"الاستبداد والعلم" عند الكواكبي.. حرب تنتصر للتنوير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
5426
عدد القراءات

2017-10-18

يبين المفكر عبد الرحمن الكواكبي (1849 –1902) في نصه المعنون بـ "الاستبداد والعلم" أنّ أكثر ما يخشاه "المستبِدّ" الارتقاء بالعلوم، وخصوصاً ما يتعلق بالحكمة والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية لما لها من أثر في توسيع المدارك وتغذية العقول وتنويرها وتعريف الإنسان بحقوقه وكيف يطالب بها وينالها.

ويؤكد صاحب الكتاب الأشهر "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، أنّ الجهل يولّد الخوف، وكلما تنوّر العقل زال الخوف من المستبد، منوهاً إلى أنّ الحرب بين الاستبداد والعلم مستمرة؛ فالعلماء يسعون إلى تنوير العقول والمستبد يسعى لإطفائها، وكلاهما يجتذب العوام الذين إذا جهلوا خافوا واستسلموا، وإن علموا قالوا وفعلوا.

الاستبداد والعلم

وكتب الكواكبي في هذا السياق:
"ما أشبه المستبدَّ في نسبته إلى رعيته بالوصيّ الخائن القوي، يتصرّف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافاً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوصيّ أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبدّ أن تتنوّر الرعية بالعلم.
لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا ما دامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلُهُ.
العلم قبسةٌ من نور الله، وقد خلق الله النّور كشّافاً مبصراً، يولّد في النفوس حرارةً وفي الرؤوس شهامةً، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النّور تبديد الظّلام، والمتأمل في حالة كلِّ رئيس ومرؤوس، يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
المستبدُّ لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوّم اللسان وأكثرها هزلٌ وهذيان يضيع به الزمان، نعم؛ لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، أو سحر بيان يحلُّ عقد الجيوش؛ لأنه يعرف أنّ الزمان ضنينٌ بأن تلد الأمهات كثيراً من أمثال: الكميت وحسان أو مونتيسكيو وشيللر.

كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته

وكذلك لا يخاف المستبدُّ من العلوم الدينية المتعلِّقة بالمعاد، المختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنّها لا ترفع غباوةً ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهّى بها المتهوِّسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور، فصاروا لا يرون علماً غير علمهم، فحينئذٍ يأمن المستبدُّ منهم كما يُؤمن شرُّ السّكران إذا خمر. على أنّه إذا نبغ منهم البعض، ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبدّ وسيلة لاستخدامها في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنّه يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسدُّ أفواههم بلقيماتٍ من مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً؛ لأنّ أهلها يكونون مسالمين صغار النّفوس، صغار الهمم، يشتريها المستبدُّ بقليل من المال والإعزاز، ولا يخاف من الماديين؛ لأنّ أكثرهم مبتلون بإيثار النّفس، ولا من الرياضيين؛ لأنّ غالبهم قصار النظر.
ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم، المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة، وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: {أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون} وفي قوله: {وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون}، وإنْ كان علماء الاستبداد يفسِّرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبُّد كما حوّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين.
والخلاصة: أنَّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظاتٌ كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة!

كما يبغض المستبدُّ العلمَ ونتائجه؛ يبغضه أيضاً لذاته؛ لأن للعلم سلطاناً أقوى من كلِّ سلطان، فلا بدَّ للمستبدِّ من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحبُّ المستبدُّ أن يرى وجه عالمٍ عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملِّق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كلِّ المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كلِّ من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشرٍّ.

العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف

وينتج مما تقدَّم أنَّ بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
العوام هم قوة المستبدُّ وقُوتُهُ. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة.
والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقّيها المستبدَّ اللئيم على الترقّي معها والانقلاب -رغم طبعه- إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب، ورئيسٍ عادل يخشى الانتقام، وأبٍ حليمٍ يتلذذ بالتحابب. وحينئذٍ تنال الأمة حياةً رضيّة هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عزّ وسعادة، ويكون حظّ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظاً بالبغضاء، محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قطّ أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأنَّ الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بدَّ أن يهابه، فيضطرب باله، فيتشوش فكره، ويختلّ رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريحه قبل استطلاع رأي المستبدّ، فإن رآه متصلِّباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشداً كان أو غيّاً، وكلُّ مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ: إنَّ الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناءً عليه؛ لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.

ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه

إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.
كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: (التام) لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلتُ: إنه يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرَّد أنهم لا يعلمون الغيب، ومن ذا الذي يعلم الغيب، الأنبياء والأولياء؟ وما هؤلاء إلا أشقياء؛ أستغفرك اللهم! لا يعلم غيبك نبيٌّ ولا وليٌّ، ولا يدّعي ذلك إلاّ دجّال، ولا يظنُّ صدقه إلاّ مغفَّل، فإنَّك اللهم قلت وقولك الحقّ: {فلا يظهر على غيبه أحداً} وأفضل أنبيائك يقول: "لو علمتُ الخير لاستكثرت منه".
من قواعد المؤرِّخين المدققين: إنَّ أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدَّين كنيرون وتيمور مثلاً، يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذُّر والتحفُّظ. وإذا أراد المفاضلة بين عادلين كأنو شروان وعمر الفاروق، يوازن بين مرتبتي أمنهما في قوميهما.
لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام، والشمس وزحل، والعقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أنَّ أضرَّ شيء على الإنسان هو الجهل، وأضرّ آثار الجهل هو الخوف، فعملت هيكلاً مخصصاً للخوف يُعبد اتقاءً لشرِّه.
قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبدِّ في كلِّ زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدَّس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يُقدَّمون قرابين الخوف، وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأنّ المستبدَّ امرؤٌ عاجز مثلهم، زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم".

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، 2011، ص 35-38
اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أصبحت الأصولية ملاذَ المغتربين في المدينة؟

2019-10-07

هناك مقولة ذهبية لإميل دوركايم مفادها: "التحديث يولد الثورة" وتكشف هذه المقولة طبيعة التوتر والقلق والإحباط والاختلال الوظيفي للقيم والعقائد والمنظومات الأخلاقية في خضم عملية التحديث.
ففي أواخر عشرينيات القرن الماضي ظهرت الأيديولوجيا الأصولية في أوساط تلك القطاعات الاجتماعية التي ترى أنّ النظرة السائدة الموروثة من العصور الدينية لم تعد ملهمة ولا كافية للتعاطي مع العالم، وبالتالي أتت تلك الأيديولوجيا كحاجة ملحّة لتفسير الواقع (عبر تبسيطه بالطبع) وتقديم قيم جديدة للذين يحتاجون إليها.
عالم جديد جداً
يحاجج سمير أمين في "التطور اللا متكافئ: دراسة في التشكيلات الاجتماعية المحيطة بالرأسمالية" بأنه خلال القرن التاسع عشر نجحت الرأسمالية الأوروبية بشكل نهائي في إخضاع الكوكب الأرضي لهيمنتها وتغلغلت في قلب الأسواق المحلية لكافة بلدان العالم.

أن يواجه الإنسان العالم وحيداً وبلا هوية أو مرشد أخلاقي فهو كالشجرة في العراء تميل مع كل ريح

وفيما يخص مصر فقد تمحوّر الإنتاج القومي حول الزراعة وتمحورت الزراعة حول محصول القطن، وهو ما أفرز طبقة محدودة العدد لكن مؤثرة وفعالة هي طبقة كبار الملاك (القاطنين في العاصمة) الذين عمقوا عملية إلحاق الاقتصاد المحلي بالاقتصادات الصناعية الأوروبية.
وآنذاك استحدثت الحكومة الاستعمارية بيروقراطية ومبادئ وتشريعات جديدة لإدارة الاقتصاد والمجتمع ساهمت في إتمام تفكيك النظام المؤسسي، وكان لهذه التطورات أن تؤدي إلى تغيير تدريجي في مسار الحياة الاقتصادية؛ فبعدما كان هناك الحرفي والفلاح ورجال القوافل والمراكبي، على سبيل المثال، أصبحنا نرى الموظف وعامل المصنع والمهني والفني كما يقول بول سالم في "الميراث المر: الأيديولوجيا والسياسة في العالم العربي".
وأدت هذه التحولات الاقتصادية إلى إعادة تنظيم الأنماط الديمغرافية من قبيل تفكك الأسرة وإعادة تنظيم وسائل الاتصال وإجبار العمال على التوجه نحو اقتصاد ذي ركيزة حضرية وخاضع لتوجيه الدولة، وبالتالي خلق هذا التحوّل ضغوطاً وتوترات غير معهودة، وخلق معايير اجتماعية وأنماطاً ثقافية جديدة؛ لتتهيأ البنية الاجتماعية لاستقبال أيديولوجيات شتى، كما يشير سالم.
تناسلت من طبقة كبار الملاك، التي حرصت على تعليم أبنائها في الخارج، كما يقول إريك دافيز في "مأزق البورجوازية الوطنية الصناعية في العالم الثالث: تجربة بنك مصر 1920- 1941"، نخبة وطنية مصرية عصرية متأثرة بالقيم الثقافية الغربية ذات البعد الكوني؛ وبسبب هيمنة الأجنبية على كافة نشاطات الحياة الاجتماعية حاولت النخبة الصاعدة أن تكوّن لنفسها رؤية عالمية قادرة على تحدي الاحتلال المسلح بثقافة متفوقة: هذه النخبة هي التي أسست الدولة القومية المصرية وبشّرت بأيديولوجيتها الإدماجية.

ديانة جديدة؟
كانت هذه النخبة متأثرة بأنماط جديدة للهوية والولاء وتصورات عن الجماعة السياسية تتناقض جذرياً مع تلك الأنماط والتصورات الموروثة من عصور الخلافة، ونبتت تطلعات مغايرة لبناء مجتمع حديث جرى تعميمها خلال الممارسة السياسية الطامحة للاستقلال.

اقرأ أيضاً: طاقية بيضاء فوق الرأس ولبس القميص: مأزق الأصولية
فقد أسهمت الطبيعة التدخلية للدولة الحديثة في الوصول إلى الأطراف التي لم تكن السلطة تتمتع فيها من قبل سوى بنفوذ رمزي (كالريف والواحات والتجمعات البدوية) واستفادت النخبة القاهرية من ميراث التدخلات هذا في تحريض هذه القطاعات السكانية على المشاركة السياسية لصالح قضية الاستقلال، وهو ما أدمجها في صلب مشكلات الدولة الحديثة.
بدأ المجتمع المصري يخضع لتأثير معضلات ضخمة من قبيل السيطرة الاستعمارية وتأسيس الدولة القومية على غير سابقةٍ في التاريخ السياسي المصري (حتى دولة محمد علي كانت ولاية تابعة رسمياً للخلافة العثمانية) وكانت البلاد بحاجة إلى هوية إدماجية للقطاعات العرقية والإثنية والدينية والقبلية التي كانت متجاورة بلا رابط عضوي يشملها في ظل الخلافة التي لم تكن تتطلب سوى الولاء السياسي والالتزام بالنظام العام.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
وبالتالي كانت الهوية القومية المصرية: مصر للمصريين، ومصر مختلفة عن محيطها الإسلامي، المصريون شعب فريد ذو جذور ضاربة في التاريخ وخصائص فريدة، مدعُوّة لإنجاز المهمة الإدماجية بالغة التعقيد والصعوبة؛ إذ ما أن تقدمت خطوات، بفضل ثورة 19 والرموز الوطنية المُجمع عليها (الزعيم سعد زغول) وشعارات الوحدة الوطنية (مسلمون وأقباط ضد الاحتلال) حتى تبين قصورها الفادح عن إنجاز مهمتها.
حوّلت الوطنية الوليدة (مثل كل الأيديولوجيات الحديثة) مفاهيم الإيمان بالله تعالى إلى الإيمان بالوطن واستبدلت بالرموز الدينية رموز سياسية (العلم والنشيد) وأمدت الصحافة والتعليم النظامي السكان بمنظومة جديدة من القيم المشتركة نافست المنظومة الموروثة، (أثار هذا التنافس العاصف اضطراباً سياسياً لاحقاً) كما بُعث الماضي الفرعوني في مواجهة الماضي الإسلامي الذي حُمل وزر التخلف.
الرد الأصولي
أثارت هذه القطيعة السياسية مع الماضي نضالاً متشنجاً من قبل الأصوليين الذين حاولوا إعادة موضعة مكانة الماضي في الوعي العام، بعد أن بدأ التراث (المخزون الشعوري بلغة حسن حنفي) يفقد دوره في توجيه الوعي والسلوك (لذا انتشرت عمليات تحقيق التراث بكثافة) ودوره الأساسي في تحديد طبيعة الجماعة السياسية (هوية الشعب) ويمكن فهم استدعاء رشيد رضا لمدونة السياسة الشرعية إلى قلب النقاش مجدداً، بعد أن حدد الوطنيون المصريون الانتماء القومي كأساس للهوية الجماعية والشخصية أيضاً.
وسرعان ما اصطدمت الهوية القومية المُصوغة حديثاً بهوية جاهزة نابعة من ثقافة "الإسلام" صاغتها جماعة الإخوان المسلمين، وجرى ذلك في ظل الدور فائق الأهمية للإسلام تاريخياً في تنظيم الحياة الاجتماعية إلى درجة أن جيل كيبل يذهب في كتابه "النبي والفرعون" إلى أنّ العلمانية المصرية كادت أن تذهب إلى غير رجعة قبل ثورة يوليو تحت الضغوط الأصولية، وأنها لم تنتعش إلا مع مجيء عبد الناصر الذي قدم نموذجاً للعلمنة مدعوماً بسلطة فائقة.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
ففي هذا الأفق المتجه نحو قطيعة مع الماضي أحس حسن البنا (مؤسس الإسلام السياسي) بعجز المؤسسات الدينية وطرائق التفكير القديمة عن إيجاد حلول للمعضلات التي تواجه العالم الإسلامي بحكم تقليدية تلك المؤسسة وسكونية تلك القيم، ومن هنا وضع على عاتقه مهمة تفكيك السلطة الرمزية للشيوخ على الجمهور الإسلامي، وخلق إيديولوجيا ملهمة للإنتلجنسيا التي أنتجها التحديث (وهي فئة اجتماعية تشمل كل القائمين بعمل ذهني، إبداعي أو تنظيمي، أو مهني).

ملاذ التائهين
انتعشت الأيديولوجيات بفضل التغير الاجتماعي: نمو طبقة وسطى، ظهور طبقة عاملة، الهجرة المتزايدة من الريف، والسياسي: سقوط الخلافة، نشوء الدولة القومية، والثقافي: العلمنة، التغريب، الانقسام حول المرجعية الأخلاقية بين تقليدية موروثة وتقدمية وافدة. وآنذاك طرح الصراع على توجيه المجتمع وتنظيمه إعادة النظر في الأسس التي تقوم عليها الجماعة السياسية.

استحدثت الحكومة الاستعمارية بيروقراطية ومبادئ وتشريعات جديدة لإدارة الاقتصاد والمجتمع ساهمت في إتمام تفكيك النظام المؤسسي

وبالنسبة إلى الذين مسهم الحراك الاجتماعي بعمق، خصوصاً أولئك الذين انتقلوا من الريف إلى المدينة، أو انتقلوا من وضع اجتماعي إلى آخر (أبناء الفئات المهمشة الذين منحهم التعليم امتياز الصعود الاجتماعي) كان لهذه التحولات وقع الكارثة؛ إذ كشفت عدم ملاءمة ثقافتهم التقليدية ومعاييرهم الأخلاقية مع البيئة الحضرية المُستحدثة، وكان من الطبيعي أن يؤدي التناقض بين الثقافة الموروثة والواقع الاجتماعي الجديد إلى وضع هؤلاء في رحى الاغتراب.
فعلى عكس أبناء كبار الملاك الذين تأثروا إيجابياً بالتحديث الذي منحهم امتيازاً اجتماعياً تجلى في إدارتهم لجهاز الدولة وللعملية السياسية وإنتاج المعرفة، أو بكلمة: كانوا الفئة القائدة التي أنتجها التحديث وقادته عملياته لاحقاً؛ فإنّ الذين عانوا اغتراباً (ثقافياً وسيكولوجياً) فقدوا إمكانية التواصل مع ثقافة آبائهم المغرقة في البساطة والتواضع (وبالتالي تجاوزوها في مرحلة مبكرة من حياتهم التعليمية) في وقتٍ عجزوا فيه أن يزرعوا جذورهم في الحياة الحضرية، أو المشاركة الفعالة في وسطهم الاجتماعي الجديد وثقافته وقيمه. يقع من يفقد إمكانية العودة إلى جذوره والاندماج في واقعه في شَرَك اغتراب ساحق ومذبحة "لا يقين" تبتر إحساسه بدوره وقيمته في الحياة التي أصبح على هامشها بحكم اغترابه.
وأن يواجه الإنسان العالم وحيداً وبلا هوية أو مرشد أخلاقي فهو كالشجرة التي تقف في العراء تميل مع كل ريح قادمة من أي اتجاه، أو بمعنى أقل أدبية: يصبح عرضةً للتأثر للمثيرات الأيديولوجية وأكثر حساسية تجاه عزلته وبحاجة إلى جماعة يذوب فيها توفر له الهوية والدور والصحبة ومهمة تعطي لحياته، معدومة القيمة، معنىً يغطي على خوائها، ولن تكون مؤسسات الدولة الوطنية (غير المألوفة بالنسبة للمغترب) جذابة في هذا السياق، بل ستكون المنظمات الدوغمائية الصاخبة ذات الشعائرية الفجة والانضباط الصارم والأيديولوجيا المُبسِطة للواقع المعقد هي الملاذ الأخير للمغتربين في المدينة: لقد جاء حسن البنا في الوقت المناسب.

للمشاركة:

هكذا عاين زكريا إبراهيم مشكلة الإنسان والحرية والعجز عن إيقاف الزمن

2019-09-25

ما انفك المفكر المصري د. زكريا إبراهيم ينظر إلى قضايا الكون باعتبارها مشكلات. لذا راح يعاين تلك المشكلات بنظر فلسفي عميق، مقارباً مختلف الاتجاهات الفلسفية الغربية والعربية على حد سواء، ومثمراً موسوعة فلسفية من المشكلات: الحرية، والحب، والحياة، الإنسان، والفلسفة، والأخلاق، والفن، والبِنية.

مشكلة الحرية ليست مسألة باطنية محضة تخص الذات وحدها، بل هي مسألة اجتماعية واقعية تخص الحياة العينية للإنسان

زكريا إبراهيم، المصري القبطي الذي يحمل دكتوراة في الفلسفة، ولد في عام 1925، ومات فجأة في الرباط بالمغرب عام 1976، من دون أن يكمل مشروعه الفلسفي الذي مضى يعمل عليه منذ زمن بعيد بصمت وبعيداً عن الأضواء، ما حرمه من الاهتمام والانتشار على النطاق الذي يليق بقامته الشاهقة.
تقول عنه تلميذته د. أميرة حلمي مطر "إن د‏.‏ زكريا إبراهيم كان مثالاً في الدقة والموسوعية سواء في مؤلفاته أو ترجماته‏،‏ ولقد سار على منهج في الفلسفة يعود إلى أكثر من أربعة وعشرين قرناً منذ فلاسفة اليونان الأقدمين‏، هو منهج إثارة السؤال الفلسفي الذي يتفق مع ظروف التاريخ والحضارات‏.‏ ففي الفلسفة الأوروبية الحديثة سأل ديكارت‏:‏ هل يعرف العقل ما تأتي به الحواس من معلومات‏،‏ أم أنه يتدخل في تشكيل المعرفة الإنسانية‏.‏ وفي علم الجمال وفلسفة الفن يسأل الفيلسوف الناقد الفني‏:‏ هل يكون الفن انعكاساً للواقع، أم هو إبداع لعالم آخر بديل عن الواقع‏؟‏".
كتابه "دراسات في الفلسفة المعاصرة"

لم يمهله القدر!
لم يمهل القدر زكريا إبراهيم لاستنئاف الجزء الثاني من كتابه "دراسات في الفلسفة المعاصرة" الذي أصدر منه الجزء الأول. وكان أصدر من قبل "الفلسفة الوجودية" 1957 و"تأملات وجودية" 1963. ثم مضى يؤرخ للفلسفة بروح نقدية في سلسلة "عبقريات الفلسفة"، وخصوصاً في كتابيه "كانط أو الفلسفة النقدية" 1963 و"هيجل أو المثالية المطلقة"1971.

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
وفي كتابه "مشكلة الإنسان" يخلص إلى أنّ الفيلسوف ليس إنساناً وأصلاً، وإنما هو إنسان سالك في طريق به متاهات شأنه شأن الصوفي يدهشه ما يراه في جميع مجالات الحياة‏.‏
وراح يتساءل: لماذا اعتبر الفلاسفة الإنسان مشكلة المشكلات. وما هي أبعاد الإنسان، وهل يمكن التنبؤ بمشكلة الإنسان، وما هي أهمية تجربة الشعور بالذات، وما العلاقة بين الإنسان والكون، وكيف يتم تحقيق الشخصية، وما العلاقة بين الإنسان والبيئة، وهل تستطيع الذات أن تندرج في الأبدية، وتكتسب طابع المطلق؟
مشكلة الإنسان
يقول زكريا إبراهيم:
إنّ الإنسان مشكلة لأنه هو الموجود الذي لا يكاد يعرف مكانه في الطبيعة، فهو ينظر ويتأمل ويبحث ويتردد، ويتعثر، ولكنه لا يكاد يعثر لوجوده على قرار طبيعي يطمئن إليه. إنه في الطبيعة ولكنه ليس من الطبيعة، إنه في العالم ولكنه ليس من العالم. إنه موجود طبيعي ولكنه موجود طبيعي بشري! إنّ الإنسان مشكلة، لأنه الموجود الذي لا وصف له سوى أنه لا يوصف! إنه الموجود الذي يفلت من كل تحديد ويخرج على كل قاعدة، ويندّ عن كل تعريف، إنه الموجود الذي لا يفتأ يعيد النظر في كل شيء، ولا يكاد ينتهي حتى يبدأ من جديد.

كتابه "مشكلة الإنسان"
وربما كان أقسى ألم يعانيه الإنسان هو ذلك الألم المنبعث من استحالة عودة الماضي، وعجز الإنسان في الوقت نفسه عن إيقاف سير الزمن .
ألسنا نتحسر على ذلك الماضي الذي انقضى سريعاً كعمر الزهور، ونتمنى لو اتيحت لنا الفرصة لأن نستعيده، ولو في لحظة إلهية خاطفة؟
إنّ الوجود البشري ليس مجرد انتقال من الحيوان إلى الإنسان، وإنما هو أيضاً انتقال من الإنسان إلى الله.

نزلت الفلسفة من عليائها وأصبح الإنسان الثورة والسوبرمانية بجانب الإنسان الحيوان، يمرح في تناقض منسجم متكامل مع نفسه

فغاية الإلحاد ليست بأي حال إنكار وجود الله عقلياً، وإنما هي في الأساس التحكم في ملكوت الأرض. وفي هذا يقول نيتشه: لقد صرنا بشراً، ولهذا فإننا لا نريد إلا ملكوت الأرض.
نزلت الفلسفة من عليائها كما يقال، وأصبح الإنسان الثورة والسوبرمانية بجانب الإنسان الحيوان، يمرح في تناقض منسجم متكامل مع نفسه. فرغم هذا التناقض القائم فإنّ عملية إبداع الحياة عملية مستمرة.. فالحيوان السوبرمان انطلق من عقاله وجرب ما يريد، وتحرر كما توهم، ونفذ ما خطط، وكلما أمعن في الحيوانية وتطلع إلى السوبرمانية شعر بالعبثية تسري في جسده ونفسه وعقله. وهكذا انفجر العبث مدمراً عند الوجوديين فقال سارتر:
إنّ الإنسان هو الموجود الذي يشعر بأنه قد وجد جزافاً، أعني يدرك ذاته بوصفه عبثاً لا طائل تحته، ويعرف دائماً أنه زائد عن الحاجة.
لا هو بشيطان ولا بإله
لقد قيل عن الإنسان إنه الموجود المشكل، بأعلى درجات الإشكال، فليس بدعاً أن تقودنا كل التأملات الفلسفية إلى التساول عن سر ذلك المخلوق العجيب الذي لاهو بملك ولا هو بشيطان ولا بإله ولا هو بحيوان.
ألا تتضمن كلمة المشكلة معاني البعد أو البون أو المسافة؟

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟
فكيف لا يكون الإنسان مشكلة، وهو الكائن الذي يجد نفسه دائماً على مبعد من ذاته، فيعدو دائماً وراء ذاته، وينشد نفسه دائماً دون أن يجدها يوماً؟!
أن الإنسان مشكلة، لأنه من بين الموجودات جميعاً أكثرها شقاءً، وأعمقها ألماً، وأرهفها حساسية، وربما كان في السر في شقاء الذات البشرية هو أنها لا تستطيع مطلقاً أن تبلغ مرحلة الاتزان المطلق، أو التطابق التام مع الذات، فهي تظل تنشد حالة امتلاك الذات، دون أن تقوى يوماً على بلوغ تلك الحالة المنيعة المستحيلة التي هي أشبه ما تكون بالدائرة المربعة!
إنّ الإنسان مشكلة، لأنه أعجب (موضوع) بين موضوعات الطبيعة، بل لأنه ليس على الإطلاق مجرد (موضوع) نستطيع أن نعرفه (من الخارج) على نحو ما نعرف غيره من الموضوعات، وإنما هو الموجود الوحيد الذي نعرفه ونصنعه في الوقت نفسه (من الداخل).
كتابه "مشكلة الحرية"

مشكلة الحرية
أما في كتابه "مشكلة الحرية"، فيرى إبراهيم أنّ:
الحرية، بحسب معناها الاشتقاقي، عبارة عن انعدام القسر الخارجي. والإنسان الحر بهذا المعنى هو من لم يكن عبداً أو أسيراً. أما الحرية بالمعنى الفلسفي، فهي اختيار الفعل عن روية مع استطاعة عدم اختياره أو استطاعة اختيار ضده.
مفهوم الحرية لا يتحدد إلا على ضوء مفهومات أخرى تتضمن معاني الضرورة أو الحتمية أو الجبرية. فالحرية لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء نقيضها، وبالتالي فإنّ فهم معنى "الضرورة" قد يساعد على تحديد معنى الحرية، فالفعل الحر ليس دائماً وليدَ اختيار إرادي مقصود، بل نشعر أحياناً بأنّ علينا أن نتخطى مجال الاختيار لكي ننفذ إلى عالم الحرية بمعنى الكلمة، حيث يكون الفعل الحر إنما هو ذلك الذي لا نستطيع أن نفعل سواه، أعني ذلك الفعل الذي يعبّر تعبيراً جوهرياً عن حقيقتنا الباطنة. فالفعل الحر بهذا المعنى لا يفهم على ضوء فكرة الإمكانية، بل بالأحرى على ضوء فكرة الضرورة، ولكن الضرورة هنا ليست ضرورة عقلية، بل هي ضرورة حية أو ضرورة وجودية.

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
وتتجلى الحرية والجبرية في الظاهر على أنهما على طرفي نقيض، ولكنّ كلا منهما تفترض الأخرى، بحيث إنّ إنكار الواحدة منهما لا بد أن يؤدي إلى إنكار الأخرى، ونلاحظ أنّ الجبرية شرط أساسي لممارسة الحرية، كما أنّ الحرية، من جهة أخرى، شرط أساسي لوجود الجبرية، فما كنا لنكتشف قوانين العالم المادي لو أننا لم نكن أحراراً. ومعنى هذا أنّ الجبرية والحرية تعبّران في الحقيقة عن مظهرين متماسكين من مظاهر النشاط الإنساني، لأنّ كلا منهما تكمل الأخرى.
وليست الحرية الحقيقة، في نظر الماركسيين، هي ذلك الحلم الذي طالما راود البشر بأن تجيء أفعالهم مستقلة عن قوانين الطبيعة، بل هي عبارة عن معرفة لتلك القوانين، مع نشاط فعّال من أجل الاستفادة من تلك القوانين عن طريق استخدامها لتحقيق بعض الأهداف المعينة.
الحرية هي القدرة على التحكم
يقول إنجلز إنّ الحرية ليست سوى القدرة على التحكم في أنفسنا وفي الطبيعة الخارجية، وهي تلك القدرة التي تقوم على معرفة بالضرورة الطبيعية.
ولا يؤمن الماركسيون بوجود تعارض جوهري بين الحرية والضرورة، بل هم يقولون مع هيجل إنّ الحرية إنما تعني في صميمها الشعور بالضرورة.
وليست الحرية، في نظر الماركسيين أيضاً، هبة فطرية أو مَلكة موروثة، بل هي ثمرة من ثمار التطور التاريخي وعملية مستمرة يحقق من خلالها الإنسان انتصاره على الطبيعة الخارجية، وتمرده على العبودية الاجتماعية. والحرية في النظر الماركسي ليست على النقيض من الحتمية أو الضرورة، بل على النقيض من العبودية والاسترقاق.

اقرأ أيضاً: الفلسفة كوصفة طبية
وتبعاً لذلك، فإنّ مشكلة الحرية ليست مسألة باطنية محضة تخص الذات وحدها، بل هي مسألة اجتماعية واقعية تخص الحياة العينية للإنسان باعتبارها دراما حية تنشأ بين الفرد والعالم المحيط به.
والعالم، في نظر القائلين بالحتمية، هو مجموعة عضوية ترتبط أجزاؤها فيما بينها كأجزاء آلة دقيقة محكمة، وهو لهذا يكوّن نظاماً مغلقاً يؤذن حاضره بمستقبله، وتخضع سائر أجزائه لقوانين مطردة صارمة.
وتقوم الحتمية على إمكان التنبؤ بالأحداث الكونية، نظراً لوجود تعاقب حتمي مطرد بين الظواهر الطبيعية.

للمشاركة:

غنوصية إخوان الصفا: الرهان على المعرفة والخلاص الإنساني

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-09-16

في قلب الصعيد المصري، ومن مدينة "نجع حمادي" عام 1945 اكتشف علماء الحفريات، مخطوطات لجماعة غنوصية قبطية، دفنوا مدوناتهم لتبقى في مأمن من غارات الأرثوذكس.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
عاشت الغنوصية في المسيحية واليهودية، مطاردات دائمة مع الدين الرسمي للحكام، في حين أنّ الغنوصية الإسلامية كان لها من الحظ ما أتاح لها العمل في ظل الخلافة العباسية، ووصلت إلينا بعض مدوناتها حيث رسائل إخوان الصفا وخلاّن الوفاء، أبرز تجلياتها.
في طريق المعرفة
الغنوصية تعني المعرفة في معناها المباشر، وهي ليست ديناً يدين به الناس بقدر ما هي مذهب فضفاض غير قائم على إيديولوجيا دينية متحجرة، أو دوغمائيات مذهبية، ظهرت صورته بوضوح في القرن الأول الميلادي، وجمعت بين تأثير الفلسفة الأفلاطونية الوسيطة، والتعاليم الهرمزية المنسوبة إلى هرمز المثلث العظمة، ويشار إليه في الأدبيات الإسلامية بالنبي إدريس، ومن خلال ثماني عشرة رسالة، تمّت كتابتها بواسطة رابطة أخوية مجهولة، جمعتهم المعرفة، تم ترسيخ مبادئ الغنوصية التي تدور حول الإنسان والإله الذي يسمونه بالأب الكلي؛ فالإنسان لدى الغنوصية هو جزء مادي، وجزء روحي يتحد مع الإله، ويتطلع إلى الكمال الروحي والسمو والتواصل مع الأب الكلي سعياً لانعتاق الروح، وبحسب كتاب "تأملات الوحي من المنظور الإسلامي"، للكاتب الإنجليزي "ريكي هوود"؛ فإنّ الغنوص لاهوت يختلف تماماً عن التيار المسيحي؛ فالمشترك بين الغنوص الإسلامي والمسيحي هو الخلاص؛ فالخلاص الغنوصي عند التيار المسيحي ليس عن طريق يسوع، وإنّما هو البحث والمعرفة وفهم المعنى الخفي لتعاليم يسوع، وهو المشترك مع تيار "إخوان الصفا وخلان الوفاء"، كأبرز ظهور للغنوصية الإسلامية.

تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني

يعزو الغنوصيون بؤس الإنسان إلى الجهل، وليس الخطيئة المتأصلة في البشر، لذلك فإنّ ما يرنو إليه أهل الغنوص هو المعرفة التي تنتشل الإنسان من بؤسه الأبدي، حتىّ أنّ يسوع الحي بالنسبة إليهم، ليس إلّا رمزاً للمعرفة، وذلك بحسب كتاب "الوجه الآخر للمسيح: مقدمة في الغنوصية المسيحية"، للباحث السوري فراس السواح، والذي يرى أنّ الجهل هو البؤس الحقيقي لأهل الغنوص من المسلمين والمسيحيين؛ فالمعلم فالينتينوس في إنجيل الحقيقة يشبّه الوجود بالكابوس، والمعرفة هي اليقظة من الكابوس، ويتشارك في مفهومه مع إخوان الصفا الذين يشبّهون الحياة دون المعرفة بنوم الغفلة ورقدة الجهالة، ويشير المستشرق الألماني"هاينس هالم"، في كتابه "الغنوصية في الإسلام"، إلى أنّ الباحثين العرب لم يلتفتوا إلى صياغة مصطلح الغنوصية إلّا بمطلع القرن العشرين، أمّا المستشرق الفرنسي"هنري كوربان"، والذي يظهر تأثره بالغنوصية كديانة عالمية جامعة للمعارف الإنسانية، يعزو تبلورها إلى اكتشاف النص الفارسي "أم الكتاب"، بالإضافة للتعاليم الإسماعيلية، التي تشكلت بفضل الجهد النظري لرسائل خلان الوفاء، ويرجع كوربان كل تلك التعاليم إلى غنوصية العصور القديمة، في اتصال بشكل غير مباشر بالتصوف الإسلامي.

الباحث والكاتب السوري فراس السواح

الخلاص والبعث 
في كتابه "طريق إخوان الصفا: مدخل إلى الغنوصية الإسلامية"، يوضح الباحث فراس السوّاح، إلى أنّ المعرفة والخلاص الإنساني هما محور الغنوصية في الإسلام؛ فالخلاص الغنوصي لن يأتي بالشكليات والطقوس التي يغرق فيها المتدينون، وإنّما عن طريق المعرفة والعلم، والبعث الأخروي للأجساد ينتفي لديهم، فالبعث إنّما هو للأرواح، والخلاص يأتي من الجسد والعالم؛ فالخطيئة الأصلية، إن وجدت لدى الغنوصيين، فإنّها سقوط الجسد البشري في عالم المادة، وبانعتاقه يكون التحرر الأبدي، وأمّا التوبة فهي إدراك الإنسان للقبس الإلهي في داخله، وبحثه عن الوحدة المفقودة، ومع انبعاث الوعي الإنسان بالوحدة، يبدأ في الانعتاق، ويتحول الموت من الفناء والزوال، إلى دورة كونية جديدة في تناسخ الأرواح، كما في الرسالة الخامسة لإخوان الصفا؛ إذ يشبهون فيها الروح بالدر، والجسد بالصدف، فأمّا الموت فهو استخراج الدر من الصدف، كما استخراج الجنين من الرحم؛ أيضاً تنشأ الأخلاق الغنوصية من معرفة الإنسان بذاته وبالأب الأعلى الذي وهبه الروح؛ فالأخلاق لديهم تنبع من الحرية الكاملة، حين يسمو الإنسان ويتلمس مكامن الخير والبر في نفسه، أما الشرائع والنواهي والأوامر فليست حقيقية؛ لأنّ الخوف هو محركها، وأما الخوف فيتلاشى بالغنوص وانغماس الإنسان في قبسه النوراني الداخلي.

غلاف كتاب "طريق إخوان الصفا" لفراس السواح

تغاير الغنوصية الإسلامية، غيرها من المسيحيين الغنوصيين، الذين يرفضون العالم كله ويدعون للانسحاب منه، فهو ليس سوى شر مطلق، أرسل الرب يسوع لتخليصهم منه، أمّا إخوان الصفا فلا يرونه شراً، بل هو منتقص، بحيث أنّه آخر حلقة في سلسلة الفيض الإلهي، أمّا الجسد فهو سجن لمن ينغمس في الشهوات ويهبط في عالم المادة؛ فالحياة برأي الإخوان أشبه بمدة الحمل؛ فالجنين لن يخرج من الرحم إلّا حين يكتمل نموه، كذلك الإنسان لن تنعتق روحه من هذا العالم المادي إلّا باكتمال المعرفة الحقيقية، فلا ينكر الإخوان ملذات الجسد، بل يفضلون الاقتصاد فيها، والانشغال بالروح ومعرفتها التي تسمو بالإنسان الكلي، ومن هذا التصالح الفكري مع طبيعة العالم؛ فإنّ إسلام إخوان الصفا كان الجامع المانع لكل الأديان والملل والنحل، فمحور الخلاف الرئيسي بين المذاهب الإسلامية هو الإمام علي، رضي الله عنه، وحقه في الخلافة، تبددّ فوق مذهب الإخوان الذين أخذوا من كل الأديان ما يتناسب مع طبيعة البشري، ويلائم الروح ويساهم في انعتاقها، ويتجلى هذا في بداية طريقهم للمعرفة الذي استهلوه بأكثر العلوم تجريداً "الرياضيات"، ثُمّ الحساب، ثم الموسيقى باعتبارها علماً رياضياً أيضاً، حتى بدأوا بدراسة الكون والفيزياء والكواكب وحساب زوايا الشمس والقمر.
هل تشيّع إخوان الصفا؟
بالرغم من أنّ معظم المستشرقين، يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية، إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة، لا يمكن أن تثبت ذلك، فهم لم يجزموا بانتسابهم لأحد مذاهب الشيعة بما فيها الإسماعيلية، لكنهم لم يتخفوا من حب آل البيت، ووصفهم بخزان العلم، وورثة النبوة، وهو ما يأخذه الباحثون في مقدمتهم كوربان، الذي يتبنى تشيعهم المعتدل، وليس المغالي، وأمّا مسألة الإمامة، فعلى الرغم من وجود الإخوان في قلب الصراع السني الشيعي على الخلافة، إلّا أنهم لم يتعرضوا لها إلّا لماماً، ولم يختصوا أحداً بها، وينفي السّواح العلاقة بين إخوان الصفا والإسماعيلية، معللاً أنّ رسائل الإخوان لم تتعرض للإسماعيلين مطلقاً، ولا يوجد لها ذكر كذلك في كتب الإسماعيلية الأوائل في القرن الرابع والخامس الهجري، مثل القاضي نعمان، والكرماني والنسفي والرازي، ويذكر السواح أيضاً، أنّ الإسماعيلية الطيبية التي أنشأت دولة لها في اليمن في القرن السابع الهجري؛ أي بعد سقوط الفاطميين في مصر، قد أعلنوا اتخاذهم لرسائل الإخوان مذهباً للحكم.

معظم المستشرقين يدرجون إخوان الصفا كأحد الفرق الشيعية إلّا أنّ رسائلهم الفضفاضة الجامعة لا تثبت ذلك

في كتابه "حقيقة إخوان الصفا وخلّان الوفا"، يورد الكاتب السوري، الدكتور عارف تامر، أنّ إسماعيلية إخوان الصفا تتجلى في تماثل التعاليم، ويتبنى عارف في أطروحته رأي المستشرق الفرنسي "بول كازانوفا"، لكن تبقى كتب الإسماعيلية الأوائل خالية الذكر من قريب أو بعيد، من الإخوان، وهو ما يثبت عدم تشيعهم، بالإضافة إلى امتداحهم للخلفاء الثلاثة الأوائل "أبوبكر، وعمر، وعثمان"، رضي الله عنهم، وهو ما ينفي شيعيتهم تماماً، أمّا عن الإمامة فقد وقع إخوان الصفا في تناقضات بشأنها، برزت في إهمالهم أمرها وعدم اكتراثهم بها في بعض الرسائل، أمّا الرسائل المتأخرة، فتقدم رأياً إسماعيلياً بامتياز في الإمامة، ويعزى هذا التناقض إلى إقحام بعض المقاطع الإسماعيلية على النصوص في القرون اللاحقة على الإخوان، بحسب كتاب طريق إخوان الصفا، فبرزت الإمامة في الرسالة الأخيرة بوصفها منقذ العالم من الضلال، وهو ما يتنافى مع فكر الإخوان، الذي يهتم بالإنسان وخلاصه، فلم تكن الإمامة ما يشغلهم، وهو أيضاً دليل إضافي لنفي تشيعهم.
تبقى رسائل إخوان الصفا وخلّان الوفا الشاهد الأكبر على وجود إسلام أكثر رحابة يتسع لكل الفكر الإنساني، ويتصالح معه وينقحه، لا يرفض من تراث البشر شيئاً، رسائل تخلو من الكراهية، تتأمل العالم وتسمو بالنفس والعقل والجسد فوق ملذات المادة الفانية، وتبقى في رحابها روحُ الإنسان رهينة المعرفة والحرية المطلقة التي يعرف من خلالها الإنسان طريق الإله من داخله.

للمشاركة:



ألمانيا تحذّر من هؤلاء..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

حذرت هيئة حماية الدستور (المخابرات الداخلية) من اليمين المتطرف في ولاية ساكسونيا، لافتة إلى أنّ ظهوره بشكل مسلح، كما حدث في مدينة هالة، في الحادثة التي راح ضحيتها مواطنون، الأسبوع الماضي، له دلالات خطيرة.

وقالت الهيئة، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية: "أيديولوجيتهم تهدف إلى تغيير المجتمع بشكل دائم"، وفي مدينة هاله تغيّر الكثير في الأعوام الماضية، حتى لو أنّ رئيس وزراء ولاية ساكسونيا – أنهالت، راينر هازلهوف، يؤكّد أنّ الهجمات اليمينية المتطرفة، مثل ما حصل الآن في هالة، ليس لها مكان داخل المجتمع.

المخابرات الداخلية: ظهور اليمين المتطرف في ساكسونيا كما حدث في هالة له دلالات خطيرة

العنصريون ومعادو السامية لهم الكثير من مراكز الالتقاء في ساكسونيا – أنهالت؛ فهناك مجلس مدني تابع لحزب البديل من أجل ألمانيا، ثمّ هناك ما يسمون "مواطني الرايخ" المعروفين بكراهيتهم للمجتمع المتعدد الثقافات، إضافة إلى عدد من المجموعات اليمينية المتطرفة الصغيرة التي توسعت في ساكسونيا – أنهالت، مثل "مجموعة النوع الشعبية"، التي تمجد النظام النازي.

وبحسب جهاز الاستخبارات الداخلية؛ فهي "متحدث مهم بالنسبة إلى الوسط فيما يرتبط بالحياة الثقافية داخل الحركة القومية، وتعرض بأنشطتها، لا سيما للنازيين الجدد، إطاراً أيديولوجياً لربط العائلات والأطفال بالوسط اليميني، ونشر القناعات العنصرية، وفي هذا السياق؛ يتمّ نشر بعض المثل على غرار "النوع الذاتي" و"العنصر".

وكانت القوات الأمنية قد ألقت القبض على أحد المتطرفين اليمينيين، بعد ارتكابه جريمة قتل مزدوجة، يوم الأربعاء الماضي؛ حيث أطلق النار على سيدة (40 عاماً)، فقتلها أمام كنيس يهودي، في حي باولوس، بمدينة هالة، ثم قام بإطلاق النار داخل محل للشاورما التركية، يقع بالقرب من الكنيس، فقتل شاباً عمره 20 عاماً.

 

 

 

للمشاركة:

بوتين يصل السعودية.. أبرز الملفات التي سيبحثها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

وصل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى الرياض، اليوم، في زيارة رسمية؛ حيث من المتوقع أن يلتقيه الملك سلمان بن عبد العزيز.

مساعد بوتين يؤكّد أنّه تمّ تحضير نحو 30 وثيقة بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية وتجارية لتوقيعها خلال زيارته

وكان مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، قد قال في وقت سابق؛ إنّه "تمّ تحضير نحو 30 وثيقة، بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية وتجارية، لتوقيعها خلال زيارة بوتين إلى السعودية"، وفق ما نقلت "رويترز".

كما سيناقش خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، مع بوتين، قضايا التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، تشمل آفاق التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة والتعاون العسكري التقني والتبادلات الثقافية والإنسانية، وفق أوشاكوف.

ديميتريف: قيمة الاتفاقات ستبلغ أكثر من 3 مليارات دولار حالياً وإحدى الشركات ستستثمر في شراكة مع "أرامكو"

وقال الرئيس التنفيذي للصندوق الروسي للاستثمار المباشر، كيريل ديميتريف، في تصريح لـ "العربية": "قيمة اتفاقاتنا ستبلغ أكثر من 3 مليارات دولار حالياً، وإحدى الشركات ستكون مختصة في صناعة النفط، وستستثمر في شراكة مع "أرامكو" لإنتاج مواد مهمّة للشركات الروسية، و"أرامكو"، وشركات عديدة أخرى حول العالم".

يذكر أنّ الرئيس الروسي كان قد زار السعودية آخر مرة، في شباط (فبراير) 2007، أي منذ 12 عاماً، أما الملك سلمان فقد زار روسيا عام 2017، في زيارة وصفها الرئيس الروسي بـ "التاريخية".

 

 

 

 

للمشاركة:

الحوثيون يستخدمون المختطفين دروعاً بشرية.. نداء استغاثة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

كشفت رابطة أمھات المختطفین، الیوم، قیام ميلیشیا الحوثي الانقلابیة، بإلباس 400 مختطف داخل السجن المركزي بصنعاء الزيّ العسكري للقوات الجویة، ونقلھم إلى معسكر الأمن المركزي في منطقة السبعین، بعد إیھامھم داخل السجن المركزي، أنّه سیتمّ إطلاق سراحھم.

وحمّلت رابطة أمھات المختطفین ميلیشیا الحوثي مسؤولیة حیاة المختطفین بعد نقلھم إلى منطقة عسكریة تعرضت سابقاً لضربات طیران التحالف.

أمھات المختطفین: الحوثيون ألبسوا 400 مختطف الزيّ العسكري ونقلوھم إلى معسكر الأمن المركزي في السبعین

 

وقالت الرابطة، في بیان عاجل نقلته صحيفة "المشهد" اليمنية: "فقدنا سابقاً العشرات من أبنائنا المختطفین بعد احتجازھم في الشرطة العسكریة بصنعاء وسجن كلیة المجتمع بذمار، وقتل خلالھا العشرات من أبنائنا المختطفین المدنیین".

وناشدت الرابطة، في بیانھا، الصلیب الأحمر والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقیة بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة، وإنقاذ حیاة المختطفین، وإطلاق سراحھم دون قید أو شرط.

كما دأبت ميليشيات الحوثي الإرهابية، منذ سيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء، في أيلول (سبتمبر) 2014، والتمدّد إلى مناطق أخرى، على انتهاك القانون الإنساني الدولي عبر سلسلة من جرائم الحرب، أبرزها اتخاذهم دروعاً بشرية.

واتّهمت تقارير دولية ومحلية الحوثيين باستخدام المدنيين كدروع بشرية في التصدي للجيش الوطني اليمني المدعوم من تحالف دعم الشرعية.

وكان مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي، قد أفاد بأنّ "الحوثيين يعتمدون بشكل رئيس على الدروع البشرية، كتكتيكات فعالة في مواجهة الحرب الجوية".

 

للمشاركة:



منظمة "الإيثار" الخيرية.. ستار إخواني لنشر الفكر المتطرف بالسودان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

مرتضى كوكو

إن كان السودان قد تخلص من ما يعرف بـ"الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة" أضخم ذراع إخوانية سودانية داخل المؤسسة العسكرية، فإنه بحاجة ملحة لتفكيك منظمة "الإيثار" وهي واحدة من أخطر أدوات الحركة الإسلامية السياسية لأدلجة ضباط الصف بالجيش والمجتمعات الريفية لصالح أجندة التطرف تحت غطاء العون الإنساني، وفق عسكريين.

وتصاعدت المطالب في السودان بضرورة اجتثاث منظمة "الإيثار الخيرية" المتغلغة في 11 ولاية إقليمية وعدداً من المناطق الريفية، وتنشط في بث الفكر المتطرف لأكثر من 28 عاماً بتدبير وإيعاز من نظام الإخوان البائد، لكونها تشكل خطراً على البلاد خلال المرحلة المقبلة.

وتأسست منظمة الإيثار الخيرية على يد الحركة الإسلامية السياسية في يونيو عام 1991، أي بعد عامين من صعود الإخوان إلى سدة الحكم في السودان بانقلاب عسكري ضمن مخطط كبير لأدلجة المجتمع والقوات المسلحة السودانية لصالح أجندته وخلق قاعدة أتباع عريضة ليتسنى لهم الاستمرار أطول فترة ممكنة في السلطة، بحسب مهتمين.

وكشفت مصادر، لـ"العين الإخبارية" عن أن قيادات المنظمة يتم اختيارهم بعناية فائقة من قبل الحركة الإسلامية السياسية ودائماً ما تكون بعيدة عن الأضواء، ولهم قدرات عالية في التغلغل وسط المجتمع تحت غطاء العمل الإنساني والدعوة الإسلامية.

ويتولى رئاسة المنظمة حالياً الإخواني، محمد موسى البشير، وسبقه في هذه المهمة عدد من الإخوان وأغلبهم من ضباط جهاز الأمن الشعبي التابع للحركة الإسلامية السياسية (مليشيا سرية لقمع الخصوم السياسيين)، أبرزهم: إبراهيم محمد أحمد البلولة، وعباس عبدالله حسين.

وبحسب المعلومات، فإن المنظمة تنتشر في ولايات الخرطوم، والجزيرة، والبحر الأحمر، والقضارف، وكسلا، ونهر النيل، وسنار، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، وشمال كردفان، والشمالية، حيث لديها مقار مؤسسة، كما تنشط في إقليم دارفور غربي البلاد وتعاونها في ذلك أذرع إخوانية أخرى.

ويزعم قيادات المنظمة وفق ديباجيتهم التعريفية أن منظمة "الإيثار" تعمل على ساحات العمل الخيري لتكون أداة لنشر قيم الحق والخير والفضيلة والإيثار في المجتمع والإسهام في التنمية الاجتماعية والصحة ومقرها من خلال 4 برامج، التعليم، تخفيف حدة الفقر، تنمية ورفع قدرات، دعوة وتوعية.

لكن في واقع الأمر تستغل المنظمة هذه اللافتات الإنسانية لبث سموم تنظيم الإخوان، حيث يبدأ مشروعها للأدلجة من رياض الأطفال إلى المراحل التعليمية الأخرى، وصولاً إلى ضباط صف وجنود القوات المسلحة.

وأوضحت مصادر عسكرية لـ"العين الإخبارية" أن الحركة الإسلامية أوكلت مهمة أدجلة ضباط الصف والجنود لمنظمة "الإيثار" التي تعمل بينهم بكثافة وتقدم لهم المساعدات لكسب تعاطفهم، بينما أعطت مهمة اختيار وتنقيح طلبة الكلية الحربية "الضباط" للهيئة الخيرية للقوات المسلحة التي فككها مجلس السيادة قبل أيام.

وشددت المصادر على أن هناك مطالب واسعة داخل المؤسسة العسكرية بحل منظمة الإيثار الخيرية ومصادرة أملاكها في كل ولايات السودان لصالح الخزينة العامة للدولة، أسوة بما حدث مع الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة.

وتشير المصادر إلى أن الإيثار تستعطف المجتمع بمساعدات وخطاب دعوي لصالح الحركة الإسلامية السياسية، بينما تتبنى منهجاً خاصا تنفذه في رياض الأطفال والمدارس لأدلجة الطلاب على الفكر الإخواني، وكل ذلك بإيعاز من النظام المعزول.

وفي منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، أصدر رئيس المجلس السيادي في السودان الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان مرسوما دستوريا يقضي بحل "الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة"، إحدى أضخم أذرع تنظيم الإخوان الإرهابي داخل الجيش.

ونص المرسوم على أن تؤول جميع الممتلكات الثابتة والمنقولة والأصول والخصوم الخاصة بالهيئة الخيرية إلى الصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي للعاملين بالقوات المسلحة.

وبهذا المرسوم، فقد تخلّص السودان من أكبر ذراع إخوانية داخل الجيش، حيث تملك الهيئة الخيرية عددا من الشركات أبرزها "زادنا"، وكانت تتولى مهمة اختيار الطلبة الحربيين، وتغيير فكرهم لصالح الحركة الإسلامية السياسية، ويشرف على ذلك الإخواني محمد أحمد علي الفششوية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تركيا وخطر تقسيم سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

عبد الوهاب بدرخان

غزو تركي، عدوان، مجرد «عملية» عسكرية... أياً كان التوصيف لا يبدو المجتمع الدولي حتى الآن مقبلاً على التعامل المتناسب مع تركيا، تحديداً بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. والسبب أن هذا المجتمع الدولي عجز أو جرى تعجيزه عن التعامل مع الأزمة السورية برمّتها، فتُرك للقوى النافذة والمؤثرة التشارك في صنع «قوانين» خاصة بتوافقاتها أو منافساتها، أمكن لروسيا والولايات المتحدة أن تتوافقا أحياناً، وأن تختلفا في معظم الأحيان، حين لا تكون المصالح واضحة ومتوازنة. نتيجةً لذلك يجري تمديد الأزمة، وتُفتح فيها فصول حروب جديدة، في انتظار أن يرتسم توافقٌ دوليٌ ما. في كل المراحل كان الشعب السوري هو الضحية، وقد قُزّمت طموحاته في الحل السياسي للأزمة، والآن يُسلّط الضوء على قضية الأكراد الذين يتعرّضون لهجمة تركية شرسة قد تقضي على كيان خاص بهم في سوريا.
كثير من الأخطاء ارتُكب دولياً وإقليمياً وأوصل إلى تدخّل تركي «غير مقبول» وفقاً للإجماع على توصيفه. وتقع المسؤولية هنا على عاتق القوى الدولية التي اعتبرت باكراً جداً، منذ غزو العراق وقبل اندلاع الأزمة السورية، أن الشرق الأوسط بات منطقة مريضة ويمكن إيلاء العناية بها إلى ثلاث دول إقليمية هي إسرائيل وإيران وتركيا. وبعدما زرعت إيران نفوذها في لبنان إلى جانب النفوذ السوري ما لبثت أميركا أن تركتها تستأثر بالعراق وتتمدد إلى سوريا وإلى غزّة، ومع بدء الانتفاضة الشعبية السورية استشعرت إيران تهديداً لنفوذها فضاعفت تدخّلها وإقحام ميليشياتها. إزاء ذلك أقامت روسيا تنسيقاً مع إسرائيل أولاً لمنع الإيرانيين من فتح جبهات ضدّها انطلاقاً من سوريا، وثانياً لإجازة ضربات إسرائيلية لأي تحركات إيرانية تعتبرها إسرائيل خطراً على أمنها. هذا التنسيق تحوّل إلى توافق أميركي - روسي ثابت، وهو الوحيد الذي تمكن الرئيسان من التوصّل إليه وإعلانه بعد قمتهما في هلسنكي (يوليو 2018)، ولم يتفقا في شأن إيران لكن فُهم أن نقطة الخلاف الرئيسية هي النفوذ العسكري وليس الوجود الإيراني في سوريا.
بقيت تركيا في منطقة رمادية بين الدولتين الكبريين، لا توافق على دورها أو نفوذها، بل تنافس حادٌّ وصامت بينهما عليها. كانت روسيا أزعجت أميركا بإجازتها عام 2016 تدخّلاً تركياً لطرد تنظيم «داعش» من غربي الفرات، إذ كانت «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية اقتربت من تلك المنطقة في سياق الخطط الأميركية لمحاربة الإرهاب. وبعد قطع خطوط الأكراد مع غربي الفرات انسحب الروس من منطقة عفرين الكردية (أقصى شمال غربي سوريا) فدخلها الأتراك دخولها وسيطروا عليها والحؤول دون اتصال القوات الكردية بها. كان قادة أكراد صرّحوا مراراً بأن منطقتهم (روج آفا) تمتد على طول الحدود وصولاً إلى المتوسط. ما تحاوله تركيا في المرحلة الحالية هو دفع الأكراد شرقاً إلى محافظة الحسكة المعروفة بأنها ذات كثافة كردية.

كثيرون يعتقدون أن ترامب قدّم «هدية» إلى أردوغان، ومثلهم من يعتقد أنها قد تكون مصيدةً لتركيا. هذا لا يغيّر شيئاً في التقويم العام الذي يُظهر أن سوريا باتت ساحة مطروحة في مزاد مغلق بين خمس قوى وتريد إحداها (الولايات المتحدة) أن تنسحب لكن بعد إنجاز توزيع الحصص. وينظر إلى التدخّل التركي على أنه المؤشّر الأخطر إلى «تقسيم سوريا» باعتبار أنه سيقتطع من جغرافية البلد (ماذا عن الجولان؟). المطلوب التأكيد على «وحدة سوريا»، خاصة أن هناك من استهان بقضية الشعب السوري واستسهل اللعب بالورقة الكردية رغم خطورة ذلك على الدول الأربع التي ينتشر فيها الأكراد.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"الإخوان" في الدول الإسكندنافية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

إميل أمين

ما الذي يجعل التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين» يكثف جهوده في الآونة الأخيرة من أجل تثبيت حضوره في مجموعة الدول الإسكندنافية وبنوع خاص في السويد؟... لعل ما تعرضت له جماعة «الإخوان المسلمين» من انتكاسات في الأعوام الماضية في الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج العربي مؤخرا، كما في حال افتضاح شأنها في الكويت، جعل السعي المحموم إلى الخارج أمرا ملحا لا سيما إذا كانت في دول تتوفر فيها الشروط الملائمة لنشوء وارتقاء «الجماعة» مرة أخرى من أجل تحقيق أهدافها التي لم تغب عن عينيها.

منذ أن تأسست «الجماعة» وحتى الساعة، كان في المقدمة وضمن أهدافها، بسط هيمنتها ومقدراتها لا على العالم العربي والإسلامي فقط، بل تصدير دعوتها واكتساب أرض جديدة يوما تلو الآخر إلى حين تتمكن من التحكم في العالم برمته.

ما الذي يدعو لفتح ملف «الإخوان المسلمين» في الدول الإسكندنافية في هذا الوقت؟ المؤكد أن هناك رصدا ومتابعة دقيقين قد جرت بهما المقادير الأشهر القليلة الماضية، هناك، حيث أكدت الخلاصات أن العديد من أفراد جماعة الإخوان والقياديين في «التنظيم الدولي» قد وقر لديهم يقين بأن السويد والدنمارك والنرويج، هي أفضل ثلاث دول يمكن أن يباشروا عليها أنشطتهم وبخاصة بعد التضييق عليهم من قبل الأجهزة الأمنية، في الدول التقليدية التي عاشوا فيها طويلا لا سيما بريطانيا وألمانيا وفرنسا بدرجة ما.

أضف إلى ذلك أن انحسار تنظيم داعش ومؤيديه أيديولوجيا على الأقل قد كشف أوراق الكثيرين الذين باتوا قولا وفعلا أوراقا محروقة، ويتحتم عليهم الابتعاد والتواري عن المشهد.

عطفا على ذلك فإن الدول الإسكندنافية في هذه الأوقات تبقى الأكثر أمانا من ناحية عدم استطاعة اليمين الأوروبي المتطرف، السيطرة على حكوماتها وهو التيار الذي يعادي جهرا وسرا الوجود الإسلامي على الأراضي الأوروبية.

في دراسة حديثة لـ«وكالة الطوارئ المدنية» في السويد إحدى أهم وزارات الدفاع والتي تقوم بمثابة الاستخبارات على الأرض، نجد خلاصات مفادها أن «الإخوان» يسعون إلى اختراق الوجود الإسلامي في السويد ونشر مفاهيم الجماعة واكتساب أعضاء جدد.

على أن السؤال المطروح في هذا المقام كيف تمكن «الإخوان» من اختراق هيكل الدولة السويدية خلال العقدين الماضيين أي مع أوائل الألفية الجديدة بنوع خاص؟

الجواب يحمله إلينا البرفيسور السويدي ماغنورس نورويل، وعنده أن جماعة «الإخوان» تمكنت على مر السنين من بناء مؤسسات قوية في ذلك البلد الإسكندنافي البعيد بعد أن ضمنت عمليات تمويل من الأموال السويدية العامة، وبعد أن أتقنت فن الاحتيال في هذا البلد منذ سنين طويلة.

أما الباحث السويدي والخبير في شؤون جماعة «الإخوان لمسلمين» لورينزو فيدينو، فيذهب في تحليله لطريقة انتشار الإخوان في السويد، إلى القول بأن جماعة «الإخوان» الأم تعتمد على ثلاث فئات من الكيانات السويدية أعضاء الإخوان أنفسهم، وشبكات الإخوان غير المباشرة، والمنظمات المتأثرة بالإخوان.

ولعل تعميق البحث في مسألة الوجود الإخواني في السويد يقودنا إلى اكتشاف جذور تعود إلى ثلاثة عقود خلت وليس لعقدين فقط، وأنهم عرفوا كيف يتعاطون وإن بذكاء شديد مع مفاتيح الدولة السويدية، وعليه فقد قاموا ببناء هيكل مؤسسي يستخدم بسلاسة «النموذج السويدي» للاستفادة الكاملة من نظام المنح السخي والمساعدات المالية من الخزائن العامة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أنشأت جماعة «الإخوان» منظمات مستقلة ظاهريا لكنها ترتبط بها تشمل شبكات من المدارس والشركات والجمعيات الخيرية وغيرها من الكيانات، كل واحدة تنتمي إلى إحدى الفئات الثلاث المتقدمة، تحصل على تمويلها من دافعي الضرائب.

في هذا الصدد كانت هيئة «الحماية المدنية والتأهب» تصدر تقريرا بعنوان «النشاط الإسلامي في سياق متعدد الثقافات» قام على إعداده أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية السويدي «إيه كارلوم»، من جامعة «مالمو» خلص فيه إلى أن «الإخوان» على أراضي السويد لديهم مهمة راديكالية الطابع ذات خطر على الدولة، ولا ينبغي أن تتلقى أموالا من الأصول الضريبية.

دعا تقرير «كارلوم» إلى فتح العيون على أهم بل وأخطر أربع جمعيات كبرى في السويد على صلة مباشرة بالإخوان وأشهرها «جمعية الإغاثة» و«جمعية بن رشد التعليمية» و«جمعية الشباب السويدي المسلم» و«الرابطة الإسلامية» التي تعد مقرا لـ«الإخوان».

يستدعي الحديث عن هذه الرابطة حديثا مطولا لا سيما بعد أن باتت ملاحقة رسميا من السلطات السويدية متمثلة في جهازي الشرطة والمخابرات، فهي تابعة بشكل كامل «للتنظيم الدولي» والذي ينشط بأذرع متعددة في أوروبا وخصوصا في السويد عبر نشاط اقتصادي مغلف بعمل خيري أو تربوي أو حتى تعليمي وديني وإرشادي، وإن كانت المحصلة النهائية لكافة هذه التنظيمات واحدة أي ملء خزائن التنظيم الدولي لـ«الإخوان» بالأموال، وهي تستوحي قيمها من أفكار المؤسس حسن البنا، ورئيسها يدين بالولاء التام للزعيم الروحي لـ«الإخوان» يوسف القرضاوي.

تزعم الرابطة اليوم أنها تمثل ما لا يقل عن سبعين ألف سويدي مسلم، وهو رقم كبير يكاد يشمل الغالبية العظمى للمسلمين في السويد، وتشكل الرابطة مظلة لعدد من المنظمات السويدية، بما فيها المجلس الإسلامي السويدي، ومسجد ستوكهولم والأصول التابعة له في السويد.

لاحقا تكشف لجهات الأمن السويدية أنهم أمام تشكيلات إخوانية تكاد تكون صورة طبق الأصل من نظيراتها في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، إذ تتألف كل منظمة من المنظمات التابعة لـ«الإخوان» في السويد من مجلس شورى تحت قيادة أمير أو زعيم، ويتكون كل مجلس من اثني عشر شخصا يتناوبون على رئاسته، وينقسم الأعضاء بدورهم إلى وحدات صغيرة تتألف من خمسة أفراد ليشكلوا بذلك أسرة أو عائلة، وتقوم الأسرة بدورها بتنظيم اجتماعات أسبوعية تتخللها مناقشة الأمور الأيديولوجية في البلاد. ويضع تقرير المعهد الأميركي جيتسون السويديين أمام حقائق مخيفة حول ما يجري على أراضيهم من خداع فعلى سبيل المثال لم يكن هناك مشروع لإنشاء مسجد يعد مركزا لـ«الإخوان» في مدينة مالمو، بل مركز للأنشطة الشبابية والأسرية، وحين تم سؤال المسؤول عن البناء المدعو خالد عاصي قال إن الوقف غير تابع لأي مؤسسة، وإن جميع المساهمات المالية تأتي من أفراد المنطقة. فيما الأمر الأكثر إزعاجا أن العديد من أعضاء ما يعرف بـ«الوقف الإسلامي السويدي» ينتمون إلى الجمعية الثقافية الإسلامية السويدية التي ينتمي متحدثها الرسمي عمار دواد إلى طائفة أتباع الإمام الدنماركي أبو لبن، المعروف بصلاته بعناصر جهادية وبتحريضه للعالم الإسلامي ضد الدنمارك، وقد وصف أبو لبن ذات مرة «سيد قطب» منظر جماعة الإخوان المسلمين الأشهر بأنه مثله الأعلى.

ولعل خلاصة التقارير السويدية عن حالة «الإخوان المسلمين» في البلاد يمكن إجمالها في أن الجماعة تسعى في الداخل إلى بناء وخلق مجتمع مواز بمساعدة النخب السياسية التي تدعم سياسات الصمت على أنشطة هذه المجموعة الأصولية غير البريئة، وأن هذه الجماعة تبني كيانا موازيا في هذه الدولة الإسكندنافية، يمتد ليتصل ببقية الإخوان في الدنمارك والنرويج، كما أن هناك حالة جهل عام في صفوف السياسيين السويديين بشأن المجموعات المنتسبة إلى جماعة الإخوان، وبشأن مفهوم الإسلام السياسي ككل، وقد حان الوقت للاعتراف بالمشاكل المتجذرة المنبثقة عن وصول الجماعة إلى المال العام دون قيود، ولا بد من تحقيق رقابة على الأفراد الذين يديرون منظمات قد تكون بديلا عن اللبنات الأساسية للمجتمع.

ولعله من المؤكد أن الحديث عن التمدد «الإخواني» في الدول الإسكندنافية لا يستقيم بدون الحديث عن ذلك الوجود في النرويج وكذا الدنمارك.

يستلفت النظر في النرويج بداية وجود الرابطة الإسلامية الموازية لنظيرتها في السويد، والتي لها مسجد مستقل هو «مسجد الرابطة» في العاصمة النرويجية أوسلو، ويديره بعض الأشخاص وثيقو الصلة بالمرشد الروحي لـ«الإخوان» يوسف القرضاوي.

يستغل إخوان النرويج بنفس العقلية مؤسسات الدولة النرويجية التي تسبغ حرصها ودعمها للأقليات، وعليه يحصلون من الدولة على دعم مالي يستخدم في خدمة الأغراض الإخوانية، وخلال إجراء النيابة النرويجية التحقيقات حول نشاط خلية مايكل داود المتهم بتفجير صحيفة جيلاندز بوست الدنماركية ورد ذكر اسم مسجد الرابطة، فقد كان داود، وهو نرويجي من أصل صيني تحول إلى الإسلام عقب زواجه من امرأة مسلمة من أصول مغربية يتردد بشكل مستمر على المسجد قبل سفره إلى دول عربية حيث تواصل مع تنظيم «القاعدة»، وأشار إلى أنه أثناء قيادة الإخواني الأردني إبراهيم الكيلاني لـ«الرابطة الإسلامية» عام 2006 توسعت المؤسسة الإخوانية في أنشطتها الاجتماعية ونظمت فعاليات ومؤتمرات اشترك فيها قادة من الجماعة.

ماذا عن الدنمارك؟ الشاهد أن بعض التقارير الإعلامية الغربية تحدثت مؤخرا عن العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، فوصفتها بأنها «مغارة الحمدين» في إشارة لا تخطئها العين لما تقوم به قطر منذ عام 2000 في نشر رؤاها الأصولية من خلال الجماعات الإخوانية المنتشرة هناك.

منذ عقدين أسست قطر ما يعرف بـ«المجلس الإسلامي الدنماركي»، لتجعل منه صندوقا لتمويل تيارات متطرفة وفلول جماعة الإخوان الفارين من الدول العربية وحصالة لجمع الأموال وتوزيعها على قياديين في جماعات وتنظيمات وتيارات مشبوهة داخل أوروبا.

ولعل ما كشف حقيقة الدور المزعج لذلك المجلس قضية اختلاس بعض أعضائه لمبالغ تصل إلى ملايين الدولارات، مما جعل أجهزة الاستخبارات الدنماركية تتساءل من أين تحصلوا على تلك الأموال؟ وفيم أنفقوها؟

وفي كل الأحوال يتكشف للدنماركيين والحديث على لسان هنريك يرني عضو اللجنة القانونية بالحزب الديمقراطي الاجتماعي أنه منذ عام 2010 تدفقت الأموال القطرية بالملايين على المركز المعروف باسم المجلس الإسلامي، وما أثار المخاوف هو أن تبرعات المسلمين في الدنمارك ومساعدات الدولة تكفي لبناء هذ المسجد وأكثر، وعليه فلماذا المزيد من ملايين قطر تلك التي يقوم بنقلها مسؤولون كبار في قطر.

ويبقى السؤال قبل الانصراف: هل يتحتم على الدول الإسكندنافية التيقظ اليوم لما يحاك لها ويجري على أراضيها؟

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية