"الاستبداد والعلم" عند الكواكبي.. حرب تنتصر للتنوير

"الاستبداد والعلم" عند الكواكبي.. حرب تنتصر للتنوير
صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
7514
عدد القراءات

2017-10-18

يبين المفكر عبد الرحمن الكواكبي (1849 –1902) في نصه المعنون بـ "الاستبداد والعلم" أنّ أكثر ما يخشاه "المستبِدّ" الارتقاء بالعلوم، وخصوصاً ما يتعلق بالحكمة والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية لما لها من أثر في توسيع المدارك وتغذية العقول وتنويرها وتعريف الإنسان بحقوقه وكيف يطالب بها وينالها.

ويؤكد صاحب الكتاب الأشهر "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، أنّ الجهل يولّد الخوف، وكلما تنوّر العقل زال الخوف من المستبد، منوهاً إلى أنّ الحرب بين الاستبداد والعلم مستمرة؛ فالعلماء يسعون إلى تنوير العقول والمستبد يسعى لإطفائها، وكلاهما يجتذب العوام الذين إذا جهلوا خافوا واستسلموا، وإن علموا قالوا وفعلوا.

الاستبداد والعلم

وكتب الكواكبي في هذا السياق:
"ما أشبه المستبدَّ في نسبته إلى رعيته بالوصيّ الخائن القوي، يتصرّف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافاً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوصيّ أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبدّ أن تتنوّر الرعية بالعلم.
لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا ما دامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلُهُ.
العلم قبسةٌ من نور الله، وقد خلق الله النّور كشّافاً مبصراً، يولّد في النفوس حرارةً وفي الرؤوس شهامةً، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النّور تبديد الظّلام، والمتأمل في حالة كلِّ رئيس ومرؤوس، يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
المستبدُّ لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوّم اللسان وأكثرها هزلٌ وهذيان يضيع به الزمان، نعم؛ لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، أو سحر بيان يحلُّ عقد الجيوش؛ لأنه يعرف أنّ الزمان ضنينٌ بأن تلد الأمهات كثيراً من أمثال: الكميت وحسان أو مونتيسكيو وشيللر.

كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته

وكذلك لا يخاف المستبدُّ من العلوم الدينية المتعلِّقة بالمعاد، المختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنّها لا ترفع غباوةً ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهّى بها المتهوِّسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور، فصاروا لا يرون علماً غير علمهم، فحينئذٍ يأمن المستبدُّ منهم كما يُؤمن شرُّ السّكران إذا خمر. على أنّه إذا نبغ منهم البعض، ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبدّ وسيلة لاستخدامها في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنّه يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسدُّ أفواههم بلقيماتٍ من مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً؛ لأنّ أهلها يكونون مسالمين صغار النّفوس، صغار الهمم، يشتريها المستبدُّ بقليل من المال والإعزاز، ولا يخاف من الماديين؛ لأنّ أكثرهم مبتلون بإيثار النّفس، ولا من الرياضيين؛ لأنّ غالبهم قصار النظر.
ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم، المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة، وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: {أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون} وفي قوله: {وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون}، وإنْ كان علماء الاستبداد يفسِّرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبُّد كما حوّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين.
والخلاصة: أنَّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظاتٌ كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة!

كما يبغض المستبدُّ العلمَ ونتائجه؛ يبغضه أيضاً لذاته؛ لأن للعلم سلطاناً أقوى من كلِّ سلطان، فلا بدَّ للمستبدِّ من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحبُّ المستبدُّ أن يرى وجه عالمٍ عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملِّق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كلِّ المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كلِّ من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشرٍّ.

العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف

وينتج مما تقدَّم أنَّ بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
العوام هم قوة المستبدُّ وقُوتُهُ. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة.
والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقّيها المستبدَّ اللئيم على الترقّي معها والانقلاب -رغم طبعه- إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب، ورئيسٍ عادل يخشى الانتقام، وأبٍ حليمٍ يتلذذ بالتحابب. وحينئذٍ تنال الأمة حياةً رضيّة هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عزّ وسعادة، ويكون حظّ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظاً بالبغضاء، محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قطّ أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأنَّ الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بدَّ أن يهابه، فيضطرب باله، فيتشوش فكره، ويختلّ رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريحه قبل استطلاع رأي المستبدّ، فإن رآه متصلِّباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشداً كان أو غيّاً، وكلُّ مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ: إنَّ الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناءً عليه؛ لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.

ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه

إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.
كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: (التام) لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلتُ: إنه يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرَّد أنهم لا يعلمون الغيب، ومن ذا الذي يعلم الغيب، الأنبياء والأولياء؟ وما هؤلاء إلا أشقياء؛ أستغفرك اللهم! لا يعلم غيبك نبيٌّ ولا وليٌّ، ولا يدّعي ذلك إلاّ دجّال، ولا يظنُّ صدقه إلاّ مغفَّل، فإنَّك اللهم قلت وقولك الحقّ: {فلا يظهر على غيبه أحداً} وأفضل أنبيائك يقول: "لو علمتُ الخير لاستكثرت منه".
من قواعد المؤرِّخين المدققين: إنَّ أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدَّين كنيرون وتيمور مثلاً، يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذُّر والتحفُّظ. وإذا أراد المفاضلة بين عادلين كأنو شروان وعمر الفاروق، يوازن بين مرتبتي أمنهما في قوميهما.
لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام، والشمس وزحل، والعقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أنَّ أضرَّ شيء على الإنسان هو الجهل، وأضرّ آثار الجهل هو الخوف، فعملت هيكلاً مخصصاً للخوف يُعبد اتقاءً لشرِّه.
قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبدِّ في كلِّ زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدَّس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يُقدَّمون قرابين الخوف، وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأنّ المستبدَّ امرؤٌ عاجز مثلهم، زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم".

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، 2011، ص 35-38
اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا كان موقف بنت الشاطئ حاداً وحاسماً من التفسير العلمي للقرآن؟

2020-02-23

لم ينقطع شغف المسلمين بفهم القرآن الكريم وشرحه وتفسيره، ومعه تحولت قبائل العرب الأمية إلى أمة ذات حضارة تدور في فلك هذا النص المعجز، وصح أن يقال عنها إنّها حضارة النص، فابتكرت العلم تلو العلم الذي يقربها من الفهم الصحيح للإسلام عبر التفسير الدقيق قدر الإمكان لآيات القرآن الكريم، وقد تعددت مناهج المسلمين في تفسيره؛ بداية من التفسير بالمأثور مروراً بالتفسير اللغوي والبلاغي والتفسير الكلامي، وغيرها من المناهج التي حفل بها هذا الحقل الثري.

معظم قواعد التفسير التي أجمع عليها علماء المسلمين يتغاضى عنها "العصريون" بحجة ألا كهنوت في الإسلام

كما تنوعت المناهج الحديثة التي أضافها المعاصرون، فكان أبرزها منهج التفسير العلمي للقرآن الكريم الذي بدأ يحبو مع الشيخ محمد عبده، وتطور تطوراً كيفياً على يد الشيخ طنطاوي جوهري صاحب كتاب "الجواهر في تفسير القرآن)، ومنهج التفسير البياني للقرآن الذي ابتكره وعمل به الشيخ أمين الخولي والدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، وغيرهما من المناهج التي استفادت من المنجزات العلمية في العلوم الإنسانية كاللغة والهرمينوطيقا والعلوم الطبيعية مثل؛ الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا.

وكثيراً ما يدخل مجال التفسير غرباء يتحدثون عنه بغير علم بحجة محاولة تقديم تفسير عصري للقرآن الكريم، مما يدفع أئمة العلم للتصدي لهم، والجدل الذي دار بين بنت الشاطئ والدكتور مصطفى محمود من المعارك المسكوت عنها، ويعد نقد أستاذة التفسير والدراسات العليا بجامعة القرويين بالمغرب الدكتورة عائشة عبد الرحمن لذلك المنهج المستحدث الأعمق والأكثر جذرية، والأصلح للرد على ما يسمى بالتفسير العلمي للقرآن الكريم الذي تطور ليصبح فيما بعد الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.

باسم العصرية يغرون المسلمين بأن يرفضوا فهم القرآن كما فهمه الصحابة وباسم العلم نخايلهم بتأويلات محدثة

لم تحيَ بنت الشاطئ حتى ترى التفسير العلمي للقرآن الكريم وقد صار يضم علماء من مختلف التخصصات العلمية، تحولت معهم كل آية قرآنية إلى مشروع نظرية فيزيائية وكيميائية وبيولوجية، وتحول العالم إلى شيخ يدعو الناس للهداية تاركاً العلم للغرب وقابضاً على الدين يدعو له المسلمين.
كان موقف الدكتورة عبدالرحمن حاداً وحاسماً من التفسير العلمي للقرآن الكريم، خلال مقالات نشرتها في شهري آذار (مارس) ونيسان (أبريل) من العام 1970 بجريدة الأهرام، ثم جمعتها في كتاب "القرآن والتفسير العصري، هذا بلاغ للناس" رداً على مقالات نشرها الدكتور مصطفى محمود بعنوان "تفسير عصري للقرآن" بمجلة صباح الخير، وقد استهدف كتابها الرد على المنطلقات الفكرية التي يقوم عليها ذلك المنهج، ثم الرد على أفكار الراحل الدكتور مصطفى محمود.

اقرأ أيضاً: الإعجاز العلمي للقرآن الكريم وإشكالية التأويل بالإكراه
رأت بنت الشاطئ أنّ الفرضية المركزية التي يعتمد عليها أصحاب هذا المنهج أنّ القرآن الكريم يجب أن يضم بين دفتيه "علوم الطب والتشريح والرياضيات والفلك والفارماكوبيا وأسرار البيولوجيا والإلكترون والذرة... وإلا فإنه ليس صالحاً لزماننا ولا جديراً بأن تسيغه عقليتنا العلمية ويقبله منطقنا العصري"، فباسم العصرية نغري المسلمين بأن يرفضوا فهم القرآن الكريم، كما فهمه الصحابة، رضي الله عنهم، وباسم العلم نخايلهم بتأويلات محدثة، تلوك كلمات ضبابية عن الذرة والإلكترون وتكنولوجيا السدود، ومع كل ذلك تتعذر الرؤية الثاقبة، ويفوتها أن تفصل بين منطق تفكير علمي سليم وجرأة ادعاء وطبول إعلان.

كأنّ بنت الشاطئ تستشرف المستقبل فترى أصحاب العلم الحديث "ينتحلون الدراية بكل علوم الدين والدنيا"

وفقاً لبنت الشاطئ تبدأ قصة التفسير العلمي للقرآن الكريم مع الحضور الطاغي للاستعمار في المشهد الاجتماعي والثقافي المصري؛ حيث تبنت النخب المصرية عدة مواقف من الاستعمار، من أبرزها الموقف الأول الذي رأى اللحاق بالغرب عبر تقليد ومحاكاة قيمه انبهاراً بثقافته التي ظن أنّها سر تقدمه وهيمنته، والموقف الثاني حاول أن يعالج عقدة النقص التي ألمت بالمسلمين عبر تفسير القرآن الكريم تفسيراً علمياً ليضم في هذا التفسير القوانين العلمية التي توصل إليها الغرب، كما فعل الشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره "الجواهر في تفسير القرآن"، وكان هذا الاتجاه كالمخدر والمهدئ لأعصاب المسلمين.

الدكتور مصطفى محمود
سرعان ما انتهى مفعول مخدر تفسير الشيخ طنطاوي جوهري بفضل العلماء وقادة الفكر الذين انتقدوا سلبيات ذلك التفسير على عقول ونفوس المسلمين، ثم عاود ذلك التيار دعوته مجدداً بعد عقود من الكمون، عاود الكرة ثانية بمخدر أقوى وأكثر فاعلية؛ فأمام تحديات متعاظمة خطيرة تشهدها الأمة، والمنافسة الاقتصادية العالمية يظهر مثقفون وعلماء طبيعيات يتحدثون عن عدد "النظريات" التي يحفل بها القرآن الكريم؛ لينحرف المسلم عن العمل والعلم والكد إلى متابعة هؤلاء العلماء والنظر إليهم بانبهار، وهم يتحدثون عن نظريات اكتشفها الغرب موجودة مسبقاً بين دفتي المصحف، وليتركوا المفاهيم الكلية المرشدة لحياة المسلمين، ويبحثوا عن مدى تطابق آيات القرآن الكريم مع قوانين ونظريات العلم الحديث.

رسالة دعاة هذا التفسير واضحة تقول ها هي بضاعتنا ردت إلينا وإننا ماضون في طريق الحضارة ولكن بالعكس

فرّقت بنت الشاطئ بين الفهم والتفسير، ففهم القرآن الكريم حق لجميع المسلمين يختلف بتنوع ثقافتهم ووعيهم، أما تفسير القرآن فله ضوابطه وقواعده مثل؛ استحالة التصدي لتلاوته أو تفسيره دون التلقي من شيوخ القراءة، واستحالة تفسير صيغة أو عبارة مبتورة عن سياقها الخاص في الآية والسورة، بالإضافة إلى أنّ الكلمة لا تعطى دلالتها القرآنية بمجرد الرجوع إلى دلالتها المعجمية التي تتسع لمعانٍ عدة لا يقبلها النص، وغيرها من القواعد التي أجمع عليها علماء المسلمين، ويتغاضى عنها العصريون بحجة ألا كهنوت في الإسلام.
التصدي للفقه والتفسير يحتاج للدراسة المؤهلة التي تجيز الفقيه المفسر علمياً للجلوس للفتيا والتدريس، ويحتاج فهم القرآن إلى استيعاب علوم العربية وسنن الرسول الكريم وأحكام القرآن وعلومه والسير والمغازي، مع قدر من الحساب والرياضيات، ويعد الإمام مالك بن أنس نموذجاً رائداً سار على درب العلم، ومن خلفه سار العلماء على سنة الرسول الأكرم وتعاليمه.

اقرأ أيضاً: الإعجاز العلمي في القرآن وأحكام عدة المرأة
في المقابل باسم العلم والعصرية يخرج أتباع التفسير العصري يدعون المعرفة بأحدث النظريات العلمية، وأنّ القرآن يحتوي كافة نظريات العلوم الطبيعية بدون تفقه في علوم القرآن، وأنّ العالم أصبح "تفتح له خزائن الغيب وأسرار الحكمة، فلا يلبث أن يخرج على الناس وفي جرابه طرائف وغرائب من كل علوم العصر، ومعها مكتشفات من مجاهل الميتافزيقا".

التفسير العلمي انعكاس لحالة التردي الحضاري الذي أصاب الأمة الإسلامية المغلوبة المولعة بتقليد الغالب

وكأنّ بنت الشاطئ تستشرف المستقبل فترى علماء الفيزياء والكيمياء "ينتحلون الدراية بكل علوم الدين والدنيا، ومن يخوضون في الغيب فيفسرون لنا آيات القرآن في الساعة والقيامة بما لم يأت فيه نص، ولا كشف عنه غيبة علم!".
شغل التفسير العلمي للقرآن الرأي العام لأعوام خاصة مع سماح الإعلام الرسمي له بالانتشار على قنواتها قبل أن ينتشر هذا الخطاب في الفضائيات، بدت الرسالة واضحة تقول ها هي بضاعتنا رُدّت إلينا، وإننا ماضون في طريق الحضارة ولكن بالعكس، فالعالم المتحضر يكتشف القوانين الطبيعية ويخترع الابتكارات العصرية وينتج ويصدر لنا سلعاً متطورة، فيما نحن سنفتح دفتي المصحف نلتقط آية من هنا وأية من هناك؛ تؤكد ما وصل إليه علماء الغرب وتبرر لنا استهلاكنا المفرط لمنتجاتهم فيما نحن نغطّ في سبات عميق.
التفسير العلمي للقرآن انعكاس لحالة التردي الحضاري الذي أصاب الأمة الإسلامية المغلوبة المولعة بتقليد الغالب كما قال ابن خلدون في مقدمته، مع ما يصاحب هذا التردي من أمراض وعقد نفسية ورغبة في الزهو الزائف بما تمتلكه الأمة من تراث، وليس غريباً أن يخرج علينا بعض الدعاة والشيوخ يتحدثون عن موقفهم من الحداثة والحضارة الغربية، فيتحدثون نفس الحديث متغنّين بالتراث التليد ويختمون حديثهم أيضاً بأنها بضاعتنا ردت إلينا!

للمشاركة:

كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

كيف يكون الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله؟

2020-02-10

في كتابه "مشكلة الحرية"، يرى المفكر المصري زكريا إبراهيم أنّ الحرية، بمفهومها الاشتقاقي، عبارة عن انعدام القسر الخارجي. والإنسان الحر بهذا المعنى هو من لم يكن عبداً أو أسيراً. أما الحرية بالمعنى الفلسفي، فهي اختيار الفعل عن روية مع استطاعة عدم اختياره، أو استطاعة اختيار ضده.

كيف نتحدث عن عالم حر في وقت لا يزال هناك أكثر من ملياري إنسان يتعرضون لجوانب متعددة من الحرمان؟

مفهوم الحرية لا يتحدد إلا على ضوء مفهومات أخرى تتضمن معاني الضرورة أو الحتمية أو الجبرية. فالحرية لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء نقيضها، وبالتالي فإنّ فهم معنى "الضرورة" قد يساعد على تحديد معنى الحرية، فالفعل الحر ليس دائماً وليدَ اختيار إرادي مقصود، بل نشعر أحياناً بأنّ علينا أن نتخطى مجال الاختيار لكي ننفذ إلى عالم الحرية بمعنى الكلمة، حيث يكون الفعل الحر إنما هو ذلك الذي لا نستطيع أن نفعل سواه، أي ذلك الفعل الذي يعبّر تعبيراً جوهرياً عن حقيقتنا الباطنة. فالفعل الحر بهذا المعنى لا يفهم على ضوء فكرة الإمكانية، بل بالأحرى على ضوء فكرة الضرورة، ولكن الضرورة هنا ليست ضرورة عقلية، بل هي ضرورة حية أو ضرورة وجودية.
وتعددت آراء الفلسفة في الحرية منذ فجر التفكير الإنساني، وما زالت تحتل مكانة محورية في التاريخ الحديث والمعاصر وشغلت الكثير من أقلام الفكر السياسي والأدب والشعر والفلسفة لدى مختلف شعوب الأرض ولو بنسب متفاوتة، وبمضامين وخلفيات اجتماعية وثقافية وبظروف تاريخية مختلفة، كما يقول الباحث فارس أبي صعب، مدير التحرير في مركز دراسات الوحدة العربية، في دراسته المنشورة على الموقع الإلكتروني للمركز.
غلاف كتاب "مشكلة الحرية" للمفكر المصري زكريا إبراهيم

خطوات في الفكر الإنساني التحرري
وعلى الرغم من أنّ الحضارة البشرية قد حققت في القرون الثلاثة الأخيرة في بعض مناطق العالم خطوات عظيمة على مستوى الفكر الإنساني التحرري الذي ما لبث أن فرض نفسه في العلاقات الاجتماعية وإعادة إنتاج صورة جديدة للإنسان الفرد عن نفسه، وبالتالي على مستوى البنية السياسية وعلى مستوى نماذج الحكم، فإنّ هذه الحضارة شهدت في الفترة نفسها أبشع أنواع السحق لحريات الكثير من الشعوب؛ ففي الوقت الذي كانت أفكار جان جاك روسو تضيء مشاعل الحرية في الثورة الفرنسية كانت أفكار "الحرية" نفسها تسحق شعوباً وحضارات متعددة في معظم مناطق العالم وتبني على أنقاضها المستعمرات، وتصطاد البشر في أفريقيا وترسل من تبقى حيّاً منهم بالأقفاص، لكي يُحوّلوا إلى عبيد لدى أسياد الأرض الجديدة في شمال القارة الأمريكية التي أبيد الملايين من أبناء شعبها الأصلي، ودائماً باسم الحرية، بحسب أبي صعب.
حرية العقل
ولكن ما المرتكزات المشتركة التي تعطي الحرية بعدها الإنساني؟

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
تجيب الدراسة بأنّ أول هذه المرتكزات هو حرية العقل، بوصفه أداة للتفكير الذي تميز به الإنسان من سائر الكائنات الحية، هو مصدر إنسانية هذا الإنسان. فالإنسان يحقق إنسانيته ويكملها إذاً بقدر ما يفتح أمام عقله آفاق التفكير غير المقيد وغير المحدود. ولكي يأخذ هذا العقل مداه يجب أن يتحرر من جملة قيود؛ فهو يجب أن يتحرر من الإيمانية. فإيمان العقل بنصوص جاهزة وبمقولات وأفكار راسخة بوصفها حقائق مطلقة ممنوع الشك فيها، يحد من عقلانية العقل ويضعف قدرته على التفكير وعلى البحث عن الحقيقة، وبالتالي على إدراك الظواهر. وهذا التحرر من إيمانية العقل هو الذي يعيد الوصل بين العقل والدين، ويشق الطريق أمام الاجتهاد، ويسمح للفكر الديني بالتجدد، في نظر أبي صعب.

يتساءل الباحث فارس أبي صعب: كيف يغدو الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله من ثنائية الخوف والإغراء؟

لكن العقل الإيماني هذا لا يقتصر على الفكر الديني وحسب، بل يشمل الفكر العلماني أيضاً، إذ إنّ الإيمانية تقع في ذلك المستوى من العقل المسؤول عن طريقة التفكير بموضوع ما وليس عن عملية التفكير في حد ذاتها، لذلك نجد الكثيرين من أصحاب العقائد الفكرية، بما فيها العقائد العلمانية أو حتى الإلحادية، يتعاطون مع عقائدهم تعاطياً إيمانياً، فيؤمنون بالنصوص العقيدية والأيديولوجية التي يعتنقونها على نحو يعيق العقل لديهم من استخدام قدراته لإدراك مدى نسبية الحقيقة التي تحملها هذه النصوص، أو مدى محدودية النظرة أو مدى خصوصية الزاوية التي ترى الأمور من خلالها، أو على الأقل مدى تجاوز الواقع التاريخي لهذه النصوص التي تكون قد مضى على وضعها عشرات السنين أو مئات السنين أو آلاف السنين، وتكون هذه النصوص قد وضعت أصلاً لتجيب عن تساؤلات أو لتعالج قضايا كان المجتمع يشهدها في العصور التي وضعت النصوص فيها، الأمر الذي يسقط العقل الإيماني هذا في فخ اللاتاريخية.
كي يتحرر العقل يجب أن تُحطم الأصنام الموجودة فيه

تحطيم أصنام العقل
ولكي يتحرر هذا العقل، يجب أن يحطم الأصنام الموجودة فيه، فبنية الإنسان العقلية كثيراً ما ترتكز على منظومة معايير ثقافية تستمد بعض جوانبها من مجموعة قيم ومقولات ومفاهيم وأقوال وأمثلة ومثل، متوارثة أو مكتسبة حديثاً، يعتمدها العقل كأدوات قياس، فيغدو العقل أسير أحكام مستَمدّة من ارتكازه على تلك المنظومة القيمية التي تمثل حالة صنمية تحكم العقل بمجموعة مقدسات ومحرّمات جامدة خارج إطار حركة التاريخ وما تحمله من تحولات في البنى الاجتماعية والثقافية.

اقرأ أيضاً: كيف مثّلت أهم 5 ثورات في التاريخ فكرة الحرية؟

وحرية هذا العقل تتطلب كذلك تحريره من القَدَريَّة التي تدفع الإنسان إلى الشعور بالعجز حيال إمكان تغيير السلطة. وتستغل السلطة هذه البنية القدرية في عقل الإنسان، فتمارس عليه لعبة استعراض القوة على نحو يزيد شعوره بالعجز عن إمكان إحداث أي تغيير فيها، فتغدو هذه القدرية ذريعة لتأبيد النظام أو لاستبداد السلطة.
والنظام الرأسمالي، كما تتابع الدراسة، يؤسس بدوره للفكر القَدَري، بهدف إبعاد الشعب والدولة عن التدخل في مصالح قواه. فالسوق لا تحتاج إلى راعٍ يديرها أو رأس يخطط لها وينظمها من خارجها، لأن السوق لها إلهها الذي يرعاها، وهي لها قدرها الذي لا يجوز أن يعاند أحد مشيئته، وبالتالي لا يجوز لطرف آخر كالدولة أن تتدخل في شؤون هذه السوق.

اقرأ أيضاً: هكذا عاين زكريا إبراهيم مشكلة الإنسان والحرية والعجز عن إيقاف الزمن
ولكي يتحرر العقل، على الإنسان أن يتحرر من مناهج التعليم ومن أنماط التربية المدرسية والأسرية ومن برامج الإعلام التي تقوم جميعها على المنحى التلقيني الإملائي. وهو منحى يؤسس عقلاً استسلامياً لدى الإنسان، خاضعاً للأمر الواقع، مقفلة أمامه آفاق رؤية الأمور بطريقة مختلفة.
لكي يكون العقل حراً يجب ألا يقع أسير الشكلانية في قراءته الظواهر والنصوص

ثنائية الخوف والإغراء
ويتساءل الباحث فارس أبي صعب: كيف يغدو الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله من ثنائية الخوف والإغراء؟

نجد الكثيرين من أصحاب العقائد الفكرية، بما فيها العقائد العلمانية أو حتى الإلحادية، يتعاطون مع عقائدهم تعاطياً إيمانياً

ولكي يكون العقل حراً، يجب ألا يقع أسير الشكلانية في قراءته الظواهر والنصوص. وعلى الرغم من أنّ هذه الظاهرة ليست بجديدة في مسيرة العقل البشري، فإننا نلحظ اليوم تعميماً متسارعاً ومقصوداً لها من جانب بعض المدارس البحثية الإمبيريقية في العلوم الإنسانية التي تركز على وقائعية الظاهرة وعلى نصية النص، وتبني نظامها المعرفي انطلاقاً من تلك الوقائعية أو تلك النصية، واضعة أمام العقل حدوداً تحول دون استخدام إمكاناته المعرفية والمنهجية التي تتيح له النفاذ إلى معنى النص بدلاً من التوقف عند حدود شكله، أو تتيح له فهم بنية الظاهرة وشروطها الزمكانية بدلاً من التوقف عند حدودها التعبيرية، الأمر الذي ينعكس على البنية الثقافية، التي يدخل العقل معها في دائرة مغلقة تساهم في جعل كل منهما يعيد إنتاج الآخر، وجعل هذه البنية أسيرة النظرة الشكلانية للبنية الفوقية للمجتمع في مختلف مستوياتها المتمثلة في الدين والحداثة والتراث ونظام القيم والتقليد والتجديد.
التحرر من الفقر والجهل والمرض
ويرى الباحث بأنه إذا كان تحقيق الحرية مشروطاً بمدى تحرر الإنسان من الفقر والجوع والمرض والجهل والأمية والخوف من المستقبل فلا يبدو أنّ هذين النموذجين السائدين على مستوى الدولة الوطنية وعلى مستوى النظام العالمي، يوفران حقاً شروط الحرية للإنسان بوجه عام، فالتفاوت في توفير هذه الشروط واسع جداً بين إنسان وآخر وبين شرط وآخر.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
فكيف، يتساءل أبي صعب، نتحدث عن عالم حر في الوقت الذي لا يزال هناك أكثر من ملياري إنسان يتعرضون لجوانب متعددة من الحرمان في حياتهم، وفي الوقت الذي لا يزال متوسط الدخل في بلدان جنوب العالم لا يتعدى نسبة 7 في المئة من متوسط الدخل في بلدان الشمال، وفي الوقت الذي لا يزال هناك أكثر من مليار ونصف المليار من البشر يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً، في حين لا يزال أكثر من 820 مليون إنسان جياعاً لا يحصلون على ما يكفيهم من طعام. وفي الوقت الذي لا يزال يوجد أكثر من 750 مليون إنسان أميين، وأكثر من 100 مليون إنسان مشردين بلا مأوى، وأكثر من مليار ونصف المليار إنسان يعيشون في مساكن غير مناسبة؟!

للمشاركة:



إمام مسجد لندن المركزي يبدي تسامحاً مع الشخص الذي طعنه.. هذا ما قاله

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

أبدى إمام المسجد المركزي في لندن، رأفت مجلاد (70 عاماً)، في رد الفعل الأول حول محاولة طعنه، تسامحاً تجاه المتشرد دانييل هورتون، الذي طعنه خلال أداء صلاة العصر، الخميس الماضي، قائلاً: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه".

ووجهت محكمة بريطانية، أمس، اتهاماً إلى هورتون، الذي يبلغ 29 عاماً، بالتسبب بضرر جسدي بالغ، وحيازة سكين بشكل غير شرعي، وطعن إمام ومؤذن مسجد لندن، وفق "فرانس برس".

واستبعدت شرطة لندن، على الفور، أن تكون هناك دوافع إرهابية وراء حادثة الطعن، رغم عدم إعلانها دوافع شخصية أو اجتماعية أخرى.

رأفت مجلاد متحدثاً عن الشخص الذي طعنه: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه"

وتلقى مجلاد العلاج في مستشفى في لندن، وعاد الجمعة إلى المسجد للصلاة، ويده مضمدة، قائلاً: "بالنسبة لي كمسلم لا أحمل في قلبي أيّة كراهية".

وقالت المدعي العام، تانيا دوغرا، للمحكمة: "الرجلان يعرفان بعضهما، لأنّ هورتون اعتاد أن يرتاد المسجد المركزي في ريجينت بارك، شمال غرب لندن، خلال الأعوام الماضية".

وأبقي هورتون رهن التوقيف، قبل عقد جلسة استماع ثانية، مقررة في 20 آذار (مارس) المقبل.

وكانت شرطة العاصمة البريطانية، لندن، قد أعلنت، الخميس الماضي؛ أنّها اعتقلت رجلاً بعد واقعة طعن في مسجد قرب متنزه ريجنتس أسفرت عن إصابة شخص.

وقالت الشرطة البريطانية في بيان: "عثر على رجل مصاب بجروح جراء حادث طعن، وتم اعتقال المتهم في مسرح الواقعة".

وأظهرت صور نشرت على موقع تويتر أفراد الشرطة وهم يقيدون رجلاً في ساحة الصلاة بالمسجد قرب متنزه ريجنتس قبل اقتياده.

للمشاركة:

زلزال على الحدود الإيرانية التركية يخلّف قتلى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو؛ إنّ ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال بلغت قوته 5.7 درجة ضرب غرب إيران، في وقت مبكر من اليوم، وتأثرت به مناطق تركيا.

وتركّز الزلزال في مدينة خوي الإيرانية وتضررت قرى في محافظة فان التركية.

وقال صويلو، في مؤتمر صحفي في أنقرة؛ إنّ "ثلاثة أطفال وخمسة بالغين قتلوا في منطقة باسكولي في تركيا"، وأضاف: "خمسة مصابين نقلوا إلى المستشفى بينما بقي آخرون محاصرين تحت أنقاض مبانٍ منهارة"، وفق وكالة "الأناضول".

صويلو: ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال ضرب مدينة خوي الإيرانية وتضررت محافظة فان التركية

ووفق مركز رصد الزلازل الأوروبي المتوسطي؛ فقد كان عمق الزلزال 5 كيلومترات.

يذكر أنّ المنطقة لديها تاريخ مع الزلازل القوية؛ ففي الشهر الماضي ضرب زلازل بقوة 6.8 درجة ريختر مركزه بلدة سيفرجه بولاية ألازيغ، ما أدّى إلى انهيار بعض المباني وهروع السكان إلى الشوارع، وأسفر عن مقتل 40 شخصاً.

ويعدّ الزلازل الذي ضرب محافظة إزميت القريبة من إسطنبول، عام 1999، والذي بلغت قوته 7.6 درجة ريختر، أكثر الزلازل تدميراً؛ إذ أسفر عن مقتل 17 ألف شخص.

وفي إيران، قال مسؤول للتلفزيون الرسمي: "أُرسلت فرق الإنقاذ إلى المنطقة التي وقع فيها الزلزال، ولم تردنا، إلى الآن، أيّة أنباء عن أضرار أو خسائر في الأرواح في المنطقة، غير المأهولة بالسكان، والتي تقع في إقليم أذربيجان الغرب".

 

للمشاركة:

الصدر في مواجهة البرلمان العراقي..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

هدّد رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر، بتنظيم احتجاجات مليونية أمام مجلس النواب في حال رفض التصويت على حكومة رئيس الوزراء المكلّف، محمد علاوي، الأسبوع المقبل.

ودعم رجل الدين، الذي يحظى بشعبية كبيرة، تعيين علاوي رئيساً للوزراء، رغم رفضه من قبل حركة الاحتجاجات التي كان الصدر قد دفع مناصريه لقمعها ومواجهتها.

وظهر الصدر، الذي عاد إلى العراق، أمس، علناً، خلال زيارته ضريح الإمام علي في النجف حيث يقيم.

مقتدى الصدر يهدّد بتنظيم احتجاجات مليونية في حال رفض التصويت على حكومة علاوي

وكان الزعيم الشيعي قد أمضى الأشهر القليلة الماضية في إيران، لكنّه عاد في رحلة قصيرة إلى النجف، تفقّد خلالها المتظاهرين الذين يطالبون بإصلاحات.

وتمّ تعيين علاوي كمرشح متفق عليه بين الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، ودعا بدوره البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمنح الثقة لحكومته، الإثنين.

ودعم رئيس الوزراء المستقيل طلب علاوي داعياً مجلس النواب إلى جلسة استثنائية؛ لأنّه في إجازة حالياً.

وقال نائب رئيس البرلمان، حسن كريم الكعبي، المقرب من الصدر، لوسائل إعلام محلية: "خطاب عبد المهدي كان ملزماً".

في المقابل؛ أعلن رئيس البرلمان، محمد حلبوسي؛ أنّ المجلس لم يحدّد موعد الجلسة الاستثنائية، مضيفاً في تصريح متلفز: "يجب أن يكون موقف القوى السياسية واضحاً تجاه الحكومة كما يجب تسليم المنهاج الوزاري قبل يومين من انعقاد الجلسة الاستثنائية".

 وأوضح الحلبوسي؛ أنّه "بعد وصول المنهاج الوزاري يتم تشكيل لجنة نيابية برئاسة أحد نواب رئيس البرلمان لتقييم البرنامج الوزاري".

 

 

للمشاركة:



ثوران البرلمان الإيراني الجديد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

فريد أحمد حسن
لا يهم دول المنطقة من فاز في انتخابات مجلس الشورى الإيراني التي جرت الجمعة الماضية ومن خسر فيها، ولا يهمها تفاصيل ما جرى قبل وأثناء وبعد ذلك اليوم، ولا كيف فاز الفائزون، وكيف تم تخسير الخاسرين، تماماً مثلما أنه لم يهمها قبل ذلك من تأهل لخوض تلك الانتخابات، ومن قرر النظام الإيراني شطب اسمه وحرمانه من الترشح. كل هذا لا يهم هذه الدول. ما يهمها فقط هو أن ينشغلَ الفائزون والنظام الإيراني وأربابه جميعاً بأنفسهم ويخرجوها من رؤوسهم، فبلادهم لا يمكن أن تتقدم ولا يمكن للشعب الإيراني أن يعيش كما ينبغي له أن يعيش إن تركوا مسؤولياتهم وتفرغوا للتدخل في شؤون الآخرين واستمروا في توزيع التصريحات السالبة المليئة بالتهديدات المباشرة وغير المباشرة بكرة وعشياً.

يكفي دول المنطقة أن ينشغل النظام الإيراني بالداخل الإيراني لتشعر بشيء من الأمان والاستقرار، فما يهدد المنطقة ويحرمها من الاستقرار هو أن النظام الإيراني ترك منذ استيلائه على الحكم في إيران الداخل الإيراني وتفرغ للخارج، معتقداً أنه بهذه الطريقة يضمن لنفسه الاستمرار في الحكم.

إيران تعاني اليوم من مشكلات كثيرة، وحري بمسؤوليها أن يعملوا على حلها، وأول خطوات حلها هو توقفهم عن التدخل في شؤون جيرانهم الذين من الطبيعي ألا يقبلوا بالتدخل في شؤونهم الداخلية فلا يتوفر لهم بعد ذلك سوى اعتماد مبدأ الرد على كل ما يستدعي الرد عليه، وهذا يعوق نمو إيران ويتسبب في أذى كثير للمنطقة التي لا يمكن أن تتطور إن لم يتحقق الاستقرار فيها.

أمر آخر يفترض ألا يفوت المسؤولين في النظام الإيراني وأن يضعوه في اعتبارهم هو أن المنطقة لا تتألف من الدول التي تشكل جغرافيتها فقط، فهناك دول تسكن بعيداً لكن لها مصالح هنا لا يمكن التفريط فيها وهي على استعداد دائم للدفاع عنها في كل الأحوال، والأكيد أنها لا تتردد عن القيام بأي عمل كي تضمن مصالحها بما في ذلك الدخول في حرب، ولا يهمها لو اشتعلت المنطقة وتخلفت.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني لا تريد من الذين وصلوا إلى مقاعد مجلس الشورى في إيران ومن سائر مسؤولي النظام الإيراني وأربابه سوى أمر واحد وهو أن يتركوا أحلامهم التي لا يمكن منطقاً وواقعاً أن تتحقق وأن يتفرغوا لبناء الداخل الذي أوله إخراج الشعب الإيراني من حالة الفقر والفاقة التي صار فيها منذ الساعة التي اختطف فيها الملالي ثورته وأن يتركوا عنهم تصرفات المراهقين التي تأكد أنها لم تسفر بعد أربعين سنة من تحرير شبر واحد من أرض فلسطين.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني كلها تعرف أن شيئا في إيران لن يتغير لا من خلال مجلس الشورى الجديد ولا من خلال أي مجلس آخر، فأرباب النظام الإيراني مسيطرون على كل شيء في هذا البلد ولا يمكن أن يسمحوا لا لأعضاء هذا المجلس ولا لغيرهم أن يحدثوا أي تغيير في سياسة إيران ومواقفها، لكن هذا لا يعني فقدان الأمل، فهناك من الإيرانيين من يعمل في الداخل وفي الخارج على إحداث تغيير يرغم أرباب النظام على تبديل سياستهم قبل أن يفوت الفوت فلا يسمع صوتهم أحد.

ربما كان من بين الذين فازوا بمقاعد البرلمان في إيران من يدرك كل هذه الأمور ويمتلك القدرة على إحداث تغيير ما في سياسة ومواقف النظام الإيراني وأربابه تنقذه من السقوط وترمم علاقته بجيرانه، فلا سبيل لتحقيق أية مكاسب للشعب الإيراني إن استمر النظام الإيراني في استراتيجيته وفي برامجه وأنشطته العدائية، واستمر في التدخل في شؤون جيرانه وتهديدهم بمناسبة ومن غير مناسبة.

عن " الوطن البحرينية"

للمشاركة:

القضية الفلسطينية بين الاستغلال والابتزاز

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

رضوان السيد

مرَّ مشروع «صفقة القرن» الذي طرحه الرئيس ترامب، من دون رفض قاطعٍ من الجهات الدولية والدول الكبرى، وباعتراضات من جانب الجهات العربية والإسلامية، إنّ أهمَّ أسباب الرفض من جانب السلطة الفلسطينية، أنّ المشروع مخالف للقرارات الدولية، والواقع أنّ المشروع ما بقي فيه من القرارات الدولية غير أمرين: القول بالدولة المستقلة للفلسطينيين، وعدم تعريض السكان الفلسطينيين للانتقال أو التهجير، وفيما عدا ذلك، مثل الحدود والقدس والأمن واللاجئين والمستوطنات، هناك تجاهُل للقرارات الدولية، فقد تقزمت القضية لتصبح تذاكياً في تقسيم الأرض والعقارات، وما عاد الأمر أمر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
ونعود هنا إلى ردود الأفعال العربية والإسلامية، جماعاتٍ ودولاً وأفراداً، كانت هناك وجهة النظر التي تقول بقبول التفاوض، لأن انقطاع التفاوض لعشر سنوات رفضاً للمستوطنات، ما أفاد الفلسطينيين شيئاً، ويمكن لهم خلال التفاوض قبول هذا التفصيل أو ذاك أو رفضه، بل والشكوى للجنة الرباعية الدولية مثَلاً، إن لم يكن مسموحاً بالشكوى لغيرها، أما وجهة النظر الأخرى فترفض التفاوض كما رفضت المشروع، وترى أنّ قبوله قبول للمشروع وخضوعٌ لشروطه، وعادت السلطة الفلسطينية للدعوة لمؤتمر دولي، لكن لم تكن لذلك استجاباتٌ ملموسة، ولا نتائج لاجتماع مجلس الأمن.
وقد دفع ذلك كله عديدين للتفكير بأنه من الأجدى والأكثر إحراجاً لإسرائيل وللإدارة الأميركية، الإقدام على حلّ السلطة الفلسطينية، لتعود مناطق السلطة مناطق محتلة من جانب إسرائيل، وتخضع لإشراف المؤسسات الدولية، والتفكير على هذا النحو، على خطورته، له عدة أسبابٍ سبقت صفة ترامب، أولها الضيق المادي الذي نزل بالحكومة الفلسطينية، نتيجة إلغاء كل الدعم الأميركي، واحتجاز أموال السلطة من جانب إسرائيل، والسبب الثاني تراجع الدعم السياسي والمادي للسلطة الفلسطينية من جانب جهات عدة دولية وإقليمية، والسبب الثالث تفاقُمُ الانقسام بين السلطة و«حماس» في غزة، وإقبال إسرائيل على اللعب مع «حماس» بتوسط قطر وتركيا، والسبب الرابع عدم قدرة السلطة على تحمل مسؤولياتها السياسية والأمنية أو المادية تجاه الشعب الفلسطيني، وهذا الحل أو الخيار الثالث في زمن اللا حل، يرى فيه البعض شجاعةً تأبى استمرار الخضوع للأوهام، بعد أن انتهت أوسلو من زمان، وصارت السلطة بكل أجهزتها تعمل لتصبير الفلسطينيين على الاحتلال، بينما رأى بعض في هذا الخيار جبناً وتراجُعاً، لأنّ الفلسطينيين وبمساعدات دولية وعربية كثيفة، أقاموا هياكل جيدة وجهازاً للشرطة والأمن، وكل ذلك لدولة المستقبل.
ولنلتفت إلى النقاش العربي الداخلي، الذي دار على خلفيات سياسية أو أيديولوجية، وكان بالفعل وما يزال كلام سفاهة وابتزاز ومعذرة للنفس، من خلال إهانة الآخر أو اتهامه بما ليس فيه! أولى الجهات التي افتتحت هذه الجبهة المعتمة، هي دولٌ وتنظيماتٌ بحجة أنّ الدول العربية الأخرى تهاونت أمام أميركا وإسرائيل، والواقع أنّ أهل التعيير هؤلاء هم الأحسن علاقةً بإسرائيل وأميركا، أما «حماس» التي تفيد من ذلك، فانضمّت إلى موقف أبو مازن الرافض، لكنها مقيدة تجاه داعميها في السنوات الماضية، لذلك دخلت في حملات التعيير والابتزاز، وإنْ ليس بشكلٍ مباشر، بل من خلال محسوبين عليها من الكتّاب، أو من جماعات الإسلام السياسي.
وهكذا نشبت حروب وهمية، شاركت فيها عشرات المحسوبين على اليسار والقوميين و«الإخوان».. ومعظم ما كان له نشاط معروف تجاه القضية الفلسطينية، إنّ الشتائم المقذعة لا تحرّر فلسطين، وهو شأن جماعات الإسلام السياسي والمقاومات التي قتلت في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا عشرة أضعاف من قتلتهم إسرائيل على كل الجبهات وفي كل الأزمنة: والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

الجهاديون العائدون.. خطر من نوع جديد

2020-02-23

ترجمة: علي نوار


تمثّل عودة الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش في دول مثل؛ سوريا والعراق، وفي الكثير من الأحيان برفقة أسرهم، "تحدّياً على جميع الأصعدة بالنسبة للمجتمع"، حسبما أكّد كارلوس إتشبريا الباحث في الجامعة الوطنية الإسبانية للتعليم عن بعد.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
وأوضح إتشبريا أنّه عند التطرّق لملف "المقاتلين العائدين" ينبغي الأخذ في الحسبان هؤلاء الرجال والنساء الذين انخرطوا في الحرب وأبناؤهم الذين يعودون برفقة ذويهم إلى أوروبا.

أطفال مؤهّلون عسكرياً

نعم هم أطفال لكنّهم تمرّسوا في ساحات القتال لدرجة أنّ التنظيم أطلق عليهم تسمية "أشبال الخلافة"، وقد حصلوا على تدريب عسكري ودُفع بهم في المعارك عندما كان عمرهم بالكاد تسعة أعوام.

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي

وقال الباحث "كان مشروعاً يتمتّع ببريق للأسف" في أعين آلاف المسلمين الذين كوّنوا أسراً في الأراضي التي كان يحتلّها تنظيم داعش، وهي أراض لا تزال مناطق حرب، ما تسبّب في عودة الكثير من هؤلاء الأشخاص.

وأشار الباحث، الذي وضع تقرير "المقاتل العائد"، إلى أنّ عودة العائلات كانت تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على مستويات مثل؛ التعليم والصحة وعلم النفس الاجتماعي، وينبغي على الحكومات التعامل معها بجدّية.

كما لفت إتشبريا الانتباه إلى أنّ إسبانيا جاءت على رأس دول الاتحاد الأوروبي من حيث أعداد المقبوض عليهم خلال العقد الماضي والذين وجّهت لهم تهم الإرهاب الجهادي، رغم أنّ الأرقام "منخفضة للغاية" فيما يتعلّق بالعائدين مقارنة بدول مثل فرنسا أو المغرب.

بيد أنّه عاد ليبرز الأهمية الرمزية لأراضي الأندلس، التي تشمل إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهو ما يعني تزايد التهديد إزاء عودة الأشخاص المتطرّفين، لذا حذّر من "التلاعب الدعائي" و"الترويج للأساطير" حول الأندلس بين مسلمي إسبانيا.

بالمثل، سلّط إتشبريا الضوء على المشكلة "المقلقة" الكامنة في الأطفال العائدين، معتبراً أنّه من الضروري فتح نقاش في هذا الشأن؛ لأنّ هؤلاء القصر ينبغي أن يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية وتجرى معاملتهم "بشكل خاص" كي يتمكّنوا من الاندماج في المجتمع.
كذلك دقّ الخبير ناقوس الخطر حيال وضع المسلمين في سجون الدول الأوروبية لافتاً النظر إلى أنّ الموقف "سيئ جداً" لا سيما في فرنسا والمغرب؛ لأنّ السجناء هم في الواقع "أشخاص يتّصفون بالضعف" وبالتالي تجد "الأيدولوجيا الجهادية السلفية الخبيثة موطئ قدم لها ويعتقد أتباعها أنّهم وجدوا فيها بلسماً".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
من جانبه، شدّد سرخيو جارثيا ماجارينيو على أهمية "استكشاف آليات السقوط في فخ الأصولية العنيفة بحيث يمكن استيعابها ووضع استراتيجيات لمكافحتها لا سيما مع تصاعد خطر المقاتلين العائدين" من سوريا والعراق.

لكنْ هناك تساؤل يطفو على السطح ها هنا ألا وهو: كيف نجا جهاديو "داعش" في الصحراء؟

شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي بل والحصول على نوع من التضامن.

صحيح أنّ عناصر التنظيم لم يعد بوسعهم الظهور علانية خلال ساعات النهار، إلّا أنّ الليل لا يزال ملكاً لهم؛ لا يحكمون أي مدن بعد وليس لديهم دولة، لكن لديهم مساحات واسعة من الصحراء الواقعة على جانبي الحدود السورية-العراقية حيث يمارسون أنشطتهم المعهودة.

لا تصلح صحراء الأنبار في العراق ومنطقة دير الزور السورية، حيث عاود عناصر "داعش" اكتساب نفوذهم من جديد، سوى لحياة العقارب. ضباع، ثعالب، ذئاب، أفاعي، قصف تركي، مرتزقة إسلامويون يعملون لحساب تركيا، جيوش نظامية، وقتلة من "داعش" مختلطين بأبناء المنطقة. كل ما في هذا المكان يسعى بشكل حثيث لقتلك. وهنا تحديداً حيث تمكّن الجهاديون من الانتصار في معركة البقاء بفضل حالة الفوضى العسكرية والإنسانية التي نجمت عن التدخّل التركي في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا التي تتمتّع بالحكم الذاتي والمعروفة باسم "روجافا". لم يعد "داعش" لأنّه لم يختف من الوجود بالأساس.

الاندساس بين صفوف العدو

عندما وصل المقاتلون الأكراد ضمن "وحدات حماية سنجار" نهاية تموز (يوليو) الماضي إلى أحد النقاط الواقعة في أقصى شرق جبل سنجار بالعراق، حيث كانت ترقد جثث أربعة جهاديين كانوا قد انتهوا للتو من قتلهم فيما يشبه مهمة صيد لكن للبشر، نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة مطبقة. كان عدد من قتلة "داعش" الذين مزّقتهم الميليشيات شبه العسكرية الإيزيدية إرباً بالرصاص، يرتدون في أقدامهم أحذية عسكرية تشبه بالضبط تلك التي يستخدمونها هم أيضاً.

ومن بين التفسيرات، ربما ليس الأكثر جنوناً، لهذا الأمر هو أنّ عناصر التنظيم الإرهابي نجحوا بطريقة أو بأخرى في التسلل بين سكان القرى في المنطقة الصغيرة الواقعة قرب حدود روجافا شمالي سوريا والتي تسيطر عليها "وحدات حماية سنجار"، التي شكّلها أكراد تركيا من حزب العمال الكردستاني لمساندة الإيزيديين العراقيين في حربهم ضد تنظيم داعش. لوهلة قد يبدو اختراق بعض الجهاديين للخطوط التي وضعها الأكراد والتسلّل بين صفوفهم شيئاً عصياً على الاستيعاب، لكنّه أصبح واقعاً.

يدفع التنظيم المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية

ومنذ ظهور هذا الاحتمال، شرعت أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "وحدات حماية سنجار" في استجواب عدد من العرب الذين يعملون لحسابهم في بناء شبكة من الأنفاق الدفاعية. لكنّ النقطة الأكثر مدعاة للقلق في كل ذلك هو أنّ هؤلاء الذين خضعوا للاستجواب كانت لديهم صلاحية الوصول إلى المتفجّرات التي استخدمت في شقّ الأنفاق التي حفرها حزب العمال الكردستاني لحماية عناصره من القصف التركي.

لم يتسنَّ التحقّق مما إذا كان الجهاديون الذين تم القضاء عليهم أو السبعة أو الثمانية الآخرون الذين لاذوا بالفرار، على علاقة بالعمال الذين يتقاضون أجراً من الأكراد، إلّا أنّ التوصّل لهذا الاكتشاف جاء ليؤكّد من جديد ما كان الجميع يعلمه بالفعل في العراق وسوريا: لم تنته خلافة "داعش" المزعومة ولا سيطرتها على الأراضي؛ لأنّ التنظيم يحمل جينات أفعى ويستطيع التحوّر كجرثومة. حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة. لا زلنا بصدد الفصل قبل الأخير.

التملّص من الـ"درونز" والمداهمات

كيف نجح مقاتلو التنظيم الإرهابي في تلافي مقابلة الجيوش النظامية والميليشيات شبه العسكرية التي تبحث عنهم للقضاء عليهم وما الذي يعنيه مصطلح "خلية نائمة"؟ والأخطر من ذلك؛ هل بوسع الجهاديين الأوروبيين البقاء على قيد الحياة والنجاة من حصار قوات التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" رغم الطائرات بدون طيار "درونز" وآلاف من نقاط التفتيش وعمليات المداهمة؟ يكشف أحد قيادات حزب العمال الكردستاني في العراق "نعم بوسعهم ذلك، لكن الأمر يعتمد على القدرات التي يتمتّع بها كل فرد، نجح بعض المقاتلين الأجانب في ذلك، أما المحليين فتقابلهم صعوبات عديدة".

الهدف من إعانات داعش لأرامل وأيتام التنيظيم واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين

ويوضّح المقاتل الكردي "هناك منطقة واسعة في الأنبار، بمحيط مدينة الرمادي العراقية وقطاع بطول 200 كلم جنوبي جبال سنجار العراقية، على جانبي الحدود السورية، حيث توجد قرى صغيرة للرعاة العرب وصحراء جرداء يصعب للغاية السيطرة عليها".
وفي نفس المنطقة بسنجار، يوجد عدة أشخاص انخرط ذووهم في صفوف تنظيم داعش وتعاون بعضهم بشكل مباشر مع التنظيم الإرهابي. لم يتعرّض هؤلاء للمحاكمة باعتبار أنّهم لم يشاركوا في أعمال عنف، فضلاً عن أنّ البعض فعل ذلك مضطراً بسبب الظروف المحيطة؛ لأنّه إذا تقرّر محاكمة كل من انتمى لـ"داعش" بأي صورة فستكون هناك حاجة لبناء سجن بمساحة دولة مثل هولندا أو الدنمارك. بل أنّ هناك عرباً من "وحدات حماية سنجار" قاتل أقرباؤهم في صفوف التنظيم.

الاختباء بين الصخور

بالتالي لا يسهل معرفة ما إذا كان المزارعون العرب السنّة يكنّون مشاعر التعاطف مع عناصر "داعش" أم لا، ولا حتى في المناطق التي يتواجد بها التحالف الدولي عسكرياً، كما أنّ هناك عدداً من القرى في الصحراء خارج نطاق الإدارات التي تتنافس على السيطرة على هذا القطاع الحدودي.

يقول أحد المقاتلين الغربيين المتطوعين في المنطقة "نعرف أنّهم يستطيعون الاختباء لأيام بلا طعام وبلا ماء تقريباً، عندما نستعدّ لشن هجوم. لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو لأشهر بدون مساعدة من المزارعين العرب طوال الوقت الذي يقضونه في الظل حتى يقرّروا العودة لنشاطهم ويدخلون روجافا أو سنجار أو مدينة عراقية كي يفجّروا أنفسهم".

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل الرباط مع العائدين من 'داعش'؟

والحقيقة أنّ هناك أدلة على تقديم السكان المحليين للدعم اللوجيستي إلى مقاتلي "داعش" تحت وقع التهديد. ويوضّح ضابط كردي في "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ عناصر التنظيم "خسروا جزءاً من تعاطف المحليين، لكن هؤلاء يسهل للغاية الضغط عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ ما من جيش أو إدارة بوسعها توفير الأمن لهم. لذا يضطرّ بعض المزارعين لتقديم أحد أبنائهم إلى "داعش"، في نوع من الابتزاز يشبه ذلك الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. ويتابع الضابط "إذا نجح بعض الأوروبيين في النجاة دون أن يُكشف أمر كونهم أجانب، فإنّ ذلك سببه تمكّنهم من الاختباء بمساعدة جهاديين آخرين من المنطقة. ويشير خوف المحلّيين إلى أنّ بوسع الإرهابيين الادعاء بأنّهم رعاة بسطاء أو مزارعين قبل أن ينفّذوا هجوماً انتحارياً".

وقبل أيام نشر "مركز روجافا للمعلومات" تقريراً يؤكّد ببيانات دقيقة ارتفاع معدّل هجمات "داعش" في منطقة "روجافا" بعد التدخّل التركي مؤخّراً. وأورد التقرير أنّه "خلال أيلول/سبتمبر الماضي وبينما كان لا يزال وقف إطلاق النار سارياً كان معدّل الهجمات منخفضاً. لكنّ المعدّل ارتفع مجدّداً في أعقاب التدخّل التركي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لأنّ "داعش" ينشط في وقت غياب الاستقرار. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تراجعت وتيرة العمليات المضادة لـ"داعش" لمستوى أدنى بكثير مقارنة بنفس الشهر من عام 2018 وأدّى ذلك لإهدار جانب كبير من التقدّم والاستقرار الذي كان قد تم إحرازهما على مدار العام المنصرم. وعاد التنظيم الإرهابي لاسترداد قواه".

المناطق الريفية من دير الزور

يتشابه نمط عمل "داعش" في العراق مع أسلوبه في سوريا، مع فارق أنّ التنظيم الجهادي نجح في تعزيز مواقعه بالمناطق الريفية على الأراضي السورية وتحديداً في محيط دير الزور. وقد أظهرت وثيقة أعدّها "مركز روجافا للمعلومات" بشكل تفصيلي كيف يتّبع "داعش" نمطاً أشبه بالأرجوحة في شنّ عملياته بهدف تشديد الخناق على المدينة بعد استجماع قواه. وفي الأرياف ومحيط دير الزور الواقعة على ضفة نهر الفرات، 450 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، يعيد "داعش" ترتيب أوراقه وحشد قواه إثر تغيير تكتيكاته والارتداد للجذور بالعمل بأسلوب حرب العصابات وهي الطريقة التي حقّق بها نجاحات كبيرة إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. اضرب وفرّ وانشر الخوف والفزع وانتظر اللحظة المناسبة.

يقول أحد الباحثين في "مركز روجافا للمعلومات" ومقرّه مدينة القامشلي بسوريا "يقتحمون القرى والمدن الصغيرة تحت ستار الليل بل إنّهم ما زالوا يمارسون جباية الضرائب في بعض المدن. أما خلال ساعات النهار فإنّهم يختبئون في المناطق القاحلة غير المأهولة. أغلب الجهاديين الذي تلقي قوات "تحالف سوريا الديمقراطية" القبض عليهم هم من المحليين، رغم أنّه في بعض الأحيان، على الأقل حتى نهاية العام الماضي، كان يجرى اعتقال بعض العراقيين بل والغربيين من دول مثل بلجيكا. ومن بين قيادات التنظيم التي سقطت في أيدي التحالف مؤخّراً يبرز قائد عمليات تهريب النفط في المنطقة، ما يقدّم صورة عن كيفية حصول التنظيم على التمويل وكيف لا يزال محتفظاً بقوامه نسبياً إلى الآن".

بعبارة أخرى، لا يعني عدم القدرة على شنّ ضربات منظّمة ذات وقع قوي رداً على التدّخل التركي، حتى رغم العمليات الفردية والكثير من الهراء، تعرّضهم للهزيمة مثلما تم الادعاء العام الماضي. ويضيف الباحث "في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وعقب التدخّل التركي في شمال سوريا، هدّد الجهاديون بمهاجمة مخيم الهول حيث يُحتجز الكثير منهم، لكن لسبب ما لم تُنفّذ العملية. بينما يصل عدد ليس صغيراً من الأفراد باستمرار إلى إدلب. وهم مزيج بين الخلايا النائمة والمهرّبين الذين يحقّقون مكاسب لا حصر لها من تهريب أي شيء يخطر على البال".

في دير الزور، يحصل الجهاديون على دعم ملحوظ من جانب السكان الذين يعيشون في كبرى مدن شرق سوريا وحيث يقطنها 211 ألف نسمة. بالطبع يتعاون المحلّيون أيضاً مع تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" خصوصاً في الهجمات التي تعتمد بنسبة كبيرة على المعلومات التي تقدّمها الاستخبارات المحلية. وبالفعل بدأ "داعش" في شن حملة ضد المتعاونين الذين يعملون لصالح الإدارة المحلية الكردية. ويستهدف الجهاديون تحديداً المتعاونين مع "قوات سوريا الديمقراطية" رغم أنّ ذلك لم يمنعهم من قتل كبار السن والمعلّمين. وجرت عشرات من وقائع القتل من هذا النوع خلال الأشهر الأخيرة.

ورداً على ذلك، يشنّ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً من جانبه عملية بين الحين والآخر في محافظة دير الزور كما يعمل على تجنيد المزيد من العرب سواء في المهام العسكرية أو حتى التطوّع كمدنيين.

على صعيد آخر، فإنّ وجود المعقل الأساسي للتنظيم في المناطق الريفية من دير الزور لا يعني أنّه لا وجود له في مناطق أخرى تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة التي يقودها الأكراد وكذلك في مدن أخرى تقع في الشرق مثل الرقة حيث لا يزال هناك مؤيدون لـ "داعش" بها، كما أنّ التنظيم له حضور أيضاً في القامشلي عاصمة الإدارة الكردية "روجافا" وحيث توجد عائلات كثيرة لا تتورّع عن إخفاء تعاطفها العلني مع تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي.

وإجمالاً شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها. ويقدّر عدد ضحايا هذه الاعتداءات بـ406 قتيلاً، فيما أمكن القبض على 581 عنصراً إرهابياً.

نقاط تفتيش زائفة

بالمثل، تسبّب التدخّل التركي في دفع تنظيم "داعش" المعدّل للدخول في مواجهة مفتوحة أكثر، لا سيما في دير الزور، وكذلك في الحسكة حيث يتعرّض عدد من التجّار والمحلّيين للابتزاز في وضح النهار حالياً. أما في العراق، فقد ذهب التنظيم في نسخته الجديدة لما هو أبعد من ذلك وبات يحصل على المال عن طريق سرقة السيارات بعد نصبه نقاط تفتيش زائفة يرتدي فيها عناصر التنظيم الزي الخاص بعناصر ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو تحالف من عدة ميليشيات. وبعد سرقة سياراتهم، يُعثر على ركّابها قتلى في أغلب الأحوال.

يمتلك تنظيم داعش أيضاً طريقة ما لنقل الأسلحة والأموال وأي شيء حرفياً عبر الحدود. وسواء في العراق أو سوريا، لا يزال التنظيم يدفع المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية. والهدف من هذه الإعانات بالطبع واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3bSMato ، https://bit.ly/38TKAWu

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية