لماذا أثار تغيير في الدستور السوداني الجدل؟ وهل اقترب البشير من تمديد حكمه بالبلاد؟

11146
عدد القراءات

2018-12-17

الأسبوع الماضي؛ اقترب الرئيس السوداني عمر البشير (74 عاماً)، والموجود في السلطة منذ 29 عاماً، أكثر من تمديد رئاسته للبلاد لدورات أخرى، بعد أن دفعت أحزاب سياسية موالية، معظمها منشقّ عن أحزاب أخرى، بمذكرة لرئيس البرلمان السوداني، إبراهيم أحمد عمر، تطالب فيها بتعديل المادة (57) من الدستور؛ التي تنصّ على أن "يكون أجل ولاية رئيس الجمهورية 5 أعوام، تبدأ من يوم توليه لمنصبه، ويجوز إعادة انتخابه لولاية ثانية فحسب"، لتصبح مفتوحة دون تحديد.

مما زاد إشكالية المشهد أنّ مَن تصدَّر المطالبين بالتعديل والتمديد لا ينتمي للحزب الحاكم الذي يمتلك أغلبية برلمانية تبلغ 325 مقعداً من جملة 581 مقعداً، إنما يترأس حزب الأمة الوطني؛ وهو حزب صغير منشق عن حزب الأمة القومي، برئاسة الصادق المهدي، آخر رئيس وزراء سوداني منتخب؛ حيث أطاح به البشير في انقلاب عسكري، حزيران (يونيو) 1989. 

اقرأ أيضاً: السودان..هل ينجح البشير في معالجة أزمة الاقتصاد؟

وقال رئيس حزب الأمة الوطني، عبد الله مسار، خلال استعراض المبادرة التشريعية بمؤتمر صحفي، الثلاثاء 4 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي: إنّ مشروع التعديل يشمل المادة 57 من الدستور؛ الخاصة بعدد دورات الترشح لرئيس الدولة؛ حيث ينصّ المقترح الجديد على أن "يحكم الرئيس دورة رئاسية فأكثر، بدلاً من حصرها في دورتين رئاسيتين فقط"، كما هي سارية الآن.

رئيس حزب الأمة الوطني عبد الله مسار

من جهته، كشف رئيس البرلمان السوداني، إبراهيم أحمد، الثلاثاء 4 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في مؤتمر صحفي، أنّه تسلّم "مذكرة من 33 حزباً، يمثلون 294 نائباً، لتعديل الدستور بخصوص عدد المرات التي يسمح بترشح رئيس الجمهورية، مطالبين بتعديل الدستور للسماح للرئيس البشير بالترشح لولايات مفتوحة، بدلاً من حصرها بولايتين فقط، إلى جانب المطالبة بتعديل دستوري آخر، يتعلق بالمادة 178؛ حيث يصبح لرئيس البلاد حقّ عزل الوالي المنتخب، حال عدم الإيفاء بقسم الولاء، أو حدوث خلافات أو فوضى تحتم العزل"، وأضاف عمر أنّ لائحة البرلمان السوداني تنصّ على أنّ أيّ مقترح بإجراء تعديل دستوري ينبغي تقديمه بمبادرة من رئيس الجمهورية، أو بمذكرة يقدمها ما لا يقل عن ثلث نواب البرلمان، وهذا ما حدث.

ويرجّح مراقبون أن يتم إنجاز التعديل الدستوري بسهولة ويسر، ما يسمح للبشير بالترشح إلى الانتخابات، المزمع إجراؤها 2020، مع صلاحيات دستورية واسعة.

تعهّد البشير في أكثر من مناسبة سابقة، بعدم الترشح وقال إنه زاهد في الحكم وسيتخلى عنه بانتهاء فترة رئاسته الحالية

وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي، عبدالرحمن فضل الله، لـ "حفريات": "ليس هنالك ما يمنع من تعديل الدستور؛ لأنّ الدستور نفسه يسمح بذلك عبر البرلمان، فإذا أجاز البرلمان بطلب من ثلث نوابه تعديلاً يقضي بفتح الترشح لدورات رئاسية عديدة، فإنّ أمر ترشح البشير سيصبح دستورياً، ولا غبار عليه، وأن ما يُشاع من أن هكذا قرار سيُحدِث آثاراً اقتصادية سالبة على البلاد، محض تهويل للأمر وتزييف للوعي والحقيقة" عازياً رأيه إلى "أنّ بقاء الرئيس في منصبه في هذه المرحلة شديدة الحساسية من تاريخ السودان، مهمّ وضروري لاستقرار البلاد، ولاستكمال المهام الكبرى التي يضطلع بها الآن؛ من تطوير تدريجي للتجربة الديمقراطية والاقتصادية، ومن استمرارية لعملية السلام، وإنهاء ما تبقى من بؤر للتمردات المسلحة واستيعاب المسلحين داخل التجربة السلمية والديمقراطية، والمضيّ قدماً نحو النماء والرخاء، خاصة أنّ الاقتصاد بدأ في التعافي، بعد رفع العقوبات الدولية عن السودان".

غير أنّ المحامي والناشط السياسي المعارض، نبيل أديب، رأى أنّ طريقة إجراء التعديلات الدستورية "تدعو للأسف"، خاصّة أنّها تمضي بشكل "متعجل ومرتبك، ولا ينم عن أيّ قدر من الاحترام، لا للشعب ولا للدستور".

اقرأ أيضاً: جنوب السودان.. الموت بين يدي ساحري القبعة والعصا

وأوضح أديب في حديثه لـ "حفريات": أنّ عملية تعديل الدستور لا بدّ من أن تأتي كنتاج لعملية حوار مستمر تستقطب كافة المكونات الفاعلة في المجتمع، للتوصل إلى مسودة مقبولة، وهذا هو الغرض من فترة الشهرين الواردة في المادة (224) من الدستور نفسه، والذي تنص المادة (58) منه على أنّ "ابتدار أيّ تعديل دستوري يكون من مهام رئيس الجمهورية"؛ لذلك فإنّ التعديلات موضع النقاش تعدّ باطلة من أساسها، لا يجوز للبرلمان النظر فيها، كونها صادرة من غير ذي صفة.

الناشط السياسي المعارض نبيل أديب

تهدف التعديلات، علاوة على التمديد لرئيس الجمهورية لولايات أخرى مفتوحة، إلى تغيير طبيعة الحكم من فدرالي إلى مركزي، بحسب أديب، الذي أضاف "تمّ إخضاع المستوى الولائي للمركز والتقليل من استقلالية الولايات فيما يتعلق بتصريف شؤونها، ولن يكون بمقدور (الشعب) انتخاب حكام الولايات، ولم يعد بإمكان البرلمانات الولائية عزل حكام الولايات، بمجرد سحب الثقة منهم، بل يلزم ذلك موافقة رئيس الجمهورية". 

ويأتي هذا التعديل عقب إعلان حزب المؤتمر الوطني الحاكم، في وقت سابق هذا العام، أنه سيرشح البشير للرئاسة، ويسيطر حزب المؤتمر الحاكم وحلفاء من أحزاب أخرى على الأغلبية الساحقة في البرلمان، وذلك بعد أن قاطعت أحزاب المعارضة البارزة والحركات المسلحة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، عام 2015 .

تأتي هذه التعديلات عقب إعلان حزب المؤتمر الوطني الحاكم في وقت سابق هذا العام، أنه سيرشح البشير للرئاسة

ووفق التعديلات الدستورية المقترحة؛ فإنّ صلاحيات الرئيس ستتسع، ويمكنه إقالة حكام الولايات المنتخبين.

ما فاقم الجدل بشأن هذه الخطوة؛ أنّ البشير تعهّد في أكثر من مناسبة سابقة، بعدم الترشح، مشيراً إلى أنّه زاهد في الحكم، وسيتخلى عنه بانتهاء فترة رئاسته الحالية، ومع حلول الانتخابات القادمة، عام 2020، واعداً بتسليم السودان إلى من يخلفه خالياً من الحروب والفقر.

يواجه السودان أزمة اقتصادية طاحنة، منذ إعلان دولة جنوب السودان

وفيما يواجه السودان أزمة اقتصادية طاحنة، منذ إعلان دولة جنوب السودان، عام 2011، يصرّ مناصرو البشير، على أنّه حقّق الكثير للسودان خلال فترة حكمه، وأن استمراره سيؤدي إلى مزيد من الإنجازات، ومزيد من الاستقرار، على حدّ قولهم، ويشير هؤلاء إلى تحسن الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد، وإلى وجود حالة من التعددية السياسية في عهد البشير، إلى جانب إصلاحات عدة في مجالات تتعلق بالحياة اليومية للمواطن السوداني.

اقرأ أيضاً: جون قرنق.. قربان جنوب السودان لم يمنع الخراب

ووصل البشير إلى السلطة بعد انقلاب عسكري عام 1989، ثم فاز بالانتخابات الرئاسية، التي جرت عامي 2010 و2015، بعد تغيير الدستور، كنتيجة لتوقيع اتفاق سلام مع المتمردين الجنوبيين، الذين انفصلوا بعد ذلك، وأعلنوا عن دولتهم جنوب السودان، والرئيس السوداني ملاحق من جانب المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب، بعد اتهامه، عام 2008، بالقتل والاضطهاد في إقليم دارفور، غرب السودان، بين عامي 2003 و2008.

اقرأ المزيد...

الوسوم: