العنصرية والشعوب.. حين نسخر منها سنتجاوزها

العنصرية والشعوب.. حين نسخر منها سنتجاوزها
6722
عدد القراءات

2018-07-10

في نهاية السبعينيات، كنّا أطفالاً في مدينة بورتسودان، وككل أطفال المدن السودانية الكبيرة مثل: الخرطوم، واد مدني، كسلا، الأبيض، تكلمنا العربية الدارجة والفصحى كأطفال سودانيين نعرف تماماً أنّ هذه لغتنا؛ إلى درجة أنّ خيالاتنا الطفولية للصحابة الكرام من أمثال عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، رضي الله عنهما، كانت تتصورهم كشخصيات سوداء، مادامت لغتنا لغتهم وأسماؤنا تشبه أسماءهم!

ستظل المجتمعات أسيرة للتخلّف ما دام تعريفها للخير والسوء قائماً على لون البشرة

ورويداً رويداً عندما كبرنا وشاهدنا المسلسلات الدينية المصرية؛ نشأ لدينا لبس مسّ قناعاتنا السابقة فشككنا في أنّ يكون الصحابة أناساً يشبهوننا في ألوانهم!؟

وحتى ذلك الوقت، كنّا نتعجب أشد العجب، حين نسمع تلاوة القراء المصريين من أمثال الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، عندما يقرأون القرآن بطريقة "غريبة" لا تشبه قراءتنا العربية السودانية للقرآن والتي كنا نسمعها على لسان كبير مشايخ القراء في السودان الشيخ صديق أحمد حمدون يومياً عبر أثير الإذاعة السودانية، فبدت لنا قراءة القراء المصريين أقرب في أصواتها إلى أصوات المقامات الغنائية الشرقية (التي عرفناها فيما بعد) منها إلى التلاوة السودانية التي تعوّدت آذاننا عليها.

كانت تقاليد الاسترقاق تتصل بعلاقة القوة والسلطة وكان شرط الاستعباد يقع على الأبيض والأسود

هذه المقدمة ربما كانت ضرورية لوصف "الاغتراب" الذي يستشعره السوداني حين يهاجر خارج بلده ويغترب في البلاد العربية ـ لاسيما بلاد الخليج ـ لأن ما يحدث له، بعد ذلك، من إعادة تعريف جديد لـ"العرب" و"العروبة"، سيكون وقعه عليه كالزلزال حيال ما تمثّله من خزين الطفولة عن "عربيته" و"رموزها" و"شخصياتها" لتتزحزح قناعته يوماً بعد يوم، ويعيش حالة من انعدام الوزن في تعريف "هويته العربية"، وبخاصة لجهة الفارق الأساس؛ أي بين لونه الأسود -كناطق بالعربية- وألوان شعوب الدول العربية الأخرى التي تتجانس ألوانها في ميلها إلى البياض -مع بعض الأقليات السوداء في هذا البلد العربي أو ذاك- (لذلك بالضرورة سينصرف ذهن المشاهد العربي إلى السوداني، حين يشاهد "عثمان البوّاب" في الأفلام المصرية القديمة - مع أنّ عثمان هذا مصريّ نوبيّ من أسوان وليس من السودان)، ولكن هيهات أن يسلَّم ذلك المشاهد العربي بتلك الحقيقة التي سترسخ في لاوعيه حيال السودانيين، وهو يرى أبطال الفيلم المصريين واختلاف ألوانهم عن لون البوّاب النوبيّ!؟

اقرأ أيضاً: هل سواد البشرة مرادف للقبح وبياضها معادل للجمال؟!

وهكذا، حين نختبر هذه القضية اليوم، نجد أنّ مسألة اختلاف اللون هي التي تمثل العلامة الوهمية الفارقة في عملية إعادة التعريف تلك، للعرب والعروبة التي يكتشفها السوداني حين يعيش في الكثير من الدول العربية، وهي كذلك (أي قضية اختلاف اللون) التي ستنتصب كعلامة فارقة ودلالة واضحة لا لبس فيها على تخلّف المجتمعات العربية طالما ظل تعريفها للعرب والعروبة قائماً على اللون الأبيض، ونابذاً -في لاوعيها الجمعي- في الوقت ذاته، لعروبة سود آخرين فقط لمجرد اختلاف اللون!

يؤكد القرآن أنّ اختلاف ألوان البشر تماماً كاختلاف الألسنة يقتضي المغايرة لا المفاضلة

ومع غلبة المحتوى الإعلامي العربي في الفضائيات، عبر الدراما والتمثيل، إلى جانب الثورة الرقمية في المعلوماتية والاتصال وصلت تلك القناعة المضلِّلة حتى للسودانيين في داخل حدودهم؛ الأمر الذي أوقع الكثيرين منهم، تأثّراً بذلك المحتوى العربي في الفضائيات وغياب التمثيل السودانيّ فيه من ناحية، وطبيعة التخلّف في انطباع المجتمعات العربية التي تتمثل اقتراناً شرطياً وحسياً بين العربيّ وبياض اللون من ناحية ثانية؛ في ذلك "الاغتراب" الذي ذكرناه آنفاً، رغم امتلاكهم -كسودانيين- لعامّيتهم السودانية العربية التي لا يعرفون غيرها كلغة تجمعهم جميعاً بمختلف أعراقهم.

اقرأ أيضاً: اللغة العربية "السوداء"!

في تقديرنا، أنّ شرط التخلف العربي، تحديداً، والذاكرة الشعبوية التاريخية للمجتمعات العربية، التي لا تستطيع الفصل في انطباعاتها -إلا من رحم الله وهم قليل- بين اللون الأسود والعبودية (بالرغم من أنّه لا تلازم شرطياً بين الاثنين في الواقع التاريخي إذ كانت تقاليد الاسترقاق تتصل بعلاقة القوة والسلطة، وكان شرط الاستعباد يقع على الأبيض والأسود) هو الذي يجعل من رصيد الحسّ المسكوت عنه حيال اللون الأسود ما يشبه عازلاً في تعريفهم المتخلّف لهوية الإنسان العربي اليوم باللون الأبيض.

اقرأ أيضاً: "المسيح الأسمر" في مواجهة عنصرية الرجل الأبيض

ويمكن القول إنّ تسوية قضية اللون ومفاعيلها في المجتمع العربي والسوداني هي جزء من صيرورة هذه المجتمعات في سباق المسافات الطويلة نحو دروب الوعي والتحضّر الإنسانيّ والأخلاقيّ.

والعلامة الاجتماعية/ الثقافية المعبّرة عن ذلك التقدم للقضاء على العنصرية اللونية بمستوياتها المختلفة وغيرها: هي؛ السخرية منها دون حساسية؛ فحين يسخر المجتمع بكل فئاته من تفاهة العنصرية ويستهجنها، دون أن يستدعي ذلك من الجانبين (سوداً أكانوا أم بيضاً)عراكاً وثاراتٍ وشتائم؛ ستكون تلك السخرية السويّة نتيجة لثلاث علامات فارقة الأولى: وجود ضمير أخلاقي إنساني حضاري عام؛ يضطر معه إحساس الفرد السوي لشعور ضاغط بالخزي والتفاهة الذاتية؛ إذا ما صدر عنه تعبير عنصريّ مشين ضد شخص أسود في لحظة جهل وحماقة.

تسوية قضية اللون بالمجتمعات العربية جزء من صيرورتها نحو دروب الوعي والتحضّر الإنسانيّ والأخلاقيّ

الثانية: عدم الاستحياء لدى جميع فئات المجتمع من الكلام عن واقع الظلم والاستعباد والعنصرية وكلّ أصناف الاعتداء العنصري الرمزي والفعلي -وبخاصة من جانب السود- لكشفه وفضحه أخلاقياً وإنسانياً.

والثالثة: تشريعات قانونية وجزائية نافذة ضد الممارسة العنصرية في الحياة العامة.

اقرأ أيضاً: الحب ينتصر على لون البشرة في "حارة السمران" بغزة

أما من حيث الحديث عن الألوان كعلامات للبشر في القرآن؛ فقد تم التعبير عنه ضمن الاختلاف الذي هو من جنس اختلاف اللغات (ومن آياته اختلاف ألسنتكم وألوانكم) وبحسب الآية القرآنية فإنّ اختلاف الألوان بين البشر تماماً كاختلاف ألسنتهم يقتضي المغايرة، ولا يقتضي المفاضلة ولا يعني تفوّقاً بالضرورة، ولهذا كان الخطاب هنا في هذه الآية موجّهاً للبشر (اختلاف ألسنتكم وألوانكم)، لكن إدراك قيمة هذا الاختلاف اللوني بمعناه الإنساني البسيط ـكما هو في الآية القرآنيةـ يصبح أكثر تعقيداً في تاريخ المجتمعات البشرية، و يحتاج إلى إيمان عميق بحكمة الخالق.

اقرأ أيضاً: لماذا قاطع نجوم عالميون شركة ""H & M السويدية؟

كما أنّ تأويل دلالة اللون الأسود كعلامة على الشرّ والسوء والظلم لا يعني أنّها منطبقة بالضرورة على مسألة اللون الأسود في البشر؛ بمعنى أنّه لا بد من ملاحظة الفرق في: أنّ استعارة السواد للدلالة على الشر والسوء والظلم كانت ناشئة من تأويل ظاهرة الظلام في المخيال الجمعي للبشرية الأولى وفي مجازاتها الدينية منذ عصور ما قبل الطوفان (فقد ثبت وجود تعبيرات عن اللون الأسود بنفس الدلالة في مجتمعات لم ترَ السود أبداً في حياتها، وفي لغات سوداء في شعوب أفريقيا السوداء ذاتها!

ظهور التعبير بالسواد على الظلام والشرّ أسبق من وجود السواد في الجسد البشري

وإذا أمعنّا تأمّلاً في حياة البشرية الأولى ما قبل الطوفان، وأدركنا، بحسب الأديان التوحيدية، أنّ ظهور كوش بن حام (وهو أول إنسان أسود في التاريخ البشري) كان ما بعد الطوفان، ألا يعني هذا أنّ ظهور التعبير بالسواد كدلالة على الظلام والشرّ في الوجود، هو أسبق من وجود السواد في الجسد البشري.

ثم ألا يمكننا من خلال ذلك الاستدلال على اعتبار تلك الاستعارة للسواد كدلالة على الشرّ في اللغة والمجاز الديني، إنما هي أقدم بكثير من ظهور اللون الأسود في الجسد البشري (زمن كوش بن حام) ما يعني أنّ استعارة السواد أخذت وجودها من ظاهرة الظلام للدلالة على الشر والسوء؟

اقرأ أيضاً: عنصرية جديدة في ذكرى لوثر كينج

في الأزمنة الحديثة طوّر السود وعياً مضاداً من خلال كتابات "فرانز فانون" و"والتر رودني" وغيرهما، ولكن لإدراكهم طبيعة التفاهة الذاتية للعنصرية ضد اللون الأسود؛ أي في كونها غير مبرّرة لا أخلاقياً ولا إنسانياً؛ أي كراهية الآخر واضطهاده لمجرد اختلاف اللون في الأصل؛ كان وعيهم المضاد يدرك تماماً أنّ الحل لا يكمن في تمثل عنصرية مضادة ضد البيض لمجرد اختلاف لونهم؛ وإنما تمثّلت حركة الوعي الأسود لديهم عبر تعريف السواد كدالة للاضطهاد المنظم الذي يقع ضد أي جماعة بشرية سواءً أكانت لونية أو جندرية أو عرقية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



دروس للعالم من وباء كورونا المستجد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

توماس فريدمان

إذا أظهرت لنا الأسابيع الأخيرة شيئاً ما، فهو أن العالم ليس مسطحاً فحسب، وإنما هش أيضاً. ونحن هم الذين جعلناه كذلك، بأيدينا. وما على المرء إلا أن ينظر من حوله. فعلى مدى العشرين عاماً الماضية، عملنا على إزالة مصدّات ومخففات صدمات طبيعية وأخرى من صنع الإنسان، إضافة إلى قواعد ومعايير توفّر المرونة والحماية عندما تتعرض الأنظمة الكبيرة للضغط، سواء أكانت بيئية أم جيوسياسية أم مالية. وعلى نحو طائش ومتهور، عملنا على إزالة تلك المصدّات بسبب هوس بالفعالية والنمو على المدى القصير، ومن دون تفكير على الإطلاق.
وفي الوقت نفسه، تصرفنا على نحو متطرف، متجاوزين الحدود السياسية والمالية والطبيعية المنطقية.
وبالتوازي مع كل ذلك، نقلنا العالم من الناحية التكنولوجية من الاتصال بالشبكة إلى الاتصال المتبادل إلى الاعتماد المتبادل عبر إزالة مزيد من الاحتكاك واستخدام مزيد من الدهون في الأسواق العالمية وأنظمة الاتصالات اللاسلكية والإنترنت والسفر. وبذلك، جعلنا العولمة أسرع وأعمق وأرخص وأضيق من أي وقت مضى. فمن منا كان يعرف أن هناك رحلات جوية مباشرة من ووهان الصينية إلى أميركا؟
إذا وضعنا كل هذه الاتجاهات الثلاثة معاً، فإن ما سنحصل عليه هو عالم معرّض للصدمات والسلوكيات المتطرفة بشكل سهل، ولكن بمصدّات أقل لتلطيف تلك الصدمات، وشركات وأشخاص أكثر بكثير متصلين بالشبكة لينشروها على الصعيد العالمي.
وقد ظهر هذا بشكل جلي في أحدث أزمة ألمّت بالعالم برمته: وباء فيروس كورونا. غير أن هذا الاتجاه، اتجاه الأزمات المزعزعة للاستقرار الأكثر تواتراً، ليس وليد اليوم وإنما بدأ خلال العشرين عاماً الماضية مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والركود الكبير لـ2008، وكوفيد- 19، وتغير المناخ. فالأوبئة لم تعد بيولوجية فقط، وإنما جيوسياسية ومالية وبيئية أيضاً. ولهذا، فإننا سنعاني عواقب متزايدة إذا لم نشرع في التصرف على نحو مختلف، وفي معاملة الطبيعة بطريقة مختلفة.
لاحظوا النسق: قبل كل أزمة من الأزمات التي ذكرتُها، كنا نشهد أولاً ما يمكن أن نسميه نوبة قلبية «معتدلة»، تنبّهنا إلى أننا أفرطنا وجاوزنا الحد، وأننا أزلنا مخففات الصدمات التي كانت تقينا من إخفاق كارثي، غير أنه في كل حالة من تلك الحالات، لم نكن نأخذ ذاك التحذير على محمل الجد بما يكفي – وفي كل حالة من تلك الحالات كانت النتيجة نوبة قلبية عالمية كاملة.
وفي هذا السياق، يقول «غوتام موكوندا»، مؤلف كتاب «الأساسي.. عندما يكون القادة حقاً مهمين»: «لقد خلقنا شبكات معولمة، لأنها تستطيع أن تجعلنا أكثر فعالية وإنتاجية، وأن تجعل حياتنا أكثر راحة»، مضيفاً «ولكن عندما تعمل على إزالة مخففات الصدمات، وتقوّي القدرات، وتزيد وسائل الحماية سعياً وراء فعالية قصيرة المدى، أو وراء الجشع وحسب، فإنك تضمن أن هذه الأنظمة ليست أقل مقاومة للصدمات فحسب، وإنما أننا سننشر تلك الصدمات في كل مكان».
وأعتقد أنني لست بحاجة لتخصيص حيز كبير للحديث عن وباء كوفيد- 19، ما عدا القول إن إشارة التحذير كانت موجودة. فقد ظهرت في أواخر 2002 في إقليم غوانغدونغ الواقع جنوب الصين. وكانت مرضاً فيروسياً يصيب الجهاز التنفسي ويتسبب فيه فيروس تاجي «سارس-كوف»، يعرف اختصاراً بـ«سارس».
وكما جاء في موقع «مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها» على الإنترنت، فإنه «على مدى الأشهر القليلة المقبلة، سينتشر المرض إلى أكثر من أربعة وعشرين بلداً في أميركا الشمالية وأميركا الجنوبية وأوروبا وآسيا» قبل أن يتم احتواؤه. وقد أصيب بالمرض أكثر من 8 آلاف شخص على الصعيد العالمي، بمن فيهم ما يناهز 800 شخص ماتوا. وسجلت الولايات المتحدة ثماني حالات عدوى مؤكدة، وصفر وفيات.
الفيروس التاجي الذي تسبب في «سارس» كانت تحتضنه حيوانات الخفاش، ثم انتقل إلى البشر، لأننا كنا ندفع المراكز السكانية الحضرية ذات الكثافة العالية عميقاً في المناطق البرية ونتوسع، مدمِّرين تلك المصدات، ومستبدلين إياها بمحاصيل الزراعة الأحادية والإسمنت، بيد أنه من المهم الإشارة إلى أن «سارس» تم احتواؤه بحلول يوليو 2003 قبل أن يصبح جائحة، بفضل الحجر الصحي السريع والتعاون العالمي الوثيق بين الهيئات الصحية العالمية في عدة بلدان، إذ أثبتت الحكامة التعاونية متعددة الأطراف أنها مخفف جيد للصدمات.
ولكن للأسف، كان هذا واقع الحال آنذاك، ولم يعد كذلك اليوم. فأحدث أنواع الفيروسات التاجية يدعى بجدارة «سارس-كوف2»، مع تركيز على الرقم 2. إننا لا نعرف على نحو مؤكد من أين أتى هذا الفيروس التاجي الذي يتسبب في مرض «كوفيد- 19»، ولكن يشتبه على نطاق واسع في أنه انتقل إلى الإنسان من حيوان بري، ربما خفاش، في مدينة ووهان الصينية. والأكيد أن عمليات انتقال مماثلة ستحدث بشكل متزايد، بينما نواصل تجريد الطبيعة من تنوعها البيولوجي الطبيعي ومخففات الصدمات الخاصة بها.
وفي هذا الصدد، يوضح «روس ميترميار»، رئيس منظمة «منظمة الحفاظ على الحياة البرية العالمية»، والذي يُعد واحداً من أبرز خبراء العالم في الحياة البرية: «كلما أصبحت الأنظمة البيئية أكثر تبسيطاً وأقل تنوعاً، ولاسيما في المناطق الحضرية الضخمة والمتوسعة بشكل مستمر، أصبحنا أهدافاً لهذه الآفات والأوبئة».
غير أن ما نعرفه بشكل مؤكد هو أنه بعد نحو خمسة أشهر على انتقال هذا الفيروس التاجي إلى الإنسان في ووهان، مات أكثر من 100 ألف أميركي، وصار أكثر من 40 مليون أميركي في عداد العاطلين عن العمل.
وبينما أتأمل العشرين عاماً الماضية، ألاحظ أن ما تشترك فيه كل هذه الكوارث العالمية الأربع هو أنها جميعها «أفيال سوداء»، وهي عبارة سكّها عالمُ البيئة آدم سويدن. عبارة «فيل أسود» هي مزيج بين عبارة «إوزة سوداء»، وهي عبارة تعني في اللغة الإنجليزية حدثاً غير متوقع وغير محتمل الحدوث وله تداعيات كبيرة جداً، وعبارة «الفيل في الغرفة» ، وتعني كارثة وشيكة لا تخطئها العين، ولكن لا أحد يريد معالجتها.
بعبارة أخرى، إن هذه الرحلة التي أخذتكم إليها قد تبدو حتمية، ولكنها لم تكن كذلك. ذلك أن الأمر كله كان يتعلق باختيارات مختلفة، وقيم مختلفة، استخدمها البشر وزعماؤهم في أوقات مختلفة في عصرنا المعولم ، أو لم يستخدموها.
ومن الناحية التقنية، العولمة حتمية لا مفر منها، ولكن الكيفية التي نشكّلها بها ليست كذلك.
أو كما قال لي مؤخراً «نيك هانووَر»، المستثمر والمتخصص في الاقتصاد السياسي: «إن مسببات الأمراض حتمية لا مفر منها، ولكن تحوّلها إلى أوبئة ليس حتمياً».
وخلاصة القول: إننا قررنا إزالة مخففات الصدمات باسم الفعالية، وقررنا السماح للرأسمالية بالتغول، وتقليص قدرات حكومتنا عندما كنا في أمس الحاجة إليها، وقررنا عدم التعاون مع بعضنا بعضاً في جائحة، وقررنا إزالة غابة الأمازون، وقررنا غزو أنظمة بيئية بكر، واصطياد حياتها البرية.
هذا هو الدرس الأهم هنا، فبينما يزداد العالم ترابطاً على نحو عميق، يصبح سلوك الجميع أهم من أي وقت مضى ، ومعه القيم التي يجلبها كل واحد منا إلى هذا العالم المترابط. وكذلك الحال بالنسبة لـ«القاعدة الذهبية»، التي باتت أهم من أي وقت مضى: عامل الآخرين، كما تريدهم أن يعاملوك، لأن أشخاصاً كثيرين في مناطق كثيرة، وفي أحيان كثيرة يستطيعون الآن بطرق كثيرة أن يعاملوك، وأن تعاملهم أكثر من أي وقت مضى.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

3 سنوات قطيعة

2020-06-06

الحكومة القطرية سعت بكل الوسائل لإغراء النظام الإيراني بإطلاق سراح سجين أميركي وآخر إيراني في الولايات المتحدة، وفتح خط بين طهران وواشنطن، وتريد إخراج إيران من أزمتها. كما منحت مئات من منتسبي حركة «طالبان» وأبنائهم مرتبات ثابتة، من أجل إقناعها بالقبول باتفاق مع الأميركيين في أفغانستان، وغيرها من الخدمات المختلفة. لماذا؟ الدوحة تسعى للتقرب من الإدارة الأميركية، وإقناعها بالتوسط من جديد، هذه هي المرة الثالثة، لإعادة العلاقات مع السعودية والإمارات ومصر والبحرين. الحقيقة أن هذه الدول تدرك أن عودة العلاقات مع قطر لن تدوم وستعود الخلافات وبالتالي من الأفضل أن تبقى القطيعة. الدوحة تردد في واشنطن ادعاءاتها المتكررة، بأن جبهة مواجهة إيران متضعضعة بسبب المقاطعة، وأنها مضطرة لاستخدام الأجواء الإيرانية نتيجة إغلاق الأجواء السعودية، وأن قطر تعاني من الحصار.
قطر أعلى الدول صراخاً في العالم وأقلها مصداقية؛ مثلاً، حديثها عن معاناتها من مقاطعة جاراتها لا يمت للواقع بصلة. قطر، سكانها مليونان ومطارها استقبل العام الماضي 38 مليون راكب، مصر سكانها تسعون مليوناً ومطارها استقبل عشرة ملايين، فأين هذا الحصار وأين هي المعاناة؟! المقاطعة محصورة في تعاملات الدول الأربع مع قطر، ولا علاقة لها ببقية العالم.
على مدى ثلاث سنوات، وقطر تريد إنهاء القطيعة لأسباب سياسية فقط، لا اقتصادية.
الدول الأربع قاطعت قطر رفضاً لممارساتها وليست سياساتها فقط. طوال مدى ربع قرن لم تتوقف قطر عن تمويل المعارضين والمستهدفين للسعودية في الداخل والخارج، حكومات وأفراداً، لم تتوقف، وحتى هذا اليوم، هي شبه الممول الوحيد لهم. وقد جربت الرياض في السابق كل شيء بالتصالح والتعاون، وقطعت العلاقة معها كرسالة وعادت بعد توقيع تعهدات بالتوقف، لكنها لم تفعل قط. لماذا؟ سياستها استهداف هذه الحكومات ودعم محاولات زعزعتها، والتسجيلات التي ظهرت بعد انهيار النظام في ليبيا مليئة بأقوال أمير قطر السابق، وهو لا يزال الحاكم الفعلي اليوم، وفي عدة اجتماعات مع العقيد القذافي تحدث عن التآمر لإسقاط الدولة السعودية، الحديث المتسرب لم تنكره القيادة القطرية، وادعى وزير الخارجية السابق، الذي كان طرفاً في الاجتماع، أن المخطط كان مجرد حوار غير جاد! إلى اليوم قطر تسهم في تمويل ضرب الحدود والمدن السعودية بدعمها للجماعات المتمردة في اليمن، وكانت تمول المتطرفين السعوديين الفارين إلى العراق وسوريا خلال انضمامهم لـ«القاعدة» و«جبهة النصرة»، وتمول جماعات مثل «الإخوان»، حركة فاشية إسلامية مقرها الآن في تركيا، وتغذي أفراداً معارضين في الغرب، وتمول حملات معادية في عدة دول. الأذى يستهدف كذلك البحرين والإمارات ومصر، جميعها اختارت إنهاء العلاقة مع الدوحة لهذا السبب.
وقد يقول البعض إن إنهاء القطيعة سينهي الحملة القطرية، لكن حتى لو تحققت المصالحة الآن، فإن قطر لن تتوقف عن نشاطها المعادي المستمر منذ التسعينات، ولم يتوقف، حتى خلال سنوات التظاهر بالصداقة والأخوة.
ستكذب الدوحة على الأميركيين، كما أوهمت الوسيط الكويتي، بأنها مستعدة لفتح صفحة بيضاء. كل الذي فعلته، خلال الفترة الماضية، أنها نقلت معظم الجماعات المعادية للدول الأربع التي كانت تستضيفهم في الدوحة إلى إسطنبول وتكفلت هناك بميزانيات نشاطاتهم مدعية أنهم غادروا الدوحة!
الحقيقة المؤسفة أن نظام قطر حالة مرضية مزمنة غير قابلة للعلاج، وبالتالي المقاطعة هي أقل الضرر.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

الإخوان يدمرون التراث الإصلاحي ويضرون الدين والمجتمع

2020-06-04

أسوأ ما ارتكبه الإخوان المسلمون بحقّ الخطاب الديني والتراث الفكري والإصلاحي هو إعادة إنتاجه في خطابات وأوعية ألحقت ضرراً بالغاً بالعلاقة بالدين، علاقة الدولة بالدين، وعلاقة الأفراد بالدين، وعلاقة المجتمعات بالدين، وحوّلت الخطاب الديني إلى حالة تعمل ضد الدول والمجتمعات والأفراد، ففي إدراج مفاهيم وتطبيقات الدولة للدين مثل الحكم والجهاد والحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أداء اجتماعي وتنظيمي غير رسمي فتحت أبواب الشرّ في الولاية الدينية، وفي تسييس التدين الشعبي والاجتماعي وتحويله إلى جماعات منظّمة حوّلت التدين الشعبي والمجتمعي إلى انقسام اجتماعي وسياسي محمّل بالعداء والكراهية، ومنحت هذا الصراع أبعاداً دينية زادته تماسكاً وصلابة وقدرة على الاستمرار، وفي تغيير/ تشويه التدين الفردي تحول المتديّنون من الارتقاء بالذات والسموّ بها إلى مشروعات ذئاب متوحدة مخيفة وغير متوقعة..

يمكن بملاحظة مسار الفكر والجهد الإصلاحي من جمال الدين الأفغاني إلى محمد عبده إلى رشيد رضا إلى حسن البنا إلى سيد قطب إلى أسامة بن لادن، التنبّه إلى مستوى الانحدار والتدمير الذي ألحقه الإخوان المسلمون بالفكر والعمل الإصلاحي، الذي نهض لأجله علماء ومفكرون ورواد في السياسة والإصلاح والفكر منذ منتصف القرن التاسع عشر، وكيف تحوّل الفكر والإصلاح إلى حالة خروج عن الأمة ثم العالم والتاريخ، بدأت بسيد قطب ولكنها تحولت بعده إلى أسوأ بكثير على يد شباب وقادة في جماعة الإخوان المسلمين وحولها ومن تحت عباءتها؛ مثل؛ شكري مصطفى وأيمن الظواهري وأسامة بن لادن، .. كانت مغامرة قاسية ومدمّرة، ألحقت ضرراً كبيراً بالإسلام الدين والفكرة وبالمسلمين المجتمعات والدول، وبالموقف العالمي من الإسلام والمسلمين ومصالحهم السياسية والاقتصادية.
وإنّه لمن المحيّر والمُحزن أن تكون الحالة الفكرية والإصلاحية الناضجة والمتقدمة التي قدمها الإمام محمد عبده، متقدماً على أستاذه جمال الدين الأفغاني، تؤول إلى سلفية رشيد رضا، وللأمانة فإنها تبدو اليوم سلفية إصلاحية واعية ومتقدمة إذا قورنت بالغرابة والخروج الذي وقعت فيه جماعات الإسلام السياسي، ثم إلى تشكيلات وممارسات فيها قليل من إصلاحية محمد عبده وكثير من الاقتباسات المرعبة للجماعات والتنظيمات الفاشية والباطنية الموغلة في السرية والتطرف، وتيه وخلط فكري وباطنية سياسية وإصلاحية بدّدت الوعي الفكري، واستنزفت أجيالاً من المتدينين والإصلاحيين ثم أدخلتهم في صراعات قاسية ومدمّرة مع الدول والمجتمعات، ولكن ذلك كله كان متقدماً ومعتدلاً بالنسبة الى الحالة الجديدة التي بدأت تتشكل في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين!

يملك الإخوان من الباطنية والتجربة ما يجعلهم قادرين، أحياناً، على التوفيق بين العمل السياسي والتطرّف الفكري، وهذا أخطر ما في الجماعة

لقد دفع سيد قطب الجماعة إلى الخروج عن الدول والمجتمعات والنظر إليها باعتبارها غير مسلمة، وصارت جماعة الإخوان المسلمين تشكيلاً منظماً وواسعاً ولكنه معبأ بمفاصلة المجتمع والاستعلاء عليه، ولكن شكري مصطفى وعبد السلام فرج وأيمن الظواهري وأسامة بن لادن وجدوا الإخوان متناقضين مع أنفسهم؛ بل ومنافقين، يحملون فكر المفاصلة والولاء والبراء ويمارسون مهادنة الجاهلية وترقيعها، فمضوا بنا إلى مواجهة حقيقية ومسلّحة وليس مجرد مفاصلة شعورية (كما ينسب إلى سيد قطب) مع الدولة والمجتمع بل والأسرة والمجتمع الصغير المحيط، وأخيراً إلى مواجهة مدمرة مع العالم بأسره، .. وصارت الدول والمجتمعات الإسلامية رهينة لجماعات مسلحة متطرفة لا يمكن توقع أفعالها وردود أفعالها، ..
ولقائل أن يقول: ولكن الإخوان المسلمين ليسوا جماعات التكفير والقتل والتطرف! وهم يشاركون في العمل السياسي السلمي والإصلاحي من مداخل وقنوات علنية وقانونية متاحة. ويبدو ذلك صحيح من الناحية الظاهرية فقط (كما يحب الإخوان أن يصوروا أنفسهم) أو في بعض أجزاء فهم الظاهرة والحالة، ولكنّها أفكار وجماعات نشأت في البيئة الفكرية والتنظيمية التي أنشأها الإخوان المسلمون، ولا تختلف في أفكارها ومرجعياتها عن الإخوان، بل هم أصحاب ومنشئو هذه الأفكار والمرجعيات، والفرق الوحيد بينهم وبين الإخوان أنهم يطبقون ما يدعو إليه الإخوان ويؤمنون به، ويملك الإخوان من الباطنية والتجربة والمؤسسية والتراكم في القيادات والأجيال والحيل السياسية والتشابك الاجتماعي مع المصالح والمجتمعات ما يجعلهم قادرين، أحياناً، على التوفيق بين العمل السياسي والتطرف الفكري، وهذا أسوأ وأخطر ما في الإخوان المسلمين!

الأصوات المعتدلة عند بعض قادة الإخوان المسلمين تعاني من التهميش والإقصاء والرفض في معظم سياقات الجماعة

فبالنظر إلى التبريرات الفقهية والتأسيس الفكري والنظري الذي يقدمه قادة وكتاب من الإخوان المسلمين يمكن ملاحظة العقل الباطن واللاشعور الذي يفيض بتكفير الناس والعداء للمجتمعات، والأمثلة كثيرة جداً ومتاحة في الكتب والممارسات العلنية والأخبار والتجارب المتسربة من داخل الجماعة، والتي تؤكد هذا الانفصال الكبير عن السياق العام للأمة والمجتمعات والدول،.. وعلى سبيل المثال فإنّ ما يؤمن به معتدلو الإخوان المسلمين من جواز المشاركة في المجالس النيابية والوزارات مستند إلى أن النبي يوسف كان وزيراً للملك الكافر! لاحظ الاستدلال على الملك الكافر!!!
وبالطبع هناك ردّ متوقع بالكتب والدراسات الفكرية مثل؛ كتاب الحريات العامة في الدولة الإسلامية لراشد الغنوشي، وكتاب الحريات والحقوق السياسية في الشريعة الإسلامية لرحيل غرايبة، وهما من قادة الإخوان المسلمين، ولكنّها مقاربات تواجه التهميش والإقصاء والرفض في معظم سياقات الجماعة، وتعاني هي نفسها من تناقض وخلل، وهي مقاربات، على أية، حال تحتاج إلى وقفة ونقاش مستقل وأكثر توسّعاً.

للمشاركة:



ليبيا: هذه جرائم ميليشيات الوفاق ومرتزقة أردوغان في ترهونة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

شهدت مدينة ترهونة الليبية، أمس، موجات نزوح جماعية بعد سيطرة ميليشيات الوفاق عليها، وممارسة كافة أنواع الجرائم بحق سكانها، من قتل ونهب وخطف وتهجير.

وهاجمت الجماعات المسلحة ومرتزقة أردوغان ضواحي المدينة وسط تحذيرات من عمليات انتقام وتهجير قد ترتكبها ميليشيات الوفاق بالمدينة، التي أعلن سكانها مراراً دعمه للجيش الوطني الليبي.

ترهونة تشهد موجات نزوح بعد سيطرة ميليشيات الوفاق عليها وسط تحذيرات من عمليات انتقام وتهجير

وأكدت مصادر ليبية كثيرة نقلت عنها مواقع محلية، أنّ إحدى الميليشيات التي دخلت مناطق شرق ترهونة قامت عام 2011 بتهجير سكان مدينة تاروغاء بعد أن ارتكبت بحقهم فظائع بحسب تقارير "هيومن راتس ووتش" وقتها.

وفي سياق متصل، أقر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رسمياً، بمشاركة بلاده عسكرياً بشكل مباشر في الحرب الليبية بقوله "إن جنودنا ومع أشقائهم الليبيين يسطرون الملاحم في ليبيا، سواء في طرابلس، وترهونة والمطارات المحيطة، حيث طهروا كل تلك المناطق، والآن يسيرون نحو الأهداف المنشودة"، وفق ما نقل موقع "أحوال تركيا".

ووجّه الرئيس التركي، في كلمة ألقاها أمس خلال مشاركته في حفل افتتاح عدد من حدائق الشعب بعدة ولايات تركية مختلفة، الشكر للجنود الأتراك بعد السيطرة على مدينة ترهونة الليبية، وأقرّ بقيادة قوات تركية لميليشيات الوفاق خلال العملية العسكرية، وذلك بعدما حاول رئيس حكومة الوفاق فايز السراج نسب "الانتصار" لميليشياته التي يدعمها ما يزيد عن 10 آلاف عنصر من مرتزقة أردوغان.

أردوغان يرد على السراج: ما تحقق من انتصارات يعود بالدرجة الأولى إلى الجنود الأتراك والمرتزقة

وقبلها بيوم، كان أردوغان اعترف أيضاً بنواياه الحقيقية تجاه ليبيا، حيث أكد أنّ بلاده تستهدف تطوير علاقات التعاون مع حكومة الوفاق تحقيقاً لما وصفه بـِ "الاستفادة من الموارد الطبيعية في شرق المتوسط، بما في ذلك عمليات البحث والتنقيب" ليؤكد بذلك أهدافه الحقيقية من دعم الوفاق بالأسلحة والمرتزقة وهي الاستيلاء على ثروات البحر المتوسط قبالة السواحل الليبية.

أما في تصريحه الجديد، أمس، فلم يفوّت الرئيس التركي الفرصة ليرد على تصريحات السراج التي قال فيها إنّ الهدف هو السيطرة على كافة الأراضي الليبية، مذكراً إياه بأنّ ما تحقق يعود بالدرجة الأولى إلى الجنود الأتراك والمرتزقة، وهي رسالة قال المراقبون إنّها تحمل أكثر من مغزى في وقت واحد.

وقال السراج في تصريحات نشرت على فيسبوك، أمس، إنّ "معركتنا ما زالت مستمرة، وعازمون على بسط سيطرة الدولة على كافة أراضي ليبيا". لكن متابعين للشأن الليبي يقولون إنّ السراج أخذته الحماسة في تلك التصريحات حتى بدا وكأنه قائد المعارك الميدانية، فيما الجميع يعرفون أنّ رئيس حكومة الوفاق هو واجهة لميليشيات إسلامية مختلفة متحالفة مع تركيا.

للمشاركة:

أردوغان يتخلص من معارضيه في البرلمان وهذه رسالته لنواب حزبه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

اعتقلت السلطات التركية، أمس، ثلاثة نواب معارضين كانوا يسببون الإزعاج والإحراج للرئيس رجب طيب أردوغان، بعد 24 ساعة من إسقاط عضويتهم في البرلمان التركي، بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة، التي تحمّلها أنقرة مسؤولية محاولة انقلاب 2016.

السلطات التركية تعتقل 3 نواب معارضين لأردوغان بعد إسقاط عضويتهم بتهمة الانتماء إلى حركة الخدمة

وكان مجلس الأمة التركي صوّت، أول من أمس، بأغلبية نواب حزب "العدالة والتنمية" الإسلامي الحاكم وحزب الحركة القومية على إسقاط عضوية ليلى جوفن وموسى فارس أوغللاري؛ النائبان عن حزب الشعوب الديمقراطي "الكردي"، وأنيس بربر أوغلو الصحافي والنائب عن حزب الشعب الجمهوري، وفق ما أوردت صحيفة "زمان" التركية.

ورغم اختلاف توجهات المعتقلين الثلاثة عن حركة الخدمة، إلا أنّ حكومة حزب "العدالة والتنمية" في تركيا رأت أنّ التهمة مناسبة للتخلص من إزعاج البرلمانيين الثلاثة.

النيابة العامة أصدرت بياناً قالت فيه إنّ البرلمانيين الثلاثة متهمون بالتواصل مع حركة الخدمة، من خلال برنامج التراسل الفوري "بايلوك" الذي حظرته تركيا بعد أحداث 2016، واعتقلت الآلاف من مستخدميه بزعم مشاركتهم عبره في التخطيط للانقلاب.

أحزاب الأعضاء يستنكرون اعتقال النواب ويؤكدون أنّ أردوغان لن ينجح في ترهيبها وترهيب الشعب

وكانت ليلى جوفن، قادت عام 2018 إضراباً عن الطعام للمطالبة بفك عزلة الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، أما أنيس بربر فقد وضع حكومة رئيس الوزراء رجب أردوغان في حرج كبير عندما أمد صحيفة "جمهورييت" عام 2014 بمقطع فيديو يوثق عمليات تهريب السلاح إلى المعارضة التركية في شاحنات مساعدات غذائية، ووجهت له تهمة التجسس وحكم عليه عام 2018 بالسجن 6 أعوام.

وندد زعيم حزب الشعب الجمهوري، كمال كلتشدار أوغلو، بالتحرّك ضد بربر أوغلو معتبراً إياه خطوة جديدة باتّجاه حملة أردوغان الأمنية المتواصلة بحق المعارضة منذ محاولة الانقلاب التي استهدفته عام 2016.

وقال كلتشدار أوغلو على تويتر "سنواصل الكفاح من أجل الديموقراطية لاستعادة العدالة والحقوق والقانون".

وأما حزب الشعوب الديموقراطي فندد بإسقاط عضوية نائبيه الذي اعتبره "خطوة غير قانونية".

وقال الحزب على تويتر إنّ "غوفن وفارس أوغللاري يمثلان رغبة الملايين. سحب مقعديهما في البرلمان لن ينجح في ترهيبنا وترهيب شعبنا".

أردوغان يبعث رسالة إلى أعضاء حزب العدالة والتنمية الذين يرغبون في الانشقاق عنه: مصيركم في يدي

ويذكر أنّ محكمة الاستئناف العليا في تركيا أيّدت الأحكام بالسجن بحق غوفن وفارس أوغللاري بتهمة الانتماء إلى حزب العمال الكردستاني الذي تصنفه أنقرة وحلفاؤها في الغرب على أنه "إرهابي".

بدوره، علّق المحلل السياسي ورئيس تحرير صحيفة "خبردار" سعيد صفاء، إنّ إسقاط عضوية البرلمانيين الثلاثة في تركيا ليلى جوفن وأنيس بربر أوغلو وموسى فارس أوغللاري رسالة يبعث بها أردوغان إلى أعضاء حزب "العدالة والتنمية" الذين يرغبون في الانشقاق عنه للانتقال إلى صفوف حزبي المستقبل والديمقراطية والتقدم.

وقال صفاء في تحليل قدمه عبر قناته الشخصية على موقع يوتيوب: "بهذه الخطوة يوجه أردوغان رسالة إلى زملائه مفادها: لا تفكروا أبدا في الانضمام إلى الأحزاب الجديد، حيث إنّ مقاليد كل الأمور في هذا البلد بيدي. كما ترون يمكنني أن أعلن النواب إرهابيين ومجرمين وأرسلهم إلى السجن بكل سهولة. عليكم أن تتجنبوا مصير النواب المعارضين!".

للمشاركة:

هل يصمد اتفاق الولايات المتحدة وطالبان الذي عقد برعاية قطرية؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لإنقاذ الاتفاق الذي أبرم مع حركة طالبان في قطر، بعد أن شهدت الساحة الأفغانية، مؤخراً، الكثير من أعمال العنف على يد طالبان، وغارات أمريكية مما يهدد بشكل صريح الاتفاق الذي توصل له الطرفان برعاية قطرية.

ويعقد المبعوث الأمريكي لأفغانستان، زلماي خليل زاده، مباحثات مع الأطراف الأفغانية في كابل وإسلام آباد والدوحة لإنقاذ الاتفاق الذي كان من المفترض أن يمهد الطريق لمفاوضات أكبر تضم الحكومة الأفغانية وتمهد للسلام، وفق ما أوردت وكالة "رويترز" للأنباء.

لكن مع استمرار العنف خصوصاً من حركة طالبان، تحدث مسؤولون أفغان ودبلوماسيون غربيون عن صعوبات سيواجهها اتفاق طالبان وواشنطن، والسبيل إلى السلام برمّته.

وأعلنت القوات الأمريكية في أفغانستان أمس، أنّها نفذت غارتين جويتين لإحباط هجمات مقاتلي طالبان.

زلماي خليل زاده يعقد مباحثات مع الأطراف الأفغانية في كابل وإسلام آباد والدوحة لإنقاذ الاتفاق

وكتب المتحدث باسم القوات الأمريكية، ساني ليغيت، على حسابه على "تويتر" اليوم أنّ غارة جوية نفّذت الليلة الماضية، واستهدفت 25 من طالبان في ولاية فراه وهجوم آخر نفّذ في قندهار بعد ظهر أمس، ولم يعلق المتحدث على الخسائر المحتملة لحركة طالبان في الهجومين.

ووفقاً لغيت، فإنّ طالبان كانت تنوي مهاجمة قوات الأمن والدفاع الأفغانية، مضيفاً "أنهم يحثون جميع الأطراف على الحد من العنف حتى تمضي عملية السلام قدماً".

وأضاف أنّ هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها شنّ غارات جوية ضد مقاتلي طالبان منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار بمناسبة عيد الفطر في أفغانستان.

ومنذ التوقيع على اتفاق بين الولايات المتحدة وطالبان في 29 شباط (فبراير) حتى قبيل عيد الفطر، كثفت حركة طالبان هجماتها على القوات الأفغانية إلا أنّها توقفت عن مهاجمة القوات الدولية في أفغانستان والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية.

للمشاركة:



3 أعوام من عزلة قطر: الاستقواء بأردوغان لا يرمم الخسائر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

الحبيب الأسود

تدخل المقاطعة العربية لقطر اليوم عامها الرابع، بينما تؤكد أغلب المؤشرات أن الحل لا يزال بعيدا، وأن النظام القطري باق في عزلته داخل محيطه، بسبب استمراره في المكابرة، وعجزه عن مراجعة مواقفه العدوانية تجاه أشقائه نتيجة خضوعه التام لمشروع جماعة الإخوان التي تهيمن على قراره السياسي وطاقم المستشارين المستورد المستفيد من الوضع الحالي، والتحالف مع المشروع الأردوغاني العثماني الجديد، استجابة لرغبة بالبحث عن دور كبير في منطقة الخليج أو المنطقة العربية.

وأعلنت أربع دول عربية هي السعودية والإمارات والبحرين ومصر في الخامس من يونيو 2017 مقاطعتها للنظام القطري، بعد أن أخل ببنود اتفاقية الرياض للعام 2013، وعلى رأسها عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشكل مباشر أو غير مباشر وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دوله، إلا في حال موافقة دوله وعدم دعم الفئات المارقة المعارضة لدوله وعدم دعم الإعلام المعادي، وعدم دعم الإخوان المسلمين أو أي من المنظمات أو التنظيمات أو الأفراد الذين يهددون أمن واستقرار دول المجلس عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم قيام أي من دول مجلس التعاون بتقديم الدعم لأي فئة كانت في اليمن ممن يشكلون خطرا على الدول المجاورة لليمن.

ثم وقع النظام القطري على بنود الاتفاقية التكميلية للعام 2014 ومنها امتناعه عن دعم الجماعات المعارضة والعدائية في دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى اليمن ومصر، وعدم إيواء أو توظيف أو دعم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في الداخل أو الخارج أي شخص أو أي وسيلة إعلامية ممن له توجهات تسيء إلى أي دولة من دول مجلس التعاون.

أكدت الوثيقة ضرورة التزام كل دولة باتخاذ كافة الإجراءات النظامية والقانونية والقضائية بحق من يصدر عن هؤلاء أي تجاوز ضد أي دولة أخرى من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما في ذلك محاكمتهم، وأن يتم الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام. وكذلك التزام كافة الدول بنهج سياسة مجلس التعاون لدول الخليج العربية لدعم جمهورية مصر العربية والإسهام في أمنها واستقرارها والمساهمة في دعمها اقتصاديا، وإيقاف كافة النشاطات الإعلامية الموجهة ضد مصر في جميع وسائل الإعلام بصفة مباشرة أو غير مباشرة بما في ذلك ما يبث من إساءات على قنوات الجزيرة، وكذلك السعي لإيقاف ما ينشر من إساءات في الإعلام المصري.

لكن الدول الأربع تأكدت بما لا يدع مجالا للشك أن قطر لم تلتزم بأي من تعهداتها السابقة، واختارت الاستمرار في مراوغاتها وتآمرها على أمنها القومي بالتحالف المعلن مع القوى الإقليمية ذات الأهداف التوسعية على حساب الدول العربية وبدعم الجماعات المتطرفة العاملة في هذا الاتجاه، وتحريك الخلايا التخريبية بهدف بث الفوضى في المجتمعات الآمنة، وتجييش أبواقه الإعلامية وجيوشه الكرتونية للمساس من الأنظمة ورموزها، وتحويل الدوحة إلى مركز لتصدير المشاريع العدوانية والترويج لمخططات الفوضى الهدامة على غرار ما سمي بثورات الربيع العربي، معتمدا في ذلك على تيارات الإسلام السياسي ودعاة العنف والتكفير وتزوير الحقائق وفبركة الوقائع لبلورة رأي عام محلي وإقليمي ودولي ضد الأنظمة التي يرى أنها تعرقل خطواته لتعميم حالة الخراب الممنهج.

الالتفاف على الشروط
عندما أعلنت الدول الأربع في الخامس من يونيو 2017 قرارها بمقاطعة قطر، طرحت عددا من الشروط للتراجع عن ذلك القرار من ذلك قيام قطر بالإغلاق الفوري للقاعدة العسكرية التركية الجاري إنشاؤها آنذاك ووقف أي تعاون عسكري مع تركيا داخل الأراضي القطرية، وإعلان قطر قطع علاقاتها مع جميع التنظيمات الطائفية والأيديولوجية وعلى رأسها تلك التنظيمات التي تهدد مملكة البحرين وغيرها من منظمات وردت في قائمة المنظمات التي تدعمها قطر ومن أبرزها جماعة الإخوان وداعش والقاعدة وفتح الشام (جبهة النصرة سابقا) وحزب الله اللبناني، وإدراجها ككيانات إرهابية وضمها إلى قوائم الإرهاب وإقرارها بتلك القوائم والقوائم المستقبلية التي سيعلن عنها.

كما شملت المطالب إيقاف جميع أشكال التمويل القطري لأفراد أو كيانات أو منظمات متطرفة، وكذلك المدرجين ضمن قوائم الإرهاب في الدول الأربع، والقوائم الأميركية والدولية المعلن عنها، وقيام قطر بتسليم جميع العناصر الإرهابية المدرجة والعناصر المطلوبة لدى الدول الأربع، والعناصر الإرهابية المدرجة بالقوائم الأميركية والدولية المعلن عنها والتحفظ عليها وعلى ممتلكاتها المنقولة وغير ‎المنقولة إلى حين التسليم، وعدم إيواء أي عناصر أخرى مستقبلا والالتزام بتقديم أي معلومات مطلوبة عن هذه العناصر خصوصا تحركاتها وإقامتها ومعلوماتها المالية وتسليم كل من أخرجتهم قطر بعد قطع العلاقات وإعادتهم إلى أوطانهم، بالإضافة إلى إغلاق قنوات الجزيرة والقنوات التابعة لها.

وحاولت قطر أن تلتف على تلك الشروط ضمن خططها المعهودة بالانقلاب على التزاماتها وتعهداتها، وأن تخترق الصف المقاطع باستمالة طرف دون آخر، وقامت بتحركات على مستوى العالم بأسره بحثا عن منفذ للضغط على الدول الأربع حتى تتجاوز عن سوابقه بفتح صفحة جديدة، دون أن تنضبط للشروط، أو تستجيب للمطالب، واتجه أمير قطر إلى العواصم الكبرى كواشنطن وموسكو وبرلين ولندن وباريس وغيرها معتمدا على دبلوماسية الصفقات في محاولة منه لكسب دعم دولي ضد ما وصفه بـ"الحصار الذي يستهدف بلده"، لكنه فشل في تحقيق أي من أهدافه.

وحاولت قطر أن تعوض ذلك بالتبعية للنظامين التركي والإيراني، لتقع في دائرة الخطأ مرة أخرى بالكشف عن طبيعة تحالفاتها، التي لا تخرج عن دعم التطرف والسعي إلى اختراق الدول العربية، ولتجد نفسها في موقع المتحالف مع أردوغان علنا والممول لمشاريع الملالي سرا.

فشل قطري

أدى فشل قطر في الضغط إقليميا ودوليا لرفع العقوبات العربية عنه، إلى توسيع دائرة نشاطه في المراهنة على قوى الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي ودعم الجماعات المتطرفة، وصلت إلى دول غربية كالولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، من خلال تجنيد جاليات مسلمة واللعب على حبال الأقليات، وذلك ضمن مشروع إنغماسي داخل المجتمعات الأخرى، بحثا عن دور يتجاوز حجمه الجغرافي والسياسي والحضاري.

أما في داخل قطر، فتم تهميش الشعب القطري بشكل غير مسبوق، وتعرضت الأفواه للتكميم والحقائق للتعتيم واستشرى الفساد في ظل الاستقواء بالأجنبي على حساب أبناء البلد، وتم تقسيم أراضي الشعب القطري على ضيق مساحتها لتتحول إلى مقسمات لاحتضان القواعد الأجنبية الجديدة أو توسيع السابق منها.

وبسبب المقاطعة والعزلة، تحولت قطر إلى دولة تواجه صعوبات مالية واقتصادية، حيث تعاني من أزمة في القطاع السياحي وشح الاستثمارات وانهيار منظومة الخدمات ومنها الطيران، وارتفاع تكاليف المواد المستوردة من الدول البعيدة بعد أن كانت تصلها من الدول الجارة، ونتيجة الابتزاز التركي المكشوف، وصرف موازنات ضخمة على شراء الولاءات أو عقد الصفقات غير المبررة وخاصة في مجال التسليح لنيل رضاء الدول الكبرى، وهو ما أثر على الوضع الداخلي الذي يمكن الاكتفاء لتفسيره بوضع العمال الأجانب وخاصة في مشاريع بنية كأس العام 2022 بعد مرور أشهر طويلة دون حصولهم على رواتبهم، وعندما فاجأ فايروس كورونا المستجد قطر، ثبت عجز السلطات عن مواجهته، فتم تسجيل نسب من الإصابات تعتبر من الأعلى عالميا مقارنة بعدد السكان وإمكانيات الدولة.

وبنظرة خاطفة، يمكن التأكيد على أن قطر اليوم لم تعد هي ذاتها قطر ما قبل 5 يونيو 2017، فكل شيء يتراجع إلى الوراء بما يعلن نهاية قصة النهضة والازدهار والرفاه، كما أن التحولات العالمية الكبرى في مجالات إنتاج وتصدير الغاز باتت تهدد الطفرة المالية، كما أن العلاقات الدولية تمر بفترة ركود، لا يغطيها إلا الاندفاع إلى أحضان أردوغان وتمويل وتبني مشاريعه التخريبية في المنطقة، أو الالتحاف بعباءات النظام في طهران بحثا عن وساطات ميؤوس منها مع الغرب للظهور في صورة النظام القادر إقليميا على حل الأزمات.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كشف أسرار عن مروان البرغوثي ومحمد ضيف ويحيى السنوار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

بن كسبيت

يواصل اسحق إيلان "الجورجي"، نائب رئيس الشاباك السابق، الحديث عن بعض أسرار عمله في "الشاباك"، ويتحدث في هذه الحلقة عن كل من محمد ضيف، مروان البرغوثي ويحيى السنوار كما عرفهم.

تصفية بصمت
تحدثنا في الفصل الأول عن تصفية المهندس يحيى عياش، التي كان يفترض بها أن توقف الإرهاب. ولكن عمليات التفجير استمرت بعده بقوة. العملية في ديزنغوف سنتر مثلاً. هل كانت هذه انتقاما لتصفية عياش؟

"لا. كي نتحدث عن ديزنغوف سنتر، يجب العودة الى بيت ليد. أتذكر العملية في بيت ليد؟".

واضح، لا يمكن النسيان.
"كان هناك مخربان انتحاريان تفجرا بفارق 3 دقائق. في التحقيق تبين أن هذه صدفة. فقد وصلا معاً، ولكن أحدهما علق في الإشارة الضوئية للمشاة فوصل الى تجمع الجنود في المفترق متأخراً. هذا هو السبب الذي جعلهما لا يفجران نفسهيما معاً. كانت هذه عملية مخيفة، من اقسى العمليات. الانتحاريان جاءا من غزة. فقد تظاهرا بأنهما ضريران، وخرجا لتلقي العلاج الطبي. وكان يفترض بالعملية أن تكون ثلاثية وليس ثنائية، ولكن احد الانتحاريين لم يصل. من خطط العملية كان رئيس الجهاد الإسلامي في غزة. وقد أبقى نفسه في الظلال ولم يعرف أحد بوجوده. أما نحن فكنا نعرف. تخوفنا من أن يكون هناك مزيد من العمليات على الطريق. كانت أحاديث عن عملية ثلاثية. في النهاية، وبفضل عمل ألمعي لمسؤولنا في غزة، اكتشفناه وصفيناه بصمت. هذا لم ينشر أبداً. وجاءت العملية في ديزنغوف سنتر انتقاماً لهذه التصفية، وليس لتصفية يحيى عياش".

لم أفهم. رئيس "الجهاد الإسلامي"، فتحي الشقاقي، صفاه في مالطا "الموساد" في تشرين الاول 1995 بعد عشرة اشهر واربعة ايام من العملية في بيت ليد. أتتحدث عن هذا؟
"لا. أنا اتحدث عن رئيس الجهاد الاسلامي في غزة. لم يعرف احد بوجود هذا الشخص. اكتشفناه وصفيناه بصمت. وهذا لم ينشر حتى اليوم".

هل ضاع أجرنا عبثاً، إذاً؟ أنت نفسك تقول ان ديزنغوف سنتر هو انتقام لهذا.
 "لا مفر. الحرب ضد الإرهاب ليست مخيماً صيفياً. هذا الرجل كان في الطريق الى تنفيذ عملية ثلاثية خطيرة جدا مع عبوات تزن اكثر من 15 كيلوغراما. بالمناسبة، امسكنا بالعبوة أيضاً. عندما تكون تعرف هذا مسبقاً، لا يمكنك الا تصفيته".

بالمناسبة، في كل التقارير عن العملية في ديزنغوف وكذا في ويكيبيديا مكتوب أن المخرب من ديزنغوف سنتر كان رجل "حماس"؟
 "إذاً، هكذا كتب. دليل آخر على انه محظور الاعتماد على ما ينشر في الشبكة. أبلغك بأنه كان رجل الجهاد. وكان هذا انتقاماً لتصفية رجل الجهاد في غزة. انا كنت في الخارج في حينه، عدت الى البلاد قبل يومين من ديزنغوف سنتر. جاء بالمخرب الى تل أبيب سائق عربي اسرائيلي. وقد حكم في المركزية في الناصرة، وتلقى 15 سنة سجن. وشهدت في محاكمته. وعلى حد قوله كان هرّب عاملاً جاء لينال الرزق. كان هنا لأسفي إهمال كبير من الجيش. فقد جلب المخرب في شاحنة رمل كبرى. وروى المخرب له انه يحتاج ليستعيد ديناً من احد ما شغله في تل أبيب. وعندما اقتربا من ديزنغوف، اخرج زجاجة عطر صبها على رأسه وأجرى تطهيراً. وهذا دليل واضح على من يعتزم الانتحار. كل مسلم يفهم هذا. ولكن السائق تجاهل. انزل، لم يبلغ أحداً وابتعد. بل انه سمع الانفجار. في المحاكمة حاول التبرؤ من الفعلة قائلاً: لم أعرف، لم أسمع، لم أتصور. اما نحن فكنا نعرف أنه يعرف. بل انه حصل من المخرب على دفعة اعلى بعشرة أضعاف من التعرفة العادية لتسفير عامل".
هل كان هناك إخطار قبل العملية؟
 "كانت لنا معلومة بأن هذا السائق يهرب عمالاً الى إسرائيل. وكانت هناك نية للتحقيق معه. لم نتمكن. قبل عشرين دقيقة من العملية كان لنا إخطار بأنه يوجد انتحاري داخل تل أبيب".

عملية ألمبي
ماذا يمر عليكم في مثل هذا الوضع؟ اليوم توجد وسائل خاصة متطورة ولكن قديماً كان كل شيء هاماً أكثر. فماذا تفعل في هذه العشرين دقيقة؟
 "تكون متحفزاً كالرفاص. تتركز أفكارك على كيفية منع العملية. حصل لنا مرات عديدة أن نجحنا. ومرات اخرى لم ننجح. عندما تكون أنت القائد تتركز الانظار اليك وعليك أن تتخذ القرارات وتبدي حساً قيادياً. عليك أن تقرر أي الطرق تغلقها، لمن تستمع واي وكلاء تستخدم وأين تستخدم الشرطة والجيش، على من تطلق النار وعلى من لا تطلق النار، ما العمل. والمثال الأفضل هو العملية التي أحبطت في ألمبي".
إروِ لي عنها.
 "نحن نتحدث عن بداية الانتفاضة الثانية. المخرب زياد الكيلاني من قرية سيريس قرب جنين. ومساعدته، التي كانت زوجته ايضا، يهودية مهاجرة جديدة من روسيا تدعى انجليكا يوسفوب. عمليته الأولى كانت طعن ضابط من الجيش، يعقوب بن ديان، في سوق الكرمل في تل أبيب. أصيب الضابط بجراح خطيرة وتمكن الكيلاني من الفرار. بعد ذلك أعد عبوتين ناسفتين. الأولى زرعها في بسطة شاورما في منطقة شارع ألمبي. عرفنا ذلك، وشخّص خبراء المتفجرات في الشرطة العبوة وفجروها في المكان. في هذه الأثناء هرب الكيلاني ومعه العبوة الثانية، في سيارة عمومية من نوع ترانزيت الى العفولة. تمكنا من معرفة موقعه بالتقريب. اغلقنا حركة السير على المحور الذي كان فيه. سألني رجلي الميداني ما العمل؟ وصفت له الكيلاني بالتفصيل. قلت له في اللحظة التي يراه فيها فلينزل السيارة عن الطريق بكل ثمن ويبعدها لأن معه عبوة كبيرة. ولحظنا المتعثر كان يجلس في السيارة. ولن أنسى هذا. رجلنا الميداني روى لي انه ما ادخل رأسه الى الترانزيت حتى شخصه. فقد تقاطعت نظراتهما. كان يجلس خلف السائق. من تلك اللحظة لم يتذكر رجلي شيئا. اذ ان الكيلاني فعل العبوة التي كانت تحت مقعد السائق. قطعت ساقاه وكذا احدى يديه وعين واحدة ولكنه نجا. اما السائق، شاب يسمي كلود كنا فقد قتل".

ماذا كان مصيره؟
 "تحرر في صفقة شاليت، فماذا تظن. المساعدة يوسفوب فبقيت في السجن لتقضي حكومتها حتى النهاية. فقد حكمت 18 سنة. نوع من المفارقة. كانت تعرف انه مخرب، ساعدته، اخفته واخفت العبوات، زودته بالسكين، كانت تعرف كل شيء".

محمد ضيف
قل لي، كي لم نصفِ محمد ضيف حتى الآن؟

 "مرة على الاقل هو مدين بحياته لشمعون بيريس. في اليوم الذي صفينا فيه عياش، جاءت معلومة عن مكان تواجد ضيف، مع مسؤولي إرهاب آخرين من غزة. طلبنا الإذن لتصفيته من الجو. لم يأذن رئيس الوزراء بيريس. تخوف من تصفيتين كهاتين في اليوم ذاته. تخوف من ان يكون هناك مصابون ابرياء. في حينه دخل ديختر الى رئيس الأركان، أمنون ليبكن- شاحك، الذي أحبه بيريس جدا وقال له اذهب اليه وقل له إننا ملزمون بشطبه. اما ليبكن الذي فهم الأمر، فترك كل شيء، ذهب لبيريس، تلقى منه الإذن، ولكن الى أن حصل هذا كان ضيف غير مكانه وضاعت الفرصة".

حسناً، هذا لا يعني أننا كنا محظوظين أكثر في مرات اخرى. حاولنا شطبه مرات لا تحصى؟
 "صحيح. ودوماً يوجد جدال عن الضرر الجانبي. ذات مرة كان فيها كل رؤساء حماس. كل رؤوس الأفعى، في البيت ذاته في غزة. وقنبلة واحدة كانت ستنظف لنا كل قيادة حماس لأجيال. كان هناك جدال، وفي النهاية أقرت قنبلة صغيرة وليست كبيرة، فخرجوا بسلام".
أتذكر هذا. كنا في حينه تحت تأثير تصفية صلاح شحادة الذي قتل فيها 15 بريئا بينهم 8 طفال بعد أن القى سلاح الجو قنبلة بوزن طن. وقد استخلصنا الدروس؟
"صحيح. ولكن هذا استخلاص مغلوط للدروس. هذا هو الدرس غير الصحيح".

مروان البرغوثي
ماذا تعتقد حول القول انه كان من الخطأ اعتقال مروان البرغوثي وانه الفلسطيني الوحيد القادر على الحديث معنا عن تسوية؟

"هراء. البرغوثي قاتل شرير، وليس لديه أي إمكانية للقيادة. صدقني. هذا الرجل يجلس مع خمس مؤبدات، وعن حق. قبل الانتفاضة أخرج خلايا مخربين من الاردن قتلوا ضمن آخرين تسفي كلاين. كنت أنا بين أولئك الذين اعتقلوه. هو مخرب قديم وكثير الأفعال. على اسمه خمس عمليات".

سيقال لك ان السلام يصنع مع الأعداء وهناك حاجة لعنوان يمكنه أن يوفر البضاعة؟
"انصت لي. البرغوثي هو شخص متطرف للغاية. من الوهم القول انه براغماتي. حتى لو كان يبث براغماتية، من اللحظة التي يخرج فيها ليصبح زعيما سيختفي هذا. في اجواء اليوم لا يوجد زعيم فلسطيني يمكنه أن يتنازل عن حق العودة".
أنت لست قاطعاً جداً؟ في "يهودا" و"السامرة" يوجد هدوء نسبي منذ وقت طويل.
"الهدوء يسود بفضل الشاباك والسيطرة العملياتية للجيش الإسرائيلي. من يدعي بان الفقر يتسبب بالإرهاب يكذب".

يحيى السنوار
هل تعرف يحيى السنوار؟

"نعم أعرفه على نحو ممتاز. بل التقيته في السجن ايضا. سألني اي لغة اريد أن أتحدث بها. العبرية أم العربية، ففضلت العربية، إذ نقلت له بضع رسائل مهمة. هو عدو مر، متوحش، حكيم وذكي. انظر، منذ حل محل الرجل الهزيل، اسماعيل هنية، كل مشروع التظاهرات على الجدار من عمله. البالونات، الطائرات الورقية، خلايا الازعاج الليلي. لقد نجح في أن يحقق لـ "حماس" إنجازات غير مسبوقة باستخدام أدوات من العصر الحجري. هذا مذهل. لقد كان قائد الخلية الاولى تحت قيادة احمد ياسين. قتل عملاء بيديه. هو متوحش على مستوى لا يصدق. انت لا تريد أن تعرف بأي طرق قتلهم".

هل يوجد ما يمكن الحديث فيه معه؟
"على المستوى السياسي، لا. هذا خطأ. هو يعرفنا على نحو ممتاز. من كل الجوانب. يقرأ "يديعوت" و "معاريف"، خبير في المجتمع الإسرائيلي بكل تفاصيله. أخوه الأكبر، محمد السنوار، كان قائد اللواء الجنوبي في خان يونس".

هل الأخ حي؟
"نعم. هو أيضا مدين بحياته لأحد ما عندنا".

وهل هناك عربي في غزة ليس مديناً بحياته لأحد ما عندنا؟
"عندما كان عامي ايالون رئيس الجهاز، جئت اليه بخطة لشطب السنوار الكبير. لم يقرها. برأيي لم يرتفع هذا حتى الى المستوى السياسي".

أما أنا بالذات فانطباعي هو أن السنوار ينتمي لجيل آخر يمكن عقد الصفقات معه. فهو يفهم احتياجات جمهوره في غزة على نحو ممتاز. يعرف انه بالعنف لن نحققها؟
"يقال عن هذا بالعربية هلوسة. ليتك تكون حقا، ولكن لأسفي انت مخطئ".

لماذا؟ انظر فهم يتحدثون الآن عن صفقة اسرى، يطلبون اجهزة تنفس. افلا يمكن الوصول الى تهدئة لعشر سنوات؟
"سيكون هذا خطأ. كل نهجنا تجاه قطاع غزة هو مساومة خاطئة. بعد تصفية بهاء أبو العطا، فتحوا النار وتطورت مواجهة. ردا على ذلك قتلنا منهم 25 نشيطا. أتعرف ما كان ينبغي عمله؟ ان نقتل 2500 نشيط. هكذا فقط سيكون هدوء في غزة. هذا هو السبيل الوحيد، لشدة الأسف".

اذاً، ما الحل؟
"يجب احتلال غزة مثلما فعلنا في يهودا والسامرة. لا يوجد سبيل آخر. لا توجد اختصارات للطريق. قلت هذا ايضا لبوغي في حينه".
استعراض الجيش الإسرائيلي الإلكتروني في "الجرف الصامد" تحدث عن 500 جندي قتيل على الاقل؟
"هراء. لا اقبل هذا. هكذا تحدثوا ايضا في يهودا والسامرة قبل السور الواقي. عندما تجر الارجل، تدخل وتخرج، تتعرض للخسائر. اما عندما تقرر أن تحتل، فهذا يبدو مختلفا تماما. صدقني. كنت مستشار لجنة الخارجية والامن في فترة الجرف الصامد. كان هذا مخزيا. أفرغت مخازن كاملة من القذائف الموجهة على فتحات الأنفاق. فماذا أفاد هذا؟ كان هناك خلل رهيب. عندما يقول نتنياهو انه وافق على كل اقتراحات وقف النار في أثناء الحملة، ولم يقصد حقا، أقول لك هذا كذب وبهتان. إسرائيل قالت نعم لكل حالات وقف النار. وهذا عار. لا يوجد اختصارات للطريق في هذه القصة. يجب الدخول الى غزة وتنظيفها من الصواريخ. إعداد خطة مرتبة. وستكون الخسائر أقل بكثير مما يخيل لك".

مصدر الترجمة عن العبرية: "معاريف" /نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

الدوحة تدفع ثمناً باهظاً لسياسة 3 أعوام من المكابرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-05

 بعد ثلاثة أعوام على قرار المقاطعة العربية والخليجية لقطر، تجد الدوحة نفسها نتيجة سياسة المكابرة والعناد والارتهان لإيران وتركيا اللتين تعاملتا مع ورطتها بمنطق الغنيمة، في أزمة هي الأسوأ في تاريخها.

 وتشير مؤشرات وبيانات رسمية وتقارير هيئات مالية دولية إلى ارتفاع قياسي في ديون قطر الخارجية وخسائر طالت معظم قطاعاتها الحيوية من الطيران إلى السياحة إلى القطاع المصرفي وهبوطا في الإيرادات وارتفاعا في النفقات وتعثرا للعديد من المشاريع نتيجة أزمة سيولة واستنزاف للمالية العامة بسبب نفقات منشآت مونديال 2022 وحملة علاقات عامة مكلفة للغاية لتلميع صورتها في الخارج التي لطختها الارتباطات المشبوهة بجماعات  متطرفة.

وتؤكد الإمارة الخليجية الصغيرة أن اقتصادها نجح في التكيف مع المقاطعة وأنه قادر على الصمود، لكن الواقع بمنطق الأرقام يشير إلى عكس ذلك ويؤكد وفق بيانات محلية ودولية صادرة في العام الماضي وبدايات العام الحالي أن الوضع أسوأ بكثير مما تقدمه الرواية الرسمية.

 واضطرت قطر بعد قرار المقاطعة العربية والخليجية للبحث عن مسارات جوية وبحرية بعيدة ومكلفة جدا لتأمين حاجاتها الأساسية وتسيير رحلاتها الجوية والبحرية.

وأقرت الخطوط القطرية على لسان رئيسها التنفيذي أكبر الباكر بأنها تواجه وضعا صعبا مع استمرار تسجيلها لخسائر لم تتوقف منذ قرار المقاطعة العربية في الخامس من يونيو/حزيران 2017.

وتضاعفت خسائر الناقلة الجوية القطرية بنحو ثماني مرات خلال العام المالي المنتهي في 31 مارس/آذار الماضي، لتبلغ 640 مليون دولار ارتفاعا من خسائر بلغت في 2019 حوالي 69.55 مليون دولار، وفق مجلة 'فوربس' ووفق حسابات معلنة في منتصف يناير/كانون الثاني من العام الحالي.

ومثلت الخسائر التراكمية للشركة بنهاية السنة المالية أيضا نحو 9.1 بالمئة من رأسمالها مقابل 4.5 بالمئة بنهاية السنة المالية المنتهية في مارس/اذار 2018.

وأعلنت الخطوط القطرية في الفترة الأخيرة أنها ستقوم بتسريح العديد من الموظفين والعاملين فيها بسبب الضغوط التي فرضها تفشي فيروس كورونا ومنها انخفاض الطلب على الطيران.

وتسبب فيروس كورونا في خسائر كبيرة وضرر لكل اقتصادات العالم، إلا أنه عمق أزمة قطاعات الاقتصاد القطري الحيوية ومنها قطاع الطيران الذي يواجه منذ نحو ثلاثة أعوام ضغوطا مالية تراكمية بفعل عزوف المسافرين عن الحجز عبر الخطوط القطرية لأكثر من سبب أولها كثرة الشبهات حول ارتباط الدوحة بالإرهاب وأيضا لبعد المسارات الجوية التي تسلكها.

وفتحت الناقلة الجوية القطرية العديد من المسارات والوجهات في ظل المقاطعة، إلا أن كل الحلول الترقيعية لم تكبح خسائرها.

وكان أكبر الباكر قد قال في تصريحات سابقة لوكالة رويترز "قد نستغني عما قد يصل إلى 20 بالمئة من الموظفين في المجموعة" بسبب الصعوبات الناجمة عن أزمة كورونا.

وكانت الخطوط القطرية قد حذّرت بدورها من تسجيل ثالث خسارة على التوالي في السنة المالية الحالية التي تنتهي في مارس/اذار من كل عام حتى قبل ظهور وتفشي جائحة كورونا وتأثر الطلب العالمي على السفر.

وتخطط الخطوط القطرية وفق ما أعلنه رئيسها التنفيذي لبيع 5 طائرات من طراز بوينغ 737 ماكس من أسطولها، في محاولة لتقليل الخسائر.

وأشار الباكر أيضا في تصريحاته السابقة لرويترز إلى أن إيرباص وبوينغ قد ترفضان طلبات تأجيل تسلم طائرات تقدمت بها الخطوط الجوية القطرية المملوكة للدولة، مضيفا "نتفاوض مع بوينغ وإيرباص لتلبية طلبنا للتأجيل ونأمل أن يلتزم المنتجان" بذلك.

وأوضح كذلك أن عشر طائرات من طراز إيرباص إيه 380 لن يحلق حتى منتصف أو أواخر 2021 على الأقل، فيما تخطط الشركة لتقليص أسطولها البالغ حاليا نحو 200 طائرة.

وهبطت أصول الشركة بنحو 5.6 بالمئة خلال العام المالي الماضي إلى 27 مليار دولار، فيما كانت في العام المالي الذي سبقه 28.7 مليار دولار.

وأمنت الخطوط القطرية في خضم جائحة كورونا عشرات الرحلات للمئات من العالقين من الرعايا الأجانب لأكثر من وجهة، وحظيت بإشادة أوروبية على المبادرة، لكن الكلفة كانت عالية جدا باعتبار أنها جازفت بنقل العدوى في ذروة تفشي الفيروس.

وفي الثاني من يونيو/حزيران الحالي اضطرت اليونان لتعليق الرحلات من وإلى قطر على خلفية مخاطر انتقال العدوى. وجاء القرار اليوناني بعد رصد  مصابين بفيروس كوفيد 19 بين ركاب رحلة آتية من الدوحة.

وأعلن جهاز الحماية المدنية اليوناني في بيان أن الفحوص أظهرت إصابة 12 مسافرا من أصل 91 كانوا على متن طائرة تابعة للخطوط القطرية هبطت في أثينا، بفيروس كورونا.

وبين المصابين تسعة باكستانيين يقيمون في اليونان ويونانيان يعيشان في أستراليا وأحد أفراد أسرة يونانية يابانية.

تراجع عدد السياح الأجانب

وبسبب ارتباطات قطر بجماعات متطرفة وأيضا بفعل تأثيرات تفشي فيروس كورونا في الإمارة الخليجية الصغيرة، لم تعد الدوحة وجهة سياحية مفضلة على خلاف ما كان عليه الوضع قبل قرار المقاطعة.

وأظهرت بيانات وزارة التخطيط والإحصاء القطرية مؤخرا، انخفاض أعداد السياح الوافدين إلى قطر خلال الأربعة أشهر الأولى من العام 2020، بنحو 30.6 بالمئة على أساس سنوي.

وانخفض عدد السياح الأجانب إلى 547 ألفا و175 سائحا بنهاية أبريل/نيسان، مقارنة بـ789 ألفا و27 سائحا في الفترة نفسها من العام 2019.

ومثلت النسبة الأكبر للسياحة الأجنبية الوافدة من أوروبا بنحو 41 بالمئة أو 226 ألف زائر، ثم من الدول الآسيوية الأخرى وأوقيانوسيا بنسبة 31 بالمئة (186.8 ألف سائح) ومن دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 10 بالمئة لنحو 53.788 ألف زائر

وكانت أعداد السياح الوافدين لقطر، ارتفعت بنسبة 17.4 بالمئة خلال عام 2019 إلى 2.136 مليون سائح.

وتسعى الدوحة إلى جذب 5.6 ملايين سائح سنويا بحلول 2023، إلا أن جائحة كورونا كان لها تأثير على قطاع السياحة العالمي والذي يستمر عدة سنوات حتى تتعافى مرة أخرى. وارتفعت إصابات قطر بفيروس كورونا لأكثر 60 ألف

وتشير البيانات لحركة السياحة في قطر إلى تأثر القطاع الحيوي بفيروس كورونا، إلا أن التراجع في عدد الوافدين الأجانب مرتبط أيضا بسجل الدوحة في دعم التطرف وهو ما دأبت الحكومة القطرية على نفيه.

ديون قطر تتفاقم

وأظهرت بيانات البنك المركزي القطري ارتفاعا في ديون الدوحة الخارجية خلال السنوات الماضية، وهي واحدة من المؤشرات على حجم الضغوط المالية التي تفاقمت منذ قرار المقاطعة العربية والخليجية قبل ثلاث سنوات.

ومع تصاعد الالتزامات المالية لقطر، اضطرت الحكومة إلى اللجوء في السنوات الأخيرة إلى الاقتراض ما فاقم الأعباء المالية للدين الخارجي الذي ارتفع إلى مستويات قياسية عند 55 مليار دولار بنهاية العام 2019، مقارنة بـ43.4 مليار دولار في العام 2018 بنمو سنوي بنحو 25.34 بالمئة، أو ما يعادل نحو 11 مليار دولار.

وبحسب ما تشير إليه بيانات المركزي القطري، فإن ديون قطر الخارجية قفزت في السنوات العشر الأخيرة حتى نهاية 2019 بنحو 179 بالمئة، معظمها منذ قرار المقاطعة.

وتؤكد قراءات أن الارتفاع القياسي في نسبة الدين الخارجي للدوحة يأتي نتيجة أزمة السيولة في السوق القطرية في السنوات الأخيرة وأن هذا الوضع ناجم أساسا عن سياسة الهروب إلى الأمام التي تنتهجها القيادة في مواجهة تبعات المقاطعة العربية والخليجية.

تراجع فائض الميزان التجاري

وتظهر بيانات رسمية أيضا تراجع فائض الميزان التجاري السلعي لقطر في أبريل/نيسان الماضي بنسبة 66.9 بالمئة على أساس سنوي، في ظل تداعيات فيروس كورونا المستجد.

وبحسب بيان وزارة التخطيط والإحصاء القطرية فإن الميزان التجاري (الفرق بين إجمالي الصادرات والواردات) خلال أبريل/نيسان الماضي، سجل فائضا بقيمة 1.18 مليار دولار انخفاضا من 3.57 مليار دولار في الفترة نفسها من العام 2019.

وانخفضت الصادرات القطرية خلال أبريل/نيسان بنحو 48.2 بالمئة على أساس سنوي مقابل ارتفاع قيمة الواردات القطرية بنسبة 17 بالمئة.

وتراجع الفائض التجاري لقطر 16 بالمئة في 2019 إلى 44.4 مليار دولار مقارنة مع 53 مليار دولار في العام 2018.

وتعتبر قطر أكبر منتج ومصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال وتواجه منافسة صعبة على الحصة السوقية حول العالم مع زيادة صادرات موردين جدد من أستراليا والولايات المتحدة.

إيران وتركيا ومنطق الغنيمة

وفي الوقت الذي كان يفترض فيه أن تسارع الدوحة إلى مصالحة مع محيطها الخليجي والإقليمي بالتخلي عن سياسات تؤكد دول المقاطعة الأربع أنها باتت تشكل خطرا على الأمن القومي العربي، سارعت قطر إلى اللجوء لإيران وتركيا.

وليس خافيا أن أنقرة وطهران تشكلان منذ عقود خطرا متربصا بمنطقة الخليج خاصة والمنطقة العربية عموما ضمن طموحات التمدد المحكومة بالمطامع التوسعية وبالأجندات الإيديولوجية.

والعلاقات بين الدوحة من جهة وطهران وأنقرة من جهة ثانية قائمة سرا وعلانية، إلا أنها تعزز خلال سنوات المقاطعة، فقطر التي وجدت نفسها في عزلة بعد غلق المنافذ الجوية والبحرية والبرية وهي شرايين حيوية للاقتصاد القطري، توجهت إلى تركيا وإيران بحثا عن بدائل حتى لو كانت مكلفة سياسيا واقتصاديا.

لكن سياسة الهروب إلى الأمام التي انتهجتها القيادة القطرية، أوقعتها في فخاخ منطق الغنيمة التي تعاملت على أساسه كل من طهران وأنقرة.

وبمنطق الربح والخسارة بغض النظر عن سبب ومسببات الأزمة، وجدت الدوحة نفسها فريسة للأطماع الإيرانية والتركية، فإيران التي تئن تحت ضغوط اقتصادية ومالية شديدة بفعل العقوبات الأميركية، كانت في حاجة ملحة لمنفذ مالي ينفس أزمتها الاقتصادية.

أما تركيا التي يواجه اقتصادها حالة من الركود وتعرضت عملتها الوطنية (الليرة) لموجة هزات عنيفة خلال السنوات الأخيرة بفعل سياسات رئيسها رجب طيب أردوغان وتدخلاته العسكرية الخارجية في كل من سوريا وليبيا وخصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء الغربيين، فكانت بحاجة إلى إنعاش اقتصادها وتمويل حروبها الخارجية.

وعلى هذا الأساس تعزز التحالف القطري الإيراني والقطري التركي، فقد استغل أردوغان ورطة قطر لتوقيع اتفاقيات تجارية وعسكرية خففت من وطأة الأزمة الاقتصادية في بلاده ومنحته فرصة إيجاد موطئ قدم في الخليج من خلال بناء وتوسيع قاعدة عسكرية في الدوحة وتصدير منتجات تركية للسوق القطري وهو ثمن يعتقد الرئيس التركي الذي يتعامل بمنطق البراغماتية أن على الدوحة دفعه.

وقد سارع أردوغان لإعلان دعمه لقطر وحاول تأجيج الخلاف بينها وبين دول المقاطعة، حتى لا يخسر مصدرا يمكن الاستفادة منه لإنعاش الاقتصاد التركي المتعثر وممولا مهما لتدخلاته العسكرية في سوريا وليبيا.

وبالفعل تعهدت قطر بضخ استثمارات بنحو 15 مليار دولار لدعم استقرار الليرة التركية التي هوت في أكثر من مرة إلى هوة عميقة.

كما تشير تقارير غربية إلى أن أنقرة طلبت من الدوحة التكفل بتمويل نقل مرتزقة من الفصائل السورية المتطرفة الموالية لتركيا، إلى الغرب الليبي لدعم حكومة الوفاق الوطني في مواجهة هجوم يشنه الجيش الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر لتحرير العاصمة طرابلس من الإرهاب. وسمم الارتباط القطري الإيراني تحالفات قطر التقليدية خاصة مع الولايات المتحدة التي لديها أكبر قاعدة عسكرية في الدوحة، وسط أنباء عن وجود خطة أميركية لنقل تلك القاعدة بعد أن اتضح للحليف الأميركي الدور القطري في تخفيف العقوبات على إيران من جهة والارتباط الوثيق بجماعات على "القائمة الأميركية السوداء للجماعات الإرهابية".

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب علق في السادس من يونيو/حزيران 2017 على قرار المقاطعة العربية والخليجية لقطر قائلا في تغريدة على حسابه بتويتر إن دول الخليج قالت "إنها ستعتمد نهجا حازما ضد تمويل التطرف وكل الدلائل تشير إلى قطر"، مضيفا "قد يكون ذلك بداية نهاية رعب الإرهاب".

وذّكر الدوحة بأن لديها سجلا طويلا في دعم التطرف، إلا أنه غيّر لهجته بعد ذلك إزاء قطر التي تضمّ أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط.

 وأبرمت الدوحة عقود تسليح ضخمة بمليارات الدولارات في صفقات تفوق حاجتها وقدراتها أصلا ضمن محاولة شراء تحالفات خارجية وتعزيز ارتباطاتها الخارجية على أمل إيجاد منافذ لتفكيك عزلتها في محيطها وفضائها الخليجي والعربي واستقدام ضغوط غربية على دول المقاطعة، لكن الأخيرة تمسكت بتنفيذ قطر قائمة من 13 مطلبا أهمها فك الارتباط بإيران وتركيا والجماعات الإسلامية المتطرفة والتراجع عن سياساتها الخارجية المهددة للأمن القومي العربي والخليجي.

عن "ميدل ايست أنولاين"

  

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية