بعد تقليص خدمات الأونروا: صحة الفلسطينيين وتعليمهم في خطر

3532
عدد القراءات

2018-07-30

بعد امتناع الإدارة الأمريكية، والتي تعد من أكبر المانحين لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من دفع ما عليها من مستحقات سنوية تقدر بـ 350 مليون دولار، والاكتفاء فقط بدفع 65 مليوناً، بدأت الوكالة بتنفيذ خططٍ لمواجهة العجز المالي، وعقد مؤتمرات دولية لجلب الدعم من دول أخرى، وبعد فشل المؤتمرات، وعدم الحصول على الدعم الكافي من المانحين، اتجهت "الأونروا" نحو سياسة التقليصات في مناطق اللجوء الخمس، ما يجعل صحة هؤلاء اللاجئين وتعليمهم في خطر.

قرار تقليص أعداد المدارس وضم بعضها إلى بعض وزيادة أعداد الطلاب بالفصل الواحد يعتبر استهدافاً للعملية التعليمية

وتتمثّل سياسية التقليصات الجديدة التي تتبعها "الأونروا"، في إغلاق بعض المدارس، وضمّ بعضها إلى بعض، وزيادة عدد الطلاب في الفصول الدراسية، والاستغناء عن 13 % من الموظفين وتحويل 57 % إلى دوام جزئي، وتحويل ما تبقى إلى عقود، تنتهي بنهاية العام الجاري، فضلاً عن إيقاف ألعاب الصيف التي تستهدف أطفال اللاجئين الفلسطينيين في المناطق كافة، وإلغاء برنامج الإغاثة الطارئة "الكابونة"، الذي يستفيد منه أعداد كبيرة من اللاجئين، واستبدالها بقسائم شرائية.

يستفيد حوالي 5 ملايين لاجئ فلسطيني من خدمات الإغاثة الطارئة

ويستفيد حوالي 5 ملايين لاجئ فلسطيني موزعين في مناطق اللجوء الخمس" قطاع غزة، الضفة الغربية، المملكة الهاشمية الأردنية، الجمهورية العربية السورية، لبنان" من خدمات الصحة والتعليم والإغاثة الطارئة، التي تقدمهم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وتقليص تلك الخدمات، ليزيد من طين أوجاع اللاجئين الفلسطينيين بلة كونهم يعتمدون عليها بشكل أساسي.

يبلغ عدد المدارس التابعة لوكالة الغوث 252 مدرسة، يدرس فيها نحو 248 ألف طالب، إضافة إلى مئات المعلمين

ونظم اتحاد موظفي "الاونروا" اعتصاماً مفتوحاً أمام مكتب "المندوب السامي" في قطاع غزة يوم الأربعاء الماضي، محذرين وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، من تنفيذ أي خططٍ من شأنها المساس برواتب الموظفين، وتقليص الخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين.

وقد يمكّن تواجد مئات اللاجئين المستفيدين من الخدمات، ومدراء المدارس، والمعلمين، وموظفي العقود، المعتصمين داخل مقر الوكالة بغزة من إسقاط قرار فصل (1000) موظف من موظفي العقود بشكل مفاجئ، والاستغناء عن خدماتهم بشكل مفاجئ دون سابق انذار.

إنهاء عقود العاملين

المهندس عبد الرحمن خريس (36عاماً)، أحد العاملين ضمن بند العقود بوكالة غوث وتشغيل اللاجئين، فوجىء قبل عدة أيام بإنهاء عقد عمله الذي دام ست سنوات. وقال لـ "حفريات": "هذا قرار مفاجئ وظالم ومجحف، ومنافٍ للقوانين الدولية كافة، وسيكون حلقة ضمن حلقات من التقليص الذي ستقوم به الأونروا، وصولاً إلى إنهاء عمل المؤسسة الدولية بشكل نهائي في سائر أماكن عملها، وعدم تقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين".

اقرأ أيضاً: قانون مخصصات الشهداء: سطو إسرائيلي مسلح على حقوق الشعب الفلسطيني

أضاف: "نعمل ضمن بند العقود منذ ما يقارب ست سنوات، وكان يتم تجديد العقد كل ستة أشهر بعد انتهائه فوراً، وكان من المقرر أيضاً تثبيتنا نهاية العام الجاري، على أن نصبح موظفين رسميين لدى "الأونروا"؛ ولكن فوجئنا بقرار التخلي عن خدماتنا بشكل نهائي، وعدم تجديد عقودنا، ونحن نطالب بإعادة النظر بهذا القرار الذي يهدد مصيرنا ومصير أبنائنا".

الأوضاع الحالية التي تمر بها الأونروا ستؤثر بشكل كبير على العملية التعليمية

العملية الدراسية

أحمد بهلول أحد المدرسين العاملين في مدارس" الأونروا"، والذي كان مشاركاً في الاعتصام الذي دعا له اتحاد موظفي الأونروا، للمطالبة بالتراجع عن الإجراءات الجديدة، قال لـ "حفريات": "قرار تقليص أعداد المدارس وضم بعضها إلى بعض وزيادة أعداد الطلاب بالفصل الواحد يعتبر استهدافاً للعملية التعليمية، فقد كان في السابق يتواجد 35 طالباً بالفصل الواحد؛ ولكن من بداية العام الجديد سوف تتغير الآلية، وسيتم زيادة العدد ليصل إلى 50 طالباً، وهذا الأمر سينعكس سلبياً على الطالب والمعلم؛ لأنه يصعب علينا إيصال المعلومات للطلاب بنفس الآلية السابقة التي تضمن تفاعل وفهم الأغلبية".

اقرأ أيضاً: 17 لاعباً من غزة يغيّرون قواعد كرة القدم

وتقدم الأونروا الخدمات التعليمية للاجئين الفلسطينيين بعد تهجيرهم من أراضيهم عام 1948، حيث يبلغ عدد المدارس التابعة لها (252 مدرسة)، يدرس فيها نحو 248 ألف طالب وطالبة، إضافة إلى مئات المعلمين. وتقليص أعداد المدراس، بحسب بهلول، "يشكل خطراً على الطلاب والمعلمين ويبقي مصيرهم مجهولاً، لذلك نطالب إدارة الأونروا بالتراجع عن هذا القرار".

أولياء الأمور من جهتهم، عارضوا قرار الأونروا بشدة، واعتبروه تطبيقاً لسياسة التجهيل. وعبر أبو محمد، الذي كان ضمن المعتصمين، عن قلقه الشديد على مستقبل أبنائه الثلاثة الذين يدرسون في مدارس الوكالة، واعتبر القرارات الجديدة "استهدافاً للاجئين وتصفية لقضيتهم".

اقرأ أيضاً: والدة الشهيدة رزان النجار لـ"حفريات": سلاح ابنتي كان سترة الإسعاف

أبو محمد قال لـ "حفريات": "قديماً كان الناس يتسابقون على تسجيل أبنائهم في مدارس الوكالة كونها تقدم تعليماً مميزاً، والأوضاع الحالية التي تمر بها الأونروا ستؤثر بشكل كبير على العملية التعليمية المستقبلية، مطالباً "بإيجاد حلول لهذه الأزمة".

وأعرب عن اعتقاده بأنّ "فصل الموظفين إجراء غير قانوني، خاصة أنّ الكثير من المفصولين يتمتعون بخبرة كبيرة في العملية التعلمية".

مستقبل أكثر من 250 ألف طالب أصبح في خطر كبير

رفض واستنكار

وعبر رئيس اتحاد الموظفين أمير المسحال، عن رفض الاتحاد بشكل قاطع لسياسة التقليصات التي اتبعتها إدارة الأونروا.

وقال المسحال لـ "حفريات": "سياسية التقليصات الخاصة بالموظفين تأتي في سياق مشترك بين أطراف عديدة تهدف إلى القضاء على قضية اللاجئين، من أجل التأثير على أمن وسيادة واستقرار قطاع غزة وموظفيه".

اقرأ أيضاً: والدة الشهيد فادي أبو صلاح لـ"حفريات": رحل دون أن يحقق حلمه

ولفت إلى أنّ "مستقبل أكثر من 250 ألف طالب أصبح في خطر كبير، خاصة مع قرب بداية العام الدراسي الجديد، فمؤسسة الأونروا تقلص خدماتها بشكل تدريجي من أجل الزوال والعزوف عن عملها". وأشار إلى أنّ الموظفين الذين تم فصلهم يعيلون أكثر من ألف أسرة سيصبحون بلا معيل، مطالباً "بدعم مالي لمؤسسة الأونروا بهدف إنقاذ اللاجئين الفلسطينيين".

ونوه المسحال إلى أنّ اجتماع نيويورك الأخير، جعلهم يتذمرون جراء خيبة الأمل الكبيرة من نتائجه، والتي لم تصبّ في صالح اللاجئين، مبيناً أن الأونروا "لجأت لأول مرة في تاريخها إلى اتباع سياسة جديدة، وهي تمديد العقود الدائمة لمدة شهر واحد فقط من أجل الاستغناء عنهم بطريقة غير مباشرة".

السبب هو سياسي ينعكس على المستوى الاقتصادي

أزمة سياسية واقتصادية

الخبير الاقتصادي معين رجب، شدد على أنّ التقليصات التي تجري في الفترة الحالية لها تأثير بعيد المدى، فالسبب هو سياسي ينعكس على المستوى الاقتصادي. وأوضح في تصريح لـ"حفريات" أنّ هناك ما يقارب 10 آلاف موظف في قطاع غزة يعملون في الأونروا، وإذا ما استمرت الأوضاع على ماهي عليه فسينضمون إلى طابور البطالة، مشيراً إلى أنّ "هناك سياسة لجدولة الاستغناء في الأشهر القادمة ستتّبعها الأونروا، وأنّ التقليصات الحالية هي عملية تمهدية لأشياء وأهداف أكبر".

وأكد أنّ استمرار هذا الوضع "سيدخل غزة في دوامة من الأزمات، وأنّ الأضرار التي ستحدثها التقليصات كبيرة جداً، وستؤثر بشكل كبير على قطاعي التعليم والصحة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هكذا اضطهد نظام الملالي علي شريعتي حياً وميتاً

2019-07-16

يقول المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي: "أنا سنّي المذهب، صوفي المشرب، بوذي ذو نزعة وجودية، شيوعي ذو نزعة دينيّة، مغترب ذو نزعة رجعيّة، واقعي ذو نزعة خياليّة، شيعي ذو نزعة وهّابية، وغير ذلك اللهمّ زد وبارك".
بذلك التنوع والتعقيد تبدأ الرحلة مع شريعتي، يبدو ظاهر الاقتباس حافلاً بالتناقضات، ويظهر شريعتي كمثقف متناقض يزدحم عقله بخليط غير متجانس من المذاهب التي يستحيل أن تجتمع، ظاهرياً هذا صحيح، ولكن واقعياً فإنّ هذا الاقتباس يفسر الثراء الفكري الذي تمتعت به مواقف علي شريعتي.

اقرأ أيضاً: علي شريعتي: إنسانية الفكر والإصلاح
سار شريعتي على خطى المفكرين أصحاب الرسالات العالمية مثل المهاتما غاندي الذي قال: "يجب أن أفتح نوافذ بيتي لكي تهب عليه رياح كل الثقافات، بشرط ألا تقتلعني من جذوري"، ظلت مواقف شريعتي تلاحقه حتى بعد وفاته إلى الآن، وهناك أسئلة على ألسنة العامة حتى اليوم تسأل علماء الدين الشيعة عن معنى تلك التجربة المعقدة، وهل يمكن جمع كل تلك المذاهب في عقل واحد.

شريعتي ناقداً للتشيع
تعقدت علاقة شريعتي بعلماء الدين الشيعة منذ بداية كتاباته وصعوده على المسرح الثقافي والسياسي الإيراني، والتلقي المبهر من الشباب لمحاضرات شريعتي؛ حيث تناول بالنقد في كتبه ومحاضراته ما أسماه بالتشيع الصفوي خاصة في كتابه "التشيع الصفوي والتشيع العلوي" ودوره في ترسيخ مذهب شيعي تقليدي يحافظ على مصالح الطبقة الحاكمة، ويرسخ لقدر مرسوم سلفاً من الوعي في عقول العامة، وانتقد علماء مهمين مثل العلامة المجلسي، كما سينقد دين السادة وتزاوج السلطة مع رجال الدين ومع رجال المال في كتابه "دين ضد الدين" ويرفض ما يتبرك به الشيعة ويقدسونه مثل التربة الحسينية ويستنكر معجزاتها.

متأثراً بالأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال حمل شريعتي على رجال الدين وخطابهم التقليدي العاجز عن إثارة عقل الأتباع والمريدين

متأثراً بالأفغاني ومحمد عبده ومحمد إقبال؛ حمل شريعتي على رجال الدين وخطابهم التقليدي العاجز عن إثارة عقل الأتباع والمريدين، والاكتفاء باجترار الموضوعات التراثية القديمة بدون إعمال حقيقي للعقل وإدراك للمستجدات التي طرأت على الساحة الفكرية والثقافية الإيرانية بعد عمليات التحديث والتحديات التي تواجهها الأمة الإيرانية مثل الاستبداد والهيمنة الغربية.
استفزت تلك الكتب، بالإضافة إلى كتاب "معرفة الإسلام"، علماء الدين الشيعة وأتباعهم، فشريعتي يتحدث في هذا الكتاب عن الإسلام من منظور علم الاجتماع الديني، ولا يمارس طقوس التبجيل والتعظيم في دراسة نبي الإسلام؛ مما أجج غضب الملالي أكثر واتهموه باعتناق المذهب الوهابي.
كتابه "دين ضد الدين"

شريعتي وفتاوى التحريم
توالت الأسئلة التي تبحث عن فتوى من كبار علماء الشيعة، أتت أغلب الأسئلة من أرباب الأسر التي انتمى لها الشباب الذي حضر محاضرات شريعتي، وصدمهم ذلك الخطاب الديني الجديد مما استدعى مراسلة العلماء؛ طلباً لموقف ضد المفكر الراحل.

اقرأ أيضاً: إيران.. ومقامرات الملالي
اتفق أغلب علماء الشيعة على انحراف فكر شريعتي، وبلغ ببعضهم الأمر إلى عدم جواز بيع وشراء كتبه، وهناك ما يزيد عن ثلاث عشرة فتوى ضده أجاب خلالها علماء الشيعة عن الموقف من شريعتي وكتبه وتداولها.
فكتب شريعتي لا تتطابق مع أصول المذهب والدين الإسلامي المقدس وفقاً لفتوى السيد كاظم مرعشي، وتعد من كتب الضلال التي ذكر حكمها في الكتب الفقهية، ويجب الامتناع عن حفظها وبيعها وشرائها وفقاً لفتوى الشيخ تقي الطباطبائي القمي، وتتطابق تلك الفتاوى تقريباً وتجمع على ضلال علي شريعتي وانحرافه الفكري، كما تتشكك في انتسابه إلى المذهب الشيعي وتؤكد انتماءه إلى التيار الماركسي.
بين شريعتي والخميني
خطب عالم دين شيعي على المنبر في مدينة مشهد الإيرانية، وأخذ يكيل الاتهامات ويشتم  شريعتي، ومن بين تلك الاتهامات أنّه يقلد روح الله الخميني زعيم الثورة الإيرانية ومرشدها الأول. لاحقاً وعندما علم شريعتي قال: "انظروا إلى حماقة ما يُسمّى بالخطيب، إنه بدل أن يذمني أثنى عليّ بأحسن الثناء، ولو أنّي منحت أحداً مليون توماناً (عملة إيران) جزاء أن يُصرّح على الأشهاد، بأنّ شريعتي يقلد الخميني، لما فعل ذلك...، إنّه فخر لي واعتزاز أن أكون مقلداً له، وكيف يمكنني أن أتخذ غيره مرجعاً لي؟".

كان الخميني يخشى من هجوم شريعتي على علماء الدين الشيعة حيث يرى أنّ ذلك يقوض دور الدين في المجتمع

على النقيض وقاصداً علي شريعتي اعتبر الخميني أنّ هناك تجمعاً في إيران قد بدأ بالعمل في النشاطات المخالفة للإسلام ...؛ لأجل تضعيف الإسلام ومذهب التشيع المقدس والمقام العظيم للعلماء، لم يشر الخميني إلى شريعتي بالاسم ربما اتساقاً مع السؤال المطروح الذي كان عن حملات مسيئة إلى الدين الإسلامي يقوم بها شيوعيون، ولكن يعتبر كثيرون أنّ تلك الفتوى تتعلق بشريعتي تحديداً وإن لم يذكره مباشرة.
كما أكد بعض العلماء الشيعة أنّ الخميني تجاهل وفاة شريعتي حين راسله بعض أتباع شريعتي بعد وفاته مباشرة، طالبهم الخميني بالاهتمام بنشاطهم السياسي ووصف رحيله بالموت وليس الاستشهاد.
كان الخميني يخشى من هجوم شريعتي الدائم على علماء الدين الشيعة؛ حيث يرى أنّه بهذا يقوض دور الدين في المجتمع حاضراً ومستقبلاً، ربما يوضح الموقفان الفارق الشاسع بين المثقف على شريعتي المنفتح على كل التيارات والمذاهب، على عكس الخميني الأكثر تمسكاً بمذهبه والأكثر انغلاقاً ورفضاً للتعددية الفكرية.
الخميني الأكثر تمسكاً بمذهبه والأكثر انغلاقاً ورفضاً للتعددية الفكرية

الملالي يطاردون روح علي شريعتي
في الثامن عشر من حزيران (يونيو) عام 1977 وُجد شريعتي ميتاً في شقته في العاصمة البريطانية لندن، ودُفن في مقام السيدة زينب في الشام، وقد صلى عليه الإمام موسى الصدر أحد كبار رجال الحوزة، وقد سحبت السلطات الإيرانية منه حينها الجنسية جزاء لصلاته على شريعتي.

اقرأ أيضاً: بين مصدّق والخميني.. كيف خان الملالي ثورة الإيرانيين مرتين؟
ويستمر نفور علماء الدين الشيعة من علي شريعتي حتى بعد رحيله؛ فيبرر بعضهم صلاة الإمام موسى الصدر على المفكر الراحل أنّها كانت محاولة من الإمام الصدر لاحتواء خلافات ممكنة بين علماء الحوزة والجامعيين الذي قد يستفيد منه الشاه حين يرفض علماء الحوزة الصلاة على شريعتي، وأنّ الصلاة لم تكن تكريماً واستحقاقاً لمفكر أمضى عمره في النضال ضد استبداد الشاه.
ويطاردون روح زوجته
وفي آخر حلقة من مسلسل اضطهاد علي شريعتي، رفض المسؤولون في طهران في شباط (فبراير) الماضي إقامة مراسم العزاء وصلاة الجنازة على زوجة الراحل علي شريعتي السيدة بوران شريعتي رضوي في حسينية الإرشاد مركز نشاط شريعتي في السبعينيات؛ مما اضطرهم للصلاة عليها في الشارع، ثم دفنها وسط استهجان واستنكار قطاعات من الشعب الإيراني الذي وصف ما يحدث بالعار.
لم ينل شريعتي ما يستحقه من تكريم وثناء باعتباره ملهماً للثورة الإيرانية. رفع الملايين لافتات تحمل صورته بجوار لافتات تحمل صور الخميني، ولكن بمرور الوقت واستتباب الأمر في يد الملالي؛ عاد شريعتي بعد رحيله معارضاً للنظام الحاكم، ورحل شريعتي ولكن بقيت أفكاره ومواقفه وكتبه كابوساً مؤرقاً للاستبداد، سواء كان أوتوقراطياً في عهد الشاه، أو ثيوقراطياً في عهد الملالي.

للمشاركة:

فيلم "غزة"... وثائقي عن بهجات عابرة تحت الحصار

2019-07-16

في الأعوام الأخيرة؛ بات المرء حين سماعه لأسماء بلدان ومناطق ومدن معينة، لا يحضر في ذهنه سوى الوضع الراهن، السياسي والعسكري، الذي وصلت إليه تلك المدينة أو ذاك البلد.
مدن وبلدان عربية، اليوم، بعضها قد دُمّرت بعض مدنها، والبعض الآخر منكوب ومدمّر بأكمله، والحروب ما تزال مشتعلة فيه.

شارك فيلم "غزة" في مهرجان "سندانس" السينمائي الأخير كما عُرض ضمن تظاهرة "أيام بيروت السينمائية"

وفلسطين، أمّ النكبات العربية في العصر الحديث، لا تكاد تتوقف أخبارها "السريعة"، أو "العاجلة"، ويبدو عام 2007 عاماً بعيداً، لكن رغم بعده، يذكّرنا ببداية حصار "غزة"؛ المدينة التي ما عاد المرء يعرف عنها سوى أنّها "سجن كبير مفتوح"، يجري قصفه من قبل الاحتلال الإسرائيلي بين الحين والآخر.
يأتي فيلم "غزة" للمخرجيْن الإيرلندييْن؛ غاري كين، وأندرو ماكونيل، ليروي لنا قصة أخرى عن غزة؛ قصة الحياة اليومية لأهل المدينة، صراعهم مع الاحتلال الإسرائيلي، والحصار المفروض عليهم، يشكّل جزءاً من حكاية غزة المدينة، وليس قصتها الكاملة.

اقرأ أيضاً: ..وقطاع غزة أيضاً يضيق باللاجئين السوريين
يُفتتح الفيلم بمجموعة صبية، أعمارهم تتراوح ما بين 12 و15 عاماً، يسبحون على شاطئ البحر.
فيلم "غزة" هو للمخرجيْن الإيرلندييْن غاري كين وأندرو ماكونيل

بماذا يحلم أحمد؟
أحمد؛ أحد هؤلاء الصبية، وهو ينتمي لعائلة كبيرة، أبوه متزوج من ثلاث نساء، وأنجب منهنّ 12 طفلاً، ويحلم أحمد، ورفاقه، بامتلاك قارب يوماً ما، كما نراه يرافق رجالاً بالغين في رحلة على مركب مخصص للصيد، ليحاول التعلم منهم.

اقرأ أيضاً: حماس في غزة: محصلة 11 عاماً من الهيمنة
كانت واضحة رغبة المخرجيْن في أن يقدّما صورة لأهل غزة من خلال الفيلم، مغايرة تماماً عن الصورة النمطية أو المختزلة، التي تقدمها بعض القنوات والمواقع الإعلامية، المشغولة فقط بربط كلّ ما يتعلق في المدينة بالحدث السياسي فقط، وليس المقصود بعبارة "صورة مغايرة"، القيام بـ "اختراعها"، أو "تجميلها" مثلاً، لكنّها صورة أكثر موضوعية، وتعكس هموم ومشاغل وأحلام الناس الذين يعيشون في المدينة؛ إذ ركّز الفيلم على أن يكون هناك تنوّع في إلقاء الضوء على شخصيات مختلفة عن بعضها، سواء كان الاختلاف طبقياً أم جيلياً.

اقرأ أيضاً: 150 عائلة في غزة تفتقد الشهداء الراحلين: رمضان أقسى الشهور
فبعد أن أضاءت بداية الفيلم على حلم الصبي أحمد، الذي ينتمي لطبقة اجتماعية معدمة، ويعيش في أحد المخيمات الفقيرة، تدخل كاميرا الفيلم أحد بيوت الطبقة المتوسطة العليا في المدينة، لتعرفنا إلى عازفة تشيللو، شابة تدعى " كرمة"، تبلغ من العمر 19 عاماً. تنتمي لعائلة متحررة، لا أحد من عائلتها، ولا هي، يرتدين الحجاب، على عكس المظهر العام للمدينة، التي ترتدي أغلب نسائها الحجاب والخمار، تحلم في السفر للخارج، ومتابعة تعليمها، وأن تختصّ في مجال القانون الدولي.
استراق لحظات من البهجة
انغماس الناس في الحياة اليومية، واستراق لحظات من البهجة، تنسينا ولو للحظات قصيرة، داخل الفيلم، أنّ هذه المدينة تعاني الحصار، ومهددة بالقصف بأيّة لحظة؛ فسائق التاكسي، الذي يتجوّل في المدينة طوال النهار، وينقل العابرين من مكان لآخر، نراه رجلاً غارقاً في همّه، وهو يفكر في عجزه عن سداد ديونه، لكنّه يضحك مع الزبائن الذين يركبون معه في التاكسي ويشاركهم الغناء، وعند ذهابه لأخذ استراحة على شاطئ البحر، وشرب كوب من الشاي، ورغم أنّ تأمّل البحر يشعره بالراحة، لكنّه في نفس الوقت يذكره بالحصار.

اقرأ أيضاً: بالصور.. غزة عقب العدوان.. أمل الحياة يكسر ألم المجزرة
كما يظهر في الفيلم شابٌّ كان يمارس رياضة كرة القدم، وبعد إصابته بثلاث رصاصات، عام 2006، أصيب بشلل نصفي، وبات يمشي على كرسي متحرك، لكنّه اكتشف موهبته في كتابة وتأليف الأغاني، وغناء الراب.
ومغني الراب، الذي يدعى ساري الربايعة، كان قد ظهر عام 2016، مع فرقة "زقاق بروجيكت"، التي تتكون من مجموعة مغنين ومغنيات من غزة، في فيديو كليب أغنية "Today We Sing".
المدينة تعاني الحصار ومهددة بالقصف بأيّة لحظة

معاناة الصيادين مع خفر السواحل الإسرائيلي
وفي العودة للبحر، نرى معاناة الصيادين، مع خفر السواحل الإسرائيلي؛ إذ يسمح للصيادين الغزيين في التقدم في البحر مسافة لا تتجاوز ثلاثة أميال، وفي حال جرى تجاوزها، يطلقون الرصاص عليهم، أو يجري اعتقالهم، ويعدّ هذا الإجراء من ضمن الشروط، غير الإنسانية وغير العادلة، التي يمارسها الاحتلال في فرض حصاره على قطاع غزة؛ إذ نرى صياداً عجوزاً يروي كيف أثّر ذلك في حياته وحياة أبنائه؛ إذ إنّ الاحتلال الإسرائيلي اعتقل أحد أبنائه، وهو متزوج ولديه أطفال مسؤول عن تربيتهم، لنرى الرجل العجوز يحتضن أحفاده، وينتظر اليوم الذي يفرَج فيه عن ابنه.

كانت واضحة رغبة المخرجيْن في أن يقدّما صورة لأهل غزة مغايرة تماماً عن الصورة النمطية أو المختزلة

وبما أنّ المخرج قد أشار في البداية إلى أنّ تصوير الفيلم استمرّ منذ عام 2014 حتى عام 2018، فكان من ضمن الأشياء التي جرى توثيقها في الفيلم؛ الحرب على غزة عام 2014، ومظاهرات العودة الكبرى.
يبدع المخرجان في التقاط مشاهد تعبّر عن آثار الدمار، فاللقطات هنا مأخوذة بعناية، عدسة الكاميرا تمثل عين الفلسطيني، ابتداءً من اللقطة العابرة لأبنية مدمّرة من داخل غرفة مظلمة، يطلّ علينا مشهد الدمار من إطار نافذة الغرفة، المعلق فوقها من الخارج، علم فلسطين، يحركه الهواء إلى اليسار تارة، وإلى اليمين تارة أخرى، وكلّما تحرك العلم، يخفي الدمار عن العدسة، ومن ثم يعود ليظهر مرة أخرى.
ألعاب نارية أثناء انقطاع الكهرباء
مشهد الأطفال وهم يلعبون بالألعاب النارية في الشوارع، أثناء انقطاع الكهرباء، التي لا يرونها سوى أربع ساعات في اليوم، لتبدو الأضواء التي يحدثونها بألعابهم النارية، وكأنّها تنير مستقبلاً ما وسط هذه العتمة.
كما جعل المخرجان من الصبي أحمد ثيمة للفيلم، فبين كلّ قصة وأخرى يظهر أحمد، وهو يستعد لرحلة صيد للبحر برفقة أحد أصدقاء، أو وهو يحاول تعلم القراءة والكتابة، وكأنّ المخرجان ربطا بين مثابرة أحمد على تحقيق حلمه، ومصير المدينة المجهول.

اقرأ أيضاً: غزة.. بيضة قبان "صفقة القرن" وموقف حماس الصعب
حاول الفيلم أن يلقي الضوء على انشغالات كثيرة يمارسها أفراد المدينة، والصعوبات التي يواجهونها بسبب الحصار؛ كالخياط الذي كان الانقطاع الطويل في الكهرباء سبباً في تعطيله عن الإنتاج، واضطراره لبيع معمل خياطة يملكه من أجل أن يأكل ويشرب.

ورشة لتصميم الأزياء
كما نشاهد سيدة مصممة أزياء جعلت بيتها ورشة لتصميم الأزياء، لم تمنعها ظروف الحصار من التوقف عن التصميم، وإقامة عرض أزياء في منزلها، ودعوة بعض فتيات المدينة ليكونوا عارضات لتصاميمها، التي تمزج فيها بين الثوب الفلسطيني التراثي بتطريزاته المعروفة، وأشكال وتصاميم معاصرة، كما أنّها تحلم في أن تشارك في عروض أزياء في فرنسا.
في المشاهد الختامية للفيلم؛ تظهر لقطة للصبي أحمد، وقد بات شاباً، وهو واقف ضمن شباب كثيرين في مسيرة العودة الكبرى عام 2018.
شارك فيلم "غزة" في مهرجان "سندانس" السينمائي الأخير، كما عُرض مؤخراً ضمن تظاهرة "أيام بيروت السينمائية" في بيروت.

للمشاركة:

حزب الله وإيران.. علاقة عضوية تتجاوز المبايعة الفقهية

2019-07-16

بدا "حزب الله" اللبناني، في تقرير مجلس الاستخبارات الأمريكية (التقييم الأمني السنوي حول قائمة التهديدات الإرهابية داخل وخارج الولايات المتحدة)، الذي يقدَّم عادة للكونغرس في جلسة خاصة، كذراع إيران وأنّه وكيلها المفضّل في المواجهة المتصاعدة ومحاولات زعزعة الاستقرار داخل الإقليم.
المشروع الإقليمي الإيراني
الباحث الأردني في العلاقات الدولية، علي حسن باكير، استعرض في ورقته البحثية "حزب الله والمشروع الإقليمي الإيراني: العلاقة والدور" المنشورة ضمن التقرير الإستراتيجي الرابع الصادر عن مجلة "البيان"، كيف أنّ الحزب هو أداة إيرانية تساعدها في إنجاح مشروعها الإقليمي، مؤكّداً كيف ساهمت إيران في ولادة "حزب الله"، الذي نشأ في ظلّ الحروب العنيفة التي شهدتها لبنان إبان الحرب الأهلية؛ حيث تكفّلت بدعمه مالياً، وهذا كان العامل الأول في اجتذاب المقاتلين إلى صفوفه، ثم اهتمت به وصنعت سيرته؛ للاستفادة منها فيما بعد في خدمة مشروعها لتصدير مفاهيم الثورة الإيرانية، بكافة مضامينها، للدول العربية، واستخدام ما يسمى "القوة الناعمة"، أو "البرستيج"، للترويج للحزب على نطاق الوطن العربي، كخطوة أولى، وكون الحزب لبنانياً سهّل ذلك مهمّته في اختراق الشعوب.

اقرأ أيضاً: لماذا لم تنجح "لبننة" حزب الله؟

 الحزب هو أداة إيرانية تساعدها في إنجاح مشروعها الإقليمي
يقول باكير: عندمــا يتــم الحديث عن مســألة مبايعة "حزب الله"، يظنّ البعض أنّ تلــك المبايعة تلزمه في الأمــور الفقهية دون السياســية، وأنّها لا تشكّل تبعية على الإطلاق، وهذه مغالطات إســتراتيجية عــن قصد، أو جهــل، بالتغطية على الصــورة الحقيقية للحــزب وتبعيّتــه لإيــران، والتــي لا ينكرهــا حتــى قادة الحزب أنفسهم؛ ففي البيان التأسيســي له، والــذي جاء بعنوان "مــن نحن؟ وما هي هويتنا؟"، في ١٦ شباط (فبراير) ١٩٨٥: "إننا نلتزم بأوامر نواة دولة الإسلام المركزية، قيادة واحدة حكيمة عادلة، تتمثل بالولي الفقيه الجامع الخميني".

هامش التحرّك الخارجي لحزب الله محكوم بما يقرره الولي الفقيه

هذا ما يؤكده نائــب الأميــن العــام لحزب اللــه، نعيــم قاســم، في كتابه "حزب اللــه، المنهج، التجربة، المستقبل"، عندما يتعرض لعلاقة "المسلم" بالولي الفقيه: "يحتــاج المسلم المكلف في القســم الأول (أي قسم العبادات والمعاملات) إلى مرجع تقليد لمعرفة الأحــكام الشرعية وضوابطهــا، وفــي القسـم الثاني، القسـم العــام المرتبــط بالأمة ومصالحهــا، وحربها وســلمها، وتوجهاتهــا العامــة، إلــى قائد هــو الولي الفقيه لتحديد السياســات العامة في حياة الأمة، ودور المكلفيــن العملي في تنفيذ أحكام الشــرع المقدّس، والســهر علــى تطبيقهــا في حيــاة الأمة، وقــد تجتمع المرجعية والولاية في شــخص واحــد، كما حصل بالنســبة إلى الإمام الخمينــي مع انتصار الثــورة، وللإمام الخامنئي بعد اختياره للولاية، وهــذا الارتباط بالولاية، تكليــف والتــزام يشــمل جميــع المكلفين، حتــى عندما يعــودون إلــى مرجع آخــر فــي التقليد؛ لأنّ الإمــرة فــي المســيرة الإســلامية العامــة للولــي الفقيه المتصدي".

اقرأ أيضاً: كيف يواجه حزب الله أزمته المالية؟
وهنا بدأت تُطرح الأسئلة حول "إذا كان هناك فرد أو جماعة مسلمة تعيش في بلد غير إسلامي، هل تلتزم بنظــام ولاية الفقيه؟ وهــل تجب عليهــم إطاعــة الأوامر الحكوميــة للفقيه المذكــور أم لا؟ وماذا لو أمرهم بمواجهات حربية مسلحة في اليمن أو العراق أو أي بلد أوروبي هل سينفذون أم لا؟".

في هذا الإطار، يوضح مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي محمد تقي مصباح يزدي؛ أنّ "ســلطة الولي الفقيه هي كليـة، لا فــرق بيــن السياســي والديني لمن بايعه، ومثال حزب الله اللبناني، الإدارة والمتابعة ومواكبــة التفاصيل والجزئيــات، تكــون هذه الأمور من مســؤولية القيــادة المنتخبــة من كــوادر الحزب، بحســب النظام الداخلي، أما هامش التحرك الخارجي فهو للولي الفقيه".

اقرأ أيضاً: حزب الله الحجاز... محاولات إيران لاختراق السعودية
وهو ما يقرّ به الباحث الإيراني د. مسعود أسد الله، في كتابه "الإسلاميون في مجتمع تعددي" (ص 321) بقوله: "بما أنّ حاكمية الخميني كولي فقيه لا تنحصر بأرض أو حدود معينة، فإنّ أيّة حدود مصطنعة وغير طبيعية تمنع عمل هذه الولاية، تعدّ غير شرعية؛ لذا فإنّ حزب الله في لبنان يعمل كفرع من فروع حزب الله الواسعة الانتشار".
أداة للترويع
إنّ هامش وسيناريو التحرّك الخارجي لحزب الله، كما يؤكد الحزب وطهران، محكوم بما يقرره الولي الفقيه، وذلك لتحقيق مجموعة من الأهداف أبرزها تصدير مفهوم الثورة الإيرانية، استخدامه كقوة ناعمة، المساومة في أيّة ترتيبات إقليمية مقبلة، وذلك باللجوء إلى وسائل متنوعة أهمها:
1- الاغتيالات
فالسياسة الإيرانية، القائمة على تكوين الميليشيات المسلّحة التي تُنفذ مهام طائفية بامتياز، استخدمت حزب الله بشكل رئيس في الاغتيالات، فنجده -على سبيل المثال لا الحصر- نفّذ عمليات القتل والاختطاف بذرائع طائفية وسياسية، ومنها؛ قتله عبد الرحمن غاسيمولو، الذي كان يترأّس الحزب الديمقراطي الكردستاني، في فيينا العام 1989، كذلك قيامه بعملية اغتيال 4 أكراد العام 1992، واغتياله لبعض السياح في قبرص العام 2012.

الناطق باسم حزب الله: لا نقول إننا جزء من إيران نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران

يقول د. نبيل الحيدري، في تقرير نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: "عام 1985 جرت محاولة لاغتيال أمير الكويت الراحل، الشيخ جابر الأحمد الصباح، بتفجير سيارة مفخخة، وتمكّنت السلطات الكويتية من إلقاء القبض على 17 متهماً، بينهم لبناني عضو في حزب الله، يتّخذ اسماً حركياً (إلياس صعب)، وهو اسم غير حقيقي، وحاول حزب الله إطلاق سراح هؤلاء الـ17 ، من السجن عن طريق خطف الطائرة الكويتية الجابرية من قبل عماد مغنية، مقابل تحرير رهائن الطائرة وتركها، وعندما رفضت الكويت هذه المقايضة، بدأ مغنية بقتل الرهائن، فقتل منهم اثنين، قبل أن يتوجه إلى الجزائر، حيث فاوضته السلطات الجزائرية، وأقنعته بإطلاق الرهائن، ثمّ تحرير الطائرة، مقابل تهريبه وإعادته إلى طهران التي انطلق منها لتنفيذ جريمته".

اقرأ أيضاً: واشنطن تحاول محاصرة حزب الله

نفّذ عمليات القتل والاختطاف بذرائع طائفية وسياسية
ولم تسلم البحرين من اغتيالات "حزب الله"، فقد سعى الحزب إلى زعزعة استقرار المنامة؛ ففي شباط (فبراير) 2011، أحبط الأمن البحريني شحنة من الذخائر والمتفجرات والأسلحة قبالة السواحل البحرينية، وهو التاريخ الذي شهدت فيه البحرين اضطرابات أمنية خطيرة، وضبطت المنامة خلية إرهابية تبيّن أنّها مرتبطة بالحزب.

اقرأ أيضاً: حزب الله "السوري".. صناعة الوكلاء المحليين لإيران
وفي الثالث عشر من آب (أغسطس) من العام 2015 كشفت السلطات الكويتية "خلية العبدلي"، المرتبطة بالحزب، بعدما ضبطت قوى الأمن مخزناً للأسلحة والمتفجرات في مزرعة بمنطقة العبدلي الحدودية، ودلّت التحقيقات على أسلحة ومعدات وأجهزة اتصال في 3 مواقع أخرى بينها مخبأ محصن بالإسمنت المسلح، تحت بيت أحد المتهمين، وقدّرت وزارة الداخلية -في بيان وقتها- كمية الأسلحة بعشرين طناً تقريباً.
2-  التمويل
الحزب تستخدمه إيران في تجارة الماس، التي يقودها فرع غرب إفريقيا، وقد نقلت وكالات أنباء أمريكية وعالمية؛ أنّ 90% من اللبنانيين في هذه المنطقة مسلمون شيعة، يسيطرون على 70% من اقتصادها الصناعي، وأوضحت أنّ هؤلاء يعملون في مجال تملّك الأراضي والمناجم الغنية بالمعادن الثمينة؛ كالماس، والنفط، وغيرها.

اقرأ أيضاً: حزب الله ورقة إيرانية تفقد جدواها الإقليمية
وصنّفت الولايات المتحدة الأمريكية القياديين في حزب الله: قاسم تاج الدين وعبد المنعم قبيسي، ضمن قائمة الإرهاب؛ فالأول رجل أعمال يحمل الجنسية السيراليونية، وتبرع بعشرات الملايين من الدولارات للحزب، وتعاون مع أشقائه في إدارة شركات تابعة له في عدة دول غرب إفريقيا، واعتُقل في بلجيكا، عام 2008، بتهم الاحتيال وتبييض الأموال وتهريب الماس، بينما قام الثاني بجمع تبرعات كـ "ممثل شخصي" للأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، في كوت ديفوار، واستخدم سلطته لتجنيد أعضاء جدد في الحزب بهذا البلد.

الحزب تستخدمه إيران في تجارة الماس التي يقودها فرع غرب إفريقيا
وفي أمريكا اللاتينية؛ لم يكن حزب الله بعيداً عن استغلالها لمصالحه، سياسياً واقتصادياً، منذ ما يقرب من عقدين، حسبما ذكره معهد واشنطن بدراسات الشرق الأدنى؛ ففي العام 1994 أعلن المدعي العام في الأرجنتين، ألبرتو نيسمان، إصدار مذكرة توقيف دولية لـ "صامويل سلمان الرضا"، الكولومبي من أصل لبناني، الذي يشتبه بأنّه ناشط في حزب الله، وكان يعيش سابقاً في بوينس آيريس، بتهمة الاشتراك في تفجير مقرات الجمعيات الخيرية اليهودية، التي أودت بحياة 85 شخصاً، وجرح نحو 300.

اقرأ أيضاً: هل يُمهّد "حزب الله" لانقلاب كبير؟
في أيلول (سبتمبر) 2013، صرّح وكيل وزارة الخزانة الأمريكية للاستخبارات المالية والإرهابية، ديفيد كوهين: أنّ "غرب إفريقيا أكثر أهمية لحزب الله من إيران، التي تشكّل الراعي الأول له، فما يحصلون عليه من طهران تقلص بفعل العقوبات، وضعفت قدرتها على تمويله، وهناك ما يشير إلى أنّ الحزب لا يجمع المال فقط في غرب إفريقيا، وإنما يستخدم هذه المناطق أيضاً للتخطيط والقيام بنشاطات".
3-  تجارة المخدرات لتمويل الحروب
وينشط حزب الله في تجارة المخدرات بأمريكا اللاتينية، فوفق ما نشرته "فرانس 24"؛ فإنّه في آب (أغسطس) 2014؛ اعترف ابن رئيس سورينام، دينو باوتيرس، البالغ من العمر 41 عاماً، خلال محاكمته في نيويورك بدعم حزب الله عبر تهريب أسلحة وكوكايين، وجاء ذلك عقب قضائه 8 أعوام في السجن في بلاده، بعد إدانته عام 2005، بتهمة قيادة عصابة مهربي كوكايين وأسلحة، وأُطلق سراحه بعد 3 أعوام لحسن سلوكه، وانتخب والده رئيساً للبلاد، العام 2010، ثمّ عيّنه مديراً لعمليات مكافحة الإرهاب، وكان باوتيرس الأب قد قاد انقلابات عسكرية متتالية أعوام: 1980، و1987، ثم 1990، و1991.

وبحلول أوائل العام 2015، كشفت تحقيقات إدارة مكافحة المخدرات في عمليات تهريب المخدرات وغسل الأموال لحزب الله بعض جهود الحزب في شراء الأسلحة.

أمريكا اللاتينية لم تكن بعيدة عن استغلالها من حزب الله لمصالحه سياسياً واقتصادياً منذ قرابة عقدين

وذكر تقرير لمجلة "دير شبيغل" الألمانية، العام 2016؛ أنّ تحقيقات شرطة مدينة إيسن كشفت عملية غسيل أموال محتملة لصالح حزب الله اللبناني، وأنّ التوقعات تشير إلى غسل أموال بعشرات ملايين اليوروهات من تجارة المخدرات.
وتابعت المجلة؛ أنّ هذه المجموعة كانت تجمع نحو مليون يورو أسبوعياً، وتشتري بهذا المبلغ سلعاً فاخرة، كالسيارات أو الساعات أو الحليّ، وإنّ عائدات نشاط هذه المجموعة كان يتم توجيهها إلى عصابة مخدرات من أمريكا الجنوبية، وتتوقع الشرطة الأوروبية (يوروبول) ووزارة المالية الأمريكية أنّ أرباح هذا النشاط كان يجري استخدامها في تمويل حزب الله.
ووفق تقرير نشرته صحيفة "إنفوباي" الأرجنتينية؛ فإنّ واحدة من المصادر الرئيسة لتمويل حزب الله، هي الجماعات المسلحة التي تعمل في المنطقة، والتي منها القوات المسلحة الثورية الكولومبية، وعصابتَي سينالو ولوس زيتاس المكسيكيَّين.
 ميليشيات الحوثي في اليمن

4-   تدريب الميليشيات البديلة
وتستخدم إيران حزب الله في تدريبات ميليشيات بديلة صنعتها بنفس مقاس الحزب مثل؛ الحشد الشعبي في العراق، أو ميليشيات الحوثي في اليمن، التي تتلقى تدريباتها في الصومال، أو التنظيمات الإرهابية بالبحرين.
يقول الباحث المختص بالشأن الإيراني، علي رجب: "هناك فيديو على موقع اليوتيوب أظهر كيف عثر الجيش اليمني في مواقع لميليشيات الحوثي على تسجيلات مطوّلة، كشفت وجود مدرّب لبناني من حزب الله يخضع أفراد الحوثي لدورات تدريبية، والمدرب ينادونه بـ "أبو صالح"، مضيفاً في حديثه لـ "حفريات": "بدا الرجل من حديثه معهم أنّ خبرته طويلة في أعمال العصابات، وانتشر نحو عشرة من عناصر الحوثي في حضرة المدرب اللبناني، في خيمة صغيرة، وكان خير دليل على استخدام هذا الحزب في أعمال إيران المخربة".

اقرأ أيضاً: هذا ما دفع بريطانيا لحظر حزب الله.. قضية أُخفيت منذ 2015!!
كانت مشاركة فصائل مكوّنة للحزب في الحرب الدائرة في سوريا خير مثال على استخدامه من قبل إيران، بل وتوسعت نشاطاته عقب هذه الحرب فشملت تدريب العناصر الإرهابية بالبحرين واليمن والعراق.
إنّ حزب الله يكلف إيران كثيراً من الجهد والمال، غير أنّه ذراعها الذي استفادت منه الكثير، فهي من جهة تمكنت عن طريقه من تدريب ميليشيات وتمويل أخرى، ودعم طهران في مشروعها الفارسي، كما عبّر عن ذلك الناطق باسم الحزب إبراهيم الأمين: "نحن لا نقول إننا جزء من إيران؛ نحن إيران في لبنان، ولبنان في إيران".

للمشاركة:



ما قصّة الصاروخ القطري الذي ضبط بحوزة النازيين الجدد؟ (فيديو)

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

ضبطت الشرطة الإيطالية أسلحة متنوعة بيد جماعات يمينية متطرفة، يطلق عليهم "النازيون الجدد"، وأوقفت ثلاثة أشخاص، بينهم مرشّح سابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية تمّ ضبط صاروخ جو-جو يستخدمه الجيش القطري"، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

فرانس برس: الشرطة الإيطالية تضبط أسلحة متنوعة بيد النازيين الجدد منها صاروخ يستخدمه الجيش القطري

وأوقفت ثلاثة أشخاص، من بينهم شخص يبلغ 50 عاماً، يدعى فابيو ديل بيرغيولو، كان قد ترشّح في السابق لعضوية مجلس الشيوخ عن حزب "فورزا نوفا" الفاشي؛ إذ عُثر في منزله على مجموعة كبيرة من الأسلحة، إضافة إلى مواد دعائية للنازيين الجدد، وتذكارات لهتلر، وفق ما جاء في بيان نشر أمس.

وقالت الشرطة: إنّه "خلال العملية، تمّ ضبط صاروخ جو-جو صالح للاستخدام، وبحالة ممتازة يستخدمه الجيش القطري"، في إشارة إلى صاروخ "ماترا"، الذي يزن 245 كيلوغراماً.

وهذا الصاروخ، الذي يبلغ طوله 3,54 متر، مصنوع في فرنسا، وكان صاحبه، ديل بيرغيولو، يأمل في بيعه مقابل 470 ألف يورو، وفق تقارير وسائل إعلام إيطالية.

وقادت الرسائل التي اعترضتها الشرطة إلى التحري حول ديل بيرغيولو، الذي أرسل صوراً للصاروخ المعروض للبيع، عبر تطبيق واتساب.

وتمّت مداهمة منزله بعد وضعه تحت المراقبة؛ حيث عثر على مجموعة من الأسلحة؛ بينها مدفع رشاش من طراز "سكوربيون"، و306 من قطع السلاح، و20 حربة، وأصدر حزب "فورزا نوفا" بياناً، أمس، نأى فيه بنفسه عن ديل بيرغوليو.

وشملت الاعتقالات الأخرى سويسرياً (42 عاماً)، وإيطالياً (51 عاماً)، متّهمين بحيازة وتسويق الصاروخ الذي عثرت عليه الشرطة في مستودع بالقرب من مطار ريفاناتزانو تيرمي الصغير في مقاطعة بافيا.

وفي الوقت الذي لم يصدر فيه أيّ شيء عن وزير الداخلية اليميني المتطرف، ماتيو سالفيني، بعد المداهمة، حث الحزب الديمقراطي المعارض من يسار الوسط الحكومة الشعبوية في البلاد على بذل المزيد من الجهد للتعامل مع المتطرفين اليمينيين.

 

 

 

 

للمشاركة:

لهذه الأسباب شنت البحرين هجوماً على قناة "الجزيرة"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال وزير خارجية البحرين: إنّ برنامج "ما خفي أعظم" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية، أول من أمس، هو حلقة جديدة من "التآمر على المملكة".

وقال الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة: "برنامج "ما خفي أعظم"، الذي بثته قناة "الجزيرة" مساء أمس، وما حمله من أكاذيب واضحة، ومغالطات فجّة، ما هو إلا حلقة جديدة من سلسلة تآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة بأسرها".

وزير خارجية البحرين: "الجزيرة" تبثّ حلقة جديدة من سلسلة التآمر ضدّ مملكة البحرين وضدّ أمن واستقرار المنطقة

وأشار وزير الخارجية البحريني؛ إلى أنّ "الشبكة القطرية تشكّل الخطر الأكبر على دول مجلس التعاون الخليجي، وأنّها تحاول ضرب وحدة صفّه، وزرع الفتنة بين دوله"، وفق ما نقلت شبكة "سي إن إن".

وشدّد الشيخ خالد بن أحمد على "ضرورة أن تعمل دول مجلس التعاون على مواجهة تلك الممارسات والأعمال العدائية لهذه الدولة وتصرفاتها غير المسؤولة، واتخاذ كافة الإجراءات الحازمة التي تضمن ردعها، وإلزامها بالتجاوب وبكل شفافية مع المطالب العادلة للدول المقاطعة لها، وتنفيذ ما وقعت عليه من اتفاقات، ليستمرّ مجلس التعاون، ويحافظ على منجزاته، ويحقّق المزيد من التنمية والازدهار، والتقدم لصالح دوله وشعوبه".

وكان مصدر مسؤول في وزارة شؤون الإعلام البحرينية قد صرّح، في وقت سابق أمس، بأنّ أسلوب البرنامج الذي بثته "الجزيرة": "يحض على الكراهية، ويحرّض على الفرقة وشقّ الصفّ الوطني"، وفق ما ذكرته وكالة أنباء البحرين الرسمية.

وزارة الإعلام البحرينية: أسلوب البرنامج الذي بثته الجزيرة إرهابي يحثّ على الكراهية ويحرّض على الفرقة

من جهتها، قالت قوة دفاع البحرين اليوم: إنّ "ما بثّته قناة "الجزيرة" القطرية، عبر برنامج "ما خفي أعظم"، معلومات مغلوطة تستهدف إثارة الفتنة".

وأضاف المتحدث؛ أنّ المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج "مغلوطة وهي تزوير للحقيقة والواقع".

وأشار إلى أنّ "كتيبة الأمن الداخلي التي عمل من ضمنها المذكور، عام 2011، كانت قوات مساندة لوزارة الداخلية لتأمين مستشفى السلمانية، ولم تكلَّف بأية مهامّ في عملية دخول الدوار".

وتابع: "وبالتالي؛ فإنّ كافة الادعاءات الكاذبة التي ساقها المذكور في البرنامج، بما فيها تعداد الكتيبة ووضع أسلحة وتصويرها من قبل وزارة الداخلية في الدوار، معلومات لا تمتّ للواقع والحقيقة بأيّة صلة".

وأوضح أنّه "عام 2018 تمّ رصد ياسر عذبي الجلاهمة من خلال الأجهزة الأمنية في قوة دفاع البحرين بقيامه بتجنيد خلايا تجسسية عنقودية لصالح دولة أجنبية".

قوة دفاع البحرين: المعلومات التي أدلى بها ياسر عذبي الجلاهمة في البرنامج مغلوطة وتزوير للحقيقة والواقع

ومضى قائلاً: "اشترك مع متهمين آخرين، من خلال السعي والتخابر، في ارتكاب جناية إفشاء أسرار الدفاع عن البلاد، وتسليم هذه المعلومات للأجهزة استخبارات دول أخرى، بقصد ارتكاب عمل ضار بمصلحة مملكة البحرين والإضرار بمركز البلاد الحربي".

ولفت، وفق المصدر نفسه، إلى أنّه "صدر غيابياً بحقّ ياسر عذبي الجلاهمة حكم بالإعدام، وتنزيل رتبته إلى جندي، وطرده من قوة الدفاع، وعدم التحلي بأيّ وسام أو نوط، وشطب اسمه من قائمة أعضاء القوة الاحتياطية، حيث ما يزال المذكور مطلوباً للعدالة."

كما أنّ الجلاهمة صدر بحقه، عام 2013، حكم بالسجن لمدة 10 أعوام؛ وذلك لعدم تلبية الدعوة للقوة الاحتياطية، بعد أن فرّ إلى قطر، وتجنّس بجنسيتها، دون موافقة الجهات المختصة في قوة دفاع البحرين، وقد صدرت بحقه مذكرة قبض من خلال الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، لملاحقته قضائياً، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء البحرينية.

 وكانت "الجزيرة" قد بثّت برنامج "ما خفي أعظم"، أول من أمس، وتضمّن اتهامات للبحرين بالتعامل مع عناصر تنظيم القاعدة من أجل القيام بعمليات اغتيال وتخريب.

 

 

 

للمشاركة:

تونس: الموت لا ينهي معاناة المهاجرين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

لم تنته معاناة المهاجرين المجهولين، الذين غرق مركبهم قبالة سواحل تونس قبل نحو أسبوعين، رغم وفاتهم؛ حيث رفضت السلطات المحلية ببعض مدن الجنوب التونسي دفن جثثهم، في مقابر التونسيين، أو تخصيص مقابر خاصة بهم، ما أثار جدلاً واسعاً في البلاد، واتهامات بسوء معاملة الذات البشرية.

بلديات تونسية ترفض دفن المهاجرين الذين غرق مركبهم قبل نحو أسبوعين

ورفضت بعض البلديات دفنهم، في المقابر التابعة لها، على غرار بلديتي قابس ودخيلة توجان، التابعتين لمحافظة قابس، وفق ما نقلت وكالات أنباء تونسية.

وردّاً على الجدل؛ أكّدت بلدية دخيلة توجان، على صفحتها في موقع فيسبوك؛ أنّه "بعد التشاور مع مجموعة من المواطنين والمجتمع المدني تبين اختلاف وجهات النظر حول دفن مجموعة من الغرقى في مقبرة دخيلة توجان، وتجنباً للاختلاف، رفضت البلدية دفنهم في مقابرها".

وأرجعت مصادر محلية وناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، السبب إلى كونهم "غير مسلمين".

وفي هذا السياق، رأى المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛ أنّ ما وقع أثناء انتشال الجثث ونقلها نحو مستشفى قابس، ومن ثم البحث عن أماكن للدفن "مخجل من حيث التعامل مع الذات البشرية بعد الموت"، موضحاً أنّه "تمّ نقل كثير من الجثث في شاحنات معدة أساساً لنقل الفضلات، إضافة إلى محاولات عدد من البلديات التخلي عن مسؤولياتها الإنسانية والأخلاقية في إيجاد مكان لائق للدفن".

المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يؤكّد أنّه تمّ نقل الموتى في شاحنات نقل الفضلات

وأضاف المنتدى: "بقدر ما نرحبّ بأخذ عينات من الحمض النووي للجثث، وحفظها، لتمكين عائلاتهم في مرحلة لاحقة من التعرّف إلى جثث أبنائها، فإننا نعبّر عن سخطنا مما قامت به بلدية جرجيس، من دفن جماعي في حفرة واحدة لجثث المهاجرين"، داعياً السلطات إلى تحمّل مسؤولياتها في إيجاد مقابر لجثث المهاجرين، بما يحفظ الكرامة بعد الموت، ويعطي أملاً لعائلاتهم في التعرف إلى جثث أبنائها، وإعادة دفنهم.

وانتشلت يوم السبت الماضي، آخر جثة لركاب المركب الغارق قبالة سواحل مدينة جرجيس التونسية، من قبل وحدات الحرس البحري والحماية المدنية ومتطوعي الهلال الأحمر التونسي، ليبلغ العدد الإجمالي للجثث التي تم انتشالها 82 جثماناً، من بين 86 مهاجراً غادروا ليبيا في اتجاه السواحل الإيطالية، وتم إنقاذ 4 منهم، قبل أن يتوفَّى أحدهم بمستشفى جرجيس، وتمّ إيواء الثلاثة الآخرين في أحد مراكز المهاجرين.

 

للمشاركة:



حركة النهضة: حرب مواقع بين الجماعة والحزب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

مختار الدبابي

لم يمض على النشاط العلني لحركة النهضة أكثر من ثماني سنوات حتى طالتها تغيرات نوعية، وهو أمر كان متوقعا، فالإسلاميون تقويهم المظلومية والمطاردة الأمنية، لكن العلنية تربكهم، وها هي الآن تقودهم إلى انقسامات وحرب مواقع تخرج ولأول مرة إلى العلن.

والسبب أنهم وجدوا أنفسهم حزبا يصارع على السلطة، ويقاتل أفراده ليحصلوا على مواقع متقدمة في البرلمان ومؤسسات الدولة، تمكنهم من استعادة الوجاهة والنفوذ. انتهى الحزب الرباني الذي يصدع الرؤوس بشعار الإسلام هو الحل، وتطبيق الشريعة، وإشاعة القيم الإسلامية في المجتمع، إلى حزب مدني يصارع داخله لأجل السلطة.

وإذا كانت الجماعة قد نجحت في تطويق عاصفة المؤتمر العاشر بسبب التطورات السياسية التي كانت تضع حركة النهضة على صفيح ساخن بعد موجة الاغتيالات، فإن الخلافات في زمن السلم والدعة والمقار الفخمة لم تستطع أن تخنقها لا باسم الدين ولا باسم الإخوة، وخرجت إلى العلن تصريحات قوية لقيادات مهمة ونوعية مثل عبداللطيف المكي الذي يوصف بأنه قائد تيار المعارضة لرئيس الحركة راشد الغنوشي، وكذلك عبدالحميد الجلاصي، وهو أحد مهندسي عودة النهضة إلى النشاط السري في السنوات الأخيرة لنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأيضا سمير ديلو، الوزير السابق في الترويكا، الذي قال إنه يشعر بالاختناق ويفكر جديا في الاعتزال.

وقصة هذه الثورة العاصفة أن الحركة أجرت انتخابات داخلية لتصعيد مرشحيها في الانتخابات التشريعية بشكل ديمقراطي وحر، لكن جاء المكتب التنفيذي، أي ذراع الغنوشي الذي اختاره بنفسه بعد أن تحدى رغبة مجلس الشورى في أن يتم تصعيده بالانتخاب، وهدد بالاستقالة في حادثة مشهورة، ورمى بنتائج الانتخابات عرض الحائط وأعاد تشكيلها، ووضع رؤساء قوائم تتماشى مع توجه الغنوشي في الانفتاح على كفاءات من خارج التنظيم، وخاصة من الكفاءات النسوية والحرص على أن يكنّ غير محجبات.

وبعد أن صعد الجلاصي والمكي في مواقع متقدمة بقوائم الحركة بتونس العاصمة، جاء التنفيذي وأرسل الأول إلى محافظة نابل، والثاني إلى محافظة الكاف ليترأسا قوائم هناك، في تحد لإرادة الناخبين بالعاصمة والكاف ونابل، وهو ما رفضه الجلاصي والمكي معلنين أنهما لن يترشحا للانتخابات، والأمر نفسه لأسماء أخرى غير معروفة إعلاميا تم انتخابها ثم جاء التنفيذي وأزاحها تماما مثل النائبة الحالية عن سيدي بوزيد حياة عمري، وهي شخصية ذات وزن في محافظتها خاصة بسبب درجتها العلمية وإشعاعها الخارجي في المؤتمرات ذات الاختصاص.

وأيا كانت التفاصيل وردود الفعل الغاضبة، فإن أهم ما يمكن استنتاجه أن الحركة التي باتت بمثابة الغول في المشهد السياسي، ويكافح الجميع لاسترضائها والتحالف معها، ستتحول بالتدريج إلى حزب شبيه بنداء تونس، وستخرج عنه استقالات قد تكون في البداية محتشمة ويلجأ أصحابها إلى التكتم، لكن الأمر بدأ يخرج عن السيطرة خاصة بسبب الحضور الطاغي للإسلاميين على مواقع التواصل، حيث تشتعل التسريبات والردود وأنباء الاستقالات.

وما يجري كان متوقعا، لأن حركة النهضة منذ بدايتها تكونت كتنظيم براغماتي يراوح بين هويات مختلفة ومتناقضة، محلية زيتونية، وخارجية إخوانية، وسرعان ما يتم التبرؤ من تلك الهويات مع أول ضغط.

والمعركة الحالية ستكون فاصلة، فهي معركة بين المتمسكين بالجماعة، وبين الغنوشي الذي يحفر بعمق وبسرعة لتقويض الهوية القديمة، والتخلص من رموزها بأشكال مختلفة، مثل إحالة “أمراء” سابقين للحركة كالصادق شورو والحبيب اللوز إلى الدعوي، وقد وضعهم بشكل فعلي في الثلاجة، ولم يعد لهم ظهور إعلامي أو حركي فما بالك بالتأثير، ما يفتح الطريق أمام سيطرة تامة للرجل الأول الذي قرر أخيرا الترشح للبرلمان، ولا يعرف إن كانت مناورة داخلية أم أن الرجل يريد أن يخرج إلى الأضواء بشكل أكبر، إذ قد يحصل على رئاسة البرلمان في سياق توافقات مستقبلية مع حزب الشاهد، أو مجموعة أحزاب أخرى.

وما يلاحظ بشكل جلي أن ماكنة الغنوشي تريد أن تتخلص من الوجوه القديمة، وأن تجلب وجوها بلا ماض ولا سوابق، وقادرة على اختراق المجتمع والتموقع في المسؤوليات دون شكوك حولها، ولذلك تقول تسريبات إن رهان رئيس حركة النهضة منصب بدرجة أولى على ضم شخصيات عامة إلى قوائم الحركة، بينها رياضيون وفنانون، وتكنوقراط من أبناء شخصيات ذات وزن كرجال الأعمال ورؤساء الجمعيات الرياضية، مثل مرشحة النهضة لقيادة بلدية باردو في قلب العاصمة، وهي ابنة رئيس جمعية رياضية ذات شعبية في المنطقة، ما سهل لمرشحة النهضة الفوز وفتح أمامها الطريق لرئاسة البلدية، تماما مثل سابقتها التي كانت عضوا في اللجنة المركزية للتجمع المنحل ثم التحقت بالنهضة.

ولا يخفي مقربون من “النهضة الجديدة”، التي يركبها الغنوشي، تأكيدهم أن استعادة خطاب المظلومية والتغني بالماضي لم يعودا يقنعان أحدا في الشارع التونسي، الذي يحتاج إلى اختراق عبر استقطاب عناصر اجتماعية ناجحة وتقريبها من الحركة ثم ترشيحها ودعمها بقوة للفوز، ما يسمح بكسب جمهور جديد مغاير للجمهور القديم الذي فات وقته، وبدأت رموزه تلوح بانتفاضة علنية في وجه “الشيخ” الغنوشي.

يراهن رئيس حركة النهضة على أن موجة الاحتجاج ستنتهي حين يغلق ملف النقاش حول المرشحين، وتصبح القائمات أمرا واقعا، ومثلما حصل بعد المؤتمر العاشر، فإن الضجة مرت سريعا، ثم تحولت إلى نقاشات لتبرئة الذمة على مواقع التواصل، إلى أن سكتت تماما.

لكن هل ستنتهي انتفاضة الديمقراطية الداخلية إلى القبول بالمربع الأول، مربع الشورى الذي يستمع فيه إلى “الكوادر” من باب النصيحة والمقترح ويأخذ ما يريد، أما العامة (المنخرطون والأعضاء والقيادات المحلية والوسطى) فتكفيهم الديمقراطية الشكلية يرشّحون ويترشحون ويتنافسون، ليأتي الشيخ ويعيد تشكيل القوائم حسب حساباته وعلاقاته وتعهداته لرجال أعمال ونافذين بوضع أبنائهم على قوائم النهضة، مقابل دعم معنوي داخل الدولة العميقة لتقبل بالحركة التي ما تزال صورتها مثيرة للريبة والتوجس برغم كل التنازلات.

أعتقد أن انتفاضة القوائم الانتخابية لن يخرج منها الغنوشي قويا مثلما دأب على ذلك في السابق، هذه المرة الصدمة كانت أقوى لأنه سلب خيار المنتخبين واستهان بالديمقراطية المحلية التي يتغنى بها النهضاويون ويزايدون بها، خاصة أن المعركة لا تتعلق بخلاف تكتيكي مرحلي، بل بانقلاب على الجماعة وأخلاقها وتقاليدها، والانتقال إلى الحزب المدني الذي يقايض ويبيع لأجل تحقيق الاختراق والإقناع بأن النهضة بلا ماض ولا ارتباطات ولا لون.

فهل يرضخ جمهور النهضة للعبة، وهل ينجح الغنوشي في إقناع أوساط الدولة العميقة بأنه تغير شخصيا وفي طريقه لبناء “نهضة” جديدة تكون تحت الطلب لإرضاء رجال الأعمال المحليين والشخصيات النافذة، وخاصة إرسال رسائل للغرب أن النهضة تتغير ومستعدة لتنازلات أكبر، المهم القبول بها.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

العراق.. "عاصوف" الصحوة الدينية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-17

رشيد الخيّون

عرضت فضائية (إم. بي. سي)، مسلسل «العاصوف»، بجزئين، الأول ما يخص الحياة قُبيل الصَّحوة الدِّينية بالمملكة العربية السعودية، والثّاني ما يخص زمن «الصَّحوة الدِّينية»، التي محت العلاقات الاجتماعية الطَّبيعية النَّامية آنذاك، لتحولها إلى تشدد أخذ يطغى على أجواء المدرسة والشَّارع، عبر الوعد بنظام ديني والوعيد بعذاب الآخرة.
كان الممثل ناصر القصبي، يُفكر منذ فترة بمثل هذا العمل، الذي يُسجل لتلك الحقبة، حتى سنح الظَّرف بتحقيق عمله، ولشدة أثر الصَّحوة سمَّي العمل بـ«العاصوف»، ومعناه الرِّيح الشَّديدة. فكانت الأفكار الصَّحوية تعصف في العقول، «عاصوف» شمل المنطقة ككلِّ، اعتمد على حوادث كبرى في(1979): الثَّورة الإيرانية التي بثت الرُّوح في الإسلام السِّياسي صاحب الصَّحوة، وحادثة جهيمان العتيبي(أعدم 1980)، بتلفيق مهدي منتظر تمت مبايعته داخل الحرم، ثم ختمت تلك السَّنة بالحرب الدِّينية الأفغانية، التي منها تفرعت الجماعات المتطرفة شرقاً وغرباً.
كان شيوخ وشباب الصَّحوة يُحددون نوع الملابس، ويفرضون ما يُسمع في الكاسيت والرَّاديو وما يُشاهد في التلفزيون، والثّقل الأكبر وقع على المرأة. مَن يُشاهد المسلسل المذكور بجزئيه خلال رمضان(2018) و(2019)، يدرك شدة انفلات القوى الدِّينية على المجتمع. كانت الظَّروف لا تسمح بالمجابهة، ومَن واجهه الصَّحوة عرض نفسه للمخاطر، فالزَّمن زمنهم، وهذا ما عبر عنه المتصدي ضدهم آنذاك غازي القُصيبي(ت2010) في بيت أسمعه لأحد أزلامها: «يا أَيُّها الرَجُلُ المُرخي عِمامَتَهُ/هَذا زَمانُكَ إِنّي قَد مَضى زَمَني»(البيت لجرير)، وهو أبلغ تعبير عن المرحلة واحتكارها مِن قِبل الصَّحويين.
كان الوضع بالمنطقة، يسير لصالح ثقافة الإسلام السِّياسي، فحدث تغيير كبير على أفكار وممارسات النَّاس. أخذت الثّقة تنعدم داخل الأسر، والعلاقات بين الأخوات والإخوان تُحدد بالفتاوى والوصايا. هذا ما بدأ يدب بالعراق من أواسط السبعينيات، حتى توج بالحملة الإيمانية في السنوات الأولى مِن عَقد التسعينيات، فحصل «الصَّحويون» عبرها على شرعيتهم، وأخذ رموزهم يشتمون الفلسفة والفلاسفة ورجال التَّنوير علانية مِن على المنابر، ويفتون بجواز الغش في الامتحانات المدرسية غير الدينية، ويهاجمون غير المحجبات مِن النِّساء، بعد أن بدأ «الإخوان» ومعممو الدَّعوة بالإفتاء لحجاب طالبات الجامعة، كأبرز مظهر مِن مظاهر الصَّحوة.
بدأت الصحوة الدينية داخل العراق، بنشاط «الإخوان المسلمين» (تأسسوا بالأربعينيات) و«الدعوة الإسلامية» (تأسست1959)، في الجامعات والمدارس والمحلات العامة، بشكل سري حينها، فما أن يُكسب «إخواني» أو دعوي مِن داخل الأُسرة إلا ويضع شروطه على أسرته، معتبراً التدين المعتاد جاهلية، على هدي سيد قطب (أعدم1966)، الذي تثقف بكتبه الشِّيعة والسُّنة مِن الأحزاب الدِّينية. مع الإلحاح في فرض الحِجاب على الزَّوجات والأخوات وبنات العم، وزواجهنَّ مِن «صحويين»، إلى منع جهاز التلفزيون في الدَّار، كذلك لا يُسمع في السيارة غير المواعظ وأدبيات عاشوراء.
أخذ النَّاس يضطربون في علاقاتهم، حتى أخذ التدين «الصَّحوي» يغرس الكراهية عبر الطَّعام والمعاشرة، مثل القول بـ«نجاسة» الإنسان، وعدم الترحيب بغير المسلم، والنَّظر إلى بناء الكنيسة بأنه ضد الإسلام. أخذ النَّاس يلتفتون إلى التمييز طائفياً بينهم البين. ظهر في بدايات الصَّحوة التعامل بالبنك الإسلامي، فشاع كتاب «البنك اللاربوي»، الذي مجرد تغيير في أسماء الفائدة لتصبح حلالاً، على اعتبار أن البنوك الرَّسمية ربوية.
أخذت تطغى الأسماء والكُنى الدِّينية على الآباء والمواليد. تحولت الأعراس، بين أُسر القوى الدِّينية، إلى جلسات صامتة، لا فرق فيها بين تقاليد العرس والمآتم. جاء التفكير بالمواكب الحُسينية الجامعية، كدعوة مظهرها تنقية طقوس عاشوراء، وباطنها أجواء لممارسة العمل الحزبي. كذلك نشطت الزيارات المشتركة إلى الأضرحة، خارج المعتاد، والسَّفرات الدينية، على شكل معسكرات، مع إعفاء اللحُى للشباب والحِجاب للشابات. كانت السُّلطة السَّابقة توجت تلك الصَّحوة بحملتها الإيمانية، وأما اللاحقة فجعلتها رسمية، وصار للفساد في ظلها ألف وجه.
كانت القوى الدِّينية تضغط اجتماعياً، ويُكلف كلّ منتمٍ القيام بدوره في أسرته، وبين أصدقائه، والبداية بالدَّعوة إلى التَّدين، ثم التوجه إلى الكسب الحزبي. انتقاد كلّ شيء اجتماعي ليس على أسلوبهم. أخذ المجتمع يُصبغ بصبغة العسكرة الدِّينية، كنوع الحِجاب الواحد، غير الحجاب التقليدي مثل العباءة العراقية المعروفة، والتَّركيز على عبارة التَّحية، ومنها يميزون بين المتدين وغير المتدين.
أما أهم ما وصلت القوى الدِّينية بصحوتها، فهو رخص الحياة، «في سبيل الله والدِّين»، والحقيقة كانت في سبيل الجماعة، بعد إغراء الشَّباب بنيل «الشَّهادة». كم مِن ضحية صحوتهم وضحية النِّظام سمي بـ«الشَّهيد السّعيد»!
للجواهري(ت1997)، ما يُغني عن التصريح بالأماني، في الخلاص مِن عبث هذه الصَّحوة على الدِّين والوطن: «لنا فِيك يا نشء العراق رغائبُ/ أيسعفُ فيها دهرُنا أم يمانعُ»(الثورة العراقية). غير أن النشء الذي نخاطبه تبدأ معه ثقافة الصَّحوة أو تشويه العقل مِن الطُّفولة، فأي رغائب لنَّا فيه؟!
أقول مَن مِن الفنانين سيُبادر إلى عمل لـ«عاصوف» عراقي، فإذا كانت الصَّحوة التي كشف عنها «عاصوف» الفنان السعودي القصبي بدأت بالزَّوال، إلا أن «عاصوف» الصَّحوة الدِّينية ببلاد الرافدين، جنوباً وشمالاً، مازال يهب بشدة، بقوة شرسة لديها المال والسلاح والسلطة أيضاً، يصعبُ ترقيع فتوقها في الثَّقافة الدِّينية والدُّنيوية، وكل جماعة تنفث سمومها، عبر فضائيات وصحف وأمكنة عبادة!

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

هل ترتكب الصين إبادة ثقافية بحق المسلمين في شينغيانغ؟

2019-07-16

ترجمة: علي نوار


تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم، وتمنع الحديث بلغتهم أو ممارسة شعائر دينهم في إقليم شينغيانغ غربي البلاد، حسبما كشف تحقيق جديد. وبينما يجري احتجاز مئات البالغين بمخيمات ضخمة، تُبنى أيضاً معسكرات هائلة للأطفال.

الباحث الألماني: أعتقد أنّ الفصل الممنهج بين الآباء والأطفال دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية

وفقاً لما ورد في وثائق حكومية وعشرات المقابلات مع عائلات تعيش في الخارج، توصّلت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أدلّة دامغة حول ما يجرى بحق الأطفال في الإقليم الصيني.

وتشير السجلّات إلى أنّه وفي مدينة واحدة فقط، فقد 400 طفل آباءهم وانتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون. كما تجري السلطات تقييماً رسمياً كي يتسنّى لها تحديد ما إذا كان الأطفال بحاجة إلى "رعاية مركزية". وإضافة إلى جهود تغيير هوية البالغين في شينغيانغ، توجد مؤشرات على حملة موازية لإبعاد الأطفال وبشكل ممنهج عن جذورهم.

تعمد الصين إلى الفصل بين الأطفال المسلمين وعائلاتهم

"سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"

تؤدّي الرقابة والسيطرة المُحكمة من جانب الصين في شينغيانغ؛ حيث تخصّص السلطات أشخاصاً لمرافقة الصحفيين على مدار اليوم، إلى جعل مهمة الحصول على شهادات الأهالي شبه مستحيلة هناك، لكن يمكن فعل ذلك في تركيا.
في إحدى القاعات الفسيحة بمدينة إسطنبول التركية، يصطفّ عشرات الصينيين كي يرووا حكاياتهم، وقد جلب الكثيرون برفقتهم صوراً لأطفالهم الذين اختفوا في شينغيانغ.
تقول إحدى الأمّهات بينما تشهر صورة يظهر فيها من يفترض أن يكنّ طفلاتها الثلاث "لا أعرف من يرعاهنّ، ليس لدي أي تواصل معهنّ". وتقترب امرأة أخرى تحاول بلا جدوى كفكفة دموعها التي لا تتوقّف عن الانهمار، قائلة "سمعت أنّهم أودعوهم أحد ملاجئ الأطفال"، مشيرة إلى صورة يبدو فيها ثلاثة أطفال وطفلة هم أبناؤها القصّر.

اقرأ أيضاً: مسلمو الإيغور: الصين تفصل الأطفال المسلمين عن عائلاتهم
وعلى مدار 60 مقابلة، كشف آباء ملتاعون عن تفاصيل اختفاء ما يزيد عن 100 من أطفالهم في شينغيانغ.
ينحدر هؤلاء الأشخاص جميعاً من عرق الإيغور، وهي أكبر عرقية تدين بالإسلام في إقليم شينغيانغ ولها صلات منذ القدم بتركيا بسبب عاملي؛ اللغة والديانة.
ارتحل الآلاف إلى تركيا بغرض الدراسة وزيارة الأقارب أو حتى الفرار من الرقابة الصارمة على معدّل المواليد في الصين وتصاعد القمع الديني، بيد أنّهم باتوا عالقين منذ أعوام على خلفية بدء احتجاز الصين لمئات الآلاف من الإيغور، وأشخاص من أقليات أخرى داخل مخيمات ضخمة.

اقرأ أيضاً: تقرير: الصين تسعى لطمس هوية الإيغور

وتزعم السلطات الصينية أنّ الإيغور يتلقّون التأهيل داخل "مراكز للتدريب المهني" بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف. إلّا أنّ الأدلة تكشف أنّ الكثيرين تعرّضوا للاعتقال فقط بسبب التعبير عن هويّتهم الدينية -عن طريق الصلاة أو ارتداء غطاء الرأس- أو حتى وجود صلات خارجية بشكل أعمق من اللازم مع دول مثل تركيا.

 

 

العودة مستحيلة

بالنسبة للإيغور، تعني مسألة العودة الاعتقال الحتمي. انقطع التواصل الهاتفي: فقد أصبحت مهاتفة الأقارب في الخارج عملية محفوفة بقدر جمّ من المخاطر هذه الأيام بالنسبة لمن يعيشون في شينغيانغ.

بعد اعتقال زوجته في شينغيانغ، يعرب أحد الآباء عن تخوّفه من انتقال ابنه البالغ من العمر ثمانية أعوام ليكون تحت تصرّف الدولة الصينية. ويضيف الأب: "أعتقد أنّهم اقتيدوا إلى أحد مخيمات تعليم الأطفال".

ويسلّط تقرير حديث لـ "بي بي سي" الضوء على ما يحدث مع هؤلاء الأطفال وآلاف آخرين.

جرى تعمّد إخفاء بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت

يعد الباحث الألماني، أدريان زينس، أحد المعروفين في مجاله، وقد عكف على معرفة إلى أي مدى وصلت مسألة مخيمات الاعتقال الجماعية للبالغين في شينغيانغ. وتكشف تقارير زينس، المستندة إلى وثائق رسمية متاحة للعامة، عن مدى التوسّع غير المسبوق في بناء هذا النوع من المدارس في الإقليم. فقد ازداد حجم هذه النوعية من المنشآت، وبُنيت غرف جديدة، كما ارتفعت الطاقة الاستيعابية لهذه المراكز بصورة كبيرة.
هناك أمر آخر يسترعي الانتباه في هذا الصدد؛ ألا وهو ارتقاء الدولة الصينية بقدراتها على تقديم الرعاية الكاملة طيلة الوقت لعدد كبير من الأطفال، في الوقت الذي تشيّد فيه مراكز احتجاز أيضاً. ويبدو أنّ كل شيء يستهدف على وجه التحديد نفس المجموعات العرقية.
فخلال عام 2017، قفز العدد الإجمالي للأطفال المسُجّلين في رياض الأطفال بنصف مليون في شينغيانغ، ويمثّل الإيغور وأقليات أخرى تعتنق الإسلام ما نسبته 90% من هذه الزيادة، طبقاً للإحصائات الحكومية. وكنتيجة لذلك، تحوّل مستوى التسجيل في مرحلة ما قبل المدرسة بشينغيانغ من أقل نسبة مقارنة بالمتوسّط الوطني ليصبح الأعلى على مستوى الصين وبفارق شاسع.

استثمرت السلطات الصينية ملياراً و200 مليون دولار أمريكي في بناء وإعادة تجهيز رياض الأطفال في الأجزاء الجنوبية من إقليم شينغيانغ، وهي المناطق التي تشهد تركزاً سكانياً كبيراً من الإيغور. ويفترض التحليل الذي وضعه زينس أنّ هذه النقلة الهائلة في البناء تشمل كذلك إضافة مساحات كبيرة على الغرف.

اقرأ أيضاً: ما هي أقلية الإيغور المسلمة التي تحتجز السلطات الصينية مليون شخص منها؟

ويبدو أنّ هذا النشاط في أعقاب التوسّع في بناء المنشآت التعليمية في الإقليم، يأتي اتباعاً لنفس الخطوات فيما يتعلّق باعتقال البالغين بشكل عشوائي، ويؤثّر بالقطع كما هو واضح على كافة الأطفال المنحدرين من الإيغور والعرقيات الأخرى، وبغض النظر عما إذا كان ذووهم محتجزين في مخيمات من عدمه.

وفي نيسان (أبريل) الماضي، أعادت السلطات المحلية توزيع ألفي طفل من القرى المجاورة إلى مخيم آخر للأطفال. وتركّز الدعاية الحكومية على مميزات هذه المراكز بداعي أنّها تسهم في "الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والسلام. وتقوم المدارس بدور أولياء الأمور"، إلّا أنّ زينس يشير إلى سبب آخر مستتر وراء ذلك.

اقرأ أيضاً: كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

ويوضح الخبير الألماني "توفّر المراكز الإطار الأمثل لإعادة تشكيل الأقليات الاجتماعية ثقافية وبصورة مستدامة".

وعلى غرار ما يحدث في مراكز تأهيل أخرى، كشف التقرير أنّ هناك اتجاهاً محدّداً لمنع استخدام لغة الإيغور واللغات المحلية الأخرى في المدارس. وتشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال وحتى المعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية. كل ذلك بالتزامن مع بيان رسمي يؤكّد أنّ جميع المدارس في شينغيانغ باتت تدرّس اللغة الصينية.

انتهى بهم الحال جميعاً بأحد المخيمات أو السجون

الدليل الدامغ

خلال محادثة مع "بي بي سي"، نفى تشو غويشيانغ الموظف في وزارة الدعاية بإقليم شينغيانغ أن تكون لدى الدولة رغبة في التكفّل بهذا العدد الكبير من الأطفال الذين باتوا بلا والدين نتيجة للسياسات الحكومية.

وأوضح غويشيانغ "إذا كان جميع أفراد العائلة قد ذهبوا إلى أحد مراكز التأهيل، فإنّ هذا يعني أنّ الأسرة تعاني مشكلة خطيرة، لكنّني شخصياً لم أر مثل هذه الحالة".

تشمل اللوائح في المدارس عقوبات قاسية بحق الأطفال والمعلّمين حال تحدّثوا داخل المدرسة بلغة أخرى خلافاً للصينية

لكن الجزء الأهم في العمل الذي قام به زينس يكمن في الدليل الذي يقطع الشك باليقين فيما يخص أبناء المقبوض عليهم والذين يرسلون إلى مراكز احتجاز وبأعداد كبيرة.

وهناك بالفعل استمارات مُفصّلة تستخدمها السلطات المحلية لتسجيل موقف الأطفال الذين يقبع ذووهم بأحد مراكز إعادة التأهيل أو السجون، بحيث يتسنّى لها تقييم ما إذا كان الأطفال بحاجة لرعاية من جانبها أم لا.

وقد عثر زينس على وثيقة حكومية تتحدّث بإسهاب عن الإعانات المتاحة "للمجموعات المحتاجة" بما فيها تلك الأسر حيث "يقبع الزوج أو الزوجة بمركز إعادة تأهيل". كما أنّ التعليمات الصادرة عن مدينة كاشغر إلى مكاتب التعليم تنصّ بوضوح على تكليف هذه المكاتب بالتكفّل باحتياجات الطلاب الذين يتواجد آباؤهم بالمخيمات وبشكل عاجل.

اقرأ أيضاً: مسلمو الصين: رموز على الشاشة أرقام في المعسكرات

ويتعيّن على المدارس "تعزيز الدعم النفسي"، بحسب التعليمات، و"دعم الطلاب عن طريق التعليم"، وهي العبارة التي تتكرّر بالمخيمات التي يُحتجز بها أولياء الأمور.

جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"

مشكلة اجتماعية

من المؤكّد أنّ تأثير الفصل الجماعي للأطفال يُنظر له بوصفه مشكلة اجتماعية ذات أبعاد مهمة، وأنّ هناك قدراً من الجهد يُبذل في سبيل التعامل معها، رغم حقيقة أنّ السلطات لا تبدو مهتمة بالكشف عن تفاصيل في هذا الصدد.

اقرأ أيضاً: هل يدفع المسلمون ثمن الصراع الصيني الهندي حول سريلانكا؟

وعلى الأرجح فإنّ بعض الوثائق الحكومية ذات الأهمية جرى تعمّد إخفائها بحيث لا تظهر ضمن نتائج البحث عبر شبكة الإنترنت، عن طريق إدخال مصطلحات غامضة بدلاً من مصطلح "تأهيل مهني". إلا أنّ بعض مخيمات اعتقال الراشدين يوجد في محيطها نقاط تأمين، الأمر الذي يؤّكده مراسلو وسائل الإعلام المحلية.

وتسمح هذه المراكز للأطفال المنحدرين من أقليات بتعلّم "عادات حياة أفضل" وأسس النظافة الشخصية، مقارنة بما كانوا يتعلّمونه في منازلهم، على حد زعم السلطات.

بعض الأطفال بدأوا في مناداة معلماتهم بـ"أمي"

حين حاولت "بي بي سي" التواصل مع عدد من مكاتب التعليم في شينغيانغ للتحقق من السياسة الحكومية في هذه الحالات، امتنعت أغلبها عن الرد. رغم أنّ بعضها عرضت جزءاً يسيراً من التفاصيل حول النظام.

وقد كشفت إحدى المدارس "يقيمون بالحضانات، نمنحهم المنزل والمأكل والملبس، كما أنّ رؤساءنا أمرونا بأن نعتني بهم جيداً".

روضة محاطة بالأسلاك

إحباط واستياء

داخل القاعة في إسطنبول حيث ما يزال أفراد الأسر يقصّون حكاياتهم، يسود شعور باليأس وكذلك الاستياء الشديد. تقول إحدى الأمهات "يتعرّض آلاف الأطفال الأبرياء للفصل عن ذويهم وندلي بشهاداتنا دائماً، لماذا يظل العالم صامتاً إذا كان على دراية بما يحدث؟".

تزعم السلطات الصينية أن الإيغور يتلقّون التأهيل داخل مراكز للتدريب المهني بهدف مكافحة التطرّف الديني العنيف

لقد أظهر التقرير أنّ جميع الأطفال بالمدارس في شينغيانغ يواجهون "إجراءات عزل شديدة"، حيث توجد بالكثير من هذه المدارس أنظمة مراقبة ورصد وأسوار كهربائية بقوة 10 آلاف فولت. وقد حُدّدت هذه الإجراءات مع بداية العام 2017، حين أخذت مخيمات الاحتجاز في الانتشار بوتيرة متسارعة.

ويتساءل زينس عما إن كانت الدولة مستعدة لاحتمالية أن يحاول الآباء الإيغور باسترداد أبنائهم بالقوة.

وعن هذا الأمر يكشف الباحث الألماني "اعتقد أنّ الدليل على حدوث فصل ممنهج بين الآباء والأطفال هو مؤشر واضح على أنّ حكومة شينغيانغ تعمل من أجل تعليم جيل جديد منفصل عن أصوله ومعتقداته الدينية وحتى لغته الأم، أرى أنّ هذا دليل على ما ينبغي أن نطلق عليه إبادة ثقافية".


المصدر: تحقيق للصحفي جون سادورث عن الفصل بين الأطفال والآباء من عرق الإيغور في الصين، نشر بالنسخة الإسبانية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية