رنا عيسى: المثقفون هم المشكلة الأساسية وليس الشارع

10394
عدد القراءات

2018-05-06

قالت الدكتورة رنا عيسى إنّ النهضة حقبة ملتبسة من الهوية والتاريخ العربي؛ "فالنظرة والسردية السائدة هي أنّ العرب كانوا غارقين في حالة من السبات والتخلف، إلى أن اجتاحهم نابليون، وأتت إليهم الإرساليات، وبالتالي أرادوا بعدها أن يتعلموا منهم وتأثروا بهم".

وأكدت في حوارها مع "حفريات" على هامش مؤتمر "النهضة العربية" الذي انعقد في العاصمة الأردنية عمّان في 25 و26 من شهر نيسان (أبريل) الماضي، أنّ النهضة العربية كانت ثقافية وأدبية بالأساس، "أما السياسة فقد انتهزت النهضة، وقامت بتوظيف خطاباتها لصالحها"، وفي الوقت الذي انتقدت عدم قيام مفكري عصر النهضة بالاتجاه نحو تشكيل وبناء مجتمع مدني قوي، يتمكن من الوقوف في وجه الاستبداد الذي رأت أنّه "معتمد على الإمبريالية وهو ليس شيئاً من خارجها"، شدّدت على أنّ المشكلة الأساسية في الثقافة العربية هي المثقفون وليس الشارع؛ لأن "لدينا الكثير من المشاكل المختلفة تماماً عن الغرب تحتاج إلى جهود نظرية خاصة بها وبلورة مفاهيم مختلفة".

النظرة والسردية السائدة أنّ العرب كانوا غارقين في سبات وتخلف إلى أن اجتاحهم نابليون وأتت إليهم الإرساليات

والدكتورة رنا عيسى، أستاذ مساعد، في قسم اللغة والآداب الإنجليزية، في الجامعة الأمريكية ببيروت. متخصصة في دراسات النهضة، ومهتمة بدراسة عملية الترجمة وأثرها في عصر النهضة. من مؤلفاتها: "اللغة العربية والهوية الوطنية السورية - اللبنانية"، و"الفكر التبشيري واختراع أرض التوراة".

وهنا نص الحوار:

عند الحديث عن دراسة عصر النهضة اليوم، ما هي أهم الاتجاهات في دراسة هذه الحقبة؟

بالإمكان القول إنّ مختلف التيارات والاتجاهات تتجه اليوم إلى إعادة التناول والقراءة لعصر النهضة ومفكريه، وأبرزها: التيار الليبرالي، الذي يوجد فيه رواد ونصوص مؤسسة لمذهب وأفكار الحرية في السياق العربي، إضافةً إلى التيار العلماني الدكتاتوري، الذي يجد في عصر النهضة التأسيس للفكر القومي، وهناك أيضاً تيار من الأكاديميين، الأنجلوفون (العرب في الولايات المتحدة) خاصة، الذين يتجهون إلى ربط دراسة خطابات عصر النهضة بالخطاب الما بعد كولونيالي.

إذا تحدّثنا عن هذا الربط الأخير، هل المقصود منه تتبع التطور الطبيعي للسياقات الثقافية في مرحلة ما قبل الاستعمار؟

عند الحديث عن الاستعمار في منطقتنا، لا أعتقد أنّه بالإمكان الحديث عن استعمار فعليّ، إنما هي مرحلة ملتبسة من الاستعمار؛ نحن لم يحدث عندنا استعمار بالمعنى الفعلي، ربما باستثناء حالة الجزائر، وفلسطين لاحقاً، أما في بلاد الشام ومصر، فقد جاء الوجود الأجنبي في شكل حمايات وانتدابات أكثر منها استعماراً. ولكن، بالنسبة للتطور الطبيعي للفكر العربي الحديث، فالمؤكد أنّ النهضة هي حقبة ملتبسة من الهوية والتاريخ العربي، وإذا توقفنا عند نظرتنا اليوم لهذه المرحلة، خاصة من خلال كتابات مؤرخي الفكر العربي، كألبرت حوراني، في كتابه الشهير "الفكر العربي في عصر النهضة"، فالنظرة والسردية السائدة هي أنّ العرب كانوا غارقين في حالة من السبات والتخلف، إلى أن اجتاحهم نابليون، وأتت إليهم الإرساليات، وبالتالي أرادوا بعدها أن يتعلموا منهم وتأثّروا بهم.

ألبرت حوراني، وكتابه الشهير "الفكر العربي في عصر النهضة"

إلى أي حد يمكن اعتبار هذه السردية صحيحة؟

بدرجة ما، يمكن القول إنّها صحيحة؛ جاء نابليون نهاية القرن الثامن عشر وقام بتخويف المصريين بالسلاح الحديث، وبترغيبهم في آلة الطباعة والعلوم التقنية الجديدة. بالتأكيد هناك مركزية غربية واضحة في هذه السردية، تنطلق من لحظة وصول الغربي (نابليون) إلى الشرق (مصر)، لكن هذه سردية ناقصة فهي لا تنظر إلى سياقات التطور الطبيعية للمجتمع في العصر السابق، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، فلننظر مثلاً إلى الحركة العلمية والثقافية في حلب آنذاك مثلاً، وكذلك في القاهرة؛ كان هناك تطور وتبلور طبيعي على الأقل على صعيد الآداب والفنون.

العودة إلى النهضة اليوم تأتي في إطار السعي لإيجاد نقطة مرجعية للحداثة العربية بكافة توجهاتها وأطيافها

بالتأكيد نحن كنا تحت حكم عثماني، والعثمانيون كان حكمهم متسلطاً وعسكرياً، كما الحكام المستبدون الآن؛ لا ينفقون على التعليم، ويكاد حكمهم يكون مقتصراً على فرض الضرائب وجبايتها، بإمكاننا القول إنّ الحكم العثماني كان يقوم على علاقة انتهازية مع الشعب؛ أنت تعمل وأنا أقوم بسرقتك، وهو ما لا أرى أنّه قد يتغير كثيراً في دولنا المستقلة. ولكن، وبالرغم من هذا الوضع العنيف الذي كانت تمارسه السلطة الحاكمة ضد المجتمع، إلا أنّ الناس كانوا طوال الوقت يحاولون استعمال الأدب والعلم للوصول بالمجتمعات إلى مكانة أفضل.

أسئلة النهضة بين الأمس واليوم

هل يمكن القول إنّ أغلب الاتجاهات التي تعود إلى عصر النهضة اليوم مرتبطة بأيديولوجيا معينة؟

بالطبع، النهضة اليوم تُستخدم بشكل أيديولوجي، وذلك من أجل ابتداع تواريخ وامتدادات لكل تيار، وإيجاد تأصيل تاريخي للتيار وأفكاره؛ العودة إلى النهضة اليوم تأتي في إطار السعي من أجل إيجاد نقطة مرجعية للحداثة العربية بكافة توجهاتها وأطيافها.

هل الأسئلة التي يطرحها واقعنا اليوم هي ذات الأسئلة التي طُرحت في عصر النهضة؟ أم البُنى والواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي قد اختلف؟

نحن أبناء النهضة بامتياز، وأعتقد أنّ الأسئلة بشكل رئيسي لم تختلف كثيراً؛ فلننظر مثلاً إلى العلاقة بين المثقف والمجتمع، وأستحضر هنا دائماً نموذج "أحمد فارس الشدياق" (1804 - 1887)، فهو من أول من اجترح علاقة وطيدة بين عمل المثقف وحال الناس. فهو وإن كان يكتب ببلاغة عالية جدا كان متوجس بكيفية الوصف الدقيق للمجتمعات التي عاش فيها. فحسه الأنثروبولوجي جعل من أدب مرآة تاريخية لمعرفة مشاكل الناس اليومية في ذلك العصر. واليوم لا تزال معضلة كيف يكتب المثقف عن الناس من أهم ما يمكن أن تفكر فيه الثقافة العربية اليوم.

"أحمد فارس الشدياق" (1804 - 1887)

إذاً هناك تنوع كبير في الخطابات والأساليب في عصر النهضة، فلنتحدث عن الاختلافات السياسية؛ إلى أي حد يمكن اعتبار مشاريع شكيب أرسلان ومحمد رشيد رضا، والاتجاه نحو إعادة إحياء الخلافة وتجديد صيغتها، جزءاً من فكر النهضة؟

برأيي، مشاريع إعادة الإحياء للخلافة كانت حداثوية بامتياز، لقد كان القائلون بها متعاطين مع وضع اقتصادي وسياسي حديث، ينطلق من واقع الهيمنة الأوروبية على المنطقة؛ ما قاموا به هو قولبة أطر التفكير كأطروحات الإسلام والإسلام السياسي من خلال ما يجري في مجتمعاتهم، لا أعتقد أنّ هناك علاقة امتداد بين محمد رشيد رضا وابن تيمية؛ لحظة محمد رشيد رضا كانت لحظة حداثية، فالحداثة فيها العلمانية ونقيضها؛ كلاهما: العلماني، والمحافظ، يستعملان الصحافة، والطباعة، وذات التكنولوجيا، ليشنّا حرباً ويتعاركا مع بعضهما.

الحكم العثماني قام على علاقة انتهازية مع الشعب وهو ما لا أرى أنّه يتغير كثيراً في دولنا المستقلة

إذا أردنا وضع حد زمني لنهاية عصر النهضة، هل بالإمكان القول إنّه يستمر إلى العام 1952، أم إلى العشرينيات ودخول الفرنسيين إلى سوريا وانهيار الخلافة؟

ما أراه أنا في أعمالي هو أنّ النهضة انتهت بين الحربين؛ حين تغيّرت أنظمة الحكم، فانتهى الانتداب، وأصبح هناك كيانات ودول مستقلة، وبذلك أصبح هناك تغيير واضح في أنظمة الحكم، وأيضاً حدث تغيير اقتصادي واضح، وأصبح هناك بنك مركزي، وبالتالي ولدت حركات معارضة جديدة، تبنت خطاباً وأفكاراً جديدة، كما نجد في التيارات اليسارية مثلاً. ولكن من المهم أن ننتبه بأن التحقيب هو عمل  صناعي بامتياز و إن تأريخي هذا يخدم موضوعي أنا و لا يمكن أن يعمم على كل من درس ظاهرة ما يسمى بعصر النهضة.

محمد رشيد رضا

خطابات النخب والسياسة

إلياس خوري يتكلم اليوم عن نهضة ثالثة، ويريدها كما الأولى، باعتبار أنّها كانت نهضة ذات طابع أدبي وثقافي. برأيك، هل كانت النهضة حركات أدبية أم أنّها تضمنت أبعاداً واتجاهات سياسية؟

- النهضة كانت ثقافية وأدبية بالأساس، أما السياسة فقد انتهزت النهضة، وقامت بتوظيف خطاباتها لصالحها؛ السياسيون يستعملون النهضة الأدبية ليقولوا للشعب بأنه متخلف. ليس هذا عمل الأدباء بالأساس، هم يتكلمون عن المجتمع ومظاهر التأخر فيه، ويقوم السياسيون بعد ذلك بأخذ هذا الخطاب واستعماله ضد الشعب. بل أن هناك شريحة من مثقفي النهضة - كأحمد فارس الشدياق، ومارون عبود - كانوا ينظرون الى أوجاع الناس و يحاولون استعمال الدقة في توصيفهم لحال المجتمع، فالدقة في استخدام العبارة كانت من أساسيات فكرهم، و إن أدت عند الشدياق إلى بلاغة عصية. ولكن على الأقل هم، على عكس معاصريهم، لم يكونوا يستخدمون خطاب "تجهيل الشعب"، وعند حديثهم عن "تخلف" الشعب، كانوا يتطرقون للعوامل التي أدت إلى ذلك، وبالتحديد فيما يتعلق بدور الحُكّام، وبالأخص فيما يتعلق بعدم الإنفاق على التعليم.

المثقفون طفيليون على المجتمع يعتاشون على مشاكله ولو لم توجد هذه المشاكل يفقدون عملهم ووظيفتهم

ثمة من يرى أنّ النخب الليبرالية اليوم تعاني من أزمة في الخطاب تتصادم مع عادات المجتمع، مما ولّد عزلة لهذه النخب عن القواعد الاجتماعية، هل كان الأمر كذلك في عصر النهضة؟

بالفعل، كان هناك شيء من ذلك خلال عصر النهضة، وخصوصاً فيما يتعلق بالعزلة، والمشكلة برأيي هي عدم قيام مفكري عصر النهضة بالاتجاه نحو تشكيل وبناء مجتمع مدني قوي، يتمكن من الوقوف؛ فمن أجل بناء مجتمع لا يمكن الاكتفاء بكتابة رواية، بالإمكان تخيّل كيف يمكن أن يكون المجتمع في الرواية، أقصى ما يمكن فعله بالرواية هو تقديم طروحات، لكن لا يمكن بناء مجتمع، وهذا هو ما توقفنا عنده؛ حيث تم تقديم طروحات، ولكن لم يتم ترجمتها إلى مشاريع عملية على الأرض، وذلك لأسباب كثيرة خارجية وداخلية. تتعدى دور الأدب وقدرته على التأثير العملي في المجتمع.

الحكام من أسرة محمد علي كانوا يعملون مع القوى الكولونيالية، ويستدينون منهم ما أدّى لدخول البريطانيين مصر

خلفيات الفشل والحل

بالحديث عن المشاريع النهضوية وأسباب تعرقلها، هناك اكتفاء بالحديث عن الأسباب الفكرية، هل تؤيدين هذا الطرح؟

إطلاقاً، لا أرى ذلك؛ فلننظر مثلاً إلى الحكام من أسرة محمد علي، وكيف كانوا يعملون مع القوى الكولونيالية، ويستدينون منهم، وهو ما انتهى إلى دخول البريطانيين، وحكمهم مصر، حيث أنّ وجودهم بالسلطة كان مرتبطاً بالامبريالية، تماماً كما هو حكم نظام بشار الأسد في سوريا، وكما يقول ساري حنفي اليوم، الاستبداد معتمد على الإمبريالية وهو ليس شيئاً من خارجها، ولنتذكر أنّ أول اتفاقية تجارة حرة في المنطقة، كانت معاهدة لندن العام 1840، والتي تتلخص في إغراق السوق المصرية بالمنسوجات الإنجليزية، مع منع المصريين من وضع أي جمارك، إنّها معادلة بسيطة، تولد البطالة في المجتمع، وتجعل المجتمع مغترباً عن عملية الإنتاج والاستهلاك، وهو ما يؤدي بالنهاية إلى مختلف مظاهر التأخر. في أساليب التصنيع و الحرفية و إنتاج معرفة جديدة.

النهضة العربية كانت ثقافية وأدبية بالأساس أما السياسة فقد انتهزت النهضة وقامت بتوظيف خطاباتها لصالحها

إذاً، مشكلتنا ليست ثقافية بالأساس؟

- بالتأكيد، أبداً، مشكلتنا ليست ثقافية، المشكلة اقتصادية بالأساس، أما "المشكلة الثقافية" فهي في المثقفين، وخاصة هذا الحديث عن "بث خطاب النهضة في الشعوب"، كما هو سائد عندما نتكلم عن النهضة اليوم. الحقيقة أن المثقفين طفيليين على المجتمع، يعتاشون على مشاكل المجتمع، ولو لم توجد هذه المشاكل، يفقدون عملهم ووظيفتهم، وبالتالي فهم مهتمين بوجود مشاكل في المجتمع حتى يقوموا بنقدها والحديث عنها. ولذلك العلاقة الأخلاقية الوحيدة المتاحة أمام أي مثقف هو أن يكون تلميذ المجتمع، يتعلم منه، ولا يتغطرس عليه.

عيسى: مشكلتنا اقتصادية بالأساس، أما "المشكلة الثقافية" فهي في المثقفين

هل في هذا دعوة لثورة في المناهج المعرفية والدراسية، تقوم على الاتجاه نحو دراسة المجتمعات، وعدم الاكتفاء بقراءة ودراسة آخر النظريات في الفكر الغربي؟

بالطبع، لا يمكننا الاكتفاء فقط بدراسة النظريات الغربية؛ مع أهمية فوكو وبورديو، وما لهم من فضل في تطوير النماذج التحليلية والنظرية، ولكنهم، قاموا بتطوير هذه النظريات من خلال النظر في مجتمعاتهم، هم يتكلمون عن مجتمعات ومشكلات أخرى، إنها مشكلات خاصة بالمجتمعات الغربية الصناعية المنتجة، ولكن نحن هنا لدينا الكثير من المشاكل المختلفة تماماً في مجتمعاتنا، والتي تحتاج إلى جهود نظرية خاصة بها، وإلى بلورة مفاهيم مختلفة. هناك مفاهيم ونظريات غربية عن السلطة تطورت عقب خسارة التلاميذ في الثورة الطلابية في فرنسا وألمانيا عام 1968، ولكن نحن في ذلك الوقت كنا قد خسرنا فلسطين عام 1967، فهل أنتجنا نظريات خاصة بهزيمتنا؟

ولكن هل هناك أسباب موضوعية لهذا الاغتراب الثقافي؟

- بالتأكيد، هناك أسباب موضوعية؛ الحكومات في مجتمعاتنا لا تنفق على البحث العلمي، وهو ما يدفع الباحثين إلى الالتحاق ببرامج الدراسات العليا في الغرب، والتي برامج تستند إلى النظريات الغربية، وهو ما يجبرهم على تعلم هذه النظريات والحديث بها. ولكن هذا ممكن أن يكون مصدر قوة لدينا بدل من أن يتأطر فقط في تبعية فكرية،  فنحن يجب أن نعمل على أن تكون معرفتنا موسوعية، مجبورين على دراسة الآخر (الغرب) اضافة الى دراسة الذات (المجتمعات) وتعميم مشاكلها من خلال انتاج نظريات جديدة تحاكي إشكاليات وجودنا في العالم. لا مشكلة لديّ في دراسة الغرب، هو ليس عدوي بالمطلق؛ الغرب فيه من يريد الهيمنة، وهو بالتأكيد عدوي، ولكن أيضاً فيه الكثير من المضطهدين، والمشروع الذي أتبناه، هو مشروع توحيد جهود المضطهدين حول العالم.

لدينا الكثير من المشاكل المختلفة تماماً عن الغرب تحتاج إلى جهود نظرية خاصة بها وبلورة مفاهيم مختلفة

ألم يتراجع هذا الخطاب القائم على التقسيم الأفقي (مُهيمِن ومُضطهَد) في عالم اليوم؟

- بالتأكيد، تراجع هذا الخطاب، ولكن الثورات العربية عادت لتذكّرنا فيه، حيث يستوحي المتظاهرون في "وول ستريت" من متظاهري ميدان التحرير، وهو ما يُظهر كيف أصبح هناك تململ من الممارسة السياسية حول العالم وأن هناك الكثير مما يجمعنا على عكس كل ما يقال في حروب الهويات المسعرة في العالم.

ألا ترين أنّ الثورات العربية افتقدت للخطاب النظري المساند لها؟

الثورات العربية أنتجت خطابات لو أنفقت المليارات على الجامعات لم يكن بإمكانها إنتاجها؛ مثلاً، لم يكن بالإمكان الحديث اليوم عن "ما بعد الاستبدادية" كما يفعل ساري حنفي ولا عن درس العولمة من منظار سوريا كما يفعل ياسين الحاج صالح إلا بفضل الثورات، وهذا ما نقوله اليوم؛ المثقف الذي بإمكانه اليوم أن يكون تلميذ الشارع فسينجح في عمله، نحن دورنا هو قول ما نراه، الناس هم يفعلون، ونحن نراقب ونتعلم منهم.. المشكلة الأساسية في الثقافة العربية هي المثقفون وليس الشارع.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



نبيل نعيم: لم نقتل السادات بسبب الصلح مع إسرائيل

2019-10-17

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


يختلف المراقبون والباحثون كثيراً حول ظروف مقتل السادات. لكنّ شاهد عيان أكد لـ"حفريات" أنّ بعض المحامين المصريين ذكروا أنّ مقتل السادات كان بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، "ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية".

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
نبيل نعيم، أحد المؤسسين لتنظيم الجهاد بمصر، ثم تنظيم "القاعدة" يضع، في هذا الحوار، النقاط على الحروف، ويكشف ما جرى مع السادات، ويلقي الضوء على
نشأة تنظيم القاعدة، والدور الذي كان يلعبه الأفغان العرب.
هنا نص الحوار:
صف لنا الفترة الأولى وكيف كان التعارف بأيمن الظواهري وتنظيم الجهاد المصري؟

أنا والظواهري أبناء جيل واحد، هو جيل السبعينيات، وهي الفترة التي كنا نتردّد فيها على مساجد أنصار السنّة المحمدية، وكما تعرف، هي جماعة وهابية الأيديولوجيا، وكان الشيخ خليل هرّاس، في تلك الفترة، يدرّسنا كتب العقيدة، لكنّ الظواهري كان أسبق في الاطلاع على كتب سيد قطب، وكانت هذه الكتب في عهد الرئيس الراحل أنور السادات تطبع بشكل كبير، فأشرب أيمن هذا الفكر، وأنا بالفعل قرأت كلّ كتب سيد قطب، ومنها: "الظلال"، و"معالم في الطريق"، ومن أول وهلة أدركت أنّه تكفيري، وأنّه لا يفهم صحيح الدين.
قطب كان منحرفاً فكرياً

في جلسات محاكماتنا حوّل المحامون قتل السادات إلى معاهدة كامب ديفيد ولم تكن هذه حقيقة لأننا قتلناه لأسباب شخصية
إذاً، لماذا بعد هذا الإدراك سرت في الطريق نفسها التي رسمها سيد قطب وتبعه أيمن الظواهري؟!

كان هذا لظروف سياسية وأخرى اجتماعية، فسيد قطب بالفعل كان منحرفاً فكرياً يكفّر المجتمع، ويقول إنّه ارتدّ منذ قرون، وإنّ من يصلي في المساجد غير مسلمين، وينسبون أنفسهم للإسلام، ولم يكن يفهم الدين كما يجب؛ لأنّه كان أديباً وشاعراً ولم يكن عالم دين، وحين درست على يد الشيخ البلتاجي بكلية العلوم، أدركت ذلك عن قرب، لكنّ ظروف صداقتنا معاً، والدروس التي كنا نتلقاها بمساجد أنصار السنّة، وضعتنا تحت المراقبة اللصيقة، ولمّا أصدر السادات قرارات التحفظ وجدنا أسماءنا فيها، وساعتها وأنا جالس معه، قال لنا محمد عبد السلام فرج، وهو المتهم الأول في قتل الرئيس فيما بعد: "لو دخلنا السجون لن نخرج منها أبداً، كما حدث مع الإخوان المسلمين بسجون ناصر، ولا بد لنا من أن نتخلص من السادات"، وبالفعل سرنا معاً إلى طريق العودة منه صعبة.
ما الذي أوصل الظنون في الرئيس السادات إلى أذهانكم بهذا الشكل، ألا يجوز أنه كان سيفرج عنكم بعد أسابيع، وهو الذي منح الإخوان الحرية من قبل؟
الإخوان شوّهوا عبد الناصر في كتب لهم، مثل كتاب زينب الغزالي، وكتاب أحمد رائف، ونحن تصورنا كذباً أنّ السادات سيسير على السياسة ذاتها فقلنا نقتله، وفي جلسات محاكماتنا حوّل المحامون الحكاية إلى أننا قتلناه بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية، لكن وظّف كلّ من المحامين القضية لحسابه.

كيف يكون الظواهري إنساناً وقاتلاً؟
نعود لتنظيم القاعدة، لأنني سمعتك أكثر من مرة تثني على الظواهري، أريد تفسيراً للأمر؟

الظواهري، من الناحية الشخصية؛ إنسان بمعنى الكلمة وهو خلوق ومتواضع للغاية، لكنّه من ناحية الأفكار؛ منحرف وقطبي، والخلاف بيني وبينه الآن على الأفكار.
كيف يكون إنساناً وقاتلاً في الوقت ذاته؟
لأنّ سلوك الإنسان وليد لفكره؛ فالظواهري أصبح منحرفاً، وهكذا كان قاتل الإمام علي ابن أبي طالب، كان يرى أنّ ما فعله تدين، وهناك فرق بين شخصية الإنسان وخُلقه وممارسته السياسية، على ما أعتقد.
ماذا جرى في الأيام الأولى عقب قراركم قتل الرئيس السادات؟
حين صدرت قرارات التحفظ قررنا قتل الرئيس السادات، وعرضنا الخطة على ضابطين كانا معنا بالتنظيم، وهما: عبود الزمر، وعصام القمري، فقالا لنا: "إذاً، طالما سنقتله فلنقم بانقلاب شامل"، وجاءت الأحداث بهذا السياق غير المخطط له، وساعدنا في ذلك أنّ خالد الإسلامبولي جاء عارضاً قتل الرئيس بسبب سجن شقيقه محمد، وكانت هناك مجموعة من الجماعة الإسلامية ستحتل مبنى التلفزيون (ماسبيرو)، عقب أحداث المنصة مباشرة، وأنا كنت أعرف المهندس محمد رشاد، الذي يعمل بالمبنى، ويقود غرفة التحكم بالإذاعة المصرية، وكان سيساعدنا في بيان الثورة المسلحة وإذاعته.
تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي

اكتشفنا أنّ عبد الله عزّام يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية
كيف استطعتم تجنيد مثل هذه الشخصيات؟

لكلّ شخصية ظروفها في الاستقطاب والتجنيد، وأنا أذكر أننا نجحنا في تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي، وكان الشيخ يخطب، يوم الجمعة، بمنزل الرئيس في القناطر، ويقول: "إنّ سيدنا سليمان قال: (ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه)، اقتل يا سادات هؤلاء"، فأرسل لنا الضابط وقال: "قبل ما تقتلوا الرئيس اقتلوا هذا الشيخ"، ومع القبض علينا توصلوا له وأودع الضابط سجن القلعة، وكان اسمه هارون، وكان مسجوناً في زنزانة بجواري، وكذلك حين راح الرئيس يفتتح مصنعاً في مدينة طلخا، ألبسنا مجموعة منا ملابس عمال المصنع، ووضعنا 2 طن من مادة "تي إن تي" المتفجرة في مواسير مياه المجاري، لكنّ الرجل لم يمر بالطريق وجاء بطائرة "هيلوكبتر".
ما دور الظواهري في هذه الفترة؟
كان له دور كبير بكلّ تأكيد؛ فمخزن السلاح لجماعة الجهاد كان عندي، وقد كلفني بحمايته الضابط عصام القمري، وكان الإسلامبولي يحتاج إلى إبر ضرب نار وذخيرة، فجاء الظواهري وطلبها مني، فأعطيتها له، إضافة إلى طلقات مسدسات 9 مل، والقنابل اليدوية التي ضربوا بها المنصة، ولم تنفجر إحداها، وكان معي ممدوح أبو جبل، الذي أحضر إبر ضرب النار ثم جعلوه شاهد ملك في القضية وأفرجوا عنه، واختفى ولم يظهر حتى الآن، وفي السجن بدأنا نقول إنّنا قتلنا الرئيس لأنّه لم يحكم بما أنزل الله، ولم تكن هذه الحقيقة، وقامت الجماعة بكتابة بحث "أصناف الحكّام وأحكامهم"؛ الذي وقّعه الدكتور عمر عبد الرحمن.
ماذا فعلت عقب الإفراج عنك، هل تركت التنظيم؟
لا، فقد كانت الشرطة المصرية تخضعنا للمراقبة، وتفرض علينا كقيادات أن ننام يومياً في قسم الشرطة ويفرج عنا بالنهار، ولم أطق ما يحدث معي فقررت الهروب إلى أفغانستان، التي سبقني إليها الظواهري.
بن لادن لم يكن موجوداً لدى تأسيس "القاعدة"

 

أعتقد أنكم شكّلتم تنظيم القاعدة في تلك الفترة مع بن لادن أليس كذلك؟
بالفعل، لكن بن لادن لم يكن موجوداً، والقصة الحقيقية لنشأة التنظيم بدأت مع 4 ضباط مصريين، أذكر منهم: عبد العزيز الجمل، الذي يقولون إنّه مات بسوريا مؤخراً، وأعتقد أنّ الخبر ليس صحيحاً، ومعه الظواهري، وسيد إمام، وأبو عبيدة البنشيري، وسيد موسى، والأخير هو من اقترح الاسم والطريقة؛ حيث كان العرب الأفغان يأتون أفواجاً للمشاركة في القتال، لكنّهم كانوا يتفاجأون بأنّ بعض الفصائل الأفغانية صوفية، ويلبس أفرادها التمائم، فكان العرب يكفّرونهم، وكانوا يرفضون القتال تحت راياتهم، ووقعت مشكلات كثيرة، وتدخّل سيد موسى، وكان مدرباً كبيراً، فاقترح أن يفصل العرب ويقيم قاعدة يستقبل ويدرب فيها، ومن هنا كان الاسم، وأنشأنا معسكرات كثيرة كنت أقود أحدها، من أهمها: معسكر الفاروق، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين، وبدأ عبد الله عزام يدفع الرواتب، وكان معه ضابط اسمه "أبو مازن"، اكتشفنا أنّه يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية، لا الحركية، وهذا أدّى إلى أن تعاقب دولة مثل ليبيا هؤلاء وأهلهم، وعقدنا اجتماعاً ناقشنا فيه المسألة، وقرر بعض العرب قتل السالك، وقررنا محاكمة عزّام، لكنّه لم يحضر المحاكمة، وأعتقد أنه تمّ اغتياله فيما بعد للسبب ذاته؛ حيث تمّ اتهامه بأنّه أبلغ عن الأفغان العرب.
أين كان بن لادن في تلك الفترة؟
بن لادن لم يكن حاضراً، لكنّ عبد الله عزّام عقب محاكمتنا له، قرر منع الأموال عن المعسكرات، فكلفني الظواهري بالنزول للمملكة، ومقابلة بن لادن، أنا وأبو عبيدة البنشيري، فشرحنا له ما جرى، فقرّر الإنفاق من ماله على المعسكرات، وجاء بنفسه لأفغانستان، ولأنّ أغلبية الحضور كانوا يمنيين وسعوديين، قرروا تنصيب "أبو عبد الله" أميراً للعرب، وبعدها بدأت رحلته مع قيادة القاعدة.
انحرافات "القاعدة" الفكرية

 

محمد المقدسي وأبو قتادة شارحان لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسبّبت أفكاره في انقسام تنظيم القاعدة
هل كنت شاهداً على انحرافات القاعدة الفكرية عقب تحرير كابول؟

حينما دخل الأفغان كابول، ثم قاتلت الفصائل بعضها قررت العودة لمصر وتم اعتقالي، لكنني قبل عودتي شهدت كيف تسبّب سيد إمام في انقسام التنظيم بكتابه "الجامع في طلب العلم الشريف"، وأنا قلت للظواهري: "لقد أصبحنا مثل جماعة التكفير، وجئنا بسيد"، وقلت له: "ما حكم الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله؟"، فقال: "كافر"، فقلت له: "ما حكم أعوانه؟"، فقال: "كفّاراً"، فقلت له: "ما حكم الشعب الذي صوّت له بنعم؟"، فقال: "مرتدّين"، فصاح أيمن: "بالفعل أصبحنا تكفيريين"، وبدأ في حذف أبواب من الكتاب، فكفّر سيد الظواهري، وأنا أرى أنّ هذه هي البداية الحقيقة لنشأة داعش؛ لأنّ أفكار التنظيم من الكتاب ذاته، الذي كتبه إمام في 12 عاماً متواصلة، وأصبح دستوراً للجماعات في العالم، وما محمد المقدسي، أو أبو قتادة، إلا شارحَين لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسببت أفكاره في انقسام القاعدة، وفي مشاكل كبيرة بين العناصر في اليمن والسودان.
أيّ مثال واضح على هذه الصراعات؟
من أهم الأمثلة: تصفية ابن القيادي محمد شرف، وكان حدثاً صغيراً مراهقاً، وتم اتهامه بالعمالة للنظام المصري، واتهموه بأنّه تمّ تكليفه بوضع حقيبة متفجرات أثناء اجتماع القادة، وتم تعذيبه تعذيباً بشعاً، فقطعوا له أطرافه وكانوا يضعون بداخلها سلك كهرباء، فاضطر الولد للاعتراف مجبراً، وكان القاضي هو القيادي مرجان سالم، الذي حكم عليه بالإعدام، وقتلوه هو وصديق له صغير، ولما جاء شرف من الجبهة وجد ابنه قتيلاً، ووقعت بعض المشكلات، لكنّ الغريب أنّ شرف لم ينشق عن التنظيم حتى مات مؤخراً بسوريا، لكنّ المشكلات الأهم هي ما جرت في سوريا الآن؛ حيث استقطبت تركيا أبا محمد الجولاني، وقرر الظواهري، المعروف بأنّه ساذج في الإدارة، الصلح معه، وتشكيل جبهة تحرير الشام، وفي كلّ اجتماع للقادة كانت تصل الطائرات وتقصف من فيه، ومات رفاعي طه، وأحمد سلامة مبروك، وغيرهما، وأعلن أبو ماريا القحطاني أنّ من يسلم الإحداثيات هو الجولاني، ووقعت معارك دموية بين الفصائل بسبب الاستقطاب ما بين تركيا وقطر، وغيرهما.
قرأت أنّك قلت إنّ الظواهري وقّع اتفاقاً مع الإخوان؟
بالفعل، فقد تواصل الرئيس مرسي مع الظواهري، وأرسلوا له 25 مليون دولار، وفق اعترافات شقيقه محمد بالنيابة المصرية، وكانت الخطة هي جمع الجماعات من غير الإخوان في سيناء ومنها القاعدة، من أجل إعلان إمارة وفصلها عن مصر، ثم تسليمها لحماس، كي تقيم عليها الدولة الفلسطينية، وفق الخطة المرسومة في صفقة القرن، وأنا سألت سعد الدين إبراهيم، وهو المعروف بأنّه عرّاب أمريكا: "إن دعمت أمريكا الإخوان بـ 25 مليون دولار في الحملة الرئاسية؛ فهل أسلمت أمريكا أم تحجبت؟"، فقال: "15 من قيادات التنظيم الدولي اجتمعوا مع الـ "سي آي إيه"، وأقنعوا الأمريكيين بأنّه لو نجح مرسي فسيتنازلون عن سيناء لصالح الدولة الجديدة، فقررت أمريكا مساعدتهم، كما سألت الرئيس الفلسطيني أبو مازن بنفسي في أحد الاجتماعات، فقال إنّ مرسي اجتمع به، وأراد أن يعطيه (شقفة) من سيناء، لكنّه رفض، وقال له: "ستعطيني (شقفة) ويأتي الرئيس بعدك يأخذ مني (الشقفة)، التي ستروح وتجيء بعد أن أكون فقدت الضفة"، فردّ مرسي: "لن نعطيها لك، لكننا سنعطيها لحماس"".
هل تواصل معك الظواهري مؤخراً؟
نعم، تواصل معي عام 2012 تلفونياً، وهو في حماية طالبان، التي يحتفظ معها بعلاقات صداقة؛ لأنّه طبيب أغلب قياداتها الشخصي، ويمكن أن تسلمه في إطار صفقة في أي وقت، فقال لي: "لا نريد منك مهاجمة الإخوان في هذا الوقت"، فقلت له: "أنت من كنت تهاجمهم، بل وكفّرتهم في كتابك "الحصاد المر""، فسكت وأغلق الخط، ومن هنا كفّرته داعش؛ لأنه عقد هذه الصفقة مع الجماعة، وقالوا إنّه مؤمن بالديمقراطية!
كيف ترى مستقبل القاعدة بعد كلّ الذي قلته ورويته؟
ستنتهي؛ لأنّ وعد الله على الخوارج، أنّه "كلما خرج قرن قطع"، والظواهري تراكمت عليه المشاكل، وأعتقد أنّ نهايته باتت قريبة ومحتومة، وأيام كنا بالسودان راح الترابي إلى مسؤولين في أمريكا في فرجينيا، وقال لهم: "نحن نستطيع تسليم بن لادن"، فقالوا له: "نحن نريد فقط أسماءهم الحقيقية، لا الحركية، وصورهم"، والظواهري يمكن أن يُسلَّم في أية صفقة.

للمشاركة:

وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة

2019-10-08

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال وليد البرش، أحد مؤسسي حركة تمرد الجماعة، إنّ الإخوان المسلمين لن يجروا مراجعات حقيقية أسوة بالجماعة الإسلامية في التسعينيات؛ مبيناً في حواره مع "حفريات" أنّ ذلك عائد إلى أنّهم يعتقدون أنّ جماعتهم هي من تمثل الإسلام، وإيمانهم بالتقية التي طالما مارسوها؛ "فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قُبلة الحياة".

مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب مخالفة صريحة للنص الإسلامي الجامع

وأضاف القيادي السابق في تنظيم الجماعة الإسلامية، أنّ الإخوان إبان فترة حكمهم واعتقادهم بنجاح "أخونة الدولة المصرية"، أدركوا أنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم منهم، فسعوا إلى التخلص منها بتأييد "الجهاد" في سوريا والترويج له.
وأكد صاحب كتاب "من المنصة إلى المنصة" أن لا مستقبل للإسلام السياسي في بلاده، موضحاً أنّ مصر اليوم، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي، وأنّ "من يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل التمويل والتسليح، وتوفير ملاذات آمنة أو منبر إعلامي وتبرير فكري".
وهنا نص الحوار:

تحولات ومراجعات

*في كتابك الأخير؛ أوضحت كيف تحوّل تنظيم الجماعة إلى العنف، ثم راجع نفسه، ما المنطلقات التي دفعتها لتلك التحولات؟
المراجعات الفكرية التي أطلقتها الجماعة الإسلامية العام 1997، خرجت من منطلق شرعي؛ أنّ هناك أخطاء شرعية وقعت يجب التراجع عنها، مثل تعارض فكرة الانتماء للوطن مع الانتماء للدين، وفكرة الاستعلاء الإيماني وما يترتب عليه من تنفيذ الأفراد للأحكام بأنفسهم، بعيداً عن السلطتين القضائية والتنفيذية، وفكرة الطائفة الممتنعة التي تجيز قتال المسلمين، والتترس التي تجيز العمليات التفجيرية في أماكن المدنيين والحاكمية، وقد أزالت المراجعات هذه الإشكاليات وصحّحت هذه الأخطاء، وكان يجب استثمار هذا التصحيح كبداية ليقوم علماء الأزهر بتصحيح كلّ الممارسات الفقهية الخاطئة، التي ترسّخت عبر قرون كخطوة أساسية لتجديد الخطاب الديني.
* هلا ذكرت لنا أمثلة على هذه الممارسات الفقهية الخاطئة التي تحتاج إلى تصحيح؟
مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب "الغزو لنشر الإسلام"، وهو مخالف للنص الجامع الموضح لحقيقة الجهاد، في سورة "البقرة" (الآية 190): ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ومنها أنّ ممارسة الدعوة إلى الإسلام ومعانيه العظيمة بالتسامح والعفو وكفّ الأذى والهجر الجميل، يكون حال الاستضعاف، أما في حال القوة؛ فكلّ هذه المعاني منسوخة! وأحكام السبي واغتصاب النساء، وعدم الاعتداد بالحدود الجغرافية، وعدم اعتبار مصلحة الوطن كأحد المصالح الكلية التي يحرص الشرع على الحفاظ عليها.
* كنت أحد مؤسِّسي "تمرد الجماعة الإسلامية"؛ كيف ظهرت هذه الحركة؟ وأين هي الآن؟
لقد كانت حركة "تمرّد" قبساً من نور أضاء للحائرين من أبناء الجماعة الإسلامية الطريق، وأوضح لهم معالم الخروج من النفق المظلم الذي أدخلهم فيه قادة العنف وأمراء الدم، ولقد تميزنا عن باقي الحركات التي تبعتنا في معارضة الجماعة بوضوح الرؤية، ووضع خطة محددة تهدف لإعادة الجماعة إلى التصالح مع الوطن، ومراعاة الواجب الوطني، وانتهاج السلمية، وتفعيل المراجعات الشرعية المسماة "مبادرة وقف العنف"، وتحقيق ذلك عبر عدة وسائل، هي:

كان على الأزهر استثمار مبادرة وقف العنف لتجديد الخطاب الديني بتصحيح الممارسات الفقهية الخاطئة التي ترسّخت لقرون

- إخضاع الجماعة، أعضاء وتمويلاً، لرقابة القانون ولأحكامه.
- إخضاع أنشطة الجماعة للأزهر الشريف دراسة وترخيصاً.
- إلغاء مبدأ السمع والطاعة في الجماعة والمعروف باسم "نظرية الطوبة"، لتحرير إرادة الأفراد وعقولهم.
- التبرؤ من حزب بناء وتنمية الإرهاب.
- قطع الصلات مع كلّ من يضرّ الأمن القومي المصري.
ولقد نجحت الحركة، بفضل الله، في تحريك قيادات كانت قد سكنت للأمر الواقع؛ كالشيخ كرم زهدي، وفؤاد الدواليبي، وبدري مخلوف، وغيرهم، وطرحنا مواضيع للنقاش والحوار بين أبناء الجماعة، كان مجرد التفكير فيها رجساً من عمل الشيطان.
*هل تؤمن أنّ هناك قيادات تاريخية معتدلة وأخرى متشدّدة في ظلّ تحولات علي الشريف الأخيرة؟
لا يوجد بين قيادات الجماعة معتدلون سوى أربعة: كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وفؤاد الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن، أما علي الشريف؛ فهو أول من اقترح ونفّذ قتل الأقباط لسرقة أموالهم (حادث نجع حمادي، عام 1981، قتل ثمانية صائغين أقباط وسرقة محالهم)، وكان قائد إحدى المجموعات الأربع التي ارتكبت مذبحة الشرطة بأسيوط 1981، والتي خلّفت 118 شهيداً من الشرطة.
*هل تعتقد أنّ جماعة الإخوان يمكن أن تجري مراجعات مماثلة؟
جماعة الإخوان لن تجري مراجعات حقيقية؛ لأنّها تعتقد أنّها تمثل الإسلام، وأعضاؤها يعانون من متلازمة احتكار الإسلام، ونظراً لاعتقادهم بالتقية وممارستهم لها كثيراً؛ فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة، كما حدث عندما كتب الهضيبي كتابه "دعاة لا قضاة" في السجن، وتبرّأ من أفكار سيد قطب، وكان الكتاب موجهاً للدولة، وليس لأعضاء التنظيم؛ لذا لا قيمة له لديهم سوى خداع الدولة فقط وإقناعها بعدولهم عن أفكار قطب.
مصر بعد ثورة يناير

* في كتابك "من المنصة إلى المنصة" تطرقت إلى تاريخ الإخوان مع العنف، كيف تصف مصر بعد ثورة يناير؟
نعم، قلت إنّ مصر أصبحت، بعد 25 كانون الثاني (يناير) 2011، منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم، وتمثلت مظاهر الجذب للإرهابيين فيما يلي: حين استتبع انهيار الشرطة، بعد ٢٥ كانون الثاني (يناير)٢٠١١، انهياراً كاملاً للأمن في سيناء؛ فقد تمّ اقتحام معظم أقسام شمال سيناء، والاستيلاء على أسلحتها ورفع علم "القاعدة" عليها، وإعلان سيناء إمارة إسلامية مستقلة، تحت اسم "ولاية سيناء".

الهدف الحقيقي للجماعة تفكيك مصر لصالح مشروعها وتحويلها لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي

كما تمّ إنشاء ثلاثة معسكرات في قرى رفح على مرأى ومسمع من الجميع، وقد سمح الفراغ الأمني بزيادة القدرات التنظيمية والتشغيلية للجماعات الإرهابية في المنطقة، نتيجة تدفق أعداد كبيرة من السلاح الثقيل من مخازن القذافي المنهوبة، عبر خطة لتكديسه في مصر لاستعماله وقت الحاجة إليه، ثم العفو عن قيادات الإرهاب، وإخراجهم من السجون، وعودة الباقين من أفغانستان، وبعدها ذهبوا لميدان التحرير وتلقوا البيعات، وتمّت إعادة طباعة كتب القاعدة والجهاد، في مكتبة إشبيلية، لصاحبها أحمد عشوش، زعيم السلفية الجهادية في مصر، وتوزيعها مجاناً لنشر الفكر الإرهابي.
وانتهزت الجماعة الإسلامية فرصة إعطاء النائب العام الإخواني ما عرف بالضبطية القضائية للمواطنين، فتقدمت بمشروع قانون لتقنين أوضاع اللجان الشعبية (الميليشيات العسكرية)، وبعد هذا نظّمت الجماعة استعراضاً عسكرياً في محافظة أسيوط لكوادرها المشاركين في اللجان الشعبية!

اقرأ أيضاً: الإخوان والقضية الفلسطينية.. هكذا يسرقون التاريخ!
وتقدّم الإسلاميون بمشروع العفو السياسي عن المتهمين في الجرائم السياسية، التي ارتكبت خلال الفترة من 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وحتى 11 شباط (فبراير) 2011، وكان الهدف السماح لقادة الإرهابيين بأن يتنعموا بمكاسب السياسة، وأن يحوزوا المناصب التشـريعية والتنفيذية التي لا يستطيعون الوصول إليها بسبب العقوبات التبعية للجرائم التي ارتكبوها، وكانت هذه هي مصر بعد 25 يناير.

محرقة منافسي الإخوان

*لماذا دعا الإخوان إلى "الجهاد" في سوريا؟
مخيلة الإخوان أوحت لهم أنّ القوى الوطنية والشعب المصري، ومؤسسات الدولة؛ كلّ هؤلاء أصبحوا تحت السيطرة، أو في طريقهم للخضوع للسيطرة الكاملة من الإخوان عبر ما عُرف بخطة "أخونة الدولة المصرية"، وأنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم من الإخوان، وأنّ تحالفهم مع الجماعة مجرّد تحالف مؤقّت.

نظراً لاعتقاد الإخوان بالتقية فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة

وكان الإخوان يعون جيداً أنّ دورهم في العفو عن قيادات الإرهاب وخروجهم من السجون وعودة الباقين من أفغانستان؛ هو تحضير لمارد الإرهاب إلى مصر، وأنّهم لن يهنؤوا بحكم البلاد طالما هؤلاء موجودون على الأرض المصرية؛ لذا خططوا جيداً لإبعاد هذه الذئاب الجائعة التي تستعدّ لنهشهم وخطف مقعد الرئاسة منهم عن مصر، والتخلص منهم، فكانت أكذوبة الجهاد في سوريا، وهي محرقة جديدة للتخلص من المنافسين الإسلاميين.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان مخطط تقسيم الدول العربية إلى كيانات رخوة وسيطرة الإخوان عليها وفق مخطط الفوضى الخلّاقة يستدعي تدفّق الرجال إلى سوريا كوقود للحرب، وكانت الأكذوبة لجعل المنافسين الإسلاميين مجرد بنادق مستأجرة، تستعمل كوقود للحرب في سوريا.
*هل نجح مخطط الإخوان في التخلص من قادة الجماعات المنافسة لهم بإلقائهم في محرقة الجهاد في سوريا؟
نجح مخططهم نجاحاً عظيماً وابتلعت الجماعات المنافسة الطعم؛ والدليل على ذلك: مقتلة قادة الإرهاب المصريين في سوريا، وأبرزهم: أبو الفرج المصري، أحمد سلامة مبروك، وأبو هاني المصري، هاني هيكل، وأبو العلا عبد ربه، أحد قتلة د.فرج فودة، ومحمد عباس، وغيرهم، وكذلك التخلص من منظري الإرهاب بتصديرهم إلى سوريا، مثل: أبو اليقظان محمد ناجي، وأبو أيوب شريف هزاع، وأبو شعيب طلحة المسيّر، وغيرهم.

*إذاً، أنت تؤكد أنّ الإخوان استطاعوا السيطرة على شباب الجماعات الإسلامية وإرسالهم إلى ما يسمى "الجهاد" في سوريا؟!
نعم، استطاع الإخوان أن يسيطروا على عقول شباب الجماعات الإسلامية المنافسة وكلّ شباب لا ينطوون تحت لواء جماعتهم، من خلال الاحتلال العقلي، فحوّلوا الشباب إلى بنادق مستأجرة تنفذ دون تفكير، تقتل بدم بارد، تنفذ العمليات الانتحارية دون تردّد، وينقسم الاحتلال العقلي إلى أربع مراحل: الأولى "تقديس القادة"، وفي هذه المرحلة يتم إضفاء هالات من القداسة عليهم تجعل عقول الشباب تنبهر بهم، والثانية "السمع والطاعة"، وفي هذه المرحلة يحولون الشباب إلى أدوات لتنفيذ المخطط الذي رسموه وتصديق الأكذوبة التي روّجوها، والثالثة "الأوهام الثلاثة"، وتتمثل في:
1- وهم اضطهاد المسلمين في سوريا وانتشار المذابح فيها.
2- وهم تكفير النظام في سوريا ونعت الجيش السوري بأنّه جيش طائفي.
3- وهم وجوب الجهاد في سوريا لإقامة خلافة إسلامية تبدأ من الشام.

وأما المرحلة الأخيرة؛ فهي "الحرب الدائمة مع العالم": أي إنّهم في حالة جهاد مستمر وحرب دائمة مع العالم بغرض إدخال الناس في الإسلام، حتى لا يفكروا في العودة إلى مصر مرة أخرى.

*ماذا تقصد بـ "جهاد لندن"، و"جهاد السيارات الفارهة" اللذين تحدّثت عنهما في كتابك الأخير؟

الحكاية من أولها؛ أنّه بعد أن أفتى محمد العريفي في مؤتمر بالقاهرة بوجوب الجهاد في سوريا، وزعم أنّها أرض الجهاد، وذلك في مسجد عمرو بن العاص في القاهرة، حمل حقائبه وطار، لكن ليس إلى أرض الشام، بل إلى العاصمة البريطانية، لندن، ليقضي الصيف هناك! وقد فطن بعض الشباب العربي لهذا التناقض، فقاموا بالاعتداء عليه بالضرب المبرح الشديد في شارع إكسفورد، وسط العاصمة البريطانية، أثناء خروجه من مطعم المأكولات السريعة "ماكدونالدز"، في الساعة الرابعة بتوقيت غرينتش، من عصر الجمعة 21 حزيران (يونيو) 2013، وبرفقته ثلاثة أشخاص.

كتاب الهضيبي "دعاة لا قضاة" لم يكن موجهاً لأعضاء التنظيم بل لمخادعة الدولة

أما جهاد السيارات الفارهة؛ فلو أنّك شاهدت حرارة وحماس الشيخ محمد حسان، وهو ينادي ويحرض على الذهاب لسوريا للجهاد، لظننت أنه سوف يجمع أمواله وأبناءه ويذهب للجهاد ولنصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين بكى عليهم وأبكى مستمعيه، لكنّه لم يفعل.
وقصة مترجم داعش القرغزستاني، محمد يحيى، تفضحه؛ حيث التقى الكاتب البريطاني، روبرت فيسك، محمد يحيى، الذي كان يعمل مترجماً لدى داعش، وقال إنّ سبب انضمامه للتنظيم جاء بعد فتوى أصدرها الداعية المصري محمد حسان بـ"الجهاد" في سوريا، وقال إنّه سافر من قرغزستان إلى مصر لطلب العلم في جامعة الأزهر، ومكث هناك سنة ونصف السنة، وتأثر بالشيخ محمد حسان وأفكاره، خاصة أنّه أصدر فتوى آنذاك تجيز "الجهاد" في سوريا، وأعطى كلّ طالب أشرطة تتضمن تسجيلات فيديو تظهر الجيش السوري في ممارسات بشعة ضدّ المواطنين السوريين، وقال للحضور: "يجب أن تذهبوا للجهاد في سوريا"، وتابع يحيى بأنّ "ذلك الكلام ملأ عقله، وأنّ محمد حسان أعطى كلّ شخص من الحضور 100 دولار، وأنّه اكتشف أنّ محمد حسان أرسل الشباب إلى سوريا ولم يرسل ابنه، ولم يذهب إلى هناك هو نفسه طبعاً، وإنما اشترى لابنه محمد سيارة فارهة ليتمتع بها".

مستقبل الإسلام السياسي

* كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي في مصر الآن خاصة الجماعة الإسلامية؟

لقد صدّعت جماعات الإسلام السياسي في مصر رأس الشعب بمقولتها: "اسمعوا منّا ولا تسمعوا عنّا"، وبمظلوميتهم، وببراءتهم من كلّ عنف أو إرهاب، وكانت 25 يناير وما بعدها من أحداث كاشفة، بل إن شئت الدقة "فاضحة" لحقيقتهم، فبين عشيّة وضحاها تحوّلوا من وجوه سمحة تحمل دوماً الابتسامة إلى وجوه تشهر أنيابها طوال الوقت، مما جعل الإطاحة بهم من الحكم سريعة، فلم يحتمل الشعب حكم الإخوان أكثر من عام، واقتنع أنّ الهدف الحقيقي لهذه الجماعات هو السيطرة على الوطن وتفكيكه لصالح مشروعهم وتحويل مصر لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي.

مصر أصبحت بعد "25 يناير" منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم

ونتيجة ذلك الرفض الشعبي أصبحت للدولة رؤية جديدة واضحة لهذه الجماعات (إخوان، وقطبيون، وجماعة إسلامية، وجهاد، وجبهة سلفية، وحسم، ...)؛ أنّها تمثل رغم اختلافها الظاهري ما يسمى بسلسلة الإرهاب، وبالتالي فمصر، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي الآن، تنظيماً وتسليحاً ودعماً سياسياً وغطاءً أيديولوجيّاً وإعلامياً، فمن يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل من يموله ويُسلّحه، أو يوفر له ملاذاً آمناً، أو منبراً إعلامياً وتبريراً فكرياً، وعليه فلا مستقبل للإسلام السياسي في مصر، فمصر ذاهبة للتطهّر من أدران هذه الجماعات.
*وماذا عن مستقبل الجماعة الإسلامية؟
الجماعة فقدت ثقة الشعب والدولة المصرية بالانقلاب على مبادرة وقف العنف 1997، وفقدت عقولها المفكرة بالإطاحة بكرم زهدي وناجح إبراهيم إلى خارجها، كما فقدت أيّ دليل على إمكانية تصحيح مسارها وقبولها النصح برفضها لحركة تمرد الجماعة وتشويهها.

اقرأ أيضاً: من الأرشيف البريطاني: كيف خدم "الإخوان" لندن؟
وأنا أرى أنّها بلغت من العمر أرذله؛ فهي في مرحلة الموت الإكلينيكي، نتيجة تضافر عوامل كثيرة، أهمها ارتفاع معدل السنّ لأعضائها، إضافة إلى ارتباط الصورة الذهنية للجماعة لدى الشعب بوجوه قبيحة، مثل: عاصم عبد الماجد، وطارق الزمر، ولم يتبقَّ منها سوى لافتة الحزب الذى سيتم حلّه في شهر آب (أغسطس) المقبل، وساعتها سيعلن موتها رسمياً، وهو ما اعترف به سمير العركي، القيادي بالجماعة، والهارب لتركيا، من أنّها تحتضر.

للمشاركة:

أحمد الشوربجي: خطورة أفكار قطب أنها لم تعد ملكاً للإخوان فقط

2019-10-03

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث المصري في الشأن الإسلامي، أحمد الشوربجي، إنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا؛ موضحاً في حواره مع "حفريات"، أنّ قطب "إن كان اشتُهر بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات؛ فحسن البنا هو أستاذه في ذلك".

اقرأ أيضاً: قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه
وأكّد الشوربجي أنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في الفهم المغلوط للقرآن، "وهي الحالة التي حذّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم"، لافتاً أنّ ثمّة تقصيراً يقع على عاتق المؤسسات الدينية في مواجهة مثل هذه الأفكار، مبرّئاً في الوقت ذاته "البخاري" من المساهمة في مأزق الإرهاب الذي يضرب منطقتنا، وألقى المسؤولية على الأجيال الجديدة، التي لم تخرج "بخارياً جديداً" يكمل دوره في تنقية السنة والتراث الإسلامي من المغالطات والأكاذيب.
وهنا نص الحوار:
وجهان لعملة واحدة

هل ترى أنّ هناك تمايزاً بين أفكار حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وسيد قطب؟
هناك بالفعل أصوات من داخل جماعة الإخوان المسلمين، أو من خارجها، خاصة بعض من انشقّوا عنها، تدّعي أنّ هناك فارقاً كبيراً بين أفكار حسن البنا وسيد قطب، وأنّ مسيرة الجماعة تعثرت بسبب انحيازها لأفكار سيد قطب على حساب أفكار المؤسس الأول، حسن البنا، وأنّ الحلّ "في الرجوع لأفكار البنا".

أفكار سيد قطب التكفيرية في أصلها وعمقها لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا

وأكثر من يروّجون لهذه الأفكار، سواء داخل الجماعة أو خارجها؛ هم جيل السبعينيات، أو من يُطلق عليهم "أصحاب التأسيس الثاني للجماعة"، أو "الإصلاحيون"، جيل عبد المنعم أبو الفتوح ورفاقه، بقيادة المرشد الثالث للجماعة، عمر التلمساني، إضافة إلى مجوعة من القدامى، أمثال الدكتور كمال الهلباوي.
وفي اعتقادي؛ هؤلاء هم أكثر من يجب الحذر منهم، والانتباه لمراميهم، لأمرين هما غاية في الأهمية: الأول: أنّهم بهذه الادّعاءات يغسلون سمعة الجماعة، ومؤسّسها الأول، حسن البنا، ويطهّرونها من خطاياها وأوزارها، ويجمّلون تشوّهاتها، ويقيلونها من عثراتها؛ بإلقائها على مجموعة معينة أو شخص واحد، وكأنّ الجماعة لم تُنشَأ على الخطأ، ولم تقع في الأوزار، ولم تتلبس بالخطايا، قبل سيد قطب والقطبيين، وبذلك تظلّ صورة "البنا" بريئة نقية وصورة الجماعة مقدسة طاهرة.

اقرأ أيضاً: لماذا أعدموني؟.. نظرة في كلمات "قطب" الأخيرة
والحقيقة؛ أنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار "البنا"؛ فإن كان سيد قطب صاحب تنظيم 65، فحسن البنا هو صاحب مشروع العنف والإرهاب والتنظيم الخاص في الأساس، وإن اشتهر سيد قطب بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات، أو وقوفها تحت مظلة الكفر، على الأقل، فحسن البنا هو أستاذه في ذلك، فقد جعل الحاكمية ركناً من أركان الدين، وأصلاً من الأصول، لا فرعاً من الفروع، والدولة ليست إسلامية، والمجتمعات بعدت عن الدين، فكلّ أفكار "قطب" ليست إلا تجسيداً لأفكار "البنا"، وإعادة صياغة لها، وإلباسها ثوباً جديداً وعرضها للجميع.

لكن ما دليلك على ما تقول؟

دليلي على ذلك أمران، الأول: الاعتراف والشهادة والبحث والمقارنة، أما الاعتراف؛ فهو لسيد قطب ذاته، حين قال: إنّ كلّ ما يقوله وما يطرحه من أفكار تمثل حسن البنا؛ إذ كان يطرحها ويقول بها في السرّ، وليس في العلن، وأما الشهادة بذلك؛ فقد جاءت على لسان علي عشماوي، القيادي الميداني لتنظيم 65 في مذكراته.
لكنّ هناك قطاع من الجماعة، ربما بدهاء أو بسذاجة، جعل سيد قطب هو مسيح الجماعة، الذي يتحمّل أوزارها، وبالتالي تغافل الجميع عن حسن البنا، والحقيقة أنّ "البنا" هو المتن، وكلّ من جاء بعده بتنظير كان هامشاً لهذا المتن.
لماذا، إذاً، اشتهر سيد قطب بهذه الأفكار دون حسن البنا؟
ربما لاختلاف شخصية الرجلين؛ فالبنا رجل تنظيمي في الأساس، لديه قدرة على القيادة، وكاريزما التأثير في الأتباع، في حين أنّ سيد قطب كان رجلًا أديباً معنيّاً بالأفكار والكتابة والتنظير والتأطير، وبالتالي كان البنا يعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم، والجندية القائمة في الأساس على السرية، وإلقاء الأوامر والتلقين والشفوية والبعد عن التوثيق والكتابة قدر المستطاع، وصنع الدوائر العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة، ولهذا لم يكتب "البنا" كتاباً، وإنّما نُقلت أفكاره وجمعت رسائله وخطبه وكلماته ورويت من قبل أتباعه.

البنا اعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم والجندية القائمة في الأساس على السرية

في حين اهتم سيد قطب بالكتابة، وتجسيد هذه الأفكار والتنظير لها بشكل مكثف وموثّق، وبفعل عاملين في غاية الأهمية، هما: شخصية الأديب "سيد قطب"، وصبّ هذه الأفكار في كتاب يتضمّن تفسيراً للقرآن الكريم، خرجت هذه الأفكار من حالة الجماعة والتنظيم والتخصيص إلى حالة العموم والشيوع، لتصنع حالة تعدت حدود الجماعة والتنظيم، فتسللت ودخلت إلى المساجد والمعاهد والمدارس والجامعات، وتبنّاها علماء ومفكرون ومثقفون، ونطقت بها أفواه لا علاقة لها بالجماعة، وأصبح من يتعرض لسيد قطب يتعرض لمفسّر للقرآن، ومدافع عن الإسلام، وأديب، وشهيد، وليس عن حامل لأفكار الإخوان والخوارج الجدد، ومجرم ترأّس تنظيماً للقتل والدمار.
تفسيرات مغلوطة

لماذا لم يقدّم أحد من العلماء المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه قطب كي يمحو تأثيره في الأجيال الحالية والقادمة؟
بلا شكّ إنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في هذا الفهم المغلوط للقرآن، وهي حالة تكفلت السنّة النبوية ببيانها، وتحذيرنا منها بوضوح تام، وذلك في الحديث الذي رواه ابن حبان، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وغيرهما، عن حذيفة رضي الله عنه قال: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ، غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قَالَ: بَلِ الرَّامِي"؛ فهناك ثلاث مراحل يمرّ بها المتطرف، حدّدها الحديث السابق، وهي: مرحلة "الاتصال"، ثم "الانتقال"، ثم "الانفصال".

طرح مواجهة التكفير موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين بل لإرادة وإدارة

فمرحلة "الاتصال" عبّر عنها الحديث بقوله: "قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ."
وهي مرحلة عبّر عنها الرسول بالجدّ والاجتهاد في الطاعة وظهور علامات التدين فقال: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتكم، وصيامه إلى صيامكم، وقيامه إلى قيامكم"، أما مرحلة "الانتقال" فهي التي عبّر عنها الحديث بقوله: "غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ"؛ أي غيّر معنى القرآن وتأويله، لا نصّ القرآن؛ فمعلوم أنّ النصّ القرآني ثابت مكتوب ومسطور ومحفوظ في الصدور فكيف يغيره؟ وهذا هو مكمن الخطر؛ أن يأتي بتأويل مغلوط للقرآن والسنّة، فيغير الدليل، ويأتي بأشياء تخالف إجماع الأمة والسلف وأكابر التابعين والمفسّرين. 
هنا تأتي مرحلة "الانفصال"، التي عبّر عنها الحديث بقوله: "خرج على جاره بالسيف، ورماه بالشرك"، فيقع التكفير والتفجير حتى لأقرب الناس للجار، دون اعتبار أيّة مودة، ودون مراعاة لأيّة حرمة.
أما لماذا لم يقدم أحد من علماء المسلمين المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه سيد، ويتميز بالتأثير بحيث يمحو به أفكار قطب على الأجيال الحالية والقادمة؛ فالحقيقة؛ أنّ هذا الطرح موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين، وإنما يحتاج فقط لإرادة وإدارة، إرادة لإنهاء هذه الأفكار وتعريتها وكشفها وأخذ التحصينات اللازمة منها، وإدارة لمعركة فكرية حقيقية على الأرض، لا في الفضاء.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
معركة يلزمها وجود جيش حقيقي مدرَّب ومسلح بالعلم والفكر وقوة الحجة والمنطق، جيش يقاتل بكافة أنواع الأسلحة الفكرية المكتوبة والمسموعة والمشاهدة، جيش يدخل بنفسه أو بسلاحه للمدارس والمعاهد والجامعات والمساجد ويكون له حضور في الشارع.
فدولة مثل مصر، توجد بها مؤسسة الأزهر، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف، وتعاني منذ ما يزيد على تسعين عاماً من هذه الأفكار التي تؤدّي للدمار والخراب، والقتل وتشويه الدين هل هي عاجزة عن إنهاء هذه الأفكار؟!   
خرق إجماع

ثمة من يرى أنّ تفكيك أفكار سيد قطب يلزمه تفكيك تراث ابن تيمية، أم أنّ سيد حالة مستقلة وجديدة لا ترتبط بالأقدمين؟
كلا الرجلين خرق الإجماع العام، وجاء بمشروع فكري جديد، عارض به السابقين واللاحقين، وإن كنا نرحب بالجديد والتجديد، ولكن حينما يمسّ هذا الجديد عقائد الناس والحكم عليهم من جهة الكفر والإيمان، هنا المجهود الفردي والاجتهاد الشخصي، مع الخروج عن حالة الإجماع يمثل خطورة كبيرة.

إشكالية ابن تيمية وسيد قطب أنّهما "اكتشفا" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم وأنّ المجتمعات المسلمة في ضلال

فإشكالية ابن تيمية وسيد قطب من ناحية الأصل واحدة؛ أنّ كلاً من الرجلين "اكتشف" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم، وأنّ المجتمعات المسلمة بكلّ أطيافها وعلمائها لا تعرف الإسلام الحقّ؛ فابن تيمية يرى أنّ الناس لا تعرف التوحيد، وأنّ هناك خللاً في عقديتهم، وكذلك سيد قطب، كانت مشكلته التي يدور حولها منطلقة من المعنى ذاته؛ الناس لا يعرفون الإسلام، حتى أنّه يصرّح بأنّ الإسلام توقف منذ قرون، ولم يعد موجوداً، فالمجتمعات مسلمة اسماً لا حقيقة.
هذا من ناحية الشكل، أما مضمون المشروعَين؛ فبينهما اختلاف تام، حتّى أنّ أتباع ابن تيمية يتهمون سيد قطب بأنّه مبتدع من ناحية العقيدة، والحقيقة أنّ منهج سيد قطب في العقيدة هو المشروع الذي كان يحاربه ويقاومه ابن تيمية.
قطب والمراجعات

هل ترى أنّ أفكار سيد قطب هي التي تمنع الإخوان حالياً من الدخول في مراجعات فكرية؟
أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها؛ فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً من هذه الأفكار، وتتبناها؛ فقضية مراجعات الأفكار ليست هي العائق، وإن كانت مؤثرة، لكنّ العائق الأساسي هو مدى امتلاك الجماعة من أوراق القوة وأسبابها. 

اقرأ أيضاً: السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب

لكن، الجماعة ليست عصية على الدخول في مراجعات، وهي تاريخياً فعلت، بصرف النظر عن جوهر هذه المراجعات، لكنّ الفكرة ذاتها فكرة المراجعات كانت مطروحة ونفذتها الجماعة، المخرج والمنتج النهائي لهذه المراجعات هذا شيء آخر لكنّ المراجعات حدثت. 
ما الفرق بين جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية في هذا الشأن؟
الفارق؛ أنّ الجماعة الإسلامية خسرت المعركة تقريباً، هُزمت هزيمة ساحقة، لم تعد تملك من أوراق المواجهة ما يوحي بإمكانية حلّ المشكلة، كلّ القادة التاريخيين والأفراد تقريباً داخل السجون.
اليوم الموقف مختلف؛ فلا جميع قادة الإخوان في السجون، ولا كلّ أفرادهم في المعتقلات، ولا انتهت عناصر القوة بالنسبة إلى الجماعة.

أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً منها

هنا يصعب الحديث عن المراجعات، بينما يظلّ الحديث عن التفاوض هو الأقرب للطرح والتنفيذ، والتفاوض يمكن أن يخرج في شكل مراجعات، ويأخذ الاسم ذاته لكنّ الفارق بينهما من ناحية المعنى بعيد جداً.     
هل ترى أنّ تفسيرات السلف والخلف، بحاجة لمراجعة، أم الانقطاع الكامل عنها، وبدء الاجتهاد بتفسيرات جديدة؟
حينما يكون لديك كنز ثمين، لكن بداخله بعض العملات الزائفة، هنا تصبح مهمتك أن تنقب عن هذه العملة الزائفة لا أن تلقي بالكنز؛ فالانقطاع الكامل عن التراث إهدار لكنز ثمين، كما أنّه مستحيل من الناحية العملية.
أما الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن، فهذا -بلا شكّ- مطروح وبقوة، وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر؛ لأنّه ما كان كتاباً يناسب كلّ عصر إلا لأنّه كتاب لا تنقضي عجائبه، ولم تستنفَد أغراضه بعد. 
مهاجمة البخاري

كيف تنظر إلى دعوات هدم قدسية صحيحي البخاري ومسلم بدعوى الاكتفاء بنصوص القرآن الكريم؟
احترام البخاري على وجه التحديد، ومسلم وتقديرهما، واجب على كلّ من يحترم العلم ويقدّره؛ فكلاهما شرف لهذه الأمة، ونموذج يحتذى به في التجديد والاجتهاد.
الإمام البخاري نظر في الأحاديث فوجد فيها غثّاً ينسَب للرسول الكريم زوراً وبهتاناً، ولاحظ كثرة التحديث والأقوال، فماذا فعل؟ ندب نفسه للدفاع والذبّ عن رسول الله عليه السلام، فاجتهد وجاء بمنهج عبقري لم يسبقه إليه أحد، فوضع شروطاً لاعتبار الحديث صحيحاً مقبولاً من عدمه، فماذا كانت النتيجة؟

الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن مطروح وبقوة وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر

حصّل الرجل كلّ ما يستطيع تحصيله من أحاديث وأقوال تنسب للرسول الكريم، فوجدها ستمئة ألف حديث، وبدأ يختبرها وفق المنهج الذي وضعه، فلم يجد منها سوى 2600 حديث تقريباً هي التي يمكن نسبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهل يعقل أن نقول إنّ الرجل جنى على الأمة؟
إنني أتعجب ممن يهيلون التراب على البخاري، أمجانين هؤلاء؟! الرجل عبقري بالمقاييس العلمية، والعباقرة يحفر له التاريخ مكانتهم.
وأقول لكل من يحاول النيل من البخاري، بنية صادقة، نية التجديد والشعور بأزمة حضارية؛ ليست المشكلة في البخاري، بل على العكس؛ المشكلة أنّه لا يوجد بخاريّ جديد، المشكلة أنّ هذه الأمة، بطولها وعرضها، توقفت عن إنتاج العبقريات، وعن النقد والفرز، فلم يأتِ بعد البخاري بخاري آخر، حتى تلميذه مسلم، بدل أن يزيد في شروط قبول الحديث، ويحطاط لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر وأكثر، نزل بشروط قبول الحديث عن شيخه البخاري، وجاء من بعده من نزل حتى عن شروطه، وهكذا؛ بدل أن ترتقي الأمة في الشروط، نزلت بها، فظلّ كتاب البخاري هو الأعلى من حيث شروط قبول الحديث، وهنا يكمن عمق الأزمة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
باختصار؛ نحن نحتاج إلى بخاري آخر، ينظر أولاً في كتاب البخاري ويبحثه، وهل التزم بشروطه التي وضعها لنفسه في كلّ أحاديث كتابه، ثم يأتي بمنهج علمي جديد، أكثر صرامة لقبول الحديث؛ فالبخاري ليس أزمة الأمة، بل أزمة الأمة أنّها عقمت أن تلد بخارياً جديداً، وهو شيء لا يصدَّق، ومن ثم فتقدّمنا مرهون بولادة عبقريّ، بل عباقرة جدد، وإن ظللنا ننفي إمكانية ذلك، وأنّه ليس في الإمكان أفضل مما كان، فنحن حقيقة ننفي إمكانية تقدّمنا ولو شبراً واحداً. 
الحاضر الغائب

هل يمكن أن تلخّص لنا أزمة تجديد الخطاب الديني، إذا كان ثمة أزمة، ورؤيتك للخروج منها؟
الخروج من هذه الأزمة يمرّ بثلاث خطوات محددة، الأولى: يمكن أن نطلق عليها مرحلة الإطفاء؛ فحينما يشبّ حريق في بيت ما يكون التفكير في تجميله وتزيينه ضرباً من العته والجنون، والبيت العربي والمسلم الآن تلتهمه نيران التطرف والتعصب، وتحيطه من كلّ أرجائه، ومن ثمّ فالمهمة الأولى الآن؛ هي محاربة هذه الأفكار، وهدمها وإطفائها، فنحن لن نتقدم قيد أنملة واحدة، في أيّ اتجاه، من دون إنهاء هذه الأفكار التي تحارب وتهدم كلّ تقدم وكلّ تجديد.
تأتي بعد مرحلة الإطفاء، أو بالتزامن معها، ما يمكن أن نسميها مرحلة الانتقاء والغربلة للتراث، وهي مرحلة لها ضوابطها وشروطها التي تجعلها فاعلة وناجزة، بعدها مرحلة وضع النظريات الكلية؛ التي تساهم في مسيرة الإنسانية، وتقدّم الجديد للبشرية.

للمشاركة:



تصريحات آبي هل تصعّد الخلاف بين مصر وأثيوبيا..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-23

أعربت مصر عن صدمتها إزاء تصريحات رئيس وزراء أثيوبيا، آبي أحمد، التي قال فيها إنّ بلاده "مستعدة لحشد مليون شخص في حال اضطرت لخوض حرب حول سدّ النهضة"، المتنازع عليه مع مصر.

آبي أحمد: مستعدّون لحشد مليون شخص في حال اضطررنا لخوض حرب حول سدّ النهضة

وأضافت وزارة الخارجية في بيان: "التصريحات تضمّنت إشارات سلبية، وتلميحات غير مقبولة، تتصل بكيفية التعامل مع ملف سدّ النهضة، وهو الأمر الذي تستغربه مصر باعتبار أنّه لم يكن من الملائم الخوض في أطروحات تنطوي على تناول لخيارات عسكرية"، وفق ما نقلت وكالات.

وتعمل إثيوبيا على إنشاء سدّ النهضة الضخم على رافد النيل الأزرق، الذي يمدّ مصر بحوالي 85% من حصّتها في ماء النيل، وسيكون هذا السدّ بمثابة أكبر محطة للطاقة الكهرومائية في أفريقيا.

وتخشى مصر من أن يؤثر السدّ على حصّتها من المياه، أو أن يسمح لإثيوبيا بالتحكم في تدفق النهر؛ لذلك ظلّ المشروع مصدراً للتوتر بين القاهرة وأديس أبابا لأعوام.

ومن المتوقع أن يلتقي الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، آبي أحمد، لمناقشة الأزمة الحالية على هامش القمة الروسية الأفريقية في مدينة سوتشي الروسية، اليوم، بحسب وكالة "رويترز" للأنباء.

ونقلت الوكالة عن مسؤول لم تذكر اسمه قوله: إنّ "السيسي سوف يقترح تعيين وسيط لحلّ النزاع الذي طال أمده".

مصر تعبّر عن صدمتها إزاء تصريحات آبي، وتؤكّد أنّه من غير الملائم الخوض في أطروحات عسكرية

وكانت مصر قد تلقَّت، بحسب بيان الخارجية، دعوة من الإدارة الأمريكية، لاجتماع لوزراء خارجية الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا في واشنطن؛ وأشار البيان إلى أنّ مصر قبلت الدعوة "اتساقاً مع سياستها الثابتة لتفعيل بنود اتفاق إعلان المبادئ وثقةً في المساعي الحميدة التي تبذلها الولايات المتحدة".

وتأمل إثيوبيا أن يبدأ سدّ النهضة، الذي اكتمل ثلثيه تقريباً، في توليد الطاقة بحلول عام 2021، على الأكثر، لتلبية احتياجاتها من الطاقة.

هذا وتستمدّ مصر معظم مياهها العذبة من النيل وتتوقع الأمم المتحدة أنّ البلاد، التي يعيش فيها حوالي 100 مليون نسمة، ستعيش معاناة نقص المياه مع حلول عام 2025.

وحصل رئيس وزراء إثيوبيا على جائزة نوبل للسلام، لعام 2019، في وقت سابق من هذا الشهر، لمساهمته في حلّ النزاع الحدودي بين بلاده وإريتريا، وتعزيز السلام والمصالحة في بلده وفي المنطقة.

 

 

للمشاركة:

تركيا تواصل مناكفة الولايات المتحدة.. بهذا القرار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تصرّ تركيا على الاستمرار بنهجها الداعم لإيران، ومساعدتها في الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة عليها؛ حيث أعادت أنقرة إلى الواجهة المدعوّ محمد هاكان أتيلا، عرّاب خرق العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.

وأصدر وزير الخزانة والمالية التركي، بيرات ألبيرق، قراراً بتعيين نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، أتيلا، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، بعد ثلاثة أشهر من قضائه عقوبة السجن في الولايات المتحدة الأمريكية، بتهمة خرق العقوبات المفروضة على إيران، وفق صحيفة "زمان".

صهر أردوغان يعيّن أتيلا، المتهم بخرق العقوبات المفروضة على إيران، مديراً عاماً لبورصة إسطنبول

القرار أعلنه صهر رئيس الجمهورية ووزير الخزانة والمالية، بيرات ألبيرق، عبر تويتر؛ إذ قال: "انتهت فترة الاستراحة والاسترخاء لهاكان أتيلا، الذي عاد إلى أسرته وبلده، عقب محاكمته الظالمة".

واعتقل محمد هاكان أتيلا، نائب المدير العام السابق لبنك "خلق" الحكومي التركي، بالولايات المتحدة الأمريكية، في 7 آذار (مارس) 2017، مع رجل الأعمال الإيراني رضا ضراب، بتهمة خرق العقوبات الأممية والأمريكية المفروضة على إيران، عن طريق استغلال النظام المصرفي للبنك.

وفي شهر تموز (يوليو) الماضي؛ خرج المدان الرئيس في القضية من سجن FCI"  Schuylkill " بولاية بنسلفانيا، وعاد إلى تركيا بعد قضاء فترة عقوبته، ليغيب عن الأنظار، إلى أن أعلن ألبيرق، أمس، قرار تعيينه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول.

وأضاف ألبيرق في تغريدته: "ها هو يبدأ مهامه مديراً عاماً لبورصة إسطنبول، أتمنى أن يكون هذا المنصب خيراً له ولبورصة إسطنبول".

ومن جانبها، قالت بورصة إسطنبول: "لقد أصبح محمد هاكان أتيلا مديراً عاماً لبورصة إسطنبول".

وتابعت البورصة في بيان: "تمّ اختيار محمد هاكان أتيلا لمنصب المدير العام، خلال اجتماع مجلس الإدارة، المنعقد بتاريخ 21 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، وسيقوم أتيلا بمهام المدير العام وعضو مجلس الإدارة، وقد تمّ اختيار أتيلا بعد قرار تعيين مراد تشاتين كايا نائباً لمحافظ البنك المركزي".

وبحسب ملف القضية؛ فقد طالبت النيابة العامة بالحكم على هاكان أتيلا بالسجن لمدة 188 شهراً، وغرامة مالية تتراوح بين 50 إلى 500 ألف دولار أمريكي، وفي 16 أيار (مايو) 2018؛ أصدرت المحكمة قراراً بسجن محمد هاكان أتيلا 32 شهراً، مع إسقاط الفترة التي قضاها في السجن 14 شهراً، وتوقيع غرامة مالية 500 ألف دولار أمريكي.

 

للمشاركة:

الحوثيون يرتكبون 20 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار في يوم واحد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية انتهاكاتها لوقف إطلاق النار في الحديدة؛ حيث ارتكبت، أمس، أكثر من 20 خرقاً، من ضمنها استهداف نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة، غرب اليمن، ما أدّى إلى مقتل جندي وإصابة ضابط وجندي آخر، من القوات الحكومية.

ورأى الإعلام العسكري للقوات المشتركة، في بيان؛ أنّ الخروقات الحوثية لقرار وقف إطلاق النار في الحديدة "تحدٍّ صارخ لجهود فريق المراقبين الأممين وضباط الارتباط، المبذولة لوقف إطلاق النار في الحديدة"، وفق ما أوردت "العربية".

الحوثيون يستهدفون نقطة مراقبة وقف إطلاق النار الأممية التي جرى تثبيتها بمدينة الحديدة

وأكّد أنّ ميليشيات الحوثي تقابل جهود الفريق الأممي بشأن نشر نقاط ضباط الارتباط لمراقبة وقف إطلاق النار، بالتصعيد الميداني واستهداف المواطنين وممتلكاتهم في محاولة لنسف هذه الجهود.

وذكر الإعلام العسكري؛ أنّ ميليشيات الحوثي ارتكبت خلال الـ 24 ساعة 20 خرقاً في الحديدة، نتج عنها مقتل وجرح ثلاثة من منتسبي القوات المشتركة، وإلحاق أضرار في ممتلكات المواطنين، مشيراً إلى أنّ الميليشيات استخدمت في هذه الاعتداءات المدفعية الثقيلة وقذائف "آر بي جي"، وعيارات "14.5" و"12.7"، ومعدلات "البيكا"، وأسلحة القناصة.

كما شملت الخروقات مدينة الحديدة، بما في ذلك المناطق التي تمّ فيها تثبيت نقاط مراقبة وقف إطلاق النار.

وأوضح البيان؛ أنّ تثبيت نقطة المراقبة الثالثة اليوم في منطقة كيلو 16، تزامن مع استهداف الميليشيات الحوثية لمواقع القوات المشتركة القريبة من ذات المكان، وقد أسفر ذلك الاعتداء الإجرامي عن مقتل وجرح ثلاثة من المقاومة برصاص قناصة الميليشيات.

 

للمشاركة:



هل تدرك حماس حقاً أن العلاقات التركية الإسرائيلية لم تنقطع يوماً؟‎

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

فايز رشيد

كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة «الإخوان المسلمين».
بداية، كنا نتمنى أن تنطلق مواقف حركة حماس السياسية الفلسطينية والعربية من خصوصيتها الفلسطينية وانتمائها العربي أولاً وأخيراً، بعيداً عن تجاذبات وآراء التنظيم العالمي للإخوان المسلمين الذي أكّدت حماس قبلاً أنها منفصلة تماماً عنه بالمعنيين التنظيمي والسياسي، ليتبين أن هذا بعيد عن الحقيقة تماماً، كما ثبت مؤخراً من موقف الحركة الذي أعلنته من الغزو التركي الأخير «نبع السلام» للشمال العربي السوري.
في الوقت الذي أدان فيه كلّ العالم تقريباً، بما في ذلك أغلبية الدول العربية، واعتبرته عدواناً على بلد عربي وتهديداً للأمن القومي العربي برمته، أصدرت حماس بياناً قالت فيه: «تتفهم الحركة حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسها، وإزالة التهديدات التي تمس أمنها القومي أمام عبث جهاز الموساد «الإسرائيلي» في المنطقة، والذي يسعى إلى ضرب الأمن القومي العربي والإسلامي». بصراحة نقول لحماس، إن البيان يحاول تحوير اتجاه الغزو العدواني التركي وهو الحدث المعني للاتكاء على العدو الصهيوني المعروف أنه عدو لحماس والفلسطينيين وللأمة العربية بأسرها. ومعروف تماماً كم من غارة عسكرية شنّها هذا العدو المجرم على البلد العربي المعني مستغلاً ظروف الصراع الدائر فيه.
كان الأولى بحماس أن تكون واضحة تماماً في إدانتها للغزو التركي العدواني البغيض كحركة فلسطينية عربية، وليست فرعاً من فروع شجرة الإخوان المسلمين الذين سبق أن تآمروا على ثورة يوليو/تموز وزعيمها الخالد جمال عبدالناصر وحاولوا اغتياله، وكان لهم يد فيما جرى في سوريا وفي أكثر من بلد عربي شهد خراباً ودماراً. بدلاً من هذا الموقف المفترض أن تتخذه الحركة، طلع علينا ناطقها الرسمي سامي أبو زهري ليصرّح «بأن تركيا كانت وستظل مهوى قلوب المسلمين في العالم»! لقد تناسى أبو زهري احتلال تركيا للواء الأسكندرون وغزوتي تركيا السابقتين «غصن الزيتون» و «درع الفرات» لسوريا، وتصريحات أردوغان منذ سنوات بأن «ولايتي حلب والموصل هما ولايتان عثمانيتان». كما تناسى تأييد حماس للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، ومخاطبته لبيريز في رسالة بعثها إليه ب «صديقي العزيز»!.. إلخ. لقد جعل أبو زهري من نفسه ناطقاً باسم القصر الرئاسي التركي للسلطان الطوراني أردوغان، وجاء بيان حماس ليؤكد انتماءها للإخوان المسلمين. هذه الجماعة التي لم تتوقف يوماً عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وطرح مشروعات تفتيتية، وتُبدي ازدراء بكل طموحات الشعوب العربية، فإذا بحماس في بيانها تؤكد أنها تتفَهّم «حق تركيا في حماية حدودها والدفاع عن نفسِها وإزالة التهديدات التي تمَسّ أمنها القومي. بل ذهب البيان بعيداً في مَنح أنقرة الحقّ في إزالة التهديدات المزعومة لأمنها القومي أي اجتثاث وتدمير البنى التحتية للمنطقة التي يسعى أردوغان وجيشه لاحتلالها تحت مسمى «المنطقة الآمنة» التي يَتوهّم أنه قادر على إقامتها بعمق 35 كم وبعرض يزيد على 460 كم، ما يعني احتلال منطقة تزيد مساحتها على مساحة لبنان مرّة ونصف المرّة. وربما نسيت حماس أن سوريا دولة عربية، وأن الغزو التركي هو انتهاك لسيادتها وحرمة حدودها ووحدة أراضيها.
ولعلم حركة حماس، فإن العلاقات التركية -«الإسرائيلية» لم تنقطع يوماً في مختلف المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية، إنما تتعمد المتاجرة بالقضية الفلسطينية في مسعى لكسب الشعبية بين الجماهير التركية والعربية والإسلامية، ومن دون المساس بالتحالف القوي مع دولة الاحتلال. كما أن هناك مستشارين عسكريين صهاينة في القوات المسلحة التركية. ورغم التوترات التي تسود العلاقات إلا أنه لم تلغَ حتى اليوم اتفاقية قيمتها 190 مليون دولار لشراء طائرات من دون طيار من «إسرائيل». كما لم تلغَ التعاملات التجارية المدنية بين أنقرة وتل ابيب امتداداً من قطاع المنسوجات ووصولاً إلى نظم الري التي كانت تمثل نحو ثلاثة مليارات دولار خلال العام الماضي 2018 وفقاً لما قاله محللون تجاريون. وتقول مصادر عسكرية تركية إن التجارة العسكرية بين أنقرة وتل أبيب بلغت في مجملها نحو 2.8 مليار دولار عام 2017. وتزور دولة الكيان وفود حكومية وعسكرية تركية بين فترة وأخرى. هذا غيض من فيض العلاقات بين تركيا (مهوى أفئدة حماس) وبين العدو الصهيوني.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

بالصور.. أفريقيا كما لم نرها من قبل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أدورا مبا

كتب أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية المستقلة في عام 1960: "سيأتي يوم يسطر فيه الأفارقة تاريخهم بأيديهم". وقد ظهر جيل جديد من المصورين الفوتوغرافيين الأفارقة الذي يكشفون، بكاميراتهم وليس بالكلمات، القضايا الحقيقية التي تؤثر على مجتمعاتهم، مثل تغير معالم الأحياء الفقيرة بقدوم أبناء الطبقة المتوسطة والتمييز على أساس الجنس والأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين والعولمة.

وفي ضوء التطورات التي طرأت في السنوات القليلة الماضية على القطاع الإبداعي بفضل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، يستخدم مصورون فوتوغرافيون من زيمبابوي والمغرب وإثيوبيا ونيجيريا وغانا هواتفهم وكاميراتهم لالتقاط صور تجسد التنوع والطاقة وتوثق التغيرات التي تتلاحق على القارة السمراء بسرعة غير مسبوقة.

وفي زيمبابوي، يعرض كل من زاش وشيدزا شينهارا لقطات لتصاميم أزياء مميزة في شوارع العاصمة هراري. ويستخدم زاش، الذي يعمل كمصور، وشيدزا، التي تعمل كمصممة أزياء، حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز جمال العاصمة هراري.

ويختار الاثنان مناطق أكثرها قديمة ومتهالكة لتصوير العارضات بملابسهن العصرية والمفعمة بالألوان. لكن القاسم المشترك بين الصور اللافتة التي تمتلئ بها حساباتهما على انستغرام هو التركيز على المدينة نفسها بقدر التركيز على العارضات والأزياء.

لقطة لعارضة أزياء بمدينة هراري عاصمة زيمبابوي

وتتخذ شيتزا وزاش من منصات التواصل الاجتماعي وسيلة للتمرد على المعايير التقليدية في زيمبابوي، حيث يتوقع من النساء أن ترتدي زيا معينا يعد رسميا وملائما. وترى شيدزا، ذات الشعر الكثيف المجعد، التي ترتدي أقراطا عديدة وقميصا قصيرا، أن هيئتها تشجع الشابات على التعبير عن الحرية في اختيار الملبس والميول الجنسية دون خوف.

وتقول شيتزا: "لا تزال نظرات الآخرين تلاحقني ويحكم الآخرون على شخصيتي من خلال ملبسي. لكنني أعتقد أن التحرر الفكري في زيمبابوي أصبح وشيكا. إذ يوجد آخرون غيري ينادون بحرية اختيار الملبس".

ويرى زاش أن الشباب الأفريقي ينبغي عليهم رصد وتوثيق مظاهر الحياة في بلادهم بأنفسهم، لأن السياق الثقافي أحيانا يكون خادعا.

ويقول إن الأجانب عندما يأتون ويرون الأطفال يلعبون بالحجارة قد يظنون أنهم لا يمتلكون مالا لشراء الدمى والألعاب، لكن هؤلاء الأطفال في الحقيقة يلعبون لعبة شهيرة في زيمبابوي تستخدم فيها الحجارة. والمشكلة أن الصورة التي يعرضها هذا الشخص ستكون مغلفة بالشفقة.

ويقول زاش: "إن أفريقيا مكان متشابك، وقد دأب الكثيرون على التركيز على الصراعات فقط على مر السنين. ولا ننكر أن هناك الكثير من المشكلات والتحديات، لكن هناك أيضا حياة مفعمة بالحيوية والنشاط. ونتطلع إلى رسم صورة مكتملة المعالم لأفريقيا".

وأتقن مصورون معاصرون في غانا، مثل نانا كوفي أكواه، وفرانسيس كوكوروكو وبرينس جياسي، استخدام المنصات الرقمية لعرض أعمالهم وصورهم للمتابعين في أنحاء العالم.

ويتابع أكواه 94.9 ألف شخص على حسابه على موقع إنستغرام، بينما يتابع كوكوروكو 16.2 ألف شخص، أما برينس جياسي فلديه 79.2 ألف متابع. ويلتقط كل منهم صورا للمناطق التي نشأوا فيها ومجتمعاتهم المحلية، ليعرضوا أجزاء من غانا لم يرها الكثيرون من قبل، مثل مجتمعات الصيادين والمدن الكبرى والغابات والشواطئ التي تطل على الأطلسي..

صورة لعارضة أزياء في حي الأقمشة القديم بهراري عاصمة زيمبابوي

ويواظب أكواه على نشر صوره على صفحة "أفريقيا يوميا"، وهي صفحة شهيرة على موقع إنستغرام يتابعها 400 ألف شخص، وتعرض الجانب الذي لا يراه العالم من أفريقيا. وألهمت الصفحة حركة لمشروعات مشابهة تكشف عن مظاهر الحياة اليومية في أجزاء أخرى من العالم لتحدي الصور النمطية الراسخة عن المدن.

ومن بين الصور الرائجة التي نشرها أكواه على الموقع، صورة لأطفاله وهم يلعبون على الكمبيوتر اللوحي. وتظهر التعليقات أن انتشار الأجهزة الإلكترونية الحديثة بين الأطفال في أفريقيا، ولا سيما في مجتمع الصيادين في غانا، لا يزال يثير الاستغراب والدهشة.

ويقول أكواه إن الصور تثير الكثير من التساؤلات لدى المعلقين، فإذا لم نتحدث إلى الآخرين لن تتغير الصور النمطية الراسخة في أذهانهم. وأشعر أن مهمتي كمصور هي أن أحض الناس على طرح الأسئلة وأجيب عليها.

وعندما بدأ فرانسيس كوكوروكو مهنة التصوير، لفتت انتباهه أوضاع التصوير والخلفيات المختارة بعناية في صور الأوروبيين على الإنترنت، ولم يجد لها مثيلا بين الصور التي التقطها بني جلدته في غانا. ثم شرع كوكوروكو في نشر صورة يوميا للغانيين الذين يصادفهم في الشارع بأوضاع تحاكي أوضاع التصوير في الصور الأوروبية باستخدام كاميرا هاتفه المحمول، وكان يضع على كل صورة وسم #غانا.

وأخذ يلتقط صورا للعاصمة أكرا التي استقطبت أبناء الطبقة الوسطى الذين جلبوا معهم تطلعات جديدة وتغيرات في أنماط الحياة وساهموا في الارتقاء بالأحياء وتطويرها.

ويقول كوكوروكو إن التصوير يجعلك حاضرا وأكثر إلماما بما يحدث من حولك، وقد يجعلك تلاحظ أشياء لم تنتبه لها من قبل.

وبدأ برينس جياسي أيضا بنشر صور لقلب العاصمة أكرا، ومجتمع الصيادين بالمدينة على إنستغرام، والآن علقت صوره على جدران أحد المعارض الفنية بباريس.

واشتهر جياسي بين مجتمع المصورين بسبب مؤسسته الخيرية لتعليم الأطفال "بوكسيد كيدز"، ويرى أنه يتحمل مسؤولية تعريف الناس بطبيعة حياة شعبه في بلده غانا. ويشير جياسي إلى مقولة رئيس الوزراء الأول كوامي نكروما: "إن الغانيين ينبغي أن يسردوا قصصهم بأنفسهم ولا يدعون الآخرين يتحدثون بلسانهم".

بلدة كوكروبايت في غانا

ويقول جياسي: "لن أنتظر حتى يوثق الآخرون طبيعة الحياة في غانا، بل علينا أن نصحح الأفكار الخاطئة التي نشروها عن بلدنا. وأعتقد أنه من المهم أن نستخدم فننا لإطلاع الناس على الحقيقة".

وعُرضت أعمال مصورين، مثل حسن حجاج ولكين أوغونبانو وعمر فيكتور ديوب، في مجلات الموضة الغربية الراقية والمعارض والمهرجانات الأفريقية مثل معرض "لاغوس للصور"، ومهرجان "أديس فوتو" وبينالي داكار، وغيرها من المعارض التي تعرض الآن أعمال مصورين من القارة.

لكن فكرة التصوير غير التجاري لا تزال حديثة نسبيا في قارة أفريقيا. ويقول جياسي إنه من الصعب أن تكون مصورا مبدعا في غانا لأن المصورين التجاريين هم الذين يحظون بالاحترام".

أتاحت تكنولوجيا الهاتف والمنصات الرقمية طرقا جديدة ومبتكرة لالتقاط الصور. وساهم استخدام كاميرات الهواتف المحمولة في تذليل العقبات أمام الكثير من المصورين الذين لم يكن لديهم المال الكافي لشراء معدات التصوير والكاميرات الباهظة في الكثير من الدول داخل القارة.

فضلا عن أن مواقع التواصل الاجتماعي عبّدت الطريق لهؤلاء المصورين بالقارة للوصول إلى جمهور لم يتسن لهم الوصول إليه من قبل، وأيضا لتغيير صورة أفريقيا أمام العالم من خلال التقاط صور تعكس حياة الشعب الأفريقي في الشوارع ونشرها على الإنترنت. فإذا كتب أي شخص وسم أفريقيا في خانة البحث، لن يرى صورا للفقر أو المجاعات.

لاعبو كرة قدم في بلدة نيما بمنطقة أكرا الكبرى، غانا

وفي أديس أبابا، تتمتع المصورة الفوتوغرافية إييروسالم جيريغنا بموهبة استثنائية في هذه المدينة التي لا توجد فيها مدارس لتعليم التصوير وقلما تمسك النساء بالكاميرات بسبب الأدوار النمطية التي يحددها المجتمع للجنسين.

وهذا ما دفعها إلى التقاط صور لنساء يؤدين أعمالا غير تقليدية، مثل عاملات البناء. وتقول جيريغنا إن الأوضاع الاقتصادية أجبرت البعض على تأدية وظائف رغم إرادتهم، لأن الكثيرين هنا يعانون الفقر والعوز وقد يفعلون أي شيء من أجل البقاء.

ولاقت صور جيريغنا لنساء مدينة هرر، المدينة المسلمة شرقي إثيوبيا، انتشارا واسعا. إذ ترتدي نساء هرر ملابس تقليدية زاهية الألوان وآخاذة، تتعارض مع الصور التقليدية للنساء المسلمات اللائي يرتدين أغطية الرأس السوداء أو النقاب.

وتتميز المدينة نفسها بألوانها المتنوعة، إذ طليت جدارنها باللون الأزرق الزاهي، وأبوابها باللون الأرجواني وألواح النوافذ باللون الأصفر، وتغطي بعض الجدران الحمراء علامة كوكاكولا.

وتقول جيريغنا إن صور المسلمات السمراوات اللائي يرتدين أغطية رأس ملونة أثارت دهشة البعض، الذين لم يتوقعوا وجود مسلمات في هذا البلد ذي الأغلبية المسيحية. وأرسل الكثيرون رسائل للاستفسار عن المكان لزيارته يوما ما.

وترى جيريغنا أيضا أن مواقع التواصل الاجتماعي ساعدتها في تبديد التصورات الشائعة عن بلدها. وتقول إن هناك الكثير من الجوانب الإيجابية في بلادها غير المجاعات والمرض التي يركز عليها الآخرون، وأريد أن يتعرف الناس على التطورات التي تمر بها في البلاد.

ويساعد هؤلاء المصورون المعاصرون في القارة في التصدي للصور النمطية ونشر معلومات لتعريف الناس بالعالم الذي نعيش فيه. إذ يكشف هؤلاء المصورون عن حقيقة القارة الأفريقية بتشابكها وتنوعها، وحيويتها وإبداعها لعدد متزايد من الجمهور، للتعرف على أفريقيا الحقيقية التي لم يعرفها العالم من قبل.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

لماذا اختصم محمد الطاهر بن عاشور مع الرئيس بورقيبة؟

2019-10-22

يوصف بأنّه "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره، فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها، أقْرَأ، وأفادَ، وتخرَّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي".

اتبع بن عاشور الآلية المقصدية في تحليل الخطاب القرآني وبيّن أهمية أسباب النزول ودلالاتها وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن

ولم يكن محمد الطاهر بن عاشور ليستحق هذا الذي أسبغه عليه العلاّمة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، لو لم يكن جديراً بما قاله عنه وبحقه وزاد عليه صديقه الأثير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، فقد امتدحه وأطرى عليه، فله "فصاحةُ منطقٍ، وبراعةُ بيانٍ، ويضيف، إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة. كنت أرى فيه لساناً لهجته الصدق، وهمَّةً طمَّاحة إلى المعالي، وجِداً في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه. وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم".
ولد بن عاشور، بتونس في العام 1879م في أسرة علمية عريقة تمتد أصولها إلى بلاد الأندلس. وقد استقرت هذه الأسرة في تونس بعد حملات التنصير ومحاكم التفتيش التي تعرض لها مسلمو الأندلس.

اقرأ أيضاً: لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟
حفظ الطاهر بن عاشور القرآن الكريم، على ما تورده المصادر التاريخية، وتعلّم اللغة الفرنسية، والتحق بجامع الزيتونة، وهو في الرابعة عشرة من عمره، فدرس علوم الزيتونة ونبغ فيها، وأظهر همة عالية في التحصيل، وساعده على ذلك ذكاؤه النادر والبيئة العلمية الدينية التي نشأ فيها، وشيوخه العظام في الزيتونة الذين كان لهم باع كبير في النهضة العلمية والفكرية في تونس، وملك هاجسُ الإصلاح نفوسَهم وعقولهم، فبثوا هذه الروح الخلاقة التجديدية في نفس الطاهر، وكان منهجهم أنّ الإسلام دين فكر وحضارة وعلم ومدنية.

 محمد البشير الإبراهيمي
وبوحي من هذه التنشئة والظروف المحيطة بابن عاشور، وبدافع من إحساسه بأنّ تقدّم المسلمين لا يكون إلا من طريق إصلاح عقولهم، وتوفير البيئة الفكرية لكي يتفهموا أمور دينهم، راح الفقيه التونسي يبحث عن سبل للنظر في جوانب إصلاح المنهجية التي عُرض فيها الدين، وللطريقة التي يُفهم فيها الدين، رابطاً على نحو خلّاق بين الفكر والعمل، فلا يمكن إصلاح جانب وترك الآخر؛ "لأنهما كجناحي الطائر لا يمكن تجديد ما رثّ في أحدهما وترك الجانب الآخر".
وكان ابن عاشور، وهو يسعى إلى إصلاح الفكر، يرنو إلى إصلاح التفكير بربط ذلك بإصلاح العلوم التي يُراد إدخالها في مخزن الأفكار (العقل البشري)، فإصلاح عقل الإنسان هو إصلاح جميع خصاله، ويجيء بعده الاشتغالُ بإصلاح أعماله، وعلى هذين الإصلاحين مدار قوانين المجتمع الإسلامي"، كما جاء في كتابه "أصول النظام الاجتماعي".

مرّ بن عاشور باختبار صعب في عهد الحبيب بورقيبة، حين دعا الرئيسُ العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج

وانطوى التوجه المقاصدي لدى ابن عاشور على وعي نقدي للأسس التي انبنى عليها العقل الفقهي القديم، وعلى هاجس تطوير البناء الفكري للمنظومة التشريعية الإسلامية على النحو الذي يجعل من التشريع عامل تنشيط للحركة الحضارية، وعنصر تغذية لتقدم المجتمع الإنساني، لتجنيب المسلم عوارض الصدام بين النص والواقع، سعياً نحو تحقيق التوازن المطلوب بين موجبات الولاء لتعاليم الدين من ناحية، والاستجابة لمقتضيات التواصل الواعي مع متغيرات الزمان والمكان من ناحية ثانية، بما يتيح تحرير العقل الفقهي من أسر الأطر المغلقة للثقافة التقليدية، والرفع من قيمة أدائه بمدّه بالآلات المنهجية والمعرفية التي تمكّنه من امتلاك القدرة على مسايرة التحولات المتسارعة والانخراط القويم في مسار الحركة الحضارية التي لا تعرف التوقف ولا تعترف بالجمود والقعود، حسبما ورد في دراسة للمعهد العالمي للفكر الإسلامي.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
وتنوّه الدراسة إلى جهود ابن عاشور في تفسيره "التحرير والتنوير"، حيث اتبع العلامة التونسي منهجاً يعتمد على تكوين علاقة مركبة من القارئ والنص؛ لأنّ النص القرآني في كثير من التفاسير وإن بدا حاضراً، فإنّ حضوره شكلي يتضاءل أمام حضور القارئ وأهدافه، وقد لوحظ إلمام ابن عاشور بمراتب الدلالة اللغوية، وتحليله قضاياها وفق المنهج التداولي، كما لوحظ اتباعه للآلية المقصدية، وتنسيبها في تحليل الخطاب القرآني وعنايته بها، وقد بيّن ابن عاشور أهمية أسباب النزول ودلالاتها، وحضّ على القراءة التفاعلية لآيات القرآن الكريم.

الحبيب بورقيبة
وفيما اتصل بلباس المرأة، كان لابن عاشور موقفه في هذه القضية الجدلية التي ما تزال تشغل اهتمامات المسلمين، حيث ذكر شيخ علماء جامع الزيتونة أنّ "الذي يجب ستره من المرأة الحرة هو ما بين السرّة والركبة عن عين الزوج، وماعدا الوجه والأطراف عن المحارم، والمراد بالأطراف الذراع والشعر وما فوق النحر أي أعلى الصدر، ويجوز لها أن تظهر لأبيها ما لا تظهره لغيره ماعدا العورة المغلظة، وكذلك لابنها، ولا يجب عليها ستر وجهها ولا كفيها عن أحد من الناس".
وتعرّض ابن عاشور لمحن سياسية كثيرة سواء من الاستعمار الفرنسي لبلاده، أو من السلطة التي جاءت في أعقاب إزاحة الاستعمار. وقد مرّ في عهد الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة، وبالتحديد في عام 1961م  بفتنة كبيرة واختبارٍ صعب، حيث إنّ الرئيس التونسي دعا العمالَ إلى الفطر في رمضان بدعوى زيادة الإنتاج، وطلب من ابن عاشور أن يفتي في الإذاعة بما يوافق ذلك، حيث ترقّب النّاس ظهوره من خلال البثّ الإذاعيّ، ليرَوا ماذا يقول، فصرّح بما يوافق شرع الله في هذه القضية، وذكر أنّ كلّ مفطرٍ بدون عذرٍ شرعيّ، كالمرض والسفر وما إلى ذلك من الأعذار التي حددها الشرع، يجب عليه فيها القضاء، وذكر شهود أنّه قرأ آية الصيام: "يا أيها الذين آمنوا كُتِب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" ثمّ قال بعدها: "صدق الله، وكذب بورقيبة"!

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية