الأضحى في غزة: لا مشترين للمواشي ولا شحذ للسكاكين

الأضحى في غزة: لا مشترين للمواشي ولا شحذ للسكاكين
27844
عدد القراءات

2018-08-19

على خلاف المعتاد في هذه الأيام، مع اقتراب عيد الأضحى المبارك، فإنّ الهدوء يخيم معظم الوقت تقريباً، على مزارع المواشي والأبقار في قطاع غزة، لعدم الإقبال على شراء الأضاحي، بسبب الحركة الشرائية شبه المعدومة، في ظل ارتفاع الأسعار، وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وقد أصابت الأزمة أيضاً مهنة "شحذ السكاكين".

انقطاع التيار الكهربائي 20 ساعة يومياً من أسباب العزوف عن شراء الأضاحي لخشية المواطنين من فساد اللحوم

عزوف المواطنين في قطاع غزة عن شراء الأضاحي، سببه الرئيسي تشديد الحصار الإسرائيلي، وإغلاق المعابر، التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي، فضلاً عن ارتفاع نسبة البطالة، وأزمة الرواتب لموظفي السلطة الفلسطينية، والضائقة المالية التي طالت موظفي الأونروا، والانقطاع المستمر للتيار الكهربائي.

أبو أحمد إسعيد، موظف حكومي اعتاد شراء الأضحية كل عام وذبحها في منزله؛ ولكن هذا العام مختلف عن الأعوام السابقة، فهو لم يتمكن من شراء الأضحية، نتيجة خصم خمسين بالمائة من راتبه وتراكم الديون عليه.

أسوأ الأعوام

يقول إسعيد لـ "حفريات": "كان أطفالي ينتظرون عيد الأضحى لمشاهدة ذبح الأضحية في المنزل ويفرحون فرحاً شديداً بذلك؛ ولكني لن أستطيع إسعادهم، لعدم مقدرتي على شراء الأضحية، فهذا العام من أسوأ الأعوام التي مرت علينا، فالأسعار مرتفعة والراتب الذي أتقاضاه بالكاد يكفي لسد الاحتياجات اليومية".

اقرأ أيضاً: بعد تقليص خدمات الأونروا: صحة الفلسطينيين وتعليمهم في خطر

ويشاطره في الرأي ذاته، المواطن خليل بدر الذي قال لـ "حفريات": "ننتظر عيد الأضحى المبارك لشراء الأضاحي، وتأدية سنّة الذبح وتوزيع اللحوم على الفقراء؛ ولكن هذا العام الإمكانيات المادية لم تمكنّي من شراء الأضحية نقداً، نتيجة تردي الأوضاع الاقتصادية، فأردت شراءها بالتقسيط، ودفع الأقساط على عدة أشهر". وعندما فوجئ بدر بارتفاع أسعار المواشي لهذا العام عن الأعوام السابقة، تراجع عن شراء الأضحية بالتقسيط، لأنه سيسدد الأقساط على مدار عامين.

ارتفاع أسعار المواشي لهذا العام عن الأعوام السابقة

داخل المزرعة

داخل المزرعة، التي اعتاد على زيارتها كل عام لشراء عجل، كان الحاج أبو أحمد صبيح يقف متفرجاً بحسرة، لعدم مقدرته على شراء أضحية هذا العام، بعد إغلاق متجره الخاص ببيع الملابس، بفعل تراكم الديون عليه، وعدم مقدرته على تسديدها.

اقرأ أيضاً: قانون مخصصات الشهداء: سطو إسرائيلي مسلح على حقوق الشعب الفلسطيني

يوضح صبيح لـ "حفريات": "في الأعوام السابقة كنت أشتري العجل وأضحي به بمفردي دون مشاركة أحد، وتوزيعه على الفقراء والمساكين؛ إلا أنّني هذا العام لم أتمكن من شراء حصة واحدة، بعد تردي الأوضاع الاقتصادية، لذلك أتيت على هذه المزرعة، لألقي نظرة على المواشي لعدم مقدرتي على الأضحية مثل كل عام".

انقطاع التيار الكهربائي

ينتظر أصحاب مزارع المواشي في قطاع غزة عيد الأضحى المبارك بفارغ الصبر؛ حيث يعد الموسم الأكثر ربحاً بالنسبة لهم، لأنّ البيع يكون به كثيراً؛ إلا أنّ هذا العام يختلف عن الأعوام السابقة، فهم يتخوفون من أن يتهدد موسمهم، خصوصاً وأنّ "الإقبال على الأضاحي شحيح بدرجة كبيرة".

لذا، فإنّ المواطن أبو أحمد سالم، الذي اعتاد على شراء أضحية كاملة لتوزيعها على الفقراء والأقارب، اكتفى هذا العام بشراء حصة واحدة من العجل، خشية فساد اللحوم المتبقية من الأضحية، نتيجة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي.

صاحب إحدى مزارع العجول والأبقار، أبو محمد عبد العال، يقول لـ "حفريات"، وهو يلقي نظرة على مزرعته التي تكاد خالية من الزبائن: "نعاني هذا العام من ركود حاد في بيع الأضاحي، فالبيع ضعيف جداً، وأغلب المواطنين يأتون إلى المزرعة لإلقاء النظرات، ومن ثم يغادرون، رغم توفر جميع أنواع اللحوم داخل المزرعة".

ويؤكد أنّ أسعار الأضاحي اختلفت هذا العام عن الأعوام السابقة، "نظراً لانخفاض كمية العجول والأبقار، فارتفع سعر الكيلو الواحد (3 شواكل) ما يعادل (0.8 دولار أمريكي)، فأصبح المواطنون محدودو الدخل غير قادرين على شراء الأضاحي بهذه الأسعار".

فساد اللحوم

ويشير عبد العال، إلى أنّ انقطاع التيار الكهربائي لأكثر من (20 ساعة) يومياً، يعد سبباً من أسباب العزوف عن شراء الأضاحي، لأنّ المواطنين يخشون من فساد اللحوم المتبقية من اللحوم، لافتاً إلى أنّ البيع هذا العام لم يتعد (10بالمائة)، مقارنة بالأعوام السابقة، وأنه بالكاد استطاع بيع (30 رأساً) من العجول والأغنام، فيما كان معدل بيعه المعتاد في الموسم يصل إلى (160 رأساً).

اقرأ أيضاً: مهن موسمية تنعش جيوب الغزيين العاطلين عن العمل

ويواجه محمد مصلح، صاحب مزرعة لبيع المواشي في شمال قطاع غزة، كغيره من التجار خسائر مادية كبيرة، بفعل العزوف عن شراء الخراف والعجول، نتيجة ارتفاع الأسعار، الأمر الذي أدى إلى تراجع كميات الاستيراد من الخارج.

يقول لـ "حفريات": "في الأعوام السابقة كنت أقبل ببيع الأضاحي بالتقسيط؛ ولكن هذا العام لم أقبل تقسيط أضحية واحدة، وذلك لعدم وجود ضمانات، بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية، وعدم مقدرة المواطنين على دفع الأقساط الشهرية".

هناك مهن تنشط بهذا الموسم وتعد مصدر دخل لأصحابها، مثل "شحذ السكانين"

الأزمة أصابت "شحذ السكاكين" أيضاً

الأوضاع الاقتصادية لم تؤثر على المواطنين وأصحاب المزارع في موسم عيد الأضحى فحسب، بل هناك مهن تنشط في هذا الموسم، وأصحابها يعتمدون اعتماداً كبيراً على عيد الأضحى، وتعد مصدر دخل لأصحابها، مثل مهنة ذبح العجول، وهي أيضاً مهن طالها التراجع، كما أخبر "حفريات" عوض عمر الذي يعمل في مهنة ذبح الأضاحي في منازل المواطنين منذ ما يقارب عشر سنوات، مؤكداً أنّ عمله هذا العام تراجع بشكل كبير عن الأعوام السابقة: "أنتظر موسم عيد الأضحى المبارك بفارغ الصبر لذبح الأضاحي داخل بيوت المضحين، فهو الموسم الأكثر ربحاً، حيث أذبح ما يقارب (60 رأساً)، من العجول والأغنام طيلة أيام العيد".

عدم توفر السيولة النقدية لدى مواطني قطاع غزة لم تمكنهم من شراء الأضاحي بالمعدلات المعتادة سنوياً

أما هذا العام فيختلف اختلافاً كلياً عن الأعوام السابقة التي عايشها عمر، فعلى الرغم من اقتراب عيد الأضحى، إلا أنه لم يحجز لديه سوى خمسة أشخاص لذبح الأضاحي داخل البيوت، مشيراً إلى أنه في مثل هذه الأيام يكون العدد اكتمل، ولا يستقبل أي حجز.

لم يكن حال الحرفي محمد أبو جامع (55 عاماً) صاحب ورشة لشحذ السكاكين أفضل من سابقه، فهو مهدد بضياع موسم الأضاحي الذي يعد موسماً رئيسياً لمهنته، فمهنة "شحذ السكاكين وتصنيعها" من المهن التي تنشط قبيل عيد الأضحى المبارك.

يقول أبو جامع لـ "حفريات": "منذ بداية شهر ذي الحجة من كل عام يقبل المواطنون على الورشة والورش المجاورة لنا، لشحذ وتصنيع السكاكين استعداداً لذبح الأضاحي أول أيام عيد الأضحى المبارك؛ إلا أنّ التراجع في الإقبال على الأضاحي، ألقى بظلال سلبية على مهنتنا"، مؤكداً أنّ إقبال الزبائن على ورشتهم هذا العيد لم يتجاوز(15) بالمائة مقارنة بالأعياد السابقة.

انخفاض المبيعات سيؤدي إلى عدم تغطية النفقات

أسباب غلاء الأسعار

وعن أسباب غلاء أسعار الأضاحي لهذا العام، يوضح مدير دائرة التسويق في وزارة الزراعة المهندس تحسين السقا لـ"حفريات" أنه "انتشر في الفترة الأخيرة مرض الحمى القلاعية في رومانيا، حيث إنّ أصحاب المزارع يستوردون المواشي من رومانيا والبرتغال عبر إسرائيل، والاحتلال أوقف الاستيراد من رومانيا، وأصبح الاستيراد من البرتغال التي تعرف بارتفاع أسعارها، لذلك ارتفعت الأسعار عن كل عام".

ارتفاع الأسعار أثّر بشكل كبير على كمية الاستيراد من الخارج لخوف المزارعين من عدم بيعها

ويضيف "ارتفاع الأسعار أثّر بشكل كبير على كمية الاستيراد من الخارج، فأصحاب المزارع يخشون من استيراد كمية كبيرة، خوفاً من عدم بيعها بسبب ارتفاع الأسعار، فمذ بداية العام لم يتم استيراد سوى (17000) رأس من المواشي، (عجول، أبقار، أغنام، خراف)، وهو عدد قليل نسبياً مقارنة بالأعوام السابقة التي كانت تشهد استيراد ما يزيد عن (30000) رأس".

الإفلاس يتهدد التجار

وفي نظر الخبير الاقتصادي ومدير الغرفة التجارية في قطاع غزة الدكتور ماهر الطباع، فإنّ الأزمات المتكررة التي عصفت بقطاع غزة، كما قال لـ "حفريات" أدت إلى "ركود حاد في سوق المواشي بغزة، فعدم توفر السيولة النقدية لدى المواطنين، لم تمكنهم هذا العام من شراء الأضاحي بالمعدلات المعتادة سنوياً"

ويتوقع الطباع أنّ يوثر سوء الأوضاع الاقتصادية "بشكل سلبي على أصحاب المزارع ومستوردي المواشي، خاصة قبيل عيد الأضحى المبارك". كما أنّ "انخفاض مبيعاتهم سيؤدي إلى عدم تغطية النفقات التجارية والمصاريف التشغيلية، ويكبدهم خسائر مادية كبيرة، قد تقود إلى إفلاس أصحاب المزارع والتجار".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟

2020-01-26

بعد مشاركة الآلاف من مؤيدي الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر، الجمعة، في مظاهرة حاشدة ببغداد للمطالبة بطرد القوات الأمريكية من العراق، يبقى هذا الملف الشائك في الواجهة، وسط إصرار أمريكي على عدم ترك الساحة لإيران وحلفائها، ما يؤشّر إلى أنّ الولايات المتحدة تعتقد بأنّ موقفها قوي في هذه المواجهة، وأنّها تعتمد على عدد من أوراق الضغط، وهي في معركتها تلك تحاول وضع جملة من المحددات والخطوط الحمر وقواعد الاشتباك، التي تعكس إعادة تموضع في العراق وسوريا، وعلى حدودهما، ومن شأن ذلك أن يعيد تعريف الوجود الأمريكي وحدوده؛ بعد التفاعلات التي أفرزها مقتل الجنرال قاسم سليماني.

تسعى إدارة ترامب إلى تعزيز وجودها العسكري على جانبي الحدود السورية - العراقية لأسباب عدة بينها "مواجهة إيران"

وأورد تحليل للباحث ديفيد دي روش، نشره "معهد دول الخليج العربية في واشنطن"، أنّه خلال الفترة المقبلة، تواجه الولايات المتحدة ثلاث مسائل أمنية مهمة في العراق، وشرط ثابت واحد يحدّد ما إذا كانت القوات الأمريكية أو قوات التحالف ستبقى في البلاد، وإن بقيت، كم سيبلغ عديدها وما ستكون عليه مهمتها. ويتمثل مصدر القلق الأول في الحفاظ على القدرة على مواصلة محاربة تنظيم "داعش"؛ والثاني في الحفاظ على بعض القابلية للحدّ من نفوذ إيران في المنطقة؛ والثالث في ضمان أن يبقى إقليم كردستان مستقلاً في العراق. أما الشرط الثابت، فهو ضرورة الحؤول دون وقوع إصابات خطيرة في صفوف القوات الأمريكية، أو حصول هجوم يتسبب بوقوع ضحايا على قاعدة عراقية تضمّ عناصر من الولايات المتحدة أو التحالف أو على مجمع دبلوماسي أمريكي.
وتسعى إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، إلى تعزيز وجودها العسكري على جانبي الحدود السورية - العراقية لأسباب عدة، بينها "مواجهة إيران"، بالتزامن مع ضغوط في بغداد لوضع مستقبل الوجود الأمريكي على الطاولة، وضغوط من روسيا لتعزيز وجودها العسكري شرق الفرات، وفق تقرير خاص نشرته صحيفة "الشرق الأوسط".

اقرأ أيضاً: العراق ولبنان.. وتحدي الطائفية

تضمنت المقترحات رفع عدد القوات الأمريكية من 500 إلى ألفي جندي، إضافة إلى 5000 موجودين في العراق
وكان موضوع الوجود العسكري الأمريكي في العراق، بنداً رئيسياً في لقاءين منفصلين عقدهما الرئيس ترامب في دافوس مع نظيره العراقي برهم صالح، ورئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني؛ إذ برز تباين بين تأكيد البيت الأبيض "استمرار الشراكة الاقتصادية والأمنية" مع العراق، والتعاون مع كردستان العراق في الحرب ضد "داعش"، مقابل حديث صالح عن "السيادة".
10 اقتراحات
ونقلت "الشرق الأوسط" عن مسؤولين غربيين، لم تسمّهم، أنّ هناك 10 اقتراحات للتعاطي مع مطالب سياسيين عراقيين ببحث الوجود الأمريكي والحفاظ على أدوات لـ "مواجهة إيران"، تشمل:
1. تأكيد أنّ أي بحث للوجود الأمريكي يجب أن يتناول أموراً أخرى أوسع من الجانب العسكري؛ إذ أعلن المبعوث الأمريكي للتحالف الدولي ضد "داعش"، السفير جيمس جيفري، الخميس الماضي، أنّه "على المسؤولين العراقيين التفكير في العلاقات الثنائية التي تتجاوز مسألة الوجود الأمريكي".

أفادت مصادر استخباراتية بأنّ هناك اقتراحات شملت إقامة نقاط -قواعد عسكرية قرب السليمانية وجنوب أربيل وقرب حلبجة

2.  حضّ "حلف شمال الأطلسي" (ناتو) على لعب دور أكبر في قتال "داعش" حال قررت واشنطن بموجب تفاهم مع بغداد إعادة الانتشار، أو لانشغال القوات الأمريكية بضرورة الدفاع عن نفسها بعد تصاعد الضغوط والتهديدات في الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد اغتيال قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" قاسم سليماني. وسيكون هذا بنداً على محادثات اجتماع التحالف الدولي في الدنمارك، الأربعاء المقبل.
3.  البحث مع رئاسة إقليم كردستان زيادة الوجود الأمريكي سواء من حيث عدد الأفراد أو القواعد العسكرية. وأفادت مصادر استخباراتية، أول من أمس، تضيف "الشرق الأوسط"، بأنّ هناك اقتراحات شملت إقامة نقاط -قواعد عسكرية قرب السليمانية وجنوب أربيل وقرب حلبجة. وتضمنت المقترحات رفع عدد القوات الأمريكية من 500 إلى ألفي جندي، إضافة إلى خمسة آلاف موجودين في العراق. وقال دبلوماسيون إنّ تعزيز الانتشار في كردستان يرمي إلى حماية القواعد العسكرية إزاء زيادة المخاطر.

وماذا عن سوريا؟
4.  التكامل بين الوجود العسكري غرب العراق وشرق سوريا، ذلك أنّ معظم القوات التي انسحبت من شرق الفرات، بداية العام، أقامت في كردستان العراق، بحيث انخفض عدد القوات الأمريكية من ألف إلى 500 عنصر موجودين قرب حقول النفط شرق الفرات.
5.  الحفاظ على قاعدة التنف في زاوية الحدود السورية - العراقية - الأردنية بوجود 150 جندياً أمريكياً وراجمات صواريخ وحماية جوية، لقطع طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت.

اقرأ أيضاً: حقائق مريرة عن العراق يقدمها رئيسه للعالم.. ما هي؟
6.  الإبقاء على الوجود الجوي للتحالف الدولي ضد "داعش" في أجواء شمال شرقي سوريا، وبقاء الحلفاء الرئيسيين، بريطانيا وفرنسا، في أرض المعارك لقتال "داعش" ودعم "قوات سوريا الديمقراطية".
7.  منع القوات السورية والتنظيمات الإيرانية من التقدم إلى قاعدة التنف والتزام "قواعد الاشتباك".
8.  إبعاد القوات الروسية عن الشريط الممتد من فش خابور في الزاوية السورية - العراقية - التركية إلى شمال البوكمال على نهر الفرات. وحصل هذا مرات عدة في الأيام الأخيرة، عندما قامت دوريات أمريكية بقطع الطريق أمام الشرطة الروسية التي حاولت الوصول إلى فش خابور، بوابة شرق الفرات على كردستان العراق.

اقرأ أيضاً: ما هي رسالة طهران إلى واشنطن من خلال وجودها في العراق؟
9.  التمسك باتفاق "منع الصدام" بين روسيا وأمريكا في الأجواء الشمالية الشرقية لسوريا، خصوصاً بعد تعزيز موسكو منظومتها الجوية في القامشلي.
10.  استمرار حصول "غارات غامضة" على مواقع إيرانية في البوكمال، التي حاولت طهران تأسيس بنية تحتية فيها لتكون طريقاً بديلاً بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت.
وحسب المعلومات التي أوردتها "الشرق الأوسط"، فإنّ وفداً أمريكياً يقوم بجولة إلى لندن وبروكسل في الأيام المقبلة لإجراء محادثات مع مسؤولين أوروبيين لفرض عقوبات اقتصادية، والاتفاق على تنسيق الخطوات في العراق وسوريا للضغط على موسكو ومواجهة نفوذ طهران بعد سليماني.

للمشاركة:

تطوير مقاربة لاحتواء التهديد الناجم عن التطرف العنيف

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

بالرغم من العدد المتزايد لأنشطة المراقبة ومشاريع مكافحة الإرهاب، إلا أنّ التهديدات المحلية للتطرف العنيف تتصاعد وتتجه نحو فضاءات عابرة للحدود. يثير هذا التوجه سؤالاً حاسماً: كيف تعمَّقت الأصولية المتطرفة للصراعات المحلية وأصبحت عالمية الانتشار؟

في تقرير لمركز "CSIS" حمل عنوان "تطور التهديد السلفي الجهادي"، تم تسليط الضوء على الأعداد المتزايدة من "الجهاديين" عالمياً

وفي تقرير حديث لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية "CSIS" والذي حمل عنوان "تطور التهديد السلفي الجهادي"، تم تسليط الضوء على الأعداد المتزايدة من "الجهاديين" عالمياً. حيث يشير التقرير بشكل خاص إلى وجود ما يقارب أربعة أضعاف عدد المقاتلين الإسلاميين السُّنة اليوم بالمقارنة مع الحال في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، حسبما يقول الكاتب بارق محادين، الباحث في معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا، والمتخصص في الأمن الإنساني ومجابهة التطرف العنيف.
وعلى الرغم من اللبس الحاصل في استخدام كلمة "الجهاديين" في التقرير إلا أنه ما يزال ذا أهمية في إشارته إلى ما يأتي: بينما يعمل عدد كبير من المتطرفين العنيفين على مستوى محلي، ما زالوا قادرين على إقامة روابط عابرة للحدود المادية مع جماعات أخرى، متجمعين في نهاية المطاف داخل بوتقة ما أصبح يعرف بالجماعات المتطرفة العنيفة العالمية. وتؤكد الإستراتيجية العملياتية لما يُعرف بتنظيم الدولة، أو داعش، هذا الانتقال من المحلية إلى العالمية.

مجالات الاهتمام
هناك ثلاثة محاور رئيسية تستحق تسليط الضوء عليها. أولاً: استعمال التكنولوجيا والاستعارة بالأصول الخارجية عبر العالم بغية تكريس ونشر التهديدات الإرهابية، تكريساً لما يعرف بظاهرة "تفويض الجماهير". نجحت هذه الاستعارة في زيادة قدرة الجماعات المتطرفة على جذب المتطوعين بالاعتماد على وسائل الإعلام البصري والهويات التنظيمية الجديدة. بالتالي، فإنّ معالجتها تتطلب حواراً واعياً ومتعدد الاختصاصات؛ يطرح إشكاليات أمن الشبكات والأمن السيبراني، ويقدم دراسة دقيقة لاستغلال هذه الجماعات الإرهابية للوسائل والمنصات الحديثة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تأخذ هذه النقاشات بضرورة الموازنة بين دعم قطاع التكنولوجيا في مكافحة استغلال الإرهاب مع ضمان عدم المساس بمسائل الخصوصية وحريات الإنسان الأساسية في آن.

اقرأ أيضاً: عقيل حبيب: الإرهاب يختبئ تحت الغطاء السميك للتطرف
ثانياً: الانتقال من نموذج تراتبي عمودي متصاعد إلى آخر أفقي؛ حيث أصبحت اللامركزية أساساً للتفكير والعمليات لدى العديد من هذه الجماعات. ويُدلل على هذا الانتقال عبر النظر في تنشيط هذه الجماعات لشبكات واسعة من الخلايا النائمة، وتوظيف ملف المقاتلين العائدين والذئاب المنفردة لتنفيذ هجمات خارج المسارح الكلاسيكية والسيناريوهات المعتادة.
نظرة أقرب لتفجيرات الكاتدرائية التي حصلت في الفلبين عام 2019 وتفجيرات عيد الفصح في سريلانكا تقدم حالتين تثبتان كيفية تحول مسرح الأحداث وتوسعه جغرافياً. كذلك، فإنّ الاتجاه الملحوظ حول تصاعد عدد النساء والفتيات الانتحاريين في مناطق كحوض بحيرة تشاد في شمال نيجيريا يوضح إضافة فاعلين جدد لهذه المعادلة. على سبيل المثال، كشف تقرير CTC للمؤلفين وارنر وهيلاري ماتفيس (2017) أنّ ما يشكل 56% من مجمل انتحاريي بوكو حرام – 434 على الأقل – من بين نيسان 2010 وتموز 2017 كانوا من النساء.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية عزّزت الفوضى وشجعت التطرف في المجتمعات
ثالثاً: توسع نطاق التطرف العنيف ليشمل قادمين جدداً منضمين تحت هذه المظلة، على شاكلة الإرهاب "الشعبوي" و"اليمين المتطرف" و"تفوق ذي العرق الأبيض" القادم من مجتمعات ديمقراطية مستقرة، لا تتوافر فيها الشروط التقليدية للتطرف العنيف. على سبيل المثال، الاستعمال المستمر للخطاب العنصري وكراهية الأجانب وكراهية الإسلام في فرنسا، والذي يلقى صدى متصاعداً وحواضن قوية على امتداد القارة العجوز كهنغاريا، نيوزيلندا، المملكة المتحدة وغيرها من الدول. عليه، يتجلى للمراقبين رؤية أنّ التهديد الإرهابي لـ "الشعبوية" و"اليمين المتطرف" أصبح يحمل سمة انتشارٍ عابر للحدود يتجاوز الإطار المحلي.
الجدير بالملاحظة أيضاً حول هذا الانتقال هو اشتراك هؤلاء القادمين الجدد مع الجماعات المتطرفة العنيفة في استعمال وسائل متعددة لبناء السردية المتطرفة المناط بها صياغة وتوضيح الرؤى التي يتبنونها، ويبدو أنّ الخطاب الثنائي المبني على اللونين الأبيض والأسود هو إحدى هذه الوسائل.

مسارات متوازية
مع احتساب هذه التحولات، تصبح الإجابة عن تعمق دور الأصولية المتطرفة وعالمية انتشارها أوضح، كما أنّها تتطلب فحص مسارين متوازيين.
الأول: مسار المظالم غير المعالجة التي استخدمت من قبل هذه الجماعات لاستهداف المتبنّين المحتملين لأهدافها. يتسع نطاق هذه المظالم ليشمل قضايا الظلم الاجتماعي، التهميش، سياسات الهوية، الحوكمة الضعيفة، والمعيقات الاقتصادية. وجميعها عوامل تشير إلى الحاجة لفحص دور السياسات الوطنية في ردع تهديد التطرف العابر للحدود، والتي ما زالت مسألة تحتاج إلى الكثير من الأبحاث السياساتية المختصة.

توسّعَ نطاق التطرف العنيف ليشمل قادمين جدداً على شاكلة الإرهاب "الشعبوي" و"اليمين المتطرف" و"تفوق ذي العرق الأبيض"

ثانياً: تأثير سياسات الأمن التقليدية على لامركزية التطرف لدى الأفراد. فالشكوك قائمة حول نجاعة هذه السياسات في إطار الاحتواء الفعال للتطرف العنيف العابر للحدود. وقد أسهمت ورقة بيضاء أعدّها معهد غرب آسيا وشمال أفريقيا حديثاً في دراسة هذا الأثر من منظور إقليمي، واتَّضَحَ أنّ هناك حاجة حقيقية لإنتاج المزيد من المعرفة حول هذا المسار؛ ذلك أنّ السياسات الأمنية التقليدية التي تأتي بمعزل عن إطار شمولي أوسع يعالج المظالم السياقية ليست كافية في التصدي لهذا التهديد العابر للحدود.
وعلى الرغم من أنّ قطاعات الأمن المختلفة تبذل جهوداً لتجسير انطباع إيجابي لدى المواطنين، فإنّ المجيبين ينظرون عموماً إلى هذه التدابير في اتجاه سلبي. إنّ ميل المجيبين إلى انتقاد التدابير الأمنية يتطلب طريقة جديدة للتفكير في وسائل تنفيذ السياسات الأمنية وطرحها وتأطيرها.
عند إسقاط هذين المسارين على المشهد العالمي، يتضح في الواقع، كما يرى محادين، أنّ مواطن الخلل القائمة في الاستراتيجيات المتبعة قد أنتجت صراعات أكثر وليس أقل، وأفضت إلى مستويات أعلى من التطرف العنيف. للدلالة، لا عجب في ملاحظة أنّ بؤر الصراعات الـ 25 الرئيسة التي أطّرها مركز تعقب الصراعات العالمي التابع لمجلس العلاقات الخارجية، لم يُظهر صراع واحد منها حالة من التحسن، في حين أنّ 17 حالة من حالات الصراع الرئيسة في العالم بقيت مستمرة على حالها، و8 منها قد اتجهت نحو التدهور.

المضيّ قدماً
لا يقتصر إخفاق السياسات الأمنية الحالية على عدم إدراك الأبعاد المعيارية للأمن الإنساني، ولكنها أيضاً لا تتناول الطابع المتداخل وغير المحدود للتهديدات الأمنية الناشئة، بما في ذلك تلك الناجمة عن التحركات العابرة للحدود. ولذلك، فإنّ إستراتيجيات الاحتواء الفعّالة العابرة للحدود تتطلب استكشافاً أميناً لهذا المتغير بشكل خاص، كما ينبغي – خلال هذه العملية – بيان أثر الافتقار إلى المعرفة على هذه السياسات، وآلية انعكاس ذلك على المستوى المحلي.

اقرأ أيضاً: المغرب: لماذا يلوم الشباب ضحايا التطرف شيوخَهم التائبين؟
للمضيّ قدماً، يجب تطوير المقاربة المتبعة لاحتواء التهديد العابر للحدود المتمثل في التطرف العنيف. يبدأ ذلك بكسر حالة التوازي بين المسارين المذكورين أعلاه. كما أنّه ليس من الحكمة الاستمرار في إجراء محادثات أحادية الجانب بين الأطراف الفاعلة التقليدية على الجانب الأمني، وبين الممارسين على جانب مجال الأمن الإنساني. ومن شأن إبقاء هذه الحالة من التوازي أن يسفر عن تدخلات أحادية الجانب. بيد أنّ التحولات الواقعة على المشهد تحتم إدراك حقيقة أنّ الحلول الفعّالة توجد في الدوائر المتعددة المتقاطعة بين هذين المسارين، وليس على حدة منها.

للمشاركة:

دروس مجانية من روما: كيف تعود حدائق الحيوانات العربية للصدارة؟

2020-01-26

أقدم حديقة حيوان في أفريقيا، والأشهر من نوعها في الشرق الأوسط؛ حيث تشاركت أجيال وراء أجيال من محافظات مصر المختلفة لحظات بهجتها الأولى في الحياة، أمام الأسود والزرافات وفرسان النهر؛ حيث اجتمع عشاق شكلوا فيما بعد أسراً ممتدة، لكنّهم لم يشاركوا حينها سرّ عشقهم إلا أمام حيوانات كتومة، وحيث جلس الطلاب الفقراء يحفظون كلمات دروس اللغة الإنجليزية في المدرسة القريبة، يرددونها على مسامع القردة أمامهم ليثبت الحفظ، سيصيرون فيما بعد أطباء ومهندسين وقادة وزعماء ومناضلين.


إنّها حديقة الحيوانات المصرية في الجيزة، التي تمّ استبعادها من عضوية الاتحاد الدولي العام لحدائق الحيوان (waza) عام 2004، بعد اتهامات بتجاهل توصيات الاتحاد فيما يخصّ معاملة الحيوانات، بسبب تفاقم مشكلات عدّة فيها، وانبعاث الروائح الكريهة، وإهمال النظافة، والأعطال المتكررة في موتورات ضخّ المياه في البحيرات الصناعيّة، وإهمال تغذية الحيوانات على النحو المقبول، وقد وصل الأمر إلى حدّ إقدام بعض الحيوانات في الحديقة في الأعوام الماضية على الانتحار، هذا كلّه إلى جانب الإهمال الطبي، والحالة الرديئة لدورات المياه.

اقرأ أيضاً: كيف تساعد الحيوانات الأليفة المسنين على تخفيف آلامهم؟
بشكل عام؛ حين يبدأ الحديث، على استحياء، عن ضرورة تطوير حدائق الحيوان في البلدان العربية، يتجه التفكير مباشرة إلى أنّ هذه ليست أولوية في مجتمعات فقيرة تعاني من مشكلات لا حصر لها في قطاعات أهم كثيراً من حدائق الحيوان، ثم تتحول دفّة الحديث مباشرة إلى أنّ هذا الأمر يتطلب أموالاً كثيرة، وفكراً استثمارياً، بل وأن يوكل الأمر برمّته إلى رجال المال والأعمال بعيداً عن الدول، حتى تتحول تلك المشروعات إلى مشروعات استثمارية نافعة، تفيد زائر الحديقة والدولة والمستثمر في ذات الوقت.


ثمة مجموعة حلول مجانية قد تستطيع تبديل حال حدائق الحيوان العربية من حال إلى حال، دون الحاجة إلى المستثمر، بل بالأحرى مع ضرورة عدم التوجه إلى هذا الحلّ.

هناك حاجة إلى استبدال الأقفاص الكئيبة التي تؤدي ببعض الحيوانات إلى الانتحار بأخرى زجاجية ومساحات أوسع

الهدف هنا ليست الرغبة في رؤية حدائق الحيوانات العربية تتصدر المؤشرات العالمية الخاصة بتصنيف هذا النوع من الحدائق، وليس تطويرها على النحو الذي يجذب السياحة ويحقق عوائد للمجتمعات والدول العربية، هذه كلّها فوائد مهمة بالطبع تنتج عن تطوير حدائق الحيوان، لكنّ الحديث سيكون عن شيء مختلف عن ذلك، والصدارة التي يبتغيها لحدائق الحيوان العربية، ليست في تصنيف كلّ عام على موقع "trip advisor"؛ فحدائق الحيوان العربية مهما ارتقت لن تلبي طموحات تلك المؤشرات التي تحتاج تلبيتها إلى ملايين الدولارات.

لا السياحة ولا السياح.. الأهمية الحقيقية لحدائق الحيوان
عادة حين يكتب الناشطون في الغرب، سواء هؤلاء المؤيدون لما تسمى حقوق البيئة وحقوق الحيوان، أو أولئك اليمينيون الذين لا يعيرون قضية البيئة والتغير المناخي والأجيال القادمة أيّ انتباه، فهؤلاء لا يقتربون من الاتفاق إلا في أمر واحد؛ وهو أنّ حدائق الحيوان، ويشددون هنا على الحديث عن الحدائق المتحضرة لا تلك المفتقدة لأدنى درجة من المعايير في الدول النامية، تلعب دوراً مهماً كمخزن للحيوانات المهددة بالانقراض في البرية، فتلك الأنواع تزداد قوة وقدرة على البقاء في حدائق الحيوان بالأرقام والإحصاءات، رغم كلّ الدعوات التي يرفعها البيئيون حول حقّ الحيوان في الحرية.

اقرأ أيضاً: حيوانات مختلفة استخدمت في عمليات التجسس.. تعرف إليها
يأتي هذا التشديد على دور حدائق الحيوان في ظلّ الهجوم البشري الشرس من أجل الانتفاع الاقتصادي، أو نتيجة للزحف السكاني باتجاه الغابات ومواطن الحيوان، على أعداد مهولة من الحيوانات؛ إذ أصبح من الصعب أن تسمع عن حيوان في برامج التلفاز أو في إحدى المطبوعات دون أن تتوقع جملة "لكنّ هذا النوع شهد نقصاً كبيراً في أعداده في الأعوام الأخيرة". 


يجادل آخرون من علماء الحيوان والناشطين في العالم الغربي أيضاً بأنّ هناك فائدة أكبر، غير مباشرة، من حدائق الحيوان، تحمي هي الأخرى الحيوانات من الانقراض، هذه الفائدة بحسبهم أنّ الناس لن تهتم بخبر في التلفاز حول احتمالية انقراض الدب القطبي إذا لم يدخلوا في تجربة حقيقية مع هذا الدب، ويشاهدوه وهو يلعب على بعد أمتار قليلة منهم، وهو يقوم بحركاته المدهشة، وأنّه بهذا النحو فقط يمكن تشكيل وعي لدى زائر الحديقة يجعله يهتمّ حين يختار مرشحاً سياسياً إن كان هذا المرشّح سيساهم بسياساته في قتل هذا الدب أم إنّه سيحميه.

اقرأ أيضاً: مشاعر مشتركة بين الإنسان وبعض الحيوانات.. هل تعرفها؟
في الواقع؛ كلّ ما سبق نقاشه مقبول ومتفهم في السياق الغربي، لكن على مستوى دولنا العربية فإنّ حدائق الحيوان، لها دور أكبر لتلعبه في تشكيل الأمة، دور لا علاقة له في الأساس بالحفاظ على البيئة أو حماية أكبر أعداد ممكنة من الشمبانزي كي تحيا، فهذه الأدوار البيئية ربما يكون من الإجحاف بمكان مطالبة فقراء العالم بالقيام بها.


قال الفيلسوف اليوناني كزينوفانيس، قبل ميلاد المسيح بأربعة قرون: إنّك لو أعطيت الخيول قلماً لترسم الإله كما تتخيله لرسمته فرساً عظيماً، والأسود لرسمته أعظم القساور، أما في منطقتنا العربية فنحن حين عرفنا الإله وأردنا أن نتعبده تعبدناه عبر الحيوانات، فالمصريون القدماء تخيلوا الآلهة حيوانات، وحين جاءت الرسالات الإبراهيمية وبزغت في منطقتنا ودعت لعبادة إله واحد فوق القدرة على التخيل، ضربت القصص والعبر دوماً بالحيوانات، ولا تكاد تخلو قصة رجل صالح أو نبي في القرآن، دون إشارة إلى حيوان يلعب دوراً أساسياً في قصته، ويكون وسيطاً لفهم الرموز الإلهية من خلاله؛ فمن حوت يونس إلى ناقة صالح، وصولاً إلى ذئب يوسف وكلب أهل الكهف، كانت الحيوانات دوماً وسيطاً بين الإنسان وطلب الحكمة في الدنيا.


فهم المتصوفة ذلك بشدة، فكان بعضهم يقول "لا نقبل مريداً لم يصاحب حيواناً"! وبشكل عام كُتبت بالإنجليزية، قبل العربية، كتابات كثيرة، أشارت إلى أنّ الحضارة الإسلامية في عمومها كانت تولي معاملة أرقى للحيوانات من تلك التي كانت تلقاها في الحضارة المسيحية بالقرون الوسطى؛ إذ إنّ الوصايا في الإسلام على مراعاة الحيوان قد وصلت إلى حدّ قول الرسول ﷺ ذات مرة؛ إنّ امرأة بغياً من بني إسرائيل قد غفر الله لها كلّ ذنوبها لأنّها سقت ذات يوم كلباً.

اقرأ أيضاً: 7 حيوانات حظيت بمكانة خاصّة في الأديان والثقافات.. تعرّف عليها
بالنسبة إلى كاتب هذه السطور؛ فإنّه لم يكن ليكتب هذه السطور، أو أيّة سطور، لولا زيارة أسبوعية على مدار أعوام الطفولة، ولّدت العديد من الأسئلة حول الطبيعة والوجود والحق والخير والعدل، استعصت على الإجابة لكنّها كانت تلين حين تتحول إلى كتابة على ورق.


حديقة الحيوانات هي، باختصار، مكان مثالي، إذا ما تم تنظيمه على النحو التثقيفي الأمثل، لتوليد الأسئلة الكبرى في عقول النشء بطريقة سلسة، ولتفجير طاقات الخيال والرحمة ومقاربة القضايا الكبرى في العالم في آن واحد، على سبيل المثال؛ تعرض الآن شبكة "نتفليكس" على شاشتها سلسلة أخطر 72 حيواناً في قارة آسيا، وفي الواقع، إضافة إلى المتعة والاحترافية والمعلومات المهمة التثقيفية التي تطرحها السلسلة والتي تناسب الصغار والكبار، فإنّها لو عُرضت على أطفالنا في الصفوف الابتدائية ستكون درساً أكثر إثارة عن التنوع وتقبل الاختلاف والتعددية، من محاضرات مطولة تقليدية ينام في أثنائها الطلاب عن الموضوعات نفسها، حينها لن يتسابق الطلبة على الهروب من الدروس، إنما سيتسابقون على الحضور من أجل المتعة أولاً، ومن بعد المتعة يأتي كلّ شيء.
إذاً، ما هي دروس روما المجانية؟  
اتفقنا إذاً في أنّ حديقة الحيوان، خاصة في بلداننا الفقيرة، قبل كلّ شيء، هي وسيلة تعليمية وتثقيفية يسيرة، بإمكانها أن تفجر داخل العقول الصغيرة أسئلة اندهاش قد تقود فيما بعد لأسئلة أكبر فأكبر، ثم إجابات لعلّها تغير مستقبل أمتنا وتمنحها غداً أفضل من أمسها، لكن هل يحتاج تحقيق ذلك إلى أموال كثيرة واستثمارات ضخمة؟ الإجابة مدعومة بالصور، وهي "لا" لحسن الحظ، كلّ المطلوب هو رغبة حقيقية في التطوير بأقل الإمكانات وتحقيق الهدف المرجو.

اقرأ أيضاً: تعرّف على أشهر 8 حيوانات أصبحت رموزاً لدول

بإمكاننا هنا أن نتخذ من حديقة حيوانات روما، وهي بالمناسبة ليست مصنفة وفق المؤشرات العالمية ضمن العشرة الكبار في عالم حدائق الحيوانات، لكنّها تعدّ نموذجاً فريداً في ربط التسلية عند الطفل بالمتعة، أنموذجاً جيداً ندرسه ونطوره.


كما هو موضح بالصور؛ فإنّ كلّ بيت لحيوان ما حوله مجموعة كبيرة وبديعة من الصور التثقيفية الشيقة، وكما هو موضح، فكلّ لوحة من اللوحات قد صممت بإتقان فنّي ليكون عامل الجذب فيها على أعلى درجة ممكنة لتتمكن من جذب الأطفال، كلّ لوحة تتضمّن معلومات جذابة ومهمة عن حياة الحيوان، والأماكن التي يعيش فيها بخرائط تفاعلية، ودرجة تعرضه لخطر الانقراض، ومعلومات عن سلوكه وأطعمته المفضلة.

كُتبت بالإنجليزية، قبل العربية، كتابات كثيرة، أشارت إلى أنّ الحضارة الإسلامية في عمومها كانت تولي معاملة أرقى للحيوانات

هذه اللوحات الجذابة التي تتضمن في بعضها أيضاً قصصاً قصيرة يكون بطلها هو الحيوان محلّ الزيارة نفسه، لا تضمن فقط تعريف الطفل على معلومات جديدة تنشط خياله، وإنّما هي وسيلة فعّالة لربط الطفل بالقراءة، ولك أن تتخيل تأثير قراءة هذا الكمّ من اللوحات والقصص الميسرة على قدرات الطفل اللغوية، في زمن يشكو فيه كلّ الآباء من أنّ أطفالهم لا يقرؤون. هذه اللوحات غير مكلفة بالطبع، ويمكن ببساطة أن يصنعها، على هذا النحو التفاعلي والجذاب، طلاب الكليات العربية من أقسام الآداب والفنون الجميلة وعلوم الحيوان ومعهد السينما، على نحو يكون هذا الأمر فيه هو مشروع تخرجهم تحت رعاية الدولة، وبذلك سيكون النفع العائد على الدولة والطلاب والأطفال أكبر بكثير مما يمكن تخيله، ولن يحتاج إلى مستثمر غني يشتري حدائق الحيوان العربية ليطورها، أو شيء من هذا القبيل، هو فقط يحتاج إلى تخطيط يمكّنك، كفرد، من تحقيق أكبر استفادة ممكنة من القدرات الكامنة في شباب وطنك، وغني عن القول إنّ هذه اللوحات ستكون أفضل بكثير من تلك الأوراق الخضراء القاتمة التي عهدناها بجوار أقفاص الحيوانات في حدائقنا، والتي لا تتضمّن إلا معلومات قصيرة مملة عن الحيوان.


على جانب آخر؛ هناك ألعاب تفاعلية أيضاً لا تحتاج إلى إنفاق سوى اليسير جداً من المال، أمام بيت كلّ حيوان، فإذا ذهبت أمام الذئب وجدت مجسماً على هيئة رأس ذئب، وإذا فتح فمه يجد معلومة عن الأطعمة المفضلة لهذا الذئب، على سبيل المثال، وإذا وقف أمام بيت النمر يجد مجسمات على شكل أعضاء جسم النمر، كتِبت على كلّ عضو عبارات عن الاستفادة الطبية التي تتحقق منه، إلى جانب الأساطير التي يعتقدها الناس فيه والحقائق العلمية، كذلك تستغل الحديقة بيت القرد لتحكي للأطفال بشكل مبسط عن نظرية التطور، وتوفر معلقاً صوتياً أمام هذا البيت المهم، ليحكي قصصاً شيقة عن هذا الكائن الذي يتشارك معنا في العديد من الصفات.
أما على صعيد الاتهامات التي توجه دوماً لحدائق الحيوان العربية بسوء معاملة الحيوان، فالحلّ هنا أيضاً لا يحتاج إلى الكثير من المال، فقط يحتاج إلى استبدال الأقفاص الكئيبة التي تؤدي ببعض الحيوانات إلى الانتحار، بأخرى زجاجية، ومساحات أوسع جغرافياً للحيوان ليمارس حياته الطبيعية بحرية، مع إضافة ألعاب زهيدة السعر لكلّ حيوان في بيته الزجاجي الواسع، بما يتلاءم مع طبيعة تكوينه المتفردة.

للمشاركة:



اللبنانيون يرفضون حكومة دياب..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وقعت، أمس، مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة، والقوى الأمنية، في ساحة رياض الصلح، وسط بيروت، أثناء محاولة عدد من المتظاهرين الدخول إلى السراي الحكومي.

وأصيب في المواجهات 20 شخصاً، على الأقل، في صفوف الجانبين تمّت معالجة 18 منهم ميدانياً، وفق ما كشف الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني، جورج كتانة، لوكالة "فرانس برس".

وحاول متظاهرون تجمّعوا قرب مقر رئاسة الحكومة إزالة الأسلاك الشائكة وسياج حديدي وإزاحة المكعبات الإسمنتية، كما رشق المحتجون بالحجارة والمفرقعات النارية قوات مكافحة الشغب التي ردّت باستخدام خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع،  وتمكّن عناصر مكافحة الشغب من تفريق المتظاهرين الذين كانوا قد تخطّوا تقريباً كلّ العوائق الموضوعة أمام مدخل مقر رئاسة الحكومة.

مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة والقوى الأمنية أمام مقرّ رئاسة الحكومة

وعبّر عدد من المتظاهرين، خلال مشاركتهم في احتجاجات أمس، عن رفضهم لحكومة دياب، مؤكدين أنّها ليست الحكومة التي طالبوا بها، وأنّها "ليست حكومة إنقاذ من اختصاصيين بعيدة عن المحاصصة"، مضيفين: "بعد مئة يوم، وكأنّ الشعب لم يقل شيئاً، نرفع صوتنا ضدّهم، لكنّهم يقومون بما يناسبهم".

 وكتبت وزيرة العدل، ماري كلود نجم، في تغريدة: "مُدانٌ ومرفوض هذا العنف، وتدمير أرزاق الناس وسط بيروت، الحراك قام لغاية نبيلة وليس لتخريب المدينة على حساب أهلها وتجّارها".

يذكر أنّ المظاهرات الاحتجاجية في لبنان، بدأت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وسط بيروت، عقب قرار اتخذته الحكومة بفرض ضريبة على تطبيق "واتس أب"، وسرعان ما انتقلت المظاهرات لتعم كافة المناطق اللبنانية.

ويواجه لبنان انهياراً اقتصادياً مع شحّ في السيولة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية، وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار، حتى تحولت فروع البنوك إلى مسرح يومي للإشكالات بين مودعين يطالبون بأموالهم وموظفين ينفذون القيود المفروضة.

 

 

للمشاركة:

الأردن: توجيه تهمة الإرهاب لثلاثة أشخاص.. ماذا فعلوا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وجهت محكمة أمن الدولة الأردنية، اليوم، تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي والترويج لأفكاره، بحقّ ثلاثة أشخاص.

وذكر القضاء الأردني، وفق ما نقلت صحف محلية؛ أنّ اثنين من المتهمين الثلاثة نفذوا عملية طعن ثلاثة سياح أجانب وثلاثة أردنيين في مدينة جرش الأثرية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

وكشفت التحقيقات؛ أنّ المتهمين نفذوا عمليتهم الإرهابية انتقاماً لمقتل زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي، أبو بكر البغدادي، بتوجيه مع أحد الإرهابيين الذي قدّم لهم فتوى بجواز قتل السياح.

محكمة أمن الدولة توجه تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بداعش والترويج لأفكاره بحقّ ثلاثة أشخاص

وتتلخص وقائع القضية، وفق لائحة الاتهام، في أنّ المتهم الأول من حملة الفكر التكفيري (داعش)، وهو صديق للمتهم الثاني، حيث باشر المتهم الأول بعرض فكره الإرهابي على المتهم الثاني واقتنع الأخير بهذا الفكر .

ثمّ خطط المتهمان للالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، وتواصلا مع شخص يدعى "أبو زينة" من تنظيم داعش.

ثم اتفقا مع المتهم الثالث على الترويج لتنظيم داعش، بعد أن اجتمعوا داخل مزرعة يعمل بها المتهم الثالث، وأثناء محاولة المتهم الأول الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، عرض عليه المدعو "أبو زينة" من داعش أن ينفذ عملية إرهابية، وأعطاه فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب، لتكون العملية انتقاماً لمقتل زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي".

الإرهابيون حصلوا على فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب لتكون العملية انتقاماً لمقتل البغدادي

وفكروا في البداية بتنفيذ عملية ضدّ كنيسة في منطقة دبين، ثم اتفقوا أن يتولى المتهم الأول تنفيذ العملية بالاعتداء على السياح الأجانب في جرش.

وكان الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام في الأردن، عامر السرطاوي، قد أوضح أنّ المصابين هم ثلاثة سياح ومرشد سياحي ورجل أمن أصيب اثناء محاولة القبض على المهاجم.

 

للمشاركة:

الحوثيون يستغلون المنابر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

 لا تتوانى ميليشيات الحوثي الإرهابية عن استخدام أية وسيلة كانت لترفد قواتها بعناصر جدد يحاربون إلى جانبها، في ضوء الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها خلال المعارك الأخيرة.

هذه المرة حاولت الميليشيات استغلال الدين بتحويل منابر الجمعة إلى وسيلة للتحريض والتجنيد؛ حيث عمد خطباء الميليشيات الحوثية في العاصمة، صنعاء، الأول من أمس، إلى الدعوة لتجنيد المزيد من المقاتلين، وإن كانوا أطفالاً، للزجّ بهم في جبهات القتال.

وأكّد مصلون في عدد من المساجد، في العاصمة صنعاء، نقلت عنهم صحيفة "الشرق الأوسط"؛ أنّ "خطب مساجد الحوثيين بمعظم مناطق العاصمة صنعاء، أمس، تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي ودعوة اليمنيين للهبة والقتال بجبهة نهم والموت في سبيل مشروعها الظلامي الكهنوتي".

خطباء الميليشيات الحوثية في صنعاء يدعون لتجنيد المزيد من المقاتلين حتى إن كانوا أطفالاً

والاحظ المصلون أنّ جلّ خطب الميليشيات، أمس، على منابر المساجد كانت متشابهة بشكل كبير في استنجادها للمواطنين، وطلب الدعم والمساندة والإنقاذ منهم لمقاتليها، الذين تلقوا ضربات موجعة بمختلف الجبهات على أيدي قوات الجيش الوطني.

وبحسب المصلين؛ فإنّ خطباء الميليشيات دعوا مرتادي المساجد إلى "النفير والهبة الشعبية والدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال والجهاد دفاعاً عن العرض والدين".

في سياق متصل، كشف مصدر بمكتب الأوقاف والإرشاد، بالعاصمة صنعاء، أنّ المسؤولين الحوثيين في وزارة الأوقاف ومكتبها في الأمانة الخاضِعَين لسيطرتها، استدعوا، الخميس الماضي، عدداً من الخطباء والمرشدين لإعطائهم أوامر وتعليمات لحثّ المواطنين والسكان في خطبهم ودعوتهم إلى رفد جبهات الحوثيين بالمقاتلين، خصوصاً جبهة نهم، الواقعة شرق العاصمة صنعاء".

وقال المصدر بمكتب الأوقاف، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، خشية انتقام الميليشيات؛ إنّ قيادة الجماعة طلبت من خطبائها الطائفيين أن يعملوا على تخويف جموع المصلين، وتحذيرهم من على المنابر، من خطورة اجتياح نهم ودخول صنعاء من قبل قوات الشرعية.

خطب مساجد الحوثيين بصنعاء تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي

بدورهم، أكّد سكان محليون بصنعاء لـ "الشرق الأوسط"، تركيز غالبية خطباء الجماعة في خطبتَي الجمعة بصنعاء، على بثّ خطاب الكراهية وتحريض الناس ليتحركوا إلى الجبهات، وإلحاق أبنائهم بالجهاد والقتال ضدّ من وصفوهم بـ "المنافقين والتكفيريين"، و"المرتزقة والغزاة".

من جانبهم، تحدّث مواطنون، يقطنون بالقرب من مساجد بصنعاء، عن مغادرة مصلين كُثر لعدد من المساجد فوز تحريض خطباء الجماعة الناس على الانضمام لجبهاتها القتالية العبثية.

ورأى المواطنون، أنّ العزوف الجماعي للمصلين عن مساجد الميليشيات جاء عقب موجة من الغضب الشديدة التي اجتاحتهم فور سماعهم خطب الميليشيات المتكررة المحرضة على العنف والقتل ونشر المذهبية والطائفية، التي سعت وتسعى الميليشيات منذ انقلابها لزرعها في أفكار المواطنين بصنعاء وبقية مناطق سيطرتها.

يذكر أنّ الميليشيات الحوثية تحكم قبضتها وسيطرتها حالياً على غالبية المساجد في العاصمة، وذلك بعد اعتقالها للمئات من الدعاة والأئمة والخطباء والمرشدين والزجّ بهم في السجون، واستبدالهم بخطباء موالين لها طائفياً.

وفي الوقت الذي وجهت فيه الميليشيات من خلال خطبائها الطائفيين، دعوات مكثفة من على منابر المساجد لجموع المواطنين بصنعاء للدفع بهم للانضمام لصفوفها والقتال بجبهاتها، دقت الميليشيات الانقلابية، أواخر الأسبوع الماضي، ناقوس الخطر، وجابت سياراتها شوارع وأحياء صنعاء بهتافات مختلفة عبر مكبرات الصوت، تدعو اليمنيين للنفير العام والهبة الشعبية لإنقاذ ميليشياتها في جبهة نهم.

مستشفيات العاصمة استقبلت على مدى الأيام الخمسة الماضية المئات من القتلى والجرحى الحوثيين

وذكرت المصادر المحلية؛ أنّ ميليشيات الموت أفردت دوريات مسلحة مهمتها جمع الشباب والأطفال من المارة في شوارع وأحياء وحارات صنعاء ونقلهم قسراً، بعد خداعهم والتغرير بهم، للقتال إلى جانب عناصرها.

وفي سياق متصل؛ كشفت مصادر طبية في صنعاء لـ "الشرق الأوسط"؛ أنّ "مستشفيات العاصمة استقبلت، على مدى الأيام الخمسة ماضية، المئات من القتلى والجرحى التابعين للميليشيات، الذين سقطوا إثر المواجهات المستمرة على امتداد خطوط التماس في جبهة نهم، البوابة الشرقية للعاصمة صنعاء".

في المقابل، أكّد شهود عيان في أحياء متفرقة بصنعاء، أنّ الميليشيات الحوثية شيعت، خلال اليومين الماضيين فقط، أكثر من 60 عنصراً من قتلاها الذين لقوا حتفهم خلال المعارك الدائرة في جبهة نهم.

وتتكبد الجماعة الحوثية في جبهة نهم خسائر بشرية كبيرة، في ظلّ استمرارها في التحشيد والدفع بعناصرها، ومن تجنّدهم من الأطفال وطلبة المدارس، للقتال في محارق خاسرة ومحسومة سلفاً.

 

للمشاركة:



حالة مرضية في العراق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

خيرالله خيرالله

يُعاني عدد لا بأس به من السياسيين العراقيين من حالة مرضية. يعود ذلك الى الرغبة في استرضاء ايران في وقت يعرف هؤلاء ان نظام "الجمهورية الإسلامية" يعاني من ازمة عميقة، بل ازمة مصيرية، كشفتها عملية اغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني. ادّت هذه الحالة المرضية في العراق الى ردود فعل غير طبيعية ردّا على تصفية الولايات المتحدة لسليماني بعيد مغادرته مطار بغداد مع أبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" مطلع هذه السنة. كانت البداية طلب مجلس النوّاب العراقي، في غياب معظم النوّاب السنّة وكل النواب الاكراد، انسحاب القوات الاميركية من العراق.

كلام عراقي كثير قيل منذ تخلّص الاميركيين من سليماني، بما في ذلك ما صدر عن رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الذي يريد التخلّص من القواعد الاميركية من دون الإشارة الى الوجود الايراني في العراق، وهو وجود اقلّ ما يمكن ان يوصف به انّه طاغ. لم يتردد مقتدى الصدر، الذي عاد الى تحت الجناح الايراني قبل اشهر قليلة وشوهد في مجلس "المرشد" علي خامنئي الى جانب قاسم سليماني، في التهديد والوعيد للاميركيين قبل ان يدعو الى تظاهرة "مليونية" في بغداد لا يبدو انّها ستقدّم او تأخر. قبل كل شيء، لم تكن التظاهرة "مليونية". فضلا عن ذلك، بدأ مقتدى الصدر نفسه يعدّل من لهجة خطابه
بدعوته الى مجرد "غلق القواعد الأميركية الموجودة على الأراضي العراقية" مؤكدا ان "الهدف والمطلب الأساسي هما جدولة خروج قوات الاحتلال فعليا وبشكل منظور على الأرض". قام مقتدى الصدر بنقلة نوعية تؤكّد انّه ليس سوى ضحيّة أخرى للحالة المرضية التي يعاني منها قسم كبير من الطبقة السياسية العراقية.

متى يعود أي سياسي عراقي، من السياسيين الحاليين، الى نفسه، يدرك في العمق انّ الدبابة الاميركية هي التي عادت به الى بغداد وان المشروع الايراني ليس سوى مشروع ذي افق مسدود في المدى الطويل. لكن ما العمل عندما يكون هذا السياسي او ذاك مضطرا الى ان يأخذ في الاعتبار انّ عليه مراعاة ايران الى ابعد حدود بعدما اكتشف ان لديها القدرة على منع أي شخص لا يعجبها من الوصول الى موقع رئيس الوزراء، كما حصل مع حيدر العبادي او مع اياد علّاوي، كما لديها ما يكفي من النفوذ لاقالة ضابط كبير مثل عبدالوهاب الساعدي لعب دورا مهمّا في الانتصار على "داعش" في الموصل وفي كلّ معركة.

من حسن الحظ انّه لا يزال في العراق عدد من السياسيين القادرين على التمتع بحدّ ادنى من الاستقلالية مع امتلاك لبعض من ذاكرة ايضا. لا شكّ ان الاكراد يمثلون نوعا من الاستثناء العراقي هذه الايّام على الرغم من ان اميركا خذلتهم بعد الاستفتاء على الاستقلال في الخامس والعشرين من أيلول – سبتمبر 2017. لم تقدم واشنطن على أي خطوة من اجل مساعدة مسعود بارزاني في ترجمة نتائج الاستفتاء، التي جاءت لمصلحة الاستقلال، على ارض الواقع. امتلك مسعود بارزاني ما يكفي من الحكمة وقدّم استقالته معترفا بفشله في تحقيق الحلم الكردي القديم. تعاطى مع الواقع ورضخ له. استوعب ان الدعوة الى استفتاء في ظروف معيّنة لم يكن خطوة في الاتجاه الصحيح على الرغم من ان نسبة مؤيدي الاستقلال في إقليم كردستان بلغت 92 في المئة.

ما يؤكد ان اكراد العراق متصالحون الى حدّ كبير مع الواقع ومع الحقائق العراقية تصرّف برهم صالح رئيس الجمهورية في مؤتمر دافوس. التقى برهم صالح الرئيس دونالد ترامب وتعاطى معه بصفة كونه رئيس الدولة الأكبر في العالم. لهذه الدولة فضل على كلّ سياسي حالي في العراق. لم يتجاهل الاكراد انّه لولا الجيش الاميركي لكان العراق لا يزال تحت حكم صدّام حسين وذلك بغض النظر عن ايّ مقارنة بين عراق ما قبل 2003 وعراق الآن. وهي مقارنة لمصلحة صدّام. اجتمع رئيس الجمهورية العراقية الكردي مع الرئيس الاميركي مع علمه المسبق انّ ايران ستعترض على ذلك وستستخدم ازلامها لشنّ حملة تهويل عليه. رأى برهم صالح اين مصلحة العراق وذلك على الرغم انّه لا يعتبر من السياسيين المعادين لإيران.

ما يؤكّد أيضا وايضا ان الاكراد يتعاطون مع الواقع العراقي كان موقف الرئيس الحالي لإقليم كردستان نيجرفان بارزاني في دافوس. ففي جلسة حوارية في اطار المنتدى الاقتصادي العالمي قال نيجرفان: "عندما يتعلق الامر بما يحصل في العراق فإننا نتحدث عن جيل تراوح أعمار المنتمين اليه بين 15 و23 عاما، أي أن هؤلاء لم يعايشوا فترة صدام حسين أو أميركا بل يسعون الى حياة أفضل مقارنة ببقية الشعوب". وأضاف: "المتظاهرون غير راضين عن أداء الطبقة السياسية وقد أوصلوا رسالتهم عبر الاحتجاجات. نستغرب ان هناك من يلقي كل اللوم على الخارج، فإذا افترضنا أن 70 في المئة متأثرون بأطراف خارجية، فإن هنالك 30 في المئة يتظاهرون بدوافع تلقائية، لذا لا بد أن نشعر بالمسؤولية ونراجع أنفسنا". وشدد على أن "الأكراد جزء من العراق ولا نستطيع النأي بأنفسنا عما يحصل لذلك نعمل على تهدئة الأوضاع ولدينا تواصل مع بغداد من اجل تحقيق هذا الغرض". وعن وجود القوات الأميركية في العراق، قال نيجرفان بارزاني، إن "القوات الأميركية موجودة بناء على طلب الحكومة للمساعدة في التصدي لداعش ومهماتها واضحة ومحددة. نرى أن قرار البرلمان العراقي غير صائب وصدر بغياب الأكراد والسنة، فالعراق لا يزال بحاجة الى الدعم الأميركي لأن خطر داعش لا يزال قائما". خلص الى التأكيد مجدّدا أن "المشكلة تكمن في عدم وجود شيء اسمه الولاء للعراق، في حين يجب أن يكون العراق جامعا لكل المكونات".

يوجد منطقان عراقيان لا يمكن ان يكون هناك قاسم مشترك بينهما، اقلّه في الوقت الحاضر، وذلك في انتظار ما ستؤول اليه الامور في ايران. هناك منطق لا علاقة له بالمنطق مثل منطق مقتدى الصدر وآخر متصالح مع الواقع اسمه المنطق الكردي. ارتكب الاكراد في الماضي أخطاء كثيرة. الظاهر انّهم استفادوا من هذه الأخطاء. استفادوا من ان الشعارات لا تطعم خبزا. انّهم على العكس من معظم قادة الأحزاب الشيعية من نوع مقتدى الصدر يعرفون ان مصلحة كلّ عراقي في المحافظة على العراق وان الخطر الأكبر هو ذلك الذي تمثّله ايران وليس الولايات المتحدة التي راهنت رهانا خاطئا على ان في الإمكان إقامة نظام ديمقراطي في العراق... وهي تدفع حاليا ثمن هذا الرهان!

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

إيران: طريق العودة للواقعية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

حسن فحص

لا يمكن ان يكون الحديث الذي ادلى به وزير الخارجية الايرانية محمد جواد  ظريف مع وسيلة اعلام المانية نقلته محطة "أي بي سي نيوز" حول استعداد بلاده للحوار مع الولايات المتحدة الامريكية على الرغم من عملية الاغتيال التي قامت بها لقائد قوة القدس في حرس الثورة الجنرال قاسم سليماني، موقفاً نابعاً من رغبة ظريف في هذا الحوار، لكنه يعبر عن وجود توجه لدى النظام للعودة الى الحوار، الا انه يريد حواراً متكافئاً تقوم قبله واشنطن بالغاء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على ايران والعودة عن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وهي شروط لا يبدو حتى الان أنها تحظى بموافقة واشنطن التي تصر على حوار من دون شروط، ومن دون التطرق الى ورقة العقوبات الاقتصادية التي تعتقد بانها الاداة الاكثر فعالية في خنق النظام الايراني واجباره على الجلوس الى طاولة والتفاوض على شروط جديدة في الملفين النووي والصاروخي والنفوذ الاقليمي غرب آسيا.

الحديث الذي امتنعت وسائل الاعلام الايرانية بمختلف انواعها عن نقله او التعامل معه، يأتي مؤشراً على رغبة لدى النظام الايراني بتجاوز مرحلة التصعيد التي شهدتها المنطقة بين طهران وواشنطن بعد عملية الاغتيال الامريكية والرد الايراني على قاعدتي الحرير في اربيل وعين الاسد في الانبار. وان طهران تريد الاكتفاء بالحد الذي وصفته " بالصفعة" التي وجهتها للقوات الامريكية، والانتقال الى توظيف خسارتها باغتيال سليماني في البعد السياسي ان كان في محاولة جر واشنطن لتقديم تنازلات والعودة الى طاولة المفاوضات او من خلال ترك الامر للانشطة التي من المفترض ان تتولاها القوى الحليفة لها "الوكلاء" في المنطقة في اطار ما رسمه المرشد الاعلى وقيادة حرس الثورة بدعوة الشعوب لانهاء الوجود الامريكي في منطقة غرب آسيا.

ولم تتوقف اشارات التهدئة التي تصدر عن رئيس الدبلوماسية الايرانية تجاه دول المنطقة، خصوصا باتجاه الدول الخليجية وتحديدا العربية السعودية، والحديث عن مفاوضات مباشرة قريبا بين الطرفين، والتي من المفترض انها لن تقتصر على الازمة اليمينية وتفعيل الحل السياسي في هذا البلد، بل ستشمل ازمات المنطقة كافة، ان كان في العراق او سوريا او لبنان، خصوصا وان النظام الايراني لا يرغب في الذهاب بعيدا في المواجهة العسكرية مع واشنطن، وان ما تركه من مهمات على عاتق حلفائه "الوكلاء" في مناطق النزاع والتماس المباشر مع القوات الامريكية يمكن التحكم به ومساراته اما تصعيدا لممارسة الضغط لتسهيل وتسريع التفاوض، واما نحو التهدئة وكبح جماح هذه القوى وعدم الانتقال الى مواجهة وحرب عصابات مفتوحة قد يكون من الصعب التحكم بمآلاتها.

العودة الايرانية للحديث عن التفاوض ومع واشنطن بالتحديد، من غير المستبعد ان يكون مجرد خطأ او مناورة من ظريف بعيدا عن التفاهم مع قيادة النظام بجناحيها السياسي والعسكري، وهي لا تتناقض مع التصعيد الذي جاء في كلام ظريف امام البرلمان الايراني تجاه الترويكا الاوروبية ولغة التشدد التي سيطرت على مواقفه، بل تصب في اطار تعزيز الرغبة الايرانية بالتوصل الى تفاهمات مع واشنطن بعد ادراك العجز الاوروبي عن اتخاذ خطوات تخفف من حدة الضغوط الامريكية.

والانتقال الى لغة التفاوض في ظل استمرار سيل التصريحات والتهديدات الصادرة عن القيادات السياسية والعسكرية (حرس الثورة) ضد القوات الامريكية في منطقة غرب آسيا، قد لا تعني ان طهران في صدد الاستمرار بالتصعيد المفتوح كما توحي هذه المواقف، بل قد تعني الاستعداد للانتقال الى التهدئة وتوظيف التطورات لفتح مسار يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين الطرفين، انطلاقا من ان التأخير في تثمير هذه التطورات قد يرتد سلبا ويعقد الامور ويأخذها الى مستويات تكون فيها السلبية أعلى من الايجابية.

فبالاضافة الى الرد الذي قامت به طهران ضد  قاعدة عين الاسد الامريكية واختيار الطرفين السكوت عن الخسائر البشرية، يشكل مؤشرا واضحا عن نية الطرفين في عدم تجاوز حافة الهاوية، والاحتفاظ بخطوط العودة الى التهدئة والتفاوض، ولعل ما شهدته الساحة العراقية من خطوات قامت بها القوى والاحزاب وفصائل الحشد الشعبي من الامساك بخيوط العملية السياسية في الحكومة والبرلمان والدفع باتجاه اصدار قرار يطالب القوات الامريكية الخروج من هذا البلد، الى جانب ما حققته على خط توحيد صفوف الاحزاب الموالية لها وتنظيم التظاهرة "المليونية" التي شكلت نقلة نوعية في العلاقة بين طهران السيد مقتدى  الصدر زعيم التيار الصدري، ما يعني انها ستكون بحاجة الى فتح المجال امام مساعي التهدئة على الساحة العراقية من اجل تثمير هذه الخطوات في العملية السياسية واختيار رئيس جديد للوزراء، لا يشكل قطيعة تامة مع واشنطن بل يساهم في التهدئة بحيث لا يخرج كلا الطرفين خاسرا في العراق.

والى جانب الموضوع العراقي، فان طهران ايضا تريد توظيف ما حققه حليفها حزب الله على الساحة اللبنانية ونجاحه بتشكيل حكومة جديدة يبدو انه سيبذل كل طاقته وجهوده من اجل  توفير الاجواء لنجاحها من خلال تسهيل عملها واتصالاتها الدولية والعربية، وقد بدأ مسار التهدئة هذا منذ استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الوزراء اذ لم تشهد خطابات الامين العام لحزب الله ان كان حول الازمة اللبنانية او في ما يتعلق باغتيال سليماني واحداث العراق مواقف تصعيدية ضد الدول الخليجية وتحديدا السعودية.

تشابك الملفات التي تواجهها ايران في المنطقة وما فيها من تعقيدات، قد تسمح للحكومة الايرانية برئاسة حسن روحاني بتوظيف الوضع المتشعب والتحديات التي يفرضها على المؤسسة العسكرية ان يقوم بخطوة الى الامام تخدم رؤيته في الامساك بزمام المبادرة على قاعدة تقاسم الادوار بينه وما يعنيه من انفتاح على المجتمع الدولي وتفكيك ازمة العقوبات مع واشنطن، وبين النظام المشغول في احكام قبضته على الساحة الداخلية وليس آخرها الانتخابات البرلمانية المرتقبة.

عن "المدن"

للمشاركة:

هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية