العيد في موريتانيا: الملابس إذ تزاحم الأضاحي والأطفال هم الرابحون

28028
عدد القراءات

2018-08-22

يتجوّل الشباب محمد ولد الطالب عند أطراف سوق المواشي بالعاصمة نواكشوط، لعرض أسعار مواشيه على المارة بمناسبة عيد الأضحى المبارك، لكنّ عروضه التي يصفها بـ"المغرية" لا تلاقي تفاعلاً كبيراً من قبل المواطنين، بسبب ما يصفونه بــ "غلاء الأضحية"، مفضلين التوجه على أسواق الملابس لاقتنائها بدل الأضحية.
ويتحول، في العادة، سوق المواشي في موريتانيا خلال عيد الأضحى إلى وجهة للمواطنين الراغبين في اغتناء "الأضاحي"، لكنه خلال العام الحالي تأثر بشكل كبير بالركود الناتج عن ارتفاع أسعار المواشي قبيل العيد لعدة أسباب عدة.
ركود منقطع النظير
يقول محمد ولد الطالب (تاجر مواشي)، إنّ سوق المواشي بالعاصمة نواكشوط يشهد ركوداً منقطع النظير، بسبب ارتفاع أسعار المواشي، معتبراً أنّ "الإقبال على السوق قبيل عيد الأضحى الحالي ضعيف جداً، بالمقارنة مع الأعياد الماضية لتأثر المواطنين بغلاء الأسعار بشكل عام".

الإقبال على اقتناء ملابس العيد ملحوظ
ويضيف ولد الطالب لــ "حفريات"، أنّ المواشي في السوق تتوفر بالعدد المطلوب أو تزيد، "لكنّ ضعف الشراء يعكر صفو التجار الذين بذلوا جهوداً مضنية في جلب المواشي من المدن الداخلية والبوادي قبيل العيد"، مشدداً على أنّ توقعاتهم ببيع نسبة كبيرة منها باءت بالفشل، في ظل عزوف غير مسبوق للسكان عن شراء الأضحية، التي يحرص كل بيت موريتاني على ذبحها يوم عيد الأضحى المبارك، حيث يتساوى في ذلك الغني والفقير، "الجميع يشتري الأضاحي، كعادة، وتقليد، وتمسك بالشرع أيضاً من قبيل الموريتانيين".

أكد عدد من رواد سوق الملابس بموريتانيا لـ "حفريات" بأنّ الإقبال على شراء الملابس مرتفع قبيل عيد الأضحى

بدوره، قال محمد ولد عالي (رب لأسرة)، إنه توجه إلى سوق المواشي للإطلاع على أسعار "الأضحية"، وأنه فوجئ بـ"الارتفاع الجنوني للأسعار"، ما جعله يقرر عدم شراء شاة، وتوجه نحو سوق الملابس لتأمين ملابس العيد لأفراد أسرته.
واعتبر ولد عالي، أنّ تجار المواشي رفعوا أسعار الأضحية قبيل العيد، وأنّ الغالبية الكبيرة من الموريتانيين لن يكون باستطاعتهم شراء الأضاحي للعيد الحالي، مشيراً إلى أنّ "غلاء المعيشة أنهك السكان، وجعلهم غير قادرين على زيادة التكاليف اليومية التي تزداد صعوبة خلال مواسم الأعياد في موريتانيا".

رواج في سوق الملابس
يشهد السوق المركزي بنواكشوط (كبتال)، حركية كبيرة، ورواجاً ملحوظاً، قبيل عيد الأضحى المبارك، نظراً للإقبال المرتفع من قبل المواطنين على شراء ملابس العيد، وهو أضفى نوعاً من الفرح والسرور على باعة الملابس، حيث كانت التوقعات تشير إلى عكس ذلك، لازدياد غلاء المعيشة والفقر والبطالة بين صفوف السكان.
سوق المواشي بالعاصمة نواكشوط يشهد ركوداً منقطع النظير

ورغم هذه الأوضاع، يؤكد الشيخ ولد مسعود (أحد باعة الملابس)، أنّ الإقبال على اقتناء ملابس العيد ملحوظ بشكل جيد، وأنّ معظم سكان العاصمة نزلوا إلى السوق قبل يومين لتأمين الملابس، "متحدّين المصاعب وأزمة الغلاء التي صاحبتها أزمة جفاف ضربت موريتانيا خلال العام الحالي".

اقرأ أيضاً: الأضحى في غزة: لا مشترين للمواشي ولا شحذ للسكاكين

وأضاف لــ "حفريات"، أنّ "الإقبال على سوق الملابس مقبول بالمقارنة مع الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه البلد"، مشيراً إلى أنّ الزبائن يتوافدون منذ أيام على محله التجاري الواقع داخل سوق الملابس بالعاصمة نواكشوط، كما أنه يلاحظ نفس الإقبال والحركية بالنسبة للمحلات التجارية المحيطة به.
ويرى رواد سوق الملابس في أحاديث مختلفة لـ "حفريات"، أنّ الإقبال على شراء الملابس مرتفع قبيل عيد الأضحى المبارك، رغم الارتفاع النسبي في أسعار الملابس، إلا أنّ أسعارها "تبقى في المتناول" حسب تعبيرهم، مقارنة بأسعار "الأضحية"، التي باتت مرتفعة "بشكل خيالي" في أسواق المواشي بموريتانيا.
العيد بطعم العادات والتقاليد
يتميز عيد الأضحى المبارك، في موريتانيا بعدد من العادات والتقاليد التي لا غنى عنها، ومن أبرزها، صلاة العيد، وذبح الأضحية، وتوزيع لحومها على الفقراء المحتاجين، وإطعام أفراد الأسرة ببقيتها، كما يشتهر العيد في موريتانيا بـ "أمديونة"، وهي عيدية خاصة بالأطفال يقدمها الجميع دون استثناء.

"أمديونة" باتت تعرف لدى الموريتانيين بأنها هدية الأطفال خلال مواسم الأعياد كما أضحت ضريبة مضمونة الدفع

ويرتدي الأطفال في موريتانيا ملابس العيد باكراً، ويبدأون بطلب "أمديونة"، للجميع قبيل صلاة عيد الأضحى بوقت قصير، وفي رحلتهم لطلب "أمديونة"، يطرقون أبواب منازل حيهم لأخذ عيديتهم التي يستجيب الجميع لدفعها، كما يأخذونها من المارة، وكل من يلتقون به خلال يوم العيد.
ويعتبر الباحث الموريتاني، الشيخ ولد عابدين، أنّ أصل كلمة "أمديونة"، يعود للغة "لولف"، (الزنوج الموريتانيين)، وتعني في الأصل التهنئة بالعيد، وقد باتت تستعمل على نطاق واسع لدى الموريتانيين كافة، وتم تغيير مفهوم الكلمة لتعبّر عن العطية، أو هدية في مواسم الأعياد.
ويضيف ولد عابدين لـ "حفريات"، أنّ "أمديونة" باتت تعرف لدى الموريتانيين، بأنها "هدية الأطفال خلال مواسم الأعياد، كما أضحت ضريبة مضمونة للأطفال يدفعها جميع من تطلب منه، سواء كان ذلك في الشارع، أو داخل المنازل، أو حتى في طريق الذهاب أو العودة من وإلى صلاة العيد".
ومن بين العادات والتقاليد التي يحرص عليها الموريتانيون، في مواسم الأعياد التزاور، وصلة الرحم، وتبادل الأدعية المأثورة في يوم العيد، وذلك خلال ساعات المساء، حيث يمتد تاريخ صلة الرحم والزيارات إلى أوقات متأخرة من مساء يوم عيد الأضحى المبارك.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مدرب بساق واحدة يعلّم السباحة لمبتوري الأطراف في غزة

2019-08-20

داخل منتجع الهدى السياحي، غرب مدينة غزة، وفي مشهد أقرب للخيال منه للحقيقة، يجتمع 40 شاباً من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين فقدوا أطرافهم السفلية خلال الاعتداءات الإسرائيلية على سكان قطاع غزة، يتلقون تمارين اللياقة البدينة، استعداداً للنزول إلى بركة السباحة، لممارسة الرياضة التي حرموا من ممارستها قسراً.

الجريح عنان النجار: لم أكن أتخيّل في يومٍ من الأيام أن يكون بمقدوري ممارسة السباحة بقدم واحدة

وقد تعرّض المئات من الفلسطينيين إلى إصابات كثيرة في الأعوام الماضية، خلال الحروب الإسرائيلية ومسيرة العودة، كانت الغالبية العظمى منها في النصف السفلي من الجسد، مما أدّى إلى بتر أطرافهم السفلية، ليحولوا تلك الإصابة إلى نقطة أمل جديدة، ويتحدّوا الإعاقة من خلال ممارسة الرياضة، ومن بينها السباحة.
ويتولى مهمة تدريب مبتوري الأطراف شخص فقد قدمه خلال حادث مروري، عام 1990، قرر أن يدمج تلك الشريحة داخل المجتمع، وإدخال السعادة إلى قلوبهم، لإيصال رسالة دلالية على مدى صمود الفلسطيني، وقدرته على تخطي العقبات رغم الصعاب.
لم يقف الطرف الصناعي الذي حلّ مكان قدمه المبتورة بفعل رصاصة متفجرة، عام 2015، حائلاً بينه وبين حبّه للسباحة، فهو تخطى مصاعب الحياة بقوته وإرادته، وأراد أن يمارس الرياضة التي يحبّها منذ نعومة أظفاره.
مشهد أقرب للخيال منه للحقيقة

السباحة بقدم واحدة
يقول الجريح عنان النجار (25 عاماً)، لـ "حفريات" إنّ "السباحة من أكثر الرياضات التي أحبها، وكنت أتألم عندما أذهب إلى شاطئ البحر، ولا أتمكّن من النزول إلى الماء بفعل الإصابة، فلم أكن أتخيل في يومٍ من الأيام أن يكون بمقدوري ممارسة السباحة بقدم واحدة".

المدرب مجدي التتر: استطاع المتدربون تجاوز الأزمة وأصبح بإمكانهم ممارسة السباحة وكأنهم لم يفقدوا أطرافهم السفلية

ويضيف: "كنتُ من أول المشاركين في الدورة التدريبية، وفرحت فرحاً شديداً عندما تم الإعلان عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه الدورة منحتني الثقة بنفسي، وجعلتني أحقق حلماً طالما انتظرته في الأعوام الماضية، فمنذ إصابتي حاولت عدة مرات النزول إلى الماء، ولكنّي لم أتمكّن من ذلك، نظراً لفقداني قدمي".
ويواصل حديثه: "في الأيام الأولى للتدريب، شعرت بصعوبة بالغة عند النزول إلى الماء، وذلك بسبب انقطاعي الأعوام الماضية عن السباحة، إضافة لأنّني أسبح للمرة الأولى بقدم واحدة، ولكن بفضل توجيهات المدرب، والتمارين المكثفة تمكنت من تخطي تلك العقبة، واستعدت نشاطي الذي فقدته عندما فقدت قدمي، أما الآن فقد شعرت أنني لم أفقد قدمي".
أحد المشاركين: هذه الدورة منحتني الثقة بنفسي

ليسوا أشخاصاً معاقين
ويلفت النجار إلى أنّه استطاع الاندماج بالمجتمع، وتغيير النظرة المجتمعية السائدة التي تعتبر مبتوري الأطراف أشخاصاً معاقين، ويعجزون عن ممارسة الرياضات التي يحبونها، مشيراً إلى أنه كان يعاني كثيراً من نظرات الناس عند نزوله إلى شاطئ البحر.

اقرأ أيضاً: 17 لاعباً من غزة يغيّرون قواعد كرة القدم

ويخبر "حفريات" بأنّه سيستمر في رياضة السباحة، سعياً إلى تطوير مهاراته، ليتمكن من الغوص داخل أعماق البحار، وأن يشارك في مسابقات دولية، ويمثّل فلسطين في المحافل العالمية.
كان الشاب، ضياء أبو سمرة، يجلس على شاطئ بحر مدينة غزة بشكل يومي، متحسراً لعدم قدرته على السباحة، نتيجة فقدانه أحد أطرافه السفلى، بعد إصابته بطلق ناري متفجر أثناء مشاركته في فعاليات مسيرات العودة؛ فهو يهوى السباحة والغوص، وكان يتمنى أن يمارسها في يومٍ من الأيام، فهذا الحلم أصبح حقيقة، بعد التحاقه بالدروة التدريبية الخاصة بتعليم السباحة لمبتوري الأطراف".
هذا الحلم أصبح حقيقة

منافسة أشخاص أصحاء
يقول أبو سمرة لـ "حفريات" كانت دورة السباحة بالنسبة إليّ نقلة نوعية، فقد مكّنتني من تخطي مصاعب الحياة، والتغلب على الإعاقة التي سبّبها لي الاحتلال الإسرائيلي، فأنا اليوم أستعيد نشاطي السابق بقدم واحدة، فالمدرب يمتلك خبرات واسعة في هذا المجال، واستطاع أن ينقل لنا تجربته، فنحن نستطيع منافسة أشخاص أصحاء، والأمر لا يحتاج سوى إلى إرادة وعزيمة قوية".

الكابتن أحمد أبو راس: الاعتماد على الأطراف العلوية من الجسد خلال السباحة يكون بديلاً عن استخدام الأقدام

ويتابع: "كلّ بداية صعبة، وهذا ما واجهنا، خصوصاً أنّنا بقدم واحدة، ولكن مع مرور الوقت أصبح الأمر ممتعاً، وتمكنت وزملائي المصابين، من تحقيق نتائج متقدمة في السباحة؛ حيث تمكّنا من الاعتماد بشكل أساسي على الأجزاء العلوية من الجسد، كبديل عن الأقدام في الدفع والتنقل داخل الماء".
من جانبه، يقول مدرب الفريق، الكابتن مجدي التتر، في تصريح لـ "حفريات": "فكرة تنظيم دورة لتعليم مبتوري الأطراف السباحة، جالت في خاطري أثناء مشاهدتي عدداً من مبتوري الأطراف يمارسون السباحة في عدد من الدول الأجنبية، دون صعوبات، الأمر الذي أوجد لديّ حافزاً، ورغبة للإعلان عن دورة تدريبية تضم ضحايا الاحتلال الإسرائيلي، لتعليمهم السباحة، ورسم صورة مختلفة وجديدة من صور نضال الشعب الفلسطيني".
أبو سمرة لـ "حفريات":  كانت دورة السباحة بالنسبة إليّ نقلة نوعية

وكأنّهم لم يفقدوا أطرافهم
ويضيف التتر: "تدريب أشخاص بقدم واحدة يختلف بشكل كلّي عن تدريب الأشخاص الأصحّاء؛ ذلك لأنّ الاعتماد على ساق واحدة يعرّضها للتعب أثناء ممارسة السباحة، لذلك نتّبع تمارين معينة قبل النزول إلى الماء، كي لا يشعر المتدرّب بالتعب أثناء السباحة، وخلال فترة قصيرة حققنا نتائج رائعة، واستطاع المتدربون تجاوز الأزمة، وأصبح بإمكانهم ممارسة السباحة، وكأنّهم لم يفقدوا أطرافهم السفلية".

اقرأ أيضاً: في غزة: مساجد بملايين الدولارات وفقراء بلا مأوى
ويتابع: "تعليم السباحة لأشخاص مبتوري الأطراف السفلية، يشمل عدة جوانب، منها: تطوير البيئة الجسمية والعضلية لهم، وتقديم الإرشادات والنصائح لتفادي حالات الغرق، والتركيز على الأطراف العلوية أكثر من الأطراف السفلية، نظراً لفقدانهم إحداها، فتلك الدورة كانت فارقاً كبيراً في حياة هؤلاء المتدربين؛ حيث تحدّوا الصعاب، واستطاعوا ممارسة الرياضة التي حرموا من ممارستها".

يتم اتباع تمارين معينة قبل النزول إلى الماء كي لا يشعر المتدرّب بالتعب أثناء السباحة

وأعرب المدرب عن شعوره بفخر كبير أثناء تدريب مبتوري الأطراف على ممارسة رياضة السباحة، والتأقلم مع ظروفهم الصحية؛ لأنّه يسهم في رسم البسمة على شفاههم، ويساعدهم في الخروج من الحالة النفسية التي تعرضوا لها بعد الإصابة، إضافة إلى إعادة دمجهم بالمجتمع، وتغيير النظرة السائدة تجاه مبتوري الأطراف.
التتر حقق نجاحاً في تدريب مبتوري الأطراف؛ لأنّه كان يوماً من الأيام مثلهم لم يستطع السباحة بقدم واحدة، نتيجة فقدانه أحد أطرافه السفلية، واستطاع تعلّم السباحة دون صعوبات، إلى أن أصبح مديراً للمدرسة الفلسطينية لتعليم السباحة، وحاز على عدد من الميداليات الذهبية والفضية، في مسابقات دولية ومحلية.

اقرأ أيضاً: لأول مرة.. فلسطيني من غزة مرشح قوي لعضوية الكونغرس
من جهة أخرى؛ يقول الكابتن أحمد أبو راس، مدرّب سباحة، لـ "حفريات": "تعلم السباحة ليس بالأمر السهل؛ فهي تحتاج إلى قوة بدنية، وعزيمة إصرار على الاستمرار، وممارسة عدد من مبتوري الأطراف السفلية تلك الرياضة، يعدّ أمراً خارقاً للعادة، فليس من السهل ممارسة السباحة بقدم واحدة، كون التركيز يكون على القدمين بشكل أساسي".
ويضيف: "الاعتماد على الأطراف العلوية من الجسد، خلال السباحة، يكون بديلاً عن استخدام الأقدام؛ ولكن هذا يتطلب وجود قوة جسدية، وهؤلاء المتدربون لديهم لياقة بدنية مناسبة، الأمر الذي ساعدهم في السباحة بقدم واحدة"، لافتاً إلى أنّهم سوف يحققون نجاحات كبيرة في المستقبل "في حال الاهتمام بهم، وتوفير سائر المستلزمات التي يحتاجون إليها".

للمشاركة:

ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش

2019-08-20

يمثل "الإسلام السياسي" كمصطلح، الأزمة العميقة التي تصيب الذات حين تهبط من رحمها الطوباوي إلى مواجهة العالم، مما يجعلها مهووسة في تقديس أفكارها الطوباوية، والدفاع عنها أيديولوجياً وفعلياً في العديد من الأحيان.
وسرعان ما تأخذ هذه الذات بالتمدد، حتى تتسع إلى العالم وأفكاره الأخرى، وبغض النظر، سواء اتُخذت تلك الأفكار على أنّها دخيلة، صديقة، عدوة، فإنّها في النهاية تحدث تغييراً، ربما يؤدي في آخر الأمر إلى تحطيم الذات كما كانت تحاول أن تكون.

هبط الإخوان المسلمون من رحم مشروعهم النهضوي المغلف بالمثالية والتاريخية والذاتية إلى بنى الواقع والسلطة والرأسمالية

"الإسلام السياسي" يفصح عن هذه الحالة في تجليها اليوم، حيث يتم التعبير عنه مؤخراً، على أنه بلغ مرحلة النهايات، وهذا طرحٌ وجد منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أنه يطفو من جديد على وجه المنطقة العربية بعد اشتباكاتها الكثيفة مؤخراً على صعد مختلفة اجتماعية وسياسيةٍ وثقافية ودينية، اختزلها "الربيع العربي".
واليوم، أصبحت؛ ما بعد الإسلام السياسي، هي الجملة الأكثر حضوراً، وصارَ التبشير بنهاية الإسلام السياسي كما نعرفهُ حالةً سائدة، غير أنّ السياقات المؤدية إلى هذه النهاية التي يتم التسويق لها، تظل محل اختلاف، فهل يمكن تقصي بعض هذه السياقات، وإلى أين قد تؤدي بالفعل؟

مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا

المثالية التي تحطمت
يعود تاريخ العلاقة بين الفكرة والعالمِ عند جماعة الإخوان المسلمين منذ التأسيس، إلى رؤية فضفاضة أرساها شيخها المؤسس حسن البنا، الذي قال في إحدى رسائله "لسنا حزباً سياسياً، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمرٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها".

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟
هذه الرسالة التي مضى عليها قرنٌ تقريباً، لم يكن ممكناً فهمها في سياقها التاريخي؛ كونها لا توضح أهدافها لا بزمانٍ ولا مكان، ولا تسعى إلى هيكلٍ واضح يمكن لجماعة الإخوان المسلمين اتخاذه سياسياً على الأقل، بحيث يفضي إلى نتائج مأمولة على المدى البعيد. لكن، تم تفسير هذه الرسالة لاحقاً أنها جاءت في سياق مشروعٍ نهضويٍ عربي إسلامي، أهم ما يميزه أنه ضد الاستعمار، وسيقوم بالعمل على إنجاز رؤية إسلاميةٍ في الحكم (رداً على سقوط الخلافة الإسلامية) كما أنه سينتج حملةً اجتماعيةً ثقافيةً من منظورٍ إسلامي، خارج مجال الاستعمار، وخارج المنطق الذي بدأت فيه الدول العربية بالظهور مستقلةً بعد انحسار القوى الاستعمارية، باعتبارها تمثل العروبة في استقلالها، وتخفي وضعاً ما بعد كولونيالي في واقعها الجديد، وتذهب الجماعة في تأسيسها أيضاً، إلى أنها تسعى للعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وكان هذا في صميم أعمالها خلال الثلاثينيات من القرن الماضي.

المشروع المناهض للاستعمار في أساسه كما طرحته جماعة الإخوان ضاع خلال الربيع العربي في متاهات التحول إلى جماعات حاكمة

الإخوان فيما بعد، ورغم كل ما واجهوه وواجههم في حقبة عبد الناصر، حملوا معهم إرثاً لثلاثةِ عقودٍ من الزمن، اتسم بالعمل الاجتماعي الدعوي، الذي سيبقى ويتطور لاحقاً، إذ تصفه الباحثة بيث بارون في كتابها الصادر عام 2014 بعنوان "فضيحة اليتيمة: الإرساليات المسيحية وصعود الإخوان المسلمين" بأنه "جاء نتيجة احتكاكٍ مع الإرساليات الدينية الغربية والأمريكية التي كانت في مصر، وما تقدمه من خدماتٍ دينية واجتماعية، رأى الإخوان أنهم أولى بتقديمها وفق هويتهم الدينية والعربية". وكان هذا تصرفاً لا استعمارياً مرةً أخرى، في سياقه الزمني الذي تحكمه ظروفه. وفي مقالتها المنشورة على موقع "حبر" في 2018 تشير الكاتبة دعاء علي، إلى أنّ ما قدمه الإخوان من خدماتٍ اجتماعية في تلك الفترة، لم يكن محتاجاً إلى أي انتماء أيديولوجي من المستفيدين من تلك الخدمات، ولا عرقي أو طائفي. كان نوعاً من محاولة خلق مزيجٍ اجتماعي مستفيد ومتسق، في حين "لم تكن الدولة قادرةً مثلاً على تقديم ذات الخدمات بذات الجودة".

وفيما بعد، لا بد أنّ هذا المشروع الذي هدف إلى عدة نتائج اجتماعية ‘يجابية، أخذ بالانحراف عن مساره، فلا توضيح لسبل جمع الأموال لقيادات الإخوان المسلمين الذين ظهروا منذ انتهاء حقبة جمال عبد الناصر، ولا أدلة تشجب أيضاً اختلاط العمل الدعوي بالاجتماعي بالسياسي. ألم يصبح تأييد الجماعة جالباً للعديد من المكاسب السياسية والاجتماعية إلى بعض الأفراد في المقابل؟

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟
هذا المشروع الاجتماعي للإخوان، أخذ يتقلب، ويتشعب، ولعل كل الطرق الجانبية التي خاضها الإسلاميون في مصر تحديداً، أملاً منهم في الوصول إلى طريقهم الرئيسية وأهدافهم، تحولت إلى متاهةٍ معقدة. والمثال الأبرز، كان في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وذلك بعد تشكل الإخوان كقوةٍ اجتماعيةٍ في مصر خلال حكم جمال عبد الناصر، رغم ما حاق بهم من قمعٍ في عهده، إلا أنّ هذه الحقبة انتهت بصعود السادات وبدء مرحلةٍ جديدة، واجه فيها السادات معارضةً من مراكز قوى مصرية مختلفة، فقرر حينها "أن يستعين بجماعة الإخوان المسلمين وأن يتصالح معها؛ ليضرب بذلك التيارات اليسارية والقومية التي يستند عليها خصومه داخل مصر، حيث كان الصراع محموماً على السلطة"، وفق مقالٍ مطول نشره موقع "إضاءات" في 2015.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟
وكانت قياداتٌ إخوانية مشهورة، مثل سعيد رمضان الذي كان خارج مصر، وعمر التلمساني من داخل مصر، وغيرهم، "التقوا السادات الذي عرض عليهم العودة للعمل بحريةٍ وعلنيةٍ في مصر بل والتحالف إن أمكن، مقابل مواجهة خصومٍ مشتركين يمثلون (الإلحاد والشيوعية)" وفق المقال ذاته.
الإخوان، خرج  معظمهم من السجون بين عامي 1971 و 1973، وصار السادات فيما بعد، الرجل الذي يحمل لقب "الرئيس المؤمن". ورغم كثرة وتعقيدات التفاصيل، فإنّ المقال يوجز أنّ الإخوان لم يتعلموا من حقبة الملكية في مصر، ولا من حقبة عبد الناصر، فكرروا وقت السادات ذات الخطأ، والمقصود به التحالف مع السلطة بالطبع.

اقرأ أيضاً: كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟
ربما كانت هذه التجربة طوال عقود في مصر، لها شبيهاتها في بعض الدول العربية، لكنها تشير إلى أول خللٍ في الطوباوية المتمثلة في مواجهة الحالة ما بعد الاستعمارية، التي تخيلها الإخوان في لحظة من الزمن في دولٍ مغلوبةٍ على أمرها تتبع الحداثة الغربية، كما تتبع خطاياها وآثارها الاستعمارية بعد الاستقلال، وتواجه تغييرات اجتماعية تمس الدين والهوية الإسلامية العربية عموماً، مما يجعل مشروع النهضة الإخواني في خطر. لكن هذه الفكرة تضعضعت، وبات التفاعل المباشر مع شؤون الدولة والسلطة ومسؤوليها (وفق رؤية السلطة) أمراً قائماً كما في مرحلة السادات، بل إنّ الإخوان أخذوا بالتمدد والتوسع في أوروبا وأمريكا وبعض دول العالم، بذات الأسلوب الذي بدأوه في مصر، وأخذ المسلمون حول العالم يشكلون محوراً أساسياً من محاور اهتمامهم.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
بالتالي، أصبح البحث عن مكانٍ واضح في الحكومة، أو في مجلس النواب أمراً طبيعياً وضرورياً، وتجلى هذا بوضوح في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتوالت مواضع الكر والفر بين مبارك والإخوان، فكانوا تارةً ضيوفاً على السجون، وتارةً أخرى ضيوفاً على البرلمان، وبقيت قوتهم الاجتماعية حاضرة، ومؤسساتهم المتنوعة دينية أم تجارية أم خيرية قائمة عموماً، فصار الإخوان سياسيين، واجتماعيين، وحاولوا بث رؤيتهم في الثقافة والفن حتى. كما عملوا عالمياً بكل ما هو متاح لهم تحت مظلة القوانين في دولٍ كبريطانيا وفرنسا وغيرهما. لقد انخرطوا في العالم الذي غيّرهم، أو بالأحرى، صاروا طبيعيين إن صح التعبير، منخرطين في مشاكل مختلفة وقضايا متشعبة، جعلتهم يهبطون من رحم مشروعهم النهضوي المغلف بالمثالية والتاريخية والذاتية، إلى بنى الواقع والسلطة والرأسماليةِ فيما بعد.

حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ساهمت في صعود مصطلح الإسلام المعتدل

الذات يسرقها العالم
يمكن للحديث عن حركة الإخوان المسلمين أن يطول جداً، ويأخذ الكثير من الأمثلة والوقائع، خصوصاً بعد تجربة "الربيع العربي"، وبعد تجربة الحكم قصيرة الأمد في مصر، والمتقلبة في تونس، والأخرى الخاضعة للظروف السياسية بعد 2010 في المغرب، وقبل كل ذلك في السودان والجزائر.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
لكن، وتمهيداً لهذه المرحلة، يمكن القول إنّ نهاية التسعينيات شهدت رؤية جديدة عالمية، قادتها الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية التي ساهمت في صعود مصطلح الإسلام المعتدل إلى الساحة السياسية الدولية، حيث أصبحت جماعة كالإخوان المسلمين ضمن ما أمكن تعريفه دولياً بجماعة معتدلة مناهضةٍ للعنف والراديكالية. وفي هذه النقطة، يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، إنّ هذا التعريف الدولي لم يكن مرتبطاً تماماً بـ "أيديولوجية الجماعة وأدبياتها وهيكلها وإلخ" بل خضع إلى مصالح دولية.

تبدو الجماعة وقد انتهت كما عرفناها من قبل بعد أن صار ما بعد الإسلام السياسي عنواناً مفروضاً عليها

وربما كان أهم هذه المصالح، يكمن في أن تحديد ما هو معتدل، سوف يسهل في المقابل تعميم ما هو إرهابي وتحديده في أي مكان وزمان وفق مصالح السياسة الدولية. وهذه الفكرة لا يراد منها شيطنة الجماعة، إنما استيضاح ما يشير إليه أبو هنية، الذي يرى أنّ تغير السياسات الدولية تجاه الجماعة فيما بعد، أضعفها، وربما أدى إلى وضعها في قوائم الإرهاب نفسه أحياناً.
هذا التصور، أتى نتيجة للعديد من التحولات؛ فبعد العالمية التي خاضها الإخوان، وهي مرادف آخر لظواهر صعود العولمة، أخذت أفكار التنمية الفردية (خارج إطار الجماعة) وانفتاح سوق المال بالمعايير النيوليبرالية تؤثر في بنيتها بالطبع، وجعل التعامل الدولي أو العالمي معها يخضع لمصالح متبادلة أو غير متبادلة في العديد من الأحيان، أما هي، ووفقاً للباحثة هبة رؤوف عزت في كتابها "الخيال السياسي للإسلاميين"، فكانت لا تزال تطرح علناً سجالاتٍ من نوع "الفروقات بين الشورى والديموقراطية، إضافة للمراجعات التي تتحدث عن مدى إمكانية تقبل الجماعة للعمل الحزبي والتوجه نحو السياسة والسلطة" داخل ما تراه عزت دولة علمانية. وذلك رغم أنّ التنظيم الدولي لجماعة الإخوان يعمل على مستوى العالم وليس على مستوى دوله العربية والإسلامية فقط.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
وبالعودة إلى أبو هنية، صاحب رؤية "نهاية الإسلام السياسي كما نعرفه" فإنّ كل ما عصف في العالم العربي من تغيرات اقتصادية وسياسية لا بد أنه أثر على جماعة الإخوان، كما أنّ السيطرة الدولية ما بعد الكولونيالية جعلت من الجماعة قابلة للعديد من التغيرات على مستوى الأفراد والتوجهات العامة للجماعة ككل.
يقول أبو هنية: "تعاني جماعة الإخوان المسلمين اليوم من أزمة غير مسبوقة، ذاتية وموضوعية، فتبدل الظروف الموضوعية بالتعامل مع الجماعة كطريق نحو التطرف فالإرهاب؛ عمّق من مأزقها الذاتي التاريخي الذي يتمثل بالصراع بين أتباع النزعة المحافظية وأنصار النزعة الإصلاحية كمكونات بنيوية تاريخية مؤسسة لهوية الجماعة".

إذاً؛ تحولت الجماعة إلى صراعٍ منطقيٍ ومشروع بعد كل ما مرت به من ظروف وتحولات، ليتم وضع مشروعها الأساسي جانباً، وبدل التعبير عن مشروع نهضوي إحيائي ومضاد للاستعمار تأسست عليه، أصبح الجدل على القدرة في الاندماج مع الحياة السياسية في الدول والسعي لاعتلاء السلطة، وفهم التعددية، والنقاش داخل الجماعة بين الإصلاحيين والمحافظين، هو السائد.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟
وغير بعيدٍ عن أبو هنية، يرى الكاتب الأردني هشام البستاني أنّ الجماعة لم تنجح في حل مآزقها مع الإسقاطات الـ "ما بعد كولونيالية" التي تم رميها بها، سواء كانت تلك المتعلقة بالاعتدال، ومن ثم التهم المتعلقة بالإرهاب. وفي مقاله المنشور على موقع "حبر" في 2018، يعتقد البستاني أنّ تجربة حكم الإخوان في مصر بالذات، قوضت الكثير مما بنوه في زمنٍ سابق؛ حيث يطرح فكرة أنّ الإخوان خاضوا طريق الديموقراطية التي فرضها عليهم "الربيع العربي"، من أجل الاستبداد بالسلطة لاحقاً، كما إنهم "رفضوا أي تحالفاتٍ جدية مع القوى السياسية والاجتماعية الأخرى في مصر، معتمدين على ثقة في النفس اكتسبوها من نوعٍ من التعايش مع السلطة حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حيث استفاد السادات من التعايش معهم لتمرير لبرلة الاقتصاد المصري مثلاً، كما كانوا مهمين في مواجهة السلطة للتنظيمات اليسارية والقومية".
وبصورةٍ عامة، كانت قبضة الإخوان على السلطة في مصر ضعيفة، بسبب تراكم خلافاتهم مع القوى السياسية المصرية عموماً، ولسعيهم الانفراد في السلطة، من خلال العمل على التحول إلى مجموعةٍ حاكمة، ليس لها رافعة اجتماعية وشعبية كافية أو متفقٌ عليها عموماً.

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟
لم تكن الديموقراطية الطريق الممهدة للوصول إلى السلطة، بل كان التعامل مع المجال العام والسياسة والاقتصاد على أنها مشاريع شراكة وطنية مستقبلية هو الأساس للاستمرار في السلطة.
بدوره، أسهم "الربيع العربي" أيضاً، في تغييرات وتحولات في الجماعة، التي تتجه إلى نهايتها كما أراد أبو هنية وغيره أن يقولوا، والقصد أنّ سياسة القوى العالمية الكبرى، ومشاريع الرأسمالية والسيولة في العلاقات والمفاهيم والتبادل التكنولوجي والثقافي، والثورات منذ 2010، أنهت شكل الإسلام السياسي كما نعرفه. لقد غير العالم في الجماعة أكثر بكثير مما أرادت أن تغير فيه، فهي ليست العدو التقليدي للتقدم مثلاً، وليست حركة رجعية. إنما اكتسبت براغماتية مع الزمن، ربما حولت مشروعها الأساسي إلى حلمٍ آخر من الماضي. أما قاعدتها الاجتماعية العريضة، وعملها على توظيف خدمة المجتمع، فكان من أجل التوسع شعبياً على الأقل، بين الإخوانيين وبين من لا ينتمون مباشرةً للجماعة. يمكن من خلال تجربة الحكم في مصر المذكورة آنفاً، فهم أنّ التحول إلى جماعةٍ حاكمة يعني التخلي عن الكثير من المكونات السياسية والشعبية هذه، حتى من داخل إطار الإخوان ذاتهم؛ لأنّ السلطة الاستبدادية ستؤدي بالضرورة إلى التفكك من أجل صراعٍ مستقبليٍ على السلطة.

 الطموحات الأيديولوجية الكبيرة صغرت
العديد من هياكل الجماعة تفككت، حتى التنظيمية منها أحياناً، كما أنّ الطموحات الأيديولوجية الكبيرة صغرت، إذ صار الطموح مقتصراً ربما، كما يرى أبو هنية عن "أمل عودة نظرية؛ مشمولية الإدماج/ الاعتدال، إذ تراهن الجماعة على استعادة منظورات التعامل مع الجماعة باعتبارها (جدار وقاية) ضد التطرف والعنف".

اقرأ أيضاً: التداعيات الإقليمية لسقوط الإسلام السياسي في السودان
وإذا كانت مشاريع الدول الكبرى (وتدخلاتها) في العالم سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً، أثرت في الجماعة إلى هذا الحد، فتأثرت بمعايير قوتها ومصالحها - تماماً مثلما انحسرت تجربة اليسار في العالم العربي من قبل -  دون أن تنقذ الخلفية الاجتماعية والدينية للإخوان مساعيهم ومشاريعهم الكبرى، إذاً، ماذا بقي في صراعها المزعوم مع الحداثة المفترض أنها ما بعد كولونيالية، والذي عبر عنه راشد الغنوشي ذات مرةٍ بقوله "يوجد صراع بين حداثتين، إسلامية تريد ذاتها، وغربية تفرض ذاتها".
يتراءى أنّ النهايات، ومقولات "الـ ما بعد" فُرضت على الجماعة، وأدت إلى ما سمي (ما بعد الإسلام السياسي، وما بعد الإسلاموية، وإلخ)، ولعل أطروحة الباحث الفرنسي فرانسو بورغا، عن أنّ الإسلام هوية مجتمع، تمثله جماعات كالإخوان يسقط وفق الرؤية آنفة الذكر. فكون الإسلام هوية مجتمعية، أو دين أمة، أو رسالة خيرٍ وسلام وغير ذلك، لا يعني أنّ ممثليه ذاتيون، أو أنهم استطاعوا تخليص ذواتهم من الحداثة التي تفرض ذاتها عليهم، كما قال الغنوشي.

للمشاركة:

لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2019-08-20

لا يبدو أنّ تصريحات قادة حركة "النجباء" العراقية ضد الجيش والحكومة العراقية، أمراً يسترعي الانتباه، ويثير معه دلالات جديدة أو يكشف عن توجهات مختلفة، فالحركة الشيعية، الموالية لإيران، تعمد باستمرار إلى الكشف عن ولائها الطائفي، وتبعيتها الإقليمية، والتصدي لأية محاولات تمس وتهدد تحالفاتها وأدوارها المحلية، في بغداد، والتي تقوم بها بالوكالة عن طهران، بالإضافة إلى ارتباطها العضوي بالمرشد الأعلى، علي خامنئي.
تطاول مستمر على الحكومة والجيش العراقيين
تنتمي حركة النجباء على مستوى المرجعية إلى "الولي الفقيه" في إيران، دون مواربة أو إخفاء لذلك، بالإضافة إلى إعلانها عن صلاتها بالعديد من التكوينات التنظيمية الشيعية، التابعة لطهران في المنطقة، وقياداتها، سيما حزب الله، في لبنان، وأمينه العام، حسن نصر الله، والأخير تصفه بأنه "النموذج المحمدي العربي الناصع لمقاومة الاستكبار".

مقتدى الصدر

وعلى المستوى الإقليمي، تشارك الحركة في عمليات ميدانية وعسكرية، تتماس، بشكل مباشر، مع الأهداف السياسية والطائفية لإيران، مثلما حدث في سوريا؛ إذ اشتركت عبر مقاتليها في السيطرة على الأجزاء الشرقية من مدينة حلب، شمال سوريا، نهاية العام 2016.

اقر أيضاً: معركة إيران… في العراق
وفي خضم هذه العملية العسكرية، أعلنت الحركة أنّ قائد فيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، تفقد قطاعات عمليات مقاتليها العسكرية والميدانية، بالإضافة إلى حضوره اجتماع قادة الحركة.
وفي هذه الأثناء ظهر أكرم الكعبي، قائد التنظيم وزعيم الميليشيا، في مطار حلب، وهو يتفقد المقاتلين، ويقوم بالإشراف على المعركة، وقد رافقه قادة عسكريون إيرانيون، للتنسيق بشأن ما يجري في المنطقة، وخصوصاً، في العراق وسوريا.

حفلت ممارسات حركة النجباء بالحقد الطائفي ففي ريف حلب توثق مشاهد القتل والسحل ضد المواطنيين عبارات مشحونة بالكراهية المذهبية

خلال النصف الأول من الشهر الجاري، أطلقت حركة النجباء، على لسان قياداتها، عدداً من التصريحات التي يمكن توصيفها بـ"المسيئة"، تجاه الحكومة والجيش العراقيين، وأخرى، تحمل تهديدات مباشرة وصريحة، لمؤسساتها الشرعية، في حال عملت ضد مصلحة إيران.
ووصف القيادي بالحركة، يوسف الناصري، الجيش العراقي، بأنه "الجيش المرتزق"، وطالب بحله وإسناد مهامه إلى الحشد الشعبي، وعليه، يكون "الحشد الشعبي هو الجيش الأول في العراق، وليس رديفاً، وحتى يكون هو وزارة لحماية أمن ومستقبل العراق إستراتيجياً".
وأصدر المتحدث باسم حركة "النجباء"، نصر الشمري، هو الآخر، تهديداً إلى أي حكومة عراقية، تعمل ضد إيران، حيث سيصبح مصيرها السقوط، في غضون أسابيع، بحسب وصفه.
تنتمي حركة النجباء على مستوى المرجعية إلى "الولي الفقيه" في إيران

رأس حرب في المنطقة
وصرح المتحدث باسم الحركة، أثناء اللقاء بمستشار المرشد الإيراني للشؤون العسكرية، في طهران، اللواء يحيى رحيم صفوي، بأنّ الحركة تراقب عن كثب جميع القواعد العسكرية الأمريكية، على الأراضي العراقية، والتي يبلغ عددها 11 قاعدة.

اقرأ أيضاً: هل تعتزم إيران شنّ هجمات عسكرية في العراق؟

"تشكلت هذه الحركة من مجموعة من القيادات التي حاربت نظام صدام في السابق، والاحتلال الأمريكي، وقاومت في المدن العراقية كافة، من جميع النواحي العسكرية والفكرية والاجتماعية والسياسية".
يتحدث زعيم ميليشيا النجباء، أكرم الكعبي، عن بدايات تأسيس الحركة الشيعية، في العراق، والتي تعد أكبر فصائل الحشد الشعبي، قبل الانفصال عنها، وتعرف بصلاتها الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني، على وجه الخصوص، فيما يعد الكعبي أحد أبرز مؤسسي جيش المهدي، قبل أن يتم حله، مع رجل الدين العراقي، مقتدى الصدر، بالإضافة إلى دوره المؤثر في تشكيل جماعة "عصائب أهل الحق"، والتي انفصل عنها هي الأخرى.
يتراوح عدد أفراد المقاتلين في حركة النجباء، بحسب بعض التقديرات الصحافية، بين 8- 10 آلاف مقاتل. وقد تأسس هيكل الحركة بعد الانفصال عن "عصائب أهل الحق"، من خلال اندماج الألوية العراقية التالية: "لواء عمار بن ياسر"، و"لواء الإمام الحسن المجتبى"، و"لواء الحمد".

اقرأ أيضاً: داعش يعزز قدراته في العراق وسوريا.. البنتاغون يكشف الأسباب
ثمة مقومات هائلة تحوزها حركة النجباء، على المستويين المالي والاقتصادي، وذلك، جنباً إلى جنب مع الإمكانيات السياسية والعسكرية، ومن ثم، بإمكانها فرض نفوذها، عبر وسائط عديدة، وفقاً لقدراتها ومواردها المتعددة؛ فهي تملك قناة تلفزيونية، تحت اسم "قناة النجباء الفضائية"، وكذلك منصة إلكترونية، تحمل الاسم نفسه، وتستهدف نشر أخبارها، وتقديم تغطيات تخص نشاطاتها، والترويج والدعاية لسياساتها.
نسخة مكررة من حزب الله اللبناني
وتعرف الحركة نفسها، عبر موقعها الإلكتروني بأنها "إحدى فصائل المقاومة الإسلامية في العراق، وتهدف إلى الدفاع عن المقدسات في سوريا والعراق". ويحدد أكرم الكعبي، قائد التنظيم، مواقع سيطرة وتمركز الحركة، من خلال لواء، في غرب العراق، المعروف بـ"اللواء الثاني"، الذي سبق وانخرط في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ولا يزال قائماً حتى الآن، ولواء آخر، هو "اللواء الثلاثون". بيد أنّ الأخير، وغالبية عناصره من الطائفة السنّيّة، قد جرى حله بقرار من الحكومة العراقية.

اقرأ أيضاً: الميليشيات المدعومة من إيران تتسلل إلى مراكز السلطة في العراق
يسجل العام 2013، بداية انخراط النجباء في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، بين النظام والمجموعات المسلحة من المعارضة، وقد شكل وجودها ضمن عدد من الألوية والفيالق الشيعية، التي تعمل تحت قيادة فيلق القدس والحرس الثوري، عاملاً حاسماً في العديد من المعارك الميدانية، سيما معركة القصير في حزيران (يونيو)، العام 2013، حيث ضاعفت من عدد مقاتليها، وقد نشرت في سوريا ألوية "عمار ابن ياسر"، و"الإمام الحسن المجتبى"، و"الجولان"، ونفذت من خلالهم عمليات ميدانية، في دمشق وحلب، وفي ريف المدينتين، شمالي البلاد، فضلاً عن تحرير قرى شيعية، مثل نبل والزهراء.

اقرأ أيضاً: ضربات إسرائيلية على أهداف إيرانية في العراق أم مجرد حريق بسيط؟
حفلت ممارسات حركة النجباء بالحقد الطائفي، خلال معاركهم وقتالهم في سوريا. ففي ريف حلب، توثق مشاهد القتل والسحل ضد المواطنين، عبارات مشحونة بالكراهية المذهبية مثل: "هذا هو ابن أمية.. وابن عائشة".

 

منظمة إرهابية
تعد حركة النجباء أول فصيل شيعي، يصنف من قبل الولايات المتحدة، على لائحة "المنظمات الإرهابية"، قبل عامين، إلا أنّ زعيمه الكعبي، يخضع للعقوبات الأمريكية، منذ العام 2008، على خلفية دوره في الهجمات التي كانت تستهدف القوات الأمريكية في العراق حينها.
وأشار الكونغرس الأمريكي، في تقريره الصادر العام 2017، على موقعه الإلكتروني، بعد حظر وتصنيف النجباء ضمن المنظمات الإرهابية، إلى أنّ "النجباء تتلقى التسليح والتدريب من فيلق القدس الإيراني، والاستشارة من جماعة "حزب الله" اللبنانية الموالية لطهران".

اقرأ أيضاً: مَن سيحتوي مَن: الدولة العراقية الهشّة أم الحشد الشعبيّ؟
واتهم التقرير أكرم الكعبي باستهداف المنطقة الخضراء، في وسط العاصمة العراقية بغداد، والتي تضم المقرات الحكومية والبعثات الدبلوماسية، إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، عام 2008.
وبحسب الصحفي العراقي حسن الشريف، فإنّ حركة النجباء وغيرها من الميليشيات المدعومة من إيران، تستهدف من خلال التنيظمات الطائفية أن تتلاشى أمامها الدولة، وتضعف مؤسساتها، بل أنها تتجاوزها؛ إذ تعمل بسياسة مستقلة، وتنفذ أهداف طهران والولي الفقيه، محلياً وإقليمياً، بما ينعكس على العراق كدولة، ومستقبلها السياسي، الذي يضحى مرتهناً بأكثر من إرادة، تعصف بوحدة قرارها السياسي ومصالحها.
تصريحات قادة النجباء تستهدف النيل والسخرية من الحكومة والدولة وجيشها

تهديد للعراق ومصدر حماية لإيران
ويضيف الشريف في حديثه لـ"حفريات": "تصريحات قادة النجباء التي تستهدف النيل والسخرية من الحكومة والدولة وجيشها، ليست بالأمور الجديدة، فهذا التطاول متكرر، وعملياً تتحكم الميليشيات بالعراق وكأنه بلا سيادة. وفي مقدمة الضحايا لهذا الوضع القائم، منذ عدة سنوات، ليست الأهداف الأمريكية ومصالح الغربيين واستثماراتهم، كما يعتقد، إنما المواطن العراقي، في المقام الأول، والذي يشعر بالتهديد، وتتآكل مساحته الحقوقية والمدنية في وطنه".
وعليه، فإنّ الميليشيات التابعة لإيران، ليست مصدر حماية إلى أحد، ولكنها أحد مصادر التهديد الأخيرة، والمتبقية التي يواجهها سكان المدن العراقية، حيث تعرض الميليشيات كافة المواطنين العراقيين للخطر، عندما تخبئ صواريخ إيرانية كبيرة، في بلدات صغيرة مثل آمرلي. كما يوضح معهد واشنطن.

اقرأ أيضاً: على نهج داعش.. الميليشيات الإيرانية تهدّد المكوّن المسيحي في العراق
ويشير المعهد الأمريكي إلى أنّ ألوية الحشد الشعبي، والميليشيات الشيعية، لا تحتاج إلى مدفعية صاروخية لمهامها، في مكافحة التمرد ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ناهيك عن احتياجاتها لصواريخ باليستية إيرانية، قصيرة المدى، الأمر الذي ينبغي الكشف عنه، وتفسير أسباب وجوده، ودوافعه. لذا، يبقى السبيل الوحيد لضمان عدم تصرف هذه القوات المدعومة من إيران، بشكل يلحق الضرر بالمصالح العراقية، هو إخضاعها لمتطلبات الرقابة نفسها، التي تعمل بموجبها القوات الأمريكية، سيما وجود عدد كبير من قوات الأمن العراقية النظامية من وزارات مختلفة، في كافة مواقع "الحشد الشعبي، بحيث لا يسمح لتلك الميليشيات بالسيطرة بشكل حصري على مهمات مربحة، مثل أمن المحطات النفطية البحرية، وحماية منشآت البنية التحتية الأساسية، ومراقبة الطرق السريعة ومراقبة الجمارك.

للمشاركة:



متظاهرون جزائريون يردّون على قناة "الجزيرة".. صور

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

أثارت قناة "الجزيرة" القطرية، خلال الأسابيع الأخيرة، استهجان ورفض الجزائريين؛ بسبب الحملة الإعلامية التي تقودها ضدّ بلادهم وجيشهم، محاولة إشعال الأزمة السياسية في البلاد.

المتظاهرون الجزائريون حملوا لافتات كتب عليها ثورتنا سلمية ..الجزيرة قِدر الفتنة

وعبّر المتظاهرون الجزائريون عن موقفهم برفع لافتات ضدّ قناة "الجزيرة" في تظاهراتهم الأسبوعية.

واتّهم متظاهرون قناة "الجزيرة" بـ "الإرهاب"، ومحاولة التشويش على سلمية الحراك الشعبي، حيث حملوا لافتات كتب عليها: "ثورتنا سلمية.."، "الجزيرة قِدر الفتنة"، "أخي كن ذكياً أو تبقى فريسة للآخرين"، وفق ما نقل موقع "العين" الإخباري.

ولم تتوقف الحملة التي شنها الشعب الجزائري على المظاهرات؛ بل امتدّت لمواقع التواصل الاجتماعي؛ إذ أكّد نشطاء أنّ قناة الجزيرة تحاول من جديدة لعب الدور نفسه في تخريب بلدهم، كما فعلت مع دول عربية أخرى، مثل ليبيا وسوريا واليمن، أو كما حاولت مع مصر وتونس.

وأظهرت منشورات وتعليقات جزائريين حجم الوعي الشعبي من الحملة الإعلامية لقناة "الجزيرة".

وقارن المتابعون بين تأثير تلك القناة في مجرى الأحداث بالجزائر، تسعينيات القرن الماضي، التي شهدت قتالاً دموياً بين متطرفين وقوات الجيش، فيما عرف بـ "العشرية الحمراء"، وانكشاف ما يصفونه بـ "أجندة الحقد على الجزائر وجيشها".

وأكّد عدد من المراقبين والمتابعين في تعليقات صحفية؛ أنّ قناة الجزيرة ما تزال تقتنص الفرص لتبث سموم الفتنة مجدداً في الجزائر، وتكشف حقدها الدفين تجاه جيش هذا البلد العربي.

وكانت القناة قد ركّزت، على مدار الأسابيع الأخيرة، وبشكل ممنهج، على استضافة شخصيات من المعارضة "المتطرفة" الجزائرية، المحسوبة على أحد أجنحة ما يعرف بالدولة العميقة، المتهمة بالعمالة لفرنسا التي تعرف بـ "حزب فرنسا في الجزائر".

ضيوف استغلتهم "الجزيرة" للهجوم على الجيش الجزائري، واتهامه بـ "قيادة انقلاب عسكري في البلاد"، إضافة إلى دعوة بعض منهم صراحة إلى "الانقلاب على قيادة الجيش" الحالية.

ومع بدء الحراك الشعبي بالجزائر، قبل 6 أشهر، حاولت القناة القطرية البحث عن مكان لها في الساحة الإعلامية الجزائرية، رغم غلق مكتبها وطرد العاملين فيه عام 2005.

نشطاء يؤكدون أنّ "الجزيرة" تحاول من جديدة لعب الدور نفسه في تخريب بلدهم كما فعلت في ليبيا وسوريا واليمن

وحاولت القناة، بحسب المتابعين، استغلال حالة الفراغ السياسي التي أعقبت استقالة عبد العزيز بوتفليقة، في نيسان (أبريل) الماضي، وانشغال مؤسسات البلاد بالأزمة السياسية، لتعيد فتح مكتبها بالجزائر بطريقة غير قانونية ودون إبلاغ السلطات الجزائرية، قبل أن تتخذ الأخيرة قراراً بإعادة غلقه، ومنع التعامل مع القناة، خاصة فيما يتعلق بالبث المباشر.

أيضاً طالت القناة حملات سخرية واسعة، بعد أن تمّ كشف أنّ مصادر أخبارها لم تكن إلا بعض صفحات الفيسبوك دون أن تكلف نفسها عناء التأكد من صحة الأخبار، بيد أنّ المتابعين أكدوا أنّ الهدف من وراء ذلك كان لزرع الفتنة، والترويج لصور نمطية مخادعة للرأي العام تحضيراً للسيناريو المفضل لها، وهو الفوضى والخراب.

وعلى مدار الأشهر الأخيرة؛ حاولت منصات الجزيرة الترويج لمزاعم "القمع الأمني لمتظاهرين"، وتعميم لافتات شخصية أو لبعض المجموعات في العاصمة تنتقد أطرافاً عدة على أنّها "تعبّر عن موقف الجزائريين"، خاصة تلك التي تحمل حقداً للجيش، والتي يقول مراقبون إنّ "الدولة العميقة المتأثرة من سجن رموزها تقف وراءها".

وشهدت الشهور الماضية إقالات وملاحقات قضائية لرجال أعمال وسجن شخصيات نافذة في نظام بوتفليقة، الذي أدار البلاد منذ عام 1999حتى 2019، وقد أكّد الجيش مواصلته تطهير مؤسسات الدولة مما وصفها "العصابة".

هذا وقد أجرت الأجهزة الأمنية في الجزائر، خلال الأسبوعين الأخيرين، تحقيقات معمقة مع قيادات إخوانية جزائرية بارزة دون أن تفصح عن أسمائها.

ورجّحت مصادر الأمنية لـ "العين" الإخبارية؛ أن يكون استهداف قناة "الجزيرة" القطرية للجيش الجزائري، عبر ضيوفها من المعارضة (المثيرين للجدل)، محاولة منها للضغط على البلاد "كدعم لتلك التيارات الإخوانية"، خاصة أنّ الأمر مرتبط بتمويل خارجي يصنفه الدستور في خانة "الخيانة العظمى".

 

للمشاركة:

دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لتهجير سكان غزة.. بهذه الطريقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

 كشف الكيان الصهيوني، على لسان بعض مسؤوليه؛ أنّه يعمد إلى التضييق على قطاع غزة حتى يهاجر أهلها إلى دول أخرى دون رجعة.

الكيان المحتل مستعد للسماح لأهل غزة بالطيران من مطاراته إذا وجدوا دولاً تستقبلهم

وقال مسؤول في الكيان، في تصريح نقلته وكالة الأنباء الألمانية: إنّ "إسرائيل مستعدة للسماح لأهل غزة بالطيران من مطاراتها، إذا وجدوا دولاً تستقبلهم، وتحدثت مع دول بهذا الشأن، غير أنّ السفر سيكون بلا عودة، وهو ما وصفه نائب بالكنيست بـ "عملية ترحيل طوعية".

ونقلت هيئة البثّ الإسرائيلي، اليوم، عن مصدر سياسي؛ أنّ إسرائيل اقترحت على عدة دول استيعاب فلسطينيين يرغبون في الهجرة من قطاع غزة "دون رجعة"، ووصفت الهيئة المصدر بـ "الكبير في حاشية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو".

وأضاف المصدر؛ أنّ إسرائيل مستعدة لتمويل هذه الرحلات على أن تنطلق من مطارات سلاح الجو في جنوب البلاد.

إسرائيل اقترحت على عدة دول استيعاب فلسطينيين يرغبون في الهجرة من قطاع غزة دون رجعة

إلا أنّ المصدر كشف أنّ "أياً من الدول التي تمّ الاتصال بها بما فيها دول شرق أوسطية لم ترد على هذا الاقتراح إيجابياً".

ووصف النائب بالكنيست الإسرائيلي، أحمد الطيبي، ما يتردد عن تشجيع الهجرة طوعاً من قطاع غزة بأنّها "عملية ترحيل طوعية"، مضيفاً (باللغة العبرية) على صفحته في موقع تويتر: "غاندي حصل عليها في السابق وفي 48 كانت تسمى تطهيراً عرقياً".

 

للمشاركة:

الإمارات على طريق "الأخوة الإنسانية"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

أعلنت الإمارات، أمس، عن تشكيل لجنة عليا لتحقيق أهداف وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقّعها كلّ من قداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، وفضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف في أبوظبي، خلال شهر شباط (فبراير) الماضي.

تضمّ اللجنة كلاً من أمين سرّ المجلس البابوي للحوار بين الأديان، المطران ميغيل أنجيل أيوسو غيكسوت، ورئيس جامعة الأزهر، الدكتور محمد المحرصاوي، والأب الدكتور يوأنس لحظي جيد، والسكرتير الشخصي للبابا فرنسيس، والقاضي محمد محمود عبد السلام، المستشار السابق لشيخ الأزهر، ومحمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة في أبوظبي، والأمين العام لمجلس حكماء المسلمين، الدكتور سلطان فيصل الرميثي، والكاتب والإعلامي الإماراتي ياسر حارب المهيري، وفق "وام".

الإمارات تعلن عن تشكيل لجنة لتحقيق أهداف وثيقة "الأخوة الإنسانية" التي وقّعها البابا فرنسيس وأحمد الطيب

وبهذه المناسبة، قال ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: إنّ إعلان تشكيل اللجنة يؤكد الحرص على تنفيذ رؤى مشتركة لبلورة المبادرات والأفكار الداعية إلى التسامح والتعاون والعيش المشترك، ووضعها موضع التنفيذ، مؤكّداً دعم دولة الإمارات العربية المتحدة الجهود والمساعي كافة الهادفة إلى تعزيز السلام ونشر مبادئ التعايش السلمي على مستوى العالم.

وتتولى اللجنة مهام وضع إطار عمل للمرحلة المقبلة، لضمان تحقيق أهداف الإعلان العالمي للأخوة الإنسانية، والعمل على إعداد الخطط والبرامج والمبادرات اللازمة لتفعيل بنود الوثيقة ومتابعة تنفيذها على المستويات الإقليمية والدولية كافة، وعقد اللقاءات الدولية مع القادة والزعماء الدينيين ورؤساء المنظمات العالمية والشخصيات المعنية لرعاية ودعم ونشر الفكرة التي ولدت من أجلها هذه الوثيقة التاريخية، من أجل السلام العالمي والعيش المشترك، وكذلك حثّ السلطات التشريعية على الاهتمام ببنود الوثيقة في التشريعات الوطنية من أجل أن تترسخ لدى الأجيال القادمة قيم الاحترام المتبادل والتعايش كأخوة في الإنسانية، إلى جانب الإشراف على بيت العائلة الإبراهيمية، ويمكن للجنة إضافة أعضاء جدد بالاتفاق بين أعضائها، وفق ما يحقق أهداف تشكيلها وغايات الوثيقة.

وكان كلّ من فضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، قد قاما بزيارة تاريخية مشتركة إلى دولة الإمارات، في الفترة من 3 إلى 5 شباط (فبراير) 2019، ووقّعا معاً وثيقة "الأخوة الإنسانية ـــ إعلان أبوظبي" وأعلناها للعالم من العاصمة الإماراتية أبوظبي.

 

للمشاركة:



العراق في ظل الأحزاب الميليشياوية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

محمد واني

الدولة تقام وتبنى بالقوانين والدستور والنظام وبناء المؤسسات الوطنية ورعاية حقوق المواطنين والدفاع عن مصالحهم، ولا تبنى بترديد الشعارات الطائفية وتصدير التفاهات الفكرية العقيمة الى الاخرين وتجيش الجيوش ضد المعارضين والدعوة الى الثأر والانتقام واثارة عواطف البسطاء واشغالهم بالحوادث التاريخية الغابرة الاليمة واقامة مواكب العزاء والزيارات للقبور واضرحة الاولياء والائمة والبكاء واللطم وشق الجيوب واعداد الولائم والاطعمة في المناسبات الدينية المكلفة على حساب الدولة واستنفار الوزارات الخدمية والامنية طوال فترة تلك المناسبات الكثيرة التي تستمر طوال السنة، كما اعتادت الحكومات الشيعية التي تعاقبت على الحكم بعد 2003 القيام به، وكأن العراق تحول الى ملك خالص للطائفة بمجرد ان تولوا الحكم. نفس الفكر الخاطئ الذي اعتقده وعمل به النظام البعثي السابق الذي اعتبر ان العراق "موطن العرب والعروبة" والبوابة الشرقية للوطن العربي دون ان يحسب اي حساب للقوميات والاثنيات الاخرى التي يشكل منها العراق.

مازال زعماء الشيعة يتصرفون وكأنهم يمتلكون العراق ارضا وشعبا فعلا ويصدرون القرارات وفق هواهم المذهبي ويصرفون الاموال من خزينة الدولة على الاصدقاء والاشقاء الطائفيين في العالم والمنطقة كنظام بشار الاسد وغيره، وكذلك من اجل تشكيل الميليشيات والمجاميع المسلحة الشيعية لمواجهة اعداء الطائفة، والويل لمن غضب منه هؤلاء الزعماء الفاسدون الاشرار، ومس جانبا من قداستهم المزيفة، فهم يقطعون عنه الميزانية ويفرضون عليه الحصار ويحاربونه اعلاميا وسياسيا كالشعب الكردي!

رغم ان الدستور يقضي بالشراكة السياسية وادارة الحكومة بشكل جماعي، فانهم يحتكرون كافة المناصب المهمة لانفسهم بحجة ان الشيعة هم الاكثرية السكانية في البلاد، دون الاستناد الى بيانات احصائية دقيقة تدعم زعمهم هذا، لعدم القيام باجراء احصاء سكاني منذ 2003 ولغاية اليوم. وكل ما يقال حول الاكثرية والاقلية مجرد ظن ليس الا والظن لايغني من الحق شيئا.

اذن، الدولة الجديدة بنيت على اساس ومنطلق طائفي رغما عن انوف العراقيين وارادتهم، عليهم تقبله برحابة صدر والا فليشربوا من البحر او يضربوا رؤوسهم بالحائط بحسب ما قالته النائبة السابقة حنان الفتلاوي صاحبة نظرية "سبعة مقابل سبعة" المشهورة (تقول "من ينقتلون 7 شيعة، اريد ان ينقتلون مقابلهم 7 سنة") عندما تحدت السُنة بصراحة متناهية وقالت "انا شيعية وافتخر ونرفع رايات ’يا حسين‘ فوق المباني الحكومية رغمأ عن انوفكم وان لم تعجبكم اضربوا رؤسكم بالحائط؟!" هذا بالضبط ما يسعى اليه النظام القائم ويحاول تكريسه وترسيخه في العراق؛ فرض الارادة المذهبية بالقوة!

ومن اجل الوصول الى هذا الهدف وفرض الامر الواقع على العراقيين، قام اقطاب النظام فور تسنهم مقاليد السلطة بالعمل على الهيمنة المطلقة على المؤسسات القضائية والمالية والنفط والتفرد التام في اتخاذ القرارات الاستراتيجية وتشكيل الميليشيات العقائدية لدعم ومساندة نفوذهم السياسي.

الحقيقة التي مازلنا نؤكد عليها في كل مرة هي ان هؤلاء لم يأتوا ليبنوا البلد أو يعمروه او يرفعوا من مستواه العلمي والاقتصادي والثقافي او ينشروا بين ربوعه الاستقرار والمحبة والفضيلة والعدالة باعتبارهم مسلمين يقودون احزابا اسلامية، بدليل ان العراق في ظل حكمهم اللا "اسلامي!" الفاشل، وصل الى الدرك الاسفل في كل المجالات وانعدم فيه الامن والاستقرار تماما وانتشر فيه الفساد حتى وصل الى اسفل قائمة اكثر دول العالم فسادا وخطورة على حياة الانسان بحسب تصنيفات منظمة الشفافية الدولية. هؤلاء لم يأتوا من اجل العراقيين، بل جاؤوا من اجل اثارة الفتنة بينهم باسم الطائفة والمذهب وينهبوا ثرواتهم! وهذا يحدث الان في العراق بالضبط.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

صحيفة بريطانية: جماعة الإخوان تروج للفكر المتطرف داخل أوروبا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

حسين البدوي

كشفت صحيفة "ذا إنفستيجيتيف جورنال - تي آي جيه" الاستقصائية البريطانية، في تقرير موثق لها عن نشاط الجماعات المتطرفة في فرنسا، أن جماعة الإخوان المسلمين المدعومة من قطر والتي تم إدراجها جماعةً إرهابية من قبل مصر، والمملكة العربية السعودية، والبحرين، وروسيا، والإمارات العربية المتحدة؛ تمتلك صلات مالية وثيقة بالمجتمعات والجماعات الإسلامية الوطنية والإقليمية في فرنسا.

وتروج جماعة الإخوان المسلمين لتيار شديد الخطورة من الفكر المتطرف داخل أوروبا، حيث اخترقت كيانات غير هادفة للربح عن طريق تقديمهم الدعم النقدي، وأيضاً من خلال زرع قادة الجماعة داخل تلك المنظمات.

وإحدى هذه المنظمات المجلس الفرنسي للإيمان الإسلامي - (سي أف سي أم) والذي يعتبر منظمة قوية تخدم كمستشار رسمي للحكومة الفرنسية في إدارتها للإسلام داخل فرنسا، وطبقاً لأحد الخبراء، فإن الرئيس السابق للمجلس أنور كبيبيش كان له صلات وثيقة بالإخوان المسلمين قبل أن يتبوأ منصبه في الهيئة الإسلامية الفرنسية التي عملت بشكل قريب جداً من الحكومة الفرنسية بقيادة نيكولا ساركوزي وقتها.

وعبرت زينب الرحزاوي - مستشارة الرئيس الفرنسي ماكرون، والناجية من هجمة شارلي إبدو الإرهابية في يناير 2015 - عن إيمانها بأن تكتيك الإخوان المسلمين باستخدام المنظمات غير الحكومية كحصان طروادة للتأثير على الثقافة الفرنسية لا بد أن يتم التعامل معه بحزم. وقالت الرحزاوي: إن المنظمات الإسلامية العاملة في فرنسا تحتاج لرقابة خاصة فيما يتعلق بمصادرها المالية، ولكنهم حالياً يعملون كمنظمات غير حكومية، ويفلتون من أي رقابة عمّا يجري داخل هذه المنظمات.

عن "الرياض" السعودية

للمشاركة:

مضيق هرمز والنفوذ الإيراني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

سالم سالمين النعيمي

يبدو أن إثارة النزاعات، وزعزعة الأمن في المنطقة، وأسلوب القرصنة المؤسسية، وخلق عدو إعلامي دائم، هو سلاح إيران لشراء المزيد من الوقت لتنفيذ أجندة داخلية تخفي الكثير من التفكك الداخلي، وتحاول أيضاً إخفاء أسرار التصنيع العسكري والملف النووي، وهندسة الصواريخ الباليستية وبرنامج الفضاء الإيراني وبرنامج الغواصات الإيراني الطموح للغاية، وهو ما يشكل تحدياً حقيقياً للأمن البحري في المنطقة، والمثال على ذلك خصائص غواصة «فاتح» التي تُعد أول غواصة نصف ثقيلة من إنتاج الصناعات البحرية الدفاعية الإيرانية، وقدرتها على العمل بشكل منفرد، واستطاعتها العمل إلى جانب عدد من الغواصات الأخرى أو الوحدات العائمة والمعدات الساحليّة.
وغواصة «فاتح» لديها القدرة على مواجهة الألغام البحرية والهجوم البرمائي والوصول إلى ما وراء خطوط الآليات البحرية المهاجمة في عمق البحر مثل المدمرات أو القوارب الناقلة للجنود، وتستطيع جمع معلومات استخباراتية والتجسس على عمليات الأطراف المهاجمة في البحر والتنقل بين مختلف موانئ الساحل، وتنفيذ عمليات عسكرية خاصة حيث زُودت الغواصة «فاتح» بتقنية الاختفاء عن رادارات الاكتشاف، ناهيك عن دراسات إيرانية في مجال «استشعار السونار» في مياه الخليج، والتقدّم في نظام التكيّف الخامل للرادار (السونار)، والذي لا يصدر طاقة أشعة الراديو (التي يمكن استشعارها وتعقّبها)، وبالإمكان تمويه مصدرها بفعالية، كما أنها لا تصدر أية إشارات لأجهزة الإنذار للرادارات الصديقة.
ومن جانب آخر، لا يمثل مضيق باب المندب الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن بديلاً آمناً عن مضيق هرمز، علاوةً على ذلك فإن المنطقة الممتدة من القرن الأفريقي إلى غرب المحيط الهندي، هي الآن مركز التنافسات التجارية والعسكرية المتعددة مع انعكاسات استراتيجية على منطقة البحر المتوسط وأوروبا، ويشكل التهديد بإغلاق أو تعطيل النقل البحري عبر هرمز جزءًا من الخطاب المعتاد الذي تستخدمه إيران ما بعد الثورة كأداة رئيسية للردع، ومنذ انسحاب الحكومة الأميركية من الصفقة النووية الإيرانية، أصبحت السلطات في إيران تناور من خلال ميليشياتها النظامية، وتعمل جاهدةً على غرس وتأكيد الشعور بعدم الاستقرار في المنطقة وتهديد الملاحة كفزّاعة للدول الكبرى في آسيا وأوروبا، بينما لديها بدائل لتخفيف الضغوطات كميناء «تشابهار» في مقاطعة سيستان وبلوشستان شرقيّ المضيق، وبتمويل من الهند التي تخشى النفوذ الصيني من خلال ميناء جوادر الباكستاني.
وهناك مخاوف لدى العراق من ركود الاقتصاد، لأن الخليج هو المنفَذ البحري الوحيد لبلاد الرافدين، وسيكون لذلك تأثير مباشر على الاستقرار الاجتماعي في جنوب العراق، والسكان الشيعة الذين يعتمدون على صادرات النفط، ويشهدون الآن تواجدًا عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا متزايدًا للميليشيات العراقية الموالية لإيران، ولذلك تعدّ أية أزمة كبرى في هرمز ضرراً كبيراً لإيران حيث ستعرّض عمقها الاستراتيجي إلى شرق البحر المتوسط للخطر، وهو العمق المكتسب من خلال الوكلاء، دون أن ننسى مشروعاً بين إيران والهند وروسيا لإطلاق ممر للنقل الدولي والتجاري، طريق النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC)، الذي يمتد لمسافة 7200 كيلومتر، والذي سيكون بديلاً أرخص وأقصر من الطريق التقليدي عبر قناة السويس، وسلاح التحايل على الجغرافيا الطبيعة بمشاريع عملاقة كرهان قادم يعيد رسم الأهمية الجغرافية لبعض ممرات العالم الحيوية.
فإيران تحاول من خلال كماشة الممرات خنق دول الخليج بصورة تهدّد مصالح هذه الدول، وفي الوقت نفسه، تسعى طهران لفرض نفوذها في باب المندب، ولذلك تعدّ حرية الملاحة والأمن البحري على طول باب المندب من الأولويات الوطنية للرياض وعمقاً استراتيجياً حتمياً للإمارات، بينما تجد دولة خليجية مثل الكويت نفسها في عنق الزجاجة المزدوج بسبب حاجتها إلى المرور عبر مضيق هرمز، مما يؤثر على سياستها الخارجية ودبلوماسية الحياد والوساطة كاحتواء استراتيجي. وأمّا بالنسبة لسلطنة عُمان وبسبب موقعها الجغرافي، فهي تتمتّع بأفضل موقع جغرافي من حيث حرية الملاحة من خلال سواحلها المطلّة على المحيط الهندي، ومدى تأثير ذلك على علاقاتها الإقليمية وكونها المركز اللوجستي الأبرز لرسم صورة مشتركة لجميع الأطراف. وأمّا البحرين فخيارها الأفضل للتعامل مع ملف هرمز هو التحالف مع الإمارات والسعودية لضمان حرية الملاحة في المضيق.
والتحدي الذي يواجه جميع دول المنطقة هو حقيقة البيئة الدولية التي لا يحكمها إلا منطق التنافس والصراع، والذي يتحول بدوره إلى سياسات وسياسات مضادة، فإن حماية حدودها ومكتسباتها المعطاة فضلاً عن تحقيق مصالحها واستراتيجياتها المبتغاة، إنما هو رهن بامتلاك القوة والسعي الدائم إلى زيادتها وتعظيمها إلى أبعد مدى ممكن، والتي من دونها لا يمكن حتى تحقيق التوافق.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية