ثنائية العقل والنقل.. الدين للحياة أم الحياة للدين؟

1490
عدد القراءات

2018-08-08

سعيد القرش


لن أبدأ بمقولة ابن المقفع في التفرقة بين الدين والرأي، فقد أرهقتنا ثنائيات أنتجتها شرارة الاصطدام بروح العصر وقوانينه، وأغرقتنا في متاهات التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، العلم والدين، العلمانية والإيمان، العقل والنقل. ودائما يلجأ الخائف غير الواثق في عقيدته إلى ما يطمئنه، فيلوذ بمجلدات تعمر بها مكتبات المساجد، حتى في القرى الفقيرة في سبعينات القرن العشرين، كنت تجد في مساجدها مجلدات “فتح الباري شرح صحيح البخاري” لابن حجر، ومجلدات “مجموع الفتاوى” لابن تيمية. وإلى الآن تلتمس الإجابات عن أسئلة وتحديات جديدة باستخراجها من تلك الكتب التي تنتمي إلى عصرها، وتعفي الكسالى من المواجهة الشجاعة لسؤال: هل الدين للحياة أم الحياة للدين؟

لا اختلاف في الإجابة عن السؤل السابق وغيره بين معتدل وسطي ومتشدد تكفيري، وبين هؤلاء وهؤلاء يقدم عبدالفتاح السيسي خطابا سلفيا تؤرقه زيادة أعداد الملحدين، فيتجاهل في مؤتمر الشباب بجامعة القاهرة، السبت 28 يوليو 2018، أسس بناء الدولة بالقانون والعدل وإطلاق الحريات والتعددية الحقيقية وتداول السلطة، وتستهويه القيم الأخلاقية، فيقول إن في بعض ما يعرضه التلفزيون والسينما والمسرح “سلوكيات لا تليق، وبعدين تقولوا إبداع وحرية إبداع”. وبعد أنور السادات القائل “أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة”، لا أظن حاكما في العالم الآن يشغل نفسه بالشأن الدعوي الأخلاقي، اللهم باستثناء البابا حاكم دولة الفاتيكان.

سؤال الدين والحياة أجاب عنه بجسارة الإمام محمد عبده. وقبل قراءة أعماله لم أجد سببا لهذه الجفوة من الأزهر والسلفيين له، وإقصائهم لاجتهاداته، وبعد القراءة عرفت رأيه في الأزهر. وبين الحيرة القديمة ومعرفة السبب طمأنني حس شعبي، تديّن مصري لا يخطئ البوصلة، إيمان فطري تلخصه صورة وحيدة كانت معلقة بعناية في دار خالي الحاج صابر الجبالي. في البداية ظننتها لجدي الذي لا أعرف ملامحه، أو لشيخ للبلد في عصر سابق. وحين استطعت تمييز الحروف، قرأت أسفلها “الأستاذ الإمام محمد عبده”، وقد توفي في يوليو 1905 عن 56 عاما، ولا يزال يستأثر وحده بلقبي “الأستاذ الإمام”، وإذا ذكر أحد اللقبين منفردا من دون اسم فلا يدل اللقب إلا عليه.

من الجهود المشكورة للدكتور محمد عمارة، تحقيق الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده، وتضمها خمسة مجلدات، يعنيني الآن مجلد عنوانه “الإصلاح الفكري، والتربوي، والإلهيات”، وهو كاف لإحراج أرباب الخطاب الديني التقليدي، ويثبت أن وعي الإمام بالدين والحياة يفوق “اجتهادات” تتناسل من كتب تراثية إلى رسائل “علمية”، وتصدر في كتب لا تختلف عن الأصل التراثي إلا في نوع الورق.

تصادف قبل أيام أن أعطتني حفيدة أختي كتاب “تيسير شرح جوهرة التوحيد” للشيخ إبراهيم البيجوري، المقرر عليها في الصف الثالث الثانوي الأزهري، ولم تعد بحاجة إليه؛ لانتهاء العام الدراسي 2018. قالت مقدمة وقعتها “لجنة إعداد وتطوير المناهج بالأزهر الشريف” إن الكتاب يستهدف تقريب موضوعاته (الملائكة والجن والشياطين، وسؤال القبر وعذابه ونعيمه، واليوم الآخر وغيرها)، “بأسلوب مبسط، يتواءم مع الواقع المُعاش (كذا نصا)، رغبة في إعداد جيل جديد قادر على التفكير والابتكار والنقد”. كلام جميل يتناقض مع بعض فصول الكتاب ومنها “المعلوم من الدين بالضرورة”، ويبدأ بهذا البيت:

ومن لمعلومٍ ضرورةَ جحد/ من ديننا يُقتل كفرا ليس حد؟

هذه الإباحة للقتل، يدرسها طلاب تعوزهم القدرة على مقارنة المرويات، وهذا العوز والاختلال العقلي والديني والحضاري لا يستثني أساتذتهم واللجنة التي وضعت الكتاب، فيقول متن هذا الفصل “واعتقاد إباحة محرم معلوم من الدين بالضرورة، يشمل الكبائر والصغائر كالكذب”. وكثيرا ما تساءلت عن الوهم المسمى المعلوم من الدين بالضرورة، ونسفه أولى خطوات فقه جديد يكتفي بما نص عليه القرآن الكريم صراحة بقوله “حرمت عليكم…”، لكي لا نجد مهووسا جهولا يطارد مفطرا في رمضان.

لم أجد “المعلوم من الدين بالضرورة” بين ثمانية أصول وضعها الأستاذ الإمام للإسلام، وأولها “النظر العقلي لتحصيل الإيمان”، ويليه “تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض”، إذ اتفق العلماء “إلا قليلا ممن لا ينظر إليه، على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل”، والأصل الثالث هو “البعد عن التكفير”، وفي أصل عنوانه “قلب السلطة الدينية” يقول “هدم الإسلام بناء تلك السلطة، ومحا أثرها… لم يَدَع الإسلام لأحد بعد الله ورسوله سلطانا على عقيدة أحد، ولا سيطرة على إيمانه”. أما الأصل الثامن للإسلام فهو “الجمع بين مصالح الدنيا والآخرة”، ويبدؤه الإمام بقوله “الحياة في الإسلام مقدمة على الدين”.

يقدم الأستاذ الإمام استعراضا مطولا لجمود المسلمين وأسبابه، ويستشهد بأمرين، أولهما إقدام الشيخ السنوسي (والد السنوسي صاحب الجغبوب) على تأليف كتاب في أصول الفقه، زاد فيه مسائل على أصول المالكية، وقال إنه يفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة، فعلم بذلك أحد علماء من المشايخ المالكية (جاء في الهامش أنه الشيخ محمد عليش)، “فحمل حربة وطلب الشيخ السنوسي ليطعنه بها لأنه خرق حرمة الدين، واتبع سبيلا غير سبيل المؤمنين… الذي خلص السنوسي من الطعنة.. وارتكاب الجريمة باسم الشريعة، هو مفارقة السنوسي للقاهرة قبل أن يلاقيه الأستاذ المالكي”. أما الأمر الثاني ففيه يتساءل الإمام عن “المقالات الطويلة الأذيال، الواسعة الأردان، في استهجان إدخال علم تقويم البلدان (الجغرافيا) بين العلوم التي يتلقاها طلبة الأزهر”. وكان الأستاذ الإمام هو من دعا إلى إدخال الجغرافيا ضمن علوم الأزهر، “وهو من توجهت نحوه الألسنة والأقلام بالاتهامات” كما سجل عمارة في هامش الكتاب.

الجمود يكون شاملا، فيصيب اللغة، ويرى الشيخ محمد عبده أنه أصاب الشريعة الإسلامية التي كانت “سمحة تسع العالم بأسره، وهي اليوم تضيق عن أهلها”، كما أصاب العقيدة، وسببه “رداءة التقليد، والجمود عند حد ما قال الأول بدون بحث في دليله ولا تحقيق في معرفة حاله، وإهمال العقل في العقائد على خلاف ما يدعو إليه الكتاب المبين والسنة الطاهرة”. وقال إنه شرع في إصلاح الأزهر، “فحيل بيني وبينه”، وإنه اقترح على شيخ الأزهر محمد الإنبابي تدريس مقدمة ابن خلدون في الأزهر، فقال له: إن العادة لم تجر بذلك.

سيجد قارئ هذا المجلد، في صفحة 192، رأيا في الأزهر للأستاذ الإمام، صادما وصادقا وصريحا وفاقدا للأمل، ولا أجرؤ على نقله؛ فقد يعرض صحيفة «العرب» لما هي في غنى عنه. ولكنني أستطيع أن أنقل من مذكراته بيتا من قصيدة رواها قبيل وفاته لمحمد رشيد رضا: ولكن دينا قد أردت صلاحه/ أحاذر أن تقضي عليه العمائم.

كما أستطيع الآن أن أثبت قول ابن المقفع “الدين تسليم بالإيمان، والرأي تسليم بالاختلاف، فمن جعل الدين رأيا فقد جعله خِلافا، ومن جعل الرأي دينا فقد جعله شريعة”، والله أعلم.


عن "العرب" اللندنية"

اقرأ المزيد...

الوسوم: