتاتورك، الديكتاتور التركي في مطلع القرن العشرين، الذي ألغى الخلافة والشريعة، وحظر الزيّ التقليدي، وذلك بينما كان يعمل على تعزيز سلطته.

في تنفيذه لأجندته التحديثية، خفَّض الأمير محمد بن سلمان تحالف عائلته، مع رجال الدين الوهابيين، الذين فرضوا نسخة مُتَزَمّتة من الإسلام وبدا أنهم يحكمون المملكة العربية السعودية جنبًا إلى جنب مع آل سعود. وبالمثل، شجَّع السيسي انتقاد الحركات الدينية، فِيما فرض رقابة ولو على الانتقادات غير المباشرة لحكمه. وحظر مئات الصحف والمواقع الإلكترونية، وضيّق على فنانين وموسيقيين قد يثيرون معارضته.

إلى هذا، يبدو أن العديد من العرب مستعدون لفقدان الحقوق السياسية ومبادلتها بالحريات الشخصية. وقد سمّى استطلاعٌ للرأي هذا العام الإمارات العربية المتحدة على أنها البلد الذي يرغب معظم العرب في العيش فيه.

العلمانية قد تستمر في العالم العربي ما دام القادة يدفعون بالخطة إلى الأمام. ولو أنه قد لا يمكنهم الذهاب بقدر ما يريد النشطاء، فلم تكد المرأة السعودية تحصل على الحق في القيادة حتّى أخذ البعض دراجاتهن إلى الطرقات، في اختبار لحدود التسامح الرسمي.

ظهرت هذه المقالة في قسم الشرق الأوسط وأفريقيا من النسخة المطبوعة تحت عنوان "الكوزموبوليتانيون العرب الجدد"

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: