أزمة اللاجئين وتبعاتها على السياسة الألمانية.. هل تطيح بميركل؟

6688
عدد القراءات

2018-06-24

ترجمة: علي نوار

يعتزم وزير الداخلية الألماني، هورست زيهوفر، بصورة تدريجية، تطبيق خطته المثيرة للجدل، الهادفة لوقف تدفق اللاجئين المسجلين بدول أخرى على الحدود الألمانية، ليمنح بعض الوقت للمستشارة أنجيلا ميركل قبيل انعقاد قمة الاتحاد الأوروبي.

وفي هذه الحالة، قد يتراجع وزير الداخلية عن نواياه بتطبيق خططه تجاه ملف الهجرة من جانب واحد، وفق ما صرحت به مصادر لوكالة الأنباء الألمانية "د ب أ".

من جانبها، بدت ميركل مستعدة لقبول عرض زيهوفر؛ فقد تعهدت المستشارة بالبحث عن حلول لأزمة الهجرة على المستوى الأوروبي والثنائي، خلال قمة الاتحاد الأوروبي، التي ينتظر إجراؤها في 28 يونيو (حزيران) الجاري، وإيجاد مسار مشترك مع حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري "سي إس يو".

وأكدت ميركل: "نحن متفقون على العمل معاً، بغية تحقيق الهدف، وهو الارتقاء بعملية إدارة سياسة الهجرة والحد من توافد اللاجئين".

بدت ميركل مستعدة لقبول عرض زيهوفر

بينما يسعى الحزب البافاري، شريك ميركل في الحكومة الائتلافية، أولاً، لوقف المهاجرين الذين صدر بالفعل بحقهم قرار يحظر دخولهم، في الوقت نفسه، ستبدأ التجهيزات للحيلولة دون دخول طالبي اللجوء على الحدود الألمانية، لا سيما جميع هؤلاء المسجلين من قبل في دول أخرى من الاتحاد الأوروبي، وذلك في حال لم تشهد القمة التوصل لاتفاقات أوروبية، حسبما قال زعيم حزب الاتحاد المسيحي الاجتماعي خلال مؤتمر الحزب في مدينة ميونخ.

أحدث وزير الداخلية هزة عنيفة في أوساط الحكومة الألمانية، الأسبوع الماضي، بإعلانه أنّه فور حصوله على الضوء الأخضر من حزبه سيبدأ في تنفيذ خطته تجاه اللجوء رغم معارضة برلين، وسيتسبب ذلك على الأرجح في إقالته، وبالتبعية انهيار الحكومة الائتلافية في ألمانيا.

وقد وحّد "سي إس يو"، الذي يهيمن منذ عقود على إقليم بافاريا، بوابة الدخول الرئيسة بالنسبة إلى المهاجرين إلى ألمانيا، صفوفه وراء زعيمه الذي قرر الآن منح مهلة قدرها أسبوعين لميركل، كما طلبت الأخيرة.

تدعو ميركل لحلّ أوروبي وتعتقد أن إعادة طالبي اللجوء إلى الدول الأوروبية التي سجلوا فيها للمرة الأولى لن يحل المشكلة بل يفاقمها

فمنذ اندلاع أزمة اللاجئين، عام 2015، يطالب حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي البافاري بالتعامل بحزم مع طالبي اللجوء، خاصة في الوقت الحالي، قبيل انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، التي يرمي فيها لمنع حزب (بديل لأجل ألمانيا) اليميني المتشدد للحصول على أصوات على حسابه عن طريق خطابه المناهض للأجانب والمعادي للإسلام.

على الجانب الآخر؛ تدعو ميركل إلى حلّ أوروبي، حيث تعتقد أن إعادة طالبي اللجوء إلى الدول الأوروبية التي جرى فيها تسجيلهم للمرة الأولى، كما يطالب شريكها البافاري، لن يحل المشكلة، بل ستكون له تداعيات سلبية على الدول الهامشية ويحمل في طياته خطر اتخاذ هذه الدول قراراً بعدم تسجيل اللاجئين.

ومن أجل احتواء الحزب البافاري، تحاول ميركل إبرام اتفاقات ثنائية مع بعض دول الاتحاد الأوروبي، مثل إيطاليا، في محاولة لجعلها تقبل إعادة طالبي اللجوء، وهو أمر معقد للغاية، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الدول تتعامل منذ وقت طويل مع موجات لا تتوقف من المهاجرين على سواحلها، وتطالب بتوزيع ملزم لطالبي اللجوء على الشركاء الأوروبيين، لكن هذا الأمر لم يتحقق طوال ثلاثة أعوام من الاجتماعات.

إزاء تلك الأزمة الداخلية في الحكومة الألمانية، ما هي السيناريوهات المحتملة إذاً؟

تحلل قناة "دويتشه فيله" الألمانية السيناريوهات المحتمل حدوثها، خاصة مع تهديد الحزب الاجتماعي المسيحي البافاري بالانسحاب من الحكومة، اعتراضاً على سياسات ميركل فيما يتعلق بملف الهجرة.

تبدو المستشارة الألمانية عالقة في دائرة مفرغة: وليست هذه هي المرة الأولى في الأعوام المنصرمة التي يثير فيها زيهوفر الجدل، ولا يتصرف كحليف سياسي مقرّب.

هناك بالكاد فارق بين القيم المحافظة المسيحية الأساسية التي يتبناها كلا الحزبين، لكنّ تصاعد نبرة العداء للمهاجرين التي تظهر من الحزب البافاري تدفع الائتلاف الحكومي في كلّ مرة نحو حافة الأزمة، ومن أجل رأب الصدع، اجتمع نواب الحزبين في البرلمان الفيدرالي (بوندزتاج) على حدة الخميس الماضي لاتخاذ قرار بشأن الخطوة المقبلة.

منذ اندلاع أزمة اللاجئين عام 2015 طالب الحزب البافاري بالتعامل بحزم مع الأزمة

حالة وجيزة وزائفة من التخبط شهدتها الساحة السياسية الألمانية، مساء الجمعة الماضي، بعد أن نشر كاتب ساخر تغريدة ألمح فيها إلى اتجاه حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي للابتعاد عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، الذي ترأسه ميركل، ما أثار القلق بين تيار يمين الوسط، وقد يكون هذا بمثابة زلزال سياسي عنيف، وستمتد آثاره لما بعد الانتخابات المقبلة.

ليست هذه هي المرة الأولى التي يصدر فيها الاجتماعيون المسيحيون هذا التهديد، فقد كانت هناك سابقة أخرى، عام 2015، عندما دخل زيهوفر في مواجهة علنية مع المستشارة بسبب سياسات الهجرة، والآن، ومع وصوله لمنصب وزير الداخلية وتوليه بشكل مباشر ملف مراقبة الحدود، فقد تمكن من إعطاء هذا الملف أولوية.

حسناً، ما هي السيناريوهات المحتملة التي قد تتمخض عنها الأزمة الراهنة؟

اتفاق مشترك

تتمحور الأزمة حول "خطة" وزير الداخلية زيهوفر التي كان ينتوي تقديمها الأسبوع الجاري، لكن ميركل رفضتها لأن إحدى نقاطها الـ 63، الخاصة بطرد طالبي اللجوء على الحدود الألمانية، تنتهك اتفاقات الاتحاد الأوروبي، وستكون عملياً عصية التنفيذ، كان بوسع زيهوفر بكل سهولة حذف هذه النقطة، لكن الخطة ما تزال في حد ذاتها تعبّر عن اتجاه سياسي يودّ تطبيقه بوصفه وزيراً.

ميركل تسعى لكسب الوقت ليكون بوسعها الحفاظ على الاتفاقات الدولية وإرضاء الجناح اليميني في ائتلافها أيضاً

لوهلة، بدا أن حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي سيأخذ خطوة للوراء؛ فقد أوردت وكالة الأنباء الألمانية "د ب أ" هذا الأسبوع، أنّ الحزب البافاري عرض التنازل عن نقطتين خلال اجتماع الأزمة، الذي عقد مساء الأربعاء الماضي، قبل أن يتقرر التراجع عن ذلك ترقباً لما ستسفر عنه قمة الاتحاد الأوروبي، المزمع إجراؤها في غضون أسبوعين.

بيد أنّ ميركل رفضت الفكرتين؛ فهي تسعى إلى كسب الوقت حتى القمة، وإذا سارت الأمور على ما يرام، فسيكون بوسعها الحفاظ على الاتفاقات الدولية، وفي الوقت عينه إرضاء الجناح اليميني في ائتلافها.

زيهوفر يتحرّك منفرداً

لكنّ ساسة الاتحاد الاجتماعي المسيحي أكدوا للصحفيين، أنّ ميركل ملزمة باتخاذ قرار، قبل غد الإثنين، وإن لم يجرِ التوصل لاتفاق، فإنّ زيهوفر سيطبق الخطة مستغلاً صلاحياته كوزير للداخلية، وهو منصب يمنحه سلطة على الشرطة الفيدرالية، وبالطبع مراقبة الحدود، وفق تصريحات هؤلاء السياسيين.

إلا أنّ هذا الإجراء لن يؤدّي سوى إلى أزمة جديدة؛ لأنّ ميركل، كمستشارة، تتمتع بالسلطة العليا، لتقرّر الحقائب الحكومية، أو بكلمات أخرى؛ إنّ ميركل تحظى بالحق الدستوري الذي يخوّل لها نزع صلاحيات زيهوفر، وإجباره على الانصياع لما تقوله.

زيهوفر يستقيل أو يُقال

إذا تطوّرت الأمور لمواجهة مباشرة بين زعيمي الحزبين، وقرّرت ميركل ببساطة تجريد زيهوفر من صلاحياته، فإن رحيله عن وزارة الداخلية (أو إقالته)، سيكون شيئاً واقعاً لا محالة.

ويرى الخبراء، أنّ هذا الأمر سيعني تهاوي الحكومة الائتلافية، وربما حدوث انفصال تام بين حزبي الاتحاد الاجتماعي المسيحي، في بافاريا والاتحاد الديمقراطي المسيحي، كما سيعني، بلا شك، انهيار الاجتماعيين المسيحيين في الانتخابات المقبلة، وانحسارهم المحتمل لحزب إقليمي بدلاً من كونه حزباً إقليمياً تحت مظلة الحزب الفيدرالي، كما هو وضعه حالياً.

هذا التصوّر غير وارد في سياق التحالف التاريخي بين الحزبين، لكنه غير مستبعد كذلك.

ميركل تدعو إلى اقتراع حجب ثقة

طريق آخر قد تنتهجه ميركل للتخلص من هذا التضييق؛ هو الذهاب للبرلمان الألماني، لتختبر بذلك ولاء النواب الديمقراطيين المسيحيين داخل البوندزتاج، وبالطبع، ممثلي الحزب الديمقراطي الاجتماعي، ثالث قوة في الائتلاف الكبير، وستكون أصوات الديمقراطيين الاجتماعيين، بالتأكيد، هي الأهمّ بالنسبة إلى ميركل، رغم أنّ هذا الأمر يتضمن مخاطرة بالقطع: فإذا خسرت ستكون مجبرة على الاستقالة والدعوة إلى انتخابات جديدة.

مكمن خطورة شبان على ميركل يكمن في تمتعه بعلاقات قوية مع ألكسندر دوبريندت وكريستيان ليندنر

تقف الهيئة التنفيذية بالحزب الديمقراطي المسيحي بكل قوة وراء المستشارة، أو هذا هو على الأقل ما قاله دانييل جونثر، رئيس وزراء ولاية شليسفيج هولشتاين، لصحيفة "نويه أوزنابروكر تسايتونج" المحلية، لكن هناك نسور تطوف داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وعلى رأسهم ينز شبان، وزير الصحة والخصم الأشرس في أروقة الحزب ضد ميركل، انشق عن كتلة الحزب البرلمانية، وكان العضو الوحيد فيها وفي الحزب، الذي صوت في البوندزتاج ضد مقترح الإصلاح الذي طرحته ميركل.

لكن، مكمن خطورة شبان على ميركل يكمن في تمتعه بعلاقات قوية مع قيادي آخر في حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي، يدعى ألكسندر دوبريندت، وكريستيان ليندنر زعيم الديمقراطيين الليبراليين، وهو الحزب المفضّل بالنسبة إلى الشركات، والذي تسبّب في الأزمة السياسية التي نشبت العام الماضي، بعرقلة أيّ ائتلاف مع الديمقراطيين المسيحيين، والذي لطالما وضع ميركل في مرمى أهدافه.

يتطلع الثلاثة إلى اتخاذ ألمانيا موقفاً أكثر صلابة في ملف إصلاح اللجوء، وإذا نفد وقت ميركل، فمن المحتمل بقوة أن يملأ هذا التحالف المحافظ النيوليبرالي الفراغ الذي ستخلفه المستشارة.

منشور بموقع "دويتشه فيله"

اقرأ المزيد...

الوسوم: