عن الألم الإنساني والإيمان الروحي

2674
عدد القراءات

2018-10-14

صلاح سالم

يبدأ الإنسان حياته بصرخة عالية، يطلقها عند خروجه من رحم الغيب، من حشايا أم طالما تألمت بالنيابة عنه في فترة تكوينه، أما وقد اكتمل جنيناً وولج إلى عالمنا كائناً مستقلاً فليواجه مصيره بنــــفسه، لقد صار مخلوقاً سرعان ما ينمو صبياً وشاباً بل رجلاً حراً، لكنه مثقل بأعباء وتحديات لا بد من مواجهتها، ومعرض لاختبارات لا بد من النجاح فيها، كي يبقى له بعض القدرة على تأكيد ماهيته، أي بلورة تلك الصورة التي يتشكل وجوده على هيئتها، ملامحه العامة، قسماته المميزة، مواطن قوته أو ضعفه.

المشكلة هنا أن المادة الأساسية التي تصنع منها تلك الصورة إنما تعطى إلينا لحظة ولادتنا، إذ نرث، مثلاً، بنية أجسادنا طولاً وقصراً، قوة أو ضعفاً، وأيضاً لون بشرتنا سواداً أو بياضاً، مثلما نرث أصولنا الاجتماعية، علواً وانخفاضاً، ثراء وفقراً، ما قد ينعكس على مدى استعدادنا للتعاطي مع الحياة بوصفها مجالاً للنشاط، وفرصة للترقي. من ثم تنبع آلام الإنسان ومعاناته من فجوة دائمة بين ما يملكه فعلاً وما يريده مستقبلاً، بين ما يكونه واقعاً وما يحلم به متخيلاً، وهي آلام لا سبيل إلى القضاء عليها نهائياً، وإن أمكن التخفيف منها أحياناً، بدعم أديان سواء سماوية أو وضعية، وفلسفات سواء مثالية أو مادية، راوحت في تعاطيها مع تلك الفجوة بين طريقين أساسيين:

الطريق الأول يتمثل في تحدّي تلك الفجوة بين الممكن والمأمول، من خلال تحريض الإنسان على زيادة طاقاته، وتنمية قدراته وبذلها جميعاً في سبيل تعظيم ممكناته حتى تقارب رغباته أو تتساوى معها. هذا الطريق هو ما شقته فلسفات الحداثة، خصوصاً المادية منها، وجميعها تحيل العلاقة بين الإنسان والعالم إلى علاقة صراعية يسعى الإنسان من خلالها إلى إنفاذ إرادته في عالمه، فيما العالم يتحدى إرادة الإنسان، وينثر الصعوبات على طريقه. وهكذا تستعر المباراة التاريخية بين الطرفين: فالإنسان غالباً ما ينجح في تحقيق ذاته، وهو ما يفسر ذلك التقدم المطرد في مسيرة التاريخ، فلولا دأب إنسان الأمس على تجاوز ممكناته، لما كان لدى إنسان اليوم جل ما يملكه. لكن العالم غالباً ما ينجح في حرمان الإنسان من سعادته الشاملة، إذ يفرض عليه تحديات متجددة، تثير لديه توترات عميقة، تحرمه من راحته، وتطالبه بالنهوض لمواصلة جهاده الأبدي في مصارعة الآخرين من حوله.

في سياق هذا الجهاد، يواجه الإنسان أنواعاً عديدة من الألم، ينبع بعضها من أسباب واقعية ملموسة، يزول الألم بزوالها من قبيل الحزن إزاء فقد الأقرباء والأصدقاء، أو الإحباط الناجم عن الإخفاق في تحقيق الأهداف. وبعضها من مصدر اجتماعي، عندما يفشل الإنسان في تحقيق التفاهم مع المحيطين به، وهو أمر يزداد في مراحل الانتقال التاريخي حيث التغيير السريع، والتبدل الشديد في المفاهيم والقيم، وما يثيره ذلك من اضطراب نفسي وذهني. وبعضها من مصادر سياسية أو هموم وطنية، خصوصاً لدى البشر من أصحاب العقول الكبيرة والمبادئ الرفيعة، القادرين على تجاوز حاجاتهم المباشرة واليومية، سموا إلى فضاءات أعلى، حيث الحلم بوطن أفضل وعالم أرحب يصير أمراً يهجس به الضمير وتنشغل به الروح.

أما أخطرها فهو المصدر الوجودي، والذي يكشف عن ألم غير مرئي أو محسوس، عصي على الفهم والتحديد، نابع من العقل والخيال والروح معاً، يعتصر الإنسان إلى درجة يكاد يفقد معها الإحساس بمغزى حضوره، وينتابه شك عميق في جدوى استمراره داخل هذا العالم، وهو شك ينبع من شعور عميق لدى الذات الإنسانية بأن شيئاً ما يحدّها في وجودها الظاهر، يضغط عليها بقسوة ويمنعها من تحقيق إمكاناتها في الواقع المحيط بها. ولأن الغاية الأساسية لدى تلك الذات تتمثل في تحقيق إمكاناتها الكاملة، وطبع أثرها في عالمها، فإن فشلها في ذلك يدفع بها إلى طريق الآلام المعبد بمشاعر المعاناة.

وأما الطريق الثاني فترتسم عليه معالم التكيف مع تلك الفجوة بديلاً عن تحديها، فيسعى الإنسان إلى تقليص رغباته إلى الحد الذي يملكه بالفعل. إنها أخلاق الزهد المسيحي، والتصوف الإسلامي، ومبدأ «اللاتعلق» في أنظمة التفكير الديني لدى الشرق الأقصى الآسيوي، حيث تسود المعتقدات الهندوسية والبوذية في الهند، والفلسفات الأخلاقية، خصوصاً التاوية، في الصين. لدى أنظمة التفكير هذه، فإن المعاناة لا تنشأ فقط من تعلق المرء بما لا يملك، بل أحياناً بما لا يمكنه أن يملك، فتصبح الأشياء التي يتعلق بها سبباً للمعاناة إذا لم يحصل عليها أصلاً أو إذا فُقدت منه بعد كسبها. فإذا أمكن غرس روح «اللاتعلق» بالأشياء، أمكن القضاء على المعاناة وعلى الشر الناجم عنها، وفتح الباب أمام الحياة الخيِّرة. ومن هنا صارت الفلسفة الهندية الجوهرية، هي فن العيش في إطار السيطرة الكاملة على الذات، وصارت الممارسة العملية لهذه الفلسفة، تتمثل بأنماط شتى من التدريبات، وأشكال عديدة من الطقوس، تؤدي في العموم إلى استنارة الروح، وتألق الوجدان، على نحو يضمن تعالي الإنسان على شهواته، حينما تنبثق له رغبات أسمى، تتمثل في الاندماج مع سر الكون، وأصل الوجود، الذي هو البراهمن في الهندوسية، والتاو في التاوية، والجين في الكونفوشية.

هذه الممارسات العملية تقوم على مبدأ فلسفي، يمكن اعتباره دينياً، وهو أهمية معرفة الذات الإنسانية وعلاقتها بالوجود الشامل المحيط بها. فمن دون معرفة الذات لن تكون ممكنة السيطرة عليها ولا تخفيف المعاناة الناجمة عن ميولها لأنها ستبقى مثل شذرة محدودة، مستقلة وتائهة في الوجود. أما معرفتها فتقود إلى اكتشاف حقيقتها الكبرى كونها، مثل كل الأشياء المختلفة في هذا العالم، مجرد تجليات لواقع أكثر عمقاً، لا يعرف الانقسام ولا القيود، يتجسد وفق «الأوبانيشاد»، كتاب البرهمية المقدس، في «البراهمن»، وهو القوة العظمى التي تمنح الكون طاقته المادية، كما تمنح للذات الإنسانية «أتمان» طاقتها الروحية، لأنهما في النهاية شيء واحد، في مثابة الأصل والفرع، فالأتمان يعود إلى البراهمن كما يعود الفرع إلى أصله، في نهاية المطاف. وهكذا تعمل القوة العظمى الكونية الكامنة في البراهمن، باعتبارها الحقيقة الكبرى، على تحرير الذات الإنسانية من ضعفها ورغباتها! وهكذا لا يبقى طريق ناجع للخلاص الإنساني من الألم، شرقاً وغرباً، سوى الإيمان الروحي العميق، بعيداًً من أسماء الأديان وأوصاف الآلهة.

عن "الحياة" اللندنية

اقرأ المزيد...

الوسوم: