"فقه الدماء"... مَن هو الرّجل الذي وضع دستور التوحش الداعشي؟

"فقه الدماء"... مَن هو الرّجل الذي وضع دستور التوحش الداعشي؟
14626
عدد القراءات

2018-11-07

درس عبدالرّحمن العلي، علوم الشريعة الإسلامية، وهو شابّ في العشرينيّات من العمر، على يد مجموعة من السّلفيين الذين انتشر تيّارُهُم في محافظَتي الإسكندرية، والبحيرة، شمالَ مصر، أوائلَ ثمانينيّات القرن الماضي، حتّى جاء العام 1987، فحزم حقائبه متوجهاً إلى باكستان، ومنها إلى ساحات القتال في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: من أسرار توحش الجهاز الأمني لتنظيم داعش

قبيل خروج القوات السّوفييتية من العاصمة "كابول" كانتْ قد دبّت خلافاتٌ منهجيّة بين عبدالرحمن وعدد من قادة ما أُطلق عليهم اسم "الأفغان العرب" إذ رأى العلي أنّ هناك مخالفات منهجية وعقدية، يرتكبها قادة الفصائل الأفغانية، من ذوي العقائد الأشعرية والصوفية، وعلى رأسهم قلب الدين حكمتيار، وعبد ربّ الرسول سياف، وبرهان الدين رباني، ويتغاضى عنها قادة الفصائل المحسوبة على "السلفية الجهادية" ومنهم أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، فضلاً عن أنّه لم يكنْ يرضه تعامل هؤلاء مع أجهزة مخابراتٍ تابعة لدول من المفترض أنّها "عدوّة للإسلام"، وفق اعتقاداته، وحاول التعبئة ضدّ حركة طالبان وبن لادن، حتّى أنّهُ منعَ الأخيرَ منْ دخول معسكر تدريب كان يديره في خالدان.

حاول عبدالرحمن العلي التعبئة ضدّ حركة طالبان وبن لادن

ما بين "المهاجر" و"الزرقاوي"

بعد خروج "الجهاديين العرب" من أفغانستان، نجح "العلي" بالبقاء في باكستان، فحصل على الدراسات العليا، واعتكف على دراسة العلوم الشرعية، وبعد سيطرة "طالبان" على غالبية الأراضي الأفغانية، انحاز رفقاء "العلي" القدامى إلى الحركة الصاعدة.

بعد الانتهاء من الكتاب كانَ أوّل من قام باستخدام محتواه لتبرير أفعاله هو الزرقاوي في عدد من خطبه ورسائله

عاد العلي الذي كنّاه رفاقه بـ "أبي عبدالله المهاجر" ليمارس دوره باعتباره منظّراً لتنظيم القاعدة في ثوبه الجديد، حتى أنّ صحيفة "ذا أتلانتك" اعتبرت أنّ هذا الشخص ترك أثراً كبيراً في تطور الفكر الجهادي في العقود الماضية، ومن الصعوبة بمكان التقليل من أهميته، ودونه لم يكن ليظهر تنظيم "داعش" ولا "القاعدة".

في هذه الأثناء، وصل "أبو مصعب الزرقاوي" الأراضي الأفغانية في هجرته الثانية لها، العام 1999 فتعرّف على "أبو عبدالله المهاجر" واتفقا في آرائهما تجاه حركة طالبان ومخالفات شيوخ القاعدة، فاتخذ "الزرقاوي" من "المهاجر" شيخاً ومرجعية له، بينما اتخذ مسافات بعيدة وفاصلة بينه وبين شيخه "أبو محمد المقدسي"

اقرأ أيضاً: الإرهاب.. أول الدم من الزرقاوي إلى البغدادي

بعدما دخل "الزرقاوي" العراق، قبيل غزو القوات الأمريكية لها، وشكّل تنظيم "التوحيد والجهاد" بدأ في استخدام العمليات الانتحارية بشكل واسع، ما أدّى إلى وقوع أعداد كبيرة من القتلى في صفوف المدنيّين، وبدأ في استخدام أسلوب الذبح أمام الكاميرا، ما أثار اعتراضات عدد من شيوخ القاعدة، ومن هنا احتاج "الزرقاوي" إلى تغطية أفعاله فلجأ إلى "المهاجر" لشرعنة أفعاله الوحشية.

أبو مصعب الزرقاوي

شرعنة التوحش

بدأ "المهاجر" في كتابة موسوعة حول "أحكام الجهاد" إلا أنّه لم ينهِها، فأخرج البابَ الثّاني منها وهي المسائل المتعلقة بـ "أحكام الدماء" ليصبح كتاباً مستقلاً، ويقول في مقدمته: "غير أنّ مَنْ لا يسعني إلا المسارعة لامتثال أمره، قد رغبَ في إخراج هذا الجزء مفرداً، ريثما يمنّ الله علينا بإكمال الأصل، كما منَّ علينا بإكمال هذا الجزء"

بعدما دخل الزرقاوي العراق وشكّل تنظيم "التوحيد والجهاد" بدأ في استخدام العمليات الانتحارية بشكل واسع

بعد الانتهاء من الكتاب، كانَ أوّل من قام باستخدام محتواهُ لتبرير أفعاله هو "الزرقاوي" في عدد من خطبه ورسائله، حتى أنّ رفيق الزرقاوي "ميسرة الغريب" في شهادة له تداولتها المواقع المحسوبة على "القاعدة" كشف عن أنّ أبي مصعب  حاول إقناع المهاجر بالقدوم إلى العراق ليتولى اللجنة الشرعية التي أعلن عن تأسيسها، وعندما فشل في إقناع المهاجر قرّر استخدام كتابين من كتبه بصفتهما مقررين رئيسيين في معسكرات التدريب في العراق، ويشار لأحدهما باسم كتاب "فقه الدماء" وهي التسمية التي نالت شهرة في الأوساط التنظيمية.

عن هذه الكتاب نشر موقع "ذا أتلانتك" مقالاً، أعدّه كلٌّ من تشارلي وينتر وعبدالله السعود، تحت عنوان "موت منظّر تنظيم الدولة" يبدأ الكاتبان مقالهما، الذي ترجمته "عربي21"، بالقول إنه "في العام الماضي، نشر تنظيم الدولة شريطاً للتدريب، الذي يُعدّ جزءاً من سلسلة صُوّرتْ في العراق، وبمشاهد لتمارين مشي وتصويب وكراتيه، ولولا المشهدُ الذي التقط في قاعة مدرسية، حيث يقوم مدرّب بعرض المقرر الأيديولوجي الواجب على المجندين تعلّمه، وأثناء تقديمه سلسلة من الموضوعات الشرعية الجهادية، يمكن للمشاهد رؤية مخطوطة سميكة موضوعة على كل مقعد من المقاعد العشرين في القاعة، ومع أنّه لا أحدَ خارج الدوائر الجهادية يعرف ماهية هذه المخطوطةـ إلا أنّها تُعدّ مُهمّة لتنظيم الدولة، كونها كتاباً عقدياً يُستخدم لتبرير الأعمال الشنيعة التي يرتكبها التنظيم".

 

ينوّه المقالُ إلى أنّه "في الوقت الذي لم يرفض فيه الأستاذ السابق للزرقاوي، أبو محمد المقدسي جواز العمليات الانتحارية، إلا أنّه عبر عن قلقه من (فتح الباب مشرعاً) لهذا الأسلوب، وبالمقابل يتعامل المهاجر مع هذا الحذر دون اهتمام، وكان نقاش المهاجر مقنعاً بدرجة جعلت الزرقاوي، كما اعترف، يغيّر رأيه، وكان يؤمن بعدم جواز العمليات الانتحارية، وتحدث عن تأثير المهاجر عليه، بصفته سبباً دفعه لتبنّي التكتيكات بشكل كامل في العراق، بداية العقد الأول من القرن العشرين، وكانت مرحلة أدّتْ إلى أسوأ أعمال عنف طائفي في حرب العراق، واختار تنظيم الدولة أنْ يبدأ مقدمة كتاب "فقه الدماء" بمقتطفات من خطاب الزرقاوي، في ردّ على أستاذه السابق، المقدسي".

حاول المهاجر التعبئة ضدّ حركة طالبان وبن لادن حتّى أنّهُ منعَ الأخيرَ من دخول معسكر تدريب كان يديره في خالدان

وينقل الكاتبان عن الزرقاوي، قوله: "عندما أُفرج عنّي من السجن، وذهبتُ إلى أفغانستان مرة أخرى، والتقيت بالشيخ أبي عبد الله المهاجر، واستمرّ النقاش بيننا حول حكم العمليات الاستشهادية، وكان الشيخ مع رأي جوازها، وقرأتُ أبحاثه المهمّة حول هذا الموضوع، واستمعت للكثير من تسجيلاته، فتح الله قلبي في النهاية لرأيه، ولم أعد أرها حلالاً فقط، بل مرغوب فيها".

ويذكر الكاتبان أنّه "منذ بداية التغيير في الموقف لم ينظُر الزّرقاوي ولا أتباعه إلى الوراء، واستخدموا بطريقة موسّعة أعمال المهاجر لتبرير أساليبهم التكتيكية في العمليات الانتحارية، التي أصبحت أهم وسيلة عسكرية إرهابية- دفاعية، أو هجومية- متوفرة لدى تنظيم الدولة اليوم".

اقرأ أيضاً: عندما تختار المنظمات الإرهابية السياسة بديلاً

ويتساءل الكاتبان: "كيف برّر المهاجر نظرياً هذه العمليات؟"، ويقولان إنها "كانت سهلة، حيثُ قدّم المبرّر الدينيّ بشكلٍ يسمحُ لمن يرغبُ في تجنّب المبادئ القرآنية التي تُحرّم قتلَ النّفس، وبنى تبريره على "أهداف ونيّة" الهجمات، فمن ينوي قتلَ نفسِهِ لينهي آلامه فإنّ عمله حرام؛ لأنّ هذا الشّخص جاهل برحمة الله، عز وجل، لكنْ إن كان قتل النفس للحفاظ على الدّين والدفاع عنه، فإنّ هذا الفعل يعدّ مشرّفاً".

ويذهب المقال إلى أنّ "كلام المهاجر ليس جديداً، فهناك الكثير من العلماء قبله قدّموا الرأي ذاته حول العمليات الانتحارية وجوازها، وقال عددٌ منهم إنّ الهجمات الانتحارية تصبح جائزة لو كانت نية المهاجم صحيحة، مشيرين إلى أنّ الهجوم هو الخيار الوحيد في وضع الحرب، وأنّ العمليات الانتحارية ستترك منافع للمجتمع المسلم، وبالنسبة للمهاجر فقد خفّض من سقف "المنافع" حيثُ يرى أنّ الهجمات ليستْ في حاجة لأن تسفر عنها نتائج تؤثر في مسار الحرب لتعدّ جائزة، فما يجبُ توفّرهُ بالمهاجم هو السّبب الصحيح ليدفعه إلى الموت، ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء كي يفهم أنّ المرونةَ في أعماله تلعبُ لصالح تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة".

كتاب "فقه الجهاد" والذي يعد المرجعية الفقهية لأبي مصعب الزرقاوي

الوحشية المرعبة والدمار الشامل

يحتوي كتاب المهاجر على عشرين مسألة من مسائل الدّماء والقتل المرعبة والرهيبة، فهو يبدأ مِنْ تعريف "دار الحرب" بأنها الدّار التي تعلو فيها أحكام الكفر، ومن ثم فإنّ جميع الدول ما عدا المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، خاضعة لذلك الوصف؛ لأنها لا تطبّق الشريعة الإسلامية "وفق مفهوم التنظيم".

اقرأ أيضاً: القرن الإفريقي.. حاضنة "داعش" و"القاعدة" الجديدة

ويقسّم "المهاجر" من يقيمون في "دار الكفر" بين مسلمين ومرتدّين وأهل ذمّة ومشركين، ولكلّ أحكامه. وينزع العِصمة في الدّماء والأموال عن غير المسلمين في هذه الدار، فكلّ من ليس مسلماً حقيقياً موالياً، فهو إمّا مرتدّ أو كافر. ويرفض منحهم الأمان إلاّ بعهد من "الدولة الإسلامية". وعند ذلك، فالجميع من غير المؤمنين بهذا الخطاب، يقع في دائرة استباحة الدّم والمال وغير ذلك من قتل وأسر واغتيال.

يحتوي كتاب المهاجر على عشرين مسألة من مسائل الدّماء والقتل فهو يبدأ من تعريف "دار الحرب" بأنها الدّار التي تعلو فيها أحكام الكفر

ينحو الكتاب منحىً خطيراً؛ إذْ يصل إلى نتائج فقهية متوحشة، وبالرغم من عدم استحلال دماء وأموال النساء والأطفال الكفار، إلاّ أنّ الكتاب يضع قيوداً متعدّدة تجعلُ ذلك مقبولاً في حالات عدة. ولا يضع خطوطاً فاصلةً بين ما هو مدنيّ وعسكريّ، فالإسلام، وفق الكاتب: "لا يفرّق بين مدني وعسكري، بل بين مسلم وكافر، فالمسلمُ معصومُ الدّم أيّاً كان عملهُ ومحلّه، والكافر مباحُ الدّم أيّاً كان عملهُ ومحلّه".

تترقرق الدّماء من بين دفتي الكتاب، فالقتلُ متوفّر وسائغ في صور متنوعة "قتل، اغتصاب، ذبح، تمثيل بالقتلى" حتّى يصلَ إلى إباحة استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، مثل أسلحة الدمار الشامل، والتفجيرات التي تؤدي إلى قتل أطفال ومدنيين، وقتل من يُشكّ في أنّه جاسوس من المسلمين، إلى غير ذلك من أحكام وفتاوى.

اللافت؛ أنّ وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" أعلنتْ عن مقتل أبي عبدالله المهاجر، مؤلف هذا الكتاب؛ حيث استهدفته طائرة أمريكية في نقطة من شمال شرق سوريا، إلا المهاجر عندما قتل لم يكن عنصراً في تنظيم الدولة، ولكنْ كان في "جبهة فتح الشام" أو "جبهة النصرة" سابقاً.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



قطر والثورة السودانية.. كيف يقاوم السودان الجديد محاولات الدوحة زعزعة استقراره؟

صورة كريم شفيق
صحافي وكاتب مصري
2020-01-28

احتفل السودانيون الشهر الماضي بالذكرى الأولى لانطلاقة الثورة التي أطاحت بحكم عمر البشير في السودان بعد ثلاثين عاماً من سيطرة الإخوان، بينما لا تزال ملفات وقضايا عديدة في سياق المرحلة الانتقالية عالقة بالمنطقة الرمادية، وتواجه معضلات عديدة، تتمثل في مستقبل "الربيع السوداني"، من جهة، والقوى السياسية المتباينة داخله، من جهة أخرى، خاصة الحركة الإسلامية التي فيما يبدو يسعى المتحجون إلى عزلها وتفكيك ارتباطاتها والقطيعة التامة مع تاريخها المرير؛ إذ تعود نشأتها إلى العام 1954، وتزعمها حسن الترابي.

باحثة مصرية: تتوخى حكومة حمدوك الحيطة من النظام القطري الذي يسعى بشكل خفي نحو هدم الاستقرار تحت غطاء الاستثمار

ومنذ ذلك الحين لحقت بتاريخ الحركة الإسلامية التي باتت تعرف بـ "جبهة الميثاق الإسلامي"، فصول من القمع والتعسف، فضلاً عن الانقلابات العسكرية؛ حيث دبرت انقلاباً ضد الحكم الديمقراطي بالسودان، وصعد جعفر النميري للسلطة، وهو الأمر الذي تكرر في العام 1989، حين جرى انقلاب عسكري ضد حكم الصادق المهدي، بدعم من الإخوان المسلمين.
وفي ظل الواقع الإقليمي الراهن، المعقد والمرتبك وتجاذباته المتفاوتة، لا تعكس التناقضات في مواقف وسياسات بعض الدول مجرد التندّر، مثلما هو الحال مع قطر، والتي تحاول تمرير فكرة مؤداها أنّها تحتكر سردية "الربيع العربي"، وتعنى بقضاياه، كما تعمد منصاتها الإعلامية أن تصنع ذلك بخطابات عديدة، بل تصل إلى عملية "تصدير الثورة"، حيث لم يكن للسودان، مفتاح أفريقيا لدى الدوحة، وسبيلها إلى العديد من دول القارة عبر حليفها عمر البشير، نصيب من أي نوع تجاه الاحتجاجات الشعبية، كما لم تظفر بالرعاية الثورية التي توفر مظلتها لبعض رعاياها.

الدوحة ترعى الثورة المضادة

بيد أنّ الدوحة كانت ملاذ البشير الهارب من الانتفاضة، في أولى جولاته الخارجية إبان الاحتجاجات، بينما جهازه الأمني يعتقل أكثر من ألف شخص، وقد قتل نحو 37 شخصاً، بحسب منظمة العفو الدولية (أمنستي)، كما تحولت الدعاية الإعلامية القطرية لتصنيف الأحداث في مربع "المؤامرة" وتعتبر الثوار مجموعة "عملاء" أو "خونة"، فضلاً عن التحريض ضد المجلس العسكري الانتقالي، ومن ثم، عرض وساطة تستهدف منها توطيد أركان نظام حليفها تحت مسمى "استقرار السودان".

اقرأ أيضاً: هل لقطر أذرع خفيّة في السودان؟
وعلى إثر ذلك، فقد بدا واضحاً أنّ قطر فقدت أهم مصادر نفوذها في أفريقيا، بعد سقوط نظام الرئيس السوداني المعزول، عمر البشير، حسبما توضح صحيفة "لوموند" الفرنسية، بالرغم من المليارات التي ضختها حكومة الدوحة، بغية شراء ولاءات بالقارة السمراء، وذلك عبر مساعدات ومشروعات هزيلة وتمويل  التطرف.

صحافي سوداني: تستضيف قطر محمد عبدالحي وهو من شيوخ الإسلام السياسي ومقرب من البشير وتعده ليكون معارضاً عبر قناة الجزيرة

وفي التقرير ذاته، توضح الصحيفة الفرنسية أنّ قطر فقدت أهم موطئ قدم لها في القارة السمراء، ولم يبق لها سوى الصومال، والتي شهدت جولات خارجية مكثفة ونشاطاً مؤثراً، سياسياً واقتصادياً، من خلال زيارات أمير قطر المتعددة لعدد من تلك الدول؛ حيث أصبحت مصدراً للجذب في اللعبة السياسية الدولية، بيد أنّ دور الدوحة أصبح سيئاً في تلك اللعبة بعد نفور معظم الدول منها، والتي نأت بنفسها عنها بعد اتهامها بتمويل التطرف.
وبينما ظلت الدوحة على علاقات قوية لأعوام مع دول القرن الأفريقي، ومن بينها السودان؛ حيث كان الرئيس السوداني المعزول يجري زيارات دورية إلى قطر، آخرها في كانون الثاني (يناير) الماضي، إلا أنّ الأمر اختلف تماماً بعد سقوطه، وتولي المجلس العسكري المرحلة الانتقالية، فتغيرت الأوضاع ونأت الخرطوم بنفسها عن الدوحة.

السودان الجديد

وفي سياق متصل، تشير الباحثة المصرية بالمركز المصري للفكر والدراسات الإستراتيجية، رحمة حسن، أنّ الدور القطري الذي يحاول الدخول في المشهد سيكون "مجرد لاعب وليس مسيطراً على الوضع والتوجهات السياسية في السودان"، الأمر الذي أوضحه عبد الفتاح البرهان، رئيس المجلس العسكري الانتقالي، وقد أكد عدم نية السودان لسحب القوات العسكرية من اليمن، وربما يأتي هذا جراء حجم الاستثمارات والمساعدات السعودية الأكبر في السودان.

اقرأ أيضاً: هل تعاود قطر الاختراق الهجومي للسودان لإحياء العبث الإخواني؟‎
وتحاول حكومة عبدالله حمدوك الاعتماد على سياسة التوازن والمصالح المتبادلة بين الدول، بغض النظر عن توجهاتها؛ فاعتمدت السودان سياسة المواءمة من خلال التعاون مع النقيضين، بيد أنّها، بحسب قول حسن لـ "حفريات"، تتوخى الحيطة من النظام القطري "الذي يسعى بشكل خفي نحو هدم الاستقرار تحت غطاء الاستثمار، في محاولة لكسب موطئ قدم في السودان، بعد الإطاحة بالبشير، وذلك من خلال زيادة التعاون مع التحالف الخليجي، وهو ما تشير إليه السياسة الفعلية للحكومة السودانية، والتي تشهد عليها الزيارات الأولى للحكومة الانتقالية، وقد بدأت بالقاهرة والإمارات والرياض، في حين مازال يسعى أمير قطر لدعوة حمدوك والبرهان لزيارة الدوحة، الأمر الذي يعطي إشارة ودلالة واضحة نحو التعاون الحذر الذي يقوم به السودان الجديد مع قطر".

احتفاء قطر بالإخوان

وإلى ذلك، يوضح الكاتب الصحافي والباحث السوداني، محمد جميل أحمد، أنّ الدور القطري من الثورة السودانية "ظل في وعي القطريين يؤطر النظام السوداني خارج سياق موجات ما سمي بـ"الربيع العربي"، جرياً على مقولة شهيرة للدكتور حسن الترابي، من أنّ الديمقراطية في المنطقة العربية تلد إسلاماً، وبما أنّ النظام في السودان نظاماً إسلامياً منتمياً إلى جماعة الإخوان المسلمين، فإنّ الأمر بدا طبيعياً بالنسبة للدوحة، بالرغم من أنّه نظام استبدادي، من نفس نمط الأنظمة التي قامت ضدها ثورات الربيع العربي".
ويضيف أحمد  لـ"حفريات": "ما ليس طبيعياً بالنسبة للقطريين كان هو أن يثور الشعب السوداني على نظام "إسلامي"، ولوهلة أعادت قطر إنتاج دور وموقف النظام الإيراني حين تماهى مع ثورات ما عرف بـ"الربيع العربي"، في كل من القاهرة ودمشق وصنعاء، حتى انتفض الشعب السوري فصمتت عن ذلك وأخذت الموقف النقيض".

بدا واضحاً أنّ قطر فقدت أهم مصادر نفوذها في أفريقيا بعد سقوط نظام الرئيس السوداني المعزول عمر البشير

وبسؤاله عن الخطاب الإعلامي القطري، وكذا، السياسي تجاه أحداث الثورة السودانية، والذي اختلف على نحو جذري عن مرجعيتها التي حاولت التأكيد على ثباتها تجاه انتفاضة الشعوب، منذ مطلع العام 2011، أجاب الكاتب الصحافي والباحث السوداني: "في البداية كانت الآلة الإعلامية القطرية، تطمس وقائع الثورة السودانية وتقلل من شأنها، لكن بازدياد وتيرة الثورة واتساع مجالها العام أسقط في يدقناة الجزيرة القطرية أمام هذا المتغير الجديد في السودان، وهو متغير لم تستطع قطر هضمه لأنه سياق مختلف أصلاً، ولعل ذلك كان من حظ الثورة السودانية التي نشأت يتيمة من أي دعم قطري".
ويتابع أحمد "بنجاح الثورة السودانية بدأنا نلحظ لهجة أخرى في قناة الجزيرة، باستضافتها لسودانيين محسوبين على نظام البشير، إلى جانب أخبار عن تحركات دبلوماسية قطرية مريبة وأنباء متضاربة عن زيارة لبعض المسؤولين السياسيين، وشهدنا منظراً عروبياً كبيراً أصبح مشغولاً أكثر في برنامجها السياسي الأسبوعي بثورة الجزائريين، فيما الثورة السودانية كانت تقتلع نظام البشير باعتصامها الجسور، واليوم تستضيف قطر، محمد عبدالحي، وهو شيخ من شيوخ الإسلام السياسي ومقرب من البشير، وتعدّه ليكون معارضاً عبر قناة الجزيرة".

للمشاركة:

كيف أوقعت إيران العراقيين في حبائل المخدرات؟‎‎

2020-01-28

يبدو أنّ إيران لم تكتف بمساعيها لبسط نفوذها على العراق عبر وكلائها المحليين، ولكنها عملت أيضاً على إضعاف وإنهاك المواطن العراقي عبر سماحها لأنواع جديدة من المخدرات الخطيرة بالنفاذ إلى المجتمع العراقي الذي كان قبل السقوط في دوامة  الفوضي من أقل الشعوب إقبالاً على المخدرات، فماذا حدث؟ وكيف تحولت البصرة ومناطق الجنوب العراقي إلى مراكز لصناعة وترويج المخدرات والاتجار بها وتصديرها؟ وكيف تعاني الدولة العراقية جراء تلك الظاهرة القاتلة وكيف تتعامل معها؟

اقرأ أيضاً: الحوثيون والحرس الثوري يغرقون اليمن بالمخدرات

يعاني المجتمع العراقي من أزمات اجتماعية واقتصادية طاحنة، برغم أنّه عضو في منظمة (الأوبك)، التي تضم كبار منتجي النفط في العالم، لكن يبدو أنّ ثمار تلك الوفرة لم تصل بعد إلى ملايين العراقيين الذين أنهكتهم الحرب على مدار عقود، ومع تلك الأزمة وصل معدل البطالة إلى 20% من قوة العمل العراقية، ومع تصاعد ظاهرة البطالة وانتشار اليأس يلجأ هؤلاء إلى الهروب من واقعهم الكئيب بالمخدرات.

 سمحت أيران لأنواع جديدة من المخدرات الخطيرة بالنفاذ إلى المجتمع العراقي
تشير سجلات محكمة استئناف البصرة، وفقاً لتقرير صحيفة "نيويورك تايمز" الذي نشرته بعنوان (Iraq Faces a New Adversary: Crystal Meth) في 14 أيلول (سبتمبر) 2019 إلى أنّ 90% من المقبوض عليهم في تهم تعاطي المخدرات كانوا من العاطلين؛ البطالة إذن وتداعياتها الخطيرة كانت الثغرة التي نفذت منها عصابات تهريب المخدرات إلى نفوس العراقيين المنهكة، وقد نشطت في تهريب المخدرات من إيران وأفغانستان وباكستان إلى العراق ثم إلى سوريا والأردن ودول الخليج.

تشير سجلات محكمة استئناف البصرة أنّ 90% من المقبوض عليهم في تهم تعاطي المخدرات كانوا من العاطلين عن العمل

ويؤكد عدد من التقارير الصحفية والتلفزيونية أنّ محافظات البصرة وميسان وواسط التي تتاخم الحدود الإيرانية قد تحولت لمراكز لاستيراد المخدرات من إيران عبر منفذ الشلامجة الحدودي بين البصرة العراقية والأهواز الإيرانية ومنفذ مهران الحدودي بين محافظتي واسط العراقية وكرمنشاه الإيرانية، وهما من المنافذ الرئيسة التي يدخل منها مادة الكريستال –أخطر مخدر كيميائي مصنّع- وقد تطور الأمر بأن صارت تلك المناطق تعج بالمئات من المعامل الكيميائية لتصنيع المخدرات التي تستقدم الخبراء من أفغانستان وإيران، كما أنّ هناك تجاراً يتخفون أثناء زيارة كربلاء ويقومون ببيع المخدرات إلى العراقيين.
وبرغم تردّد العديد من المسؤولين العراقيين في اتهام الجارة الإيرانية بتسهيل تهريب المخدرات إلى العراق، وذكر اسمها على مضض، مع الحرص في أغلب الأحيان على عدم ذكر اسم المصدر، فإنّ السفير الإيراني في بغداد إيرج مسجدي، وفقاً لموقع العربية، قد أقر بأنّ المخدرات تُهرّب من بلاده إلى العراق وأنّها تأتي من أفغانستان وباكستان.

اقرأ أيضاً: المخدرات الإيرانية تعصف بشباب العراق
وتسيطر على تلك المناطق الحدودية بين العراق وإيران ميلشيات دينية تدين بالولاء للجمهورية الإيرانية مثل ميليشيا سيد الشهداء، والخراساني، وأخرى صغيرة كالجهاد والبناء ومنتظرون، وهي ميلشيات استطاعت فرض سيطرتها على المعابر والموانئ الحدودية، وأصبح بينها وبين عصابات الاتجار بالمخدرات مصالح متبادلة؛ حيث تؤمّن تلك الميليشيات حركة العصابات، في حين تدفع العصابات إتاوات لها.

 

 

اللافت للنظر أنّ تلك العصابات تعتمد على وسائل نقل متقدمة مثل الطائرات المسيرة وزرع كاميرات مراقبة حديثة لتأمين تلك المعامل، وتمتلك أسلحة لا تملكها أجهزة الشرطة العراقية؛ مما يصعب من مهمة الأجهزة الأمنية في القضاء على تلك الظاهرة.

اقرأ أيضاً: إيران: تجارة المخدرات المربحة التي يديرها "الحرس الثوري"
ويؤكد مصطفى سعدون، مدير المرصد العراقي لحقوق الإنسان، في لقاء تلفزيوني مع قناة الغد، أنّ هناك شخصيات لها نفوذ طائفي كبير تساعد في تمرير تلك العمليات، وهناك العديد من أفراد الأمن الذين يعملون مع تلك العصابات نظير راتب شهري وعمولة. وبالنسبة للمواجهة القانونية الرادعة لتلك الظاهرة قال سعدون: إنّ قانون المخدرات لعام 2017 لا توجد آلية واقعية لتطبيقه.

خالد حنتوش: التساهل القانوني بعد العام 2003 سبب تفشي ظاهرة الإدمان والاتجار بالمخدرات

  ومن أخطر أنواع المخدرات المتداولة في السوق العراقي والتي كانت تأتي من إيران قبل أن يتم تصنيعها في العراق لاحقاً مخدر "الكريستال ميث" الذي ينتمي إلى عقاقير الميثامفيتامين، ويجري تصنيعه بطريقة غير مشروعة تحت اسم كبتاغون وهو مسحوق بلوري أبيض يشبه الزجاج أو الثلج عديم الرائحة، يذوب بالماء والكحول بسهولة وهو مركب كيميائي، يستنشق عن طريق الأنف مباشرة أو يدخن أو يذاب في الماء والكحول، وهو من المخدرات التي تسبب الإدمان السريع.
يقول راينر بونغس، خبير الكيماويات الطليعية المستخدمة في صناعة المواد غير المشروعة بوكالة المخدرات التابعة للأمم المتحدة لجريدة "نيويورك تايمز" الأمريكية إنّه "من المحتمل أنّ العراق ينتج الكريستال ميث الآن، نظراً لأنّه استورد أطناناً من السودوإفدرين، بحسب تقرير الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات العام 2018. إذ يمكن استخدام المادة التي تزيل احتقان الأنف، والموجودة في أدوية الحساسية والبرد، لصناعة الكريستال ميث". ومدة انتشاء الكريستال تطول لنحو ثلاثة أيام ويصاب الفرد في هذه الفترة بهلوسة شديدة ويبقى محدقاً في نقطة معينة لعدة ساعات فضلاً عن سلوك لاشعوري قد يقوم به كالاعتداء على الناس أو الانتحار، وبالإضافة إلى الكبتاغون يتم تهريب الحشيشة والحبوب المخدرة إلى العراق.

بفضل العقوبات الرادعة التي وصلت حدّ الإعدام قبل سقوط بغداد على يد القوات الأمريكية، كانت العراق الأقل استهلاكاً للمخدرات في المنطقة العربية، ثم تضاعف معدل استهلاكها عدة مرات مما استدعى التدخل الأمني المباشر خاصة في محافظات الجنوب، وملاحقة الآلاف من المتعاطين والتجار.

باحث عراقي: المخدرات من القضايا المنسية في المجتمع العراقي؛ لأنها لا تزاحم الأزمات الأخرى كغياب الأمن والتراجع الاقتصادي

وقد اعتقلت الأجزة الأمنية  في العام 2017 ما يقرب من 1300 شخص،  ثم ارتفع العدد ليصل إلى 1500 معتقل في العام 2019، مما يدل على مقدار تفشي ظاهرة إدمان المخدرات وعجز الأساليب الأمنية الحالية في التعامل مع الظاهرة.
وذكر عالم الاجتماع العراقي خالد حنتوش، رئيس اللجنة الحكومية المكلفة بمتابعة ملف المخدرات في الجنوب، في تصريح لموقع العربية أنّ "سبب تفشي ظاهرة الإدمان والاتجار بالمخدرات هو التساهل القانوني بعد العام 2003، إذ تغيرت العقوبة الرادعة من الإعدام والسجن المؤبد إلى العلاج الصحي والنفسي في المصحات بالنسبة لمتعاطي المخدرات والسجن من (5- 15) سنة بالنسبة لمروجيها".
من جهته، يقول الباحث العراقي في مجال الأنثربولوجيا الدكتور علاء حميد إنّ "المخدرات من القضايا المنسية في المجتمع العراقي؛ لأنها لا تزاحم الأزمات الأخرى مثل غياب الأمن والأزمات الاقتصادية وتراجع مستوى الخدمات".
وعن أسباب تصاعد ظاهرة الاتجار وتعاطي المخدرات يشير حميد، في حديثه لـ "حفريات"، إلى أنّ "المخدرات تأتي لتسد فراغ ارتفاع نسبة البطالة التي ترتفع بشدة في العراق وقلة فرص العمل وازدياد عوامل الفوضى السياسية وتغير القيم الاجتماعية".

للمشاركة:

متى ظهر مسمى "العرب" في التاريخ؟ وعلى من أطلق؟

2020-01-28

يعدّ مسمى "العرب" اليوم من أكثر مسميات الشعوب شيوعاً في وسائل الصحافة والإعلام؛ فهو يرتبط بتعداد بشري تصل تقديراته إلى نحو (450) مليون نسمة حول العالم، ومع شيوع المسمى وتكراره يتوارى السؤال عن البداية والأصل، وينحصر في خبايا دراسات التاريخ ومكتشفات الآثار، وهنا محاولة للإجابة، ونظرة سريعة على قصة البداية والظهور والاستخدامات الأولى.
العريبي... حلفاء الآراميين
يرجع أقدم ذكر مكتوب لكلمة "العرب" إلى القرن التاسع قبل الميلاد، وذلك في نقش خاصّ بالملك الآشوري شلمنصر الثالث (858-823 ق.م)؛ حيث يؤرخ النقش انتصارات الملك، ويذكر انتصاره في معركة ضدّ ملك دمشق الآرامي وحلفائه، ومن بينهم "جندب"، ملك العرب، أو ملك "العريبي"، كما يرد وصفه في النقش، ويعود تاريخ المعركة إلى العام (854 ق.م)، وقد وقعت في منطقة "قرقر"، قرب حماه، وأخذت اسمها منها، فعرفت بـ "معركة قرقر".

اقرأ أيضاً: لماذا حرمنا ابن قتيبة من نظرية في الشعر العربي؟!
وتذكر الرواية أنّ الجيش الآشوري غنم من "جندب" ألف جمل، بخلاف الممالك الآرامية، التي يذكر النقش أنّ الآشوريين اغتنموا منها العربات، ما يدلّ على التمييز بين العرب (العريبي) والآراميين من حيث التحضر ونمط العيش، وكوْن مسمى العرب كان مرتبطاً حينها بسكّان البادية، وهي تحديداً البادية المحاذية للآراميين، والتي عرفت لاحقاً بـ "بادية الشام"، الممتدة من شمال الجزيرة حتى نهر الفرات شمالاً.

نقش آشوري يصوّر خضوع الأعداء بعد معركة قرقر للملك شلمنصر الثالث

ملكة عربية في الأسر
واستمرّ تكرار لفظ "عريبي" في النقوش الآشورية، عند الحديث عن الحملات التي كان يشنها القادة الآشوريون على مناطق البادية، ويبرز نصّ من القرن السابع قبل الميلاد، يتحدث عن حملة عسكريّة قادها الملك الآشوري "سنحاريب" (705-681 ق.م) عام (688 ق.م)، وأنّه "أخضع أدومو، معقل بلاد العرب، وحمل آلهتها إلى نينوى (عاصمة آشور)، وأسر ملكتها"، و"أدومو" هو اللفظ الآشوري لـ "دومة الجندل"، عاصمة المملكة المعروفة بـ "مملكة دومة الجندل"، والملكة المذكورة هي "تلخنو" أو "تلهونة" كما يرد في بعض النصوص، حكمت مملكة دومة الجندل في الفترة بين (695 - 688 ق.م)، وكانت قد تحالفت مع البابليين الخارجين على سلطة آشور.

اقرأ أيضاً: فرق تَسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب
وتميّزت مملكة دومة الجندل، وهي المملكة العربية الأولى في شمال الجزيرة العربية، بأنّها قد حكمت من قبل عدد من الملكات، بدايةً من الملكة "زبيبة" (750 - 735 ق.م)، ثم الملكة "شمسي"، ثم الملكة "يثيعة"، ثم "تلخنو"، وعرفت المملكة أيضاً باسم "مملكة قيدار".

الموقع الأثري في دومة الجندل.. عاصمة المملكة العربية الأولى في شمال الجزيرة

في التوراة.. وتوافق مع نصّ آشوري
ويرد في التوراة ذكر "قيدار" ونسله، عند الحديث عن "مملكة قيدار" ومناطقها، والتي تبدو أقرب إلى تحالف قبليّ، وتذكر التوراة أنّ قيدار هو "إسماعيل بن إبراهيم"، وهو "أبو العرب"، بالنسبة للتوراة، والمقصود بـ "القيداريين" تحديداً عرب الشمال، ما قبل ظهور الأنباط.

اقرأ أيضاً: كيف ينظر الفُرس إلى العرب؟
ويأتي الحسم في كون المقصود بـ "قيدار" و"مملكة قيدار" هو "مملكة دومة الجندل"، معقل بلاد العرب، من نصّ خاص بالملك الآشوري، تغلث فلاسر الثالث (745-727 ق.م) يسمي قبائل العرب بـ "قدرو"، في إطار الحديث عن المواجهات مع اتحاد القبائل البدوية المتاخمة لحدود الإمبراطورية الآشورية، وهي التي كانت تعرف بـ "مملكة دومة الجندل"، وقد تمّ استيعاب "مملكة قيدار" (مملكة دومة الجندل) وقبائلها لاحقاً في مملكة الأنباط، بعد صعودها في القرن الثاني قبل الميلاد.

من سيناء والعُلا
وفي موقع "تل المسخوط" الأثريّ بمحافظة الإسماعيلية المصرية، غرب سيناء، عُثر على مكتشفات أثريّة مهمّة، ترجع إلى مدينة "بيت أتوم" (بيتوم)، حيث عُثر على آنية فضيّة، نُقش عليها "قينو بن جشم ملك قيدار"، وهو تأكيد على ما جاء في النصّ التوراتي والنص الآشوري من كون "قيدار" اسم مملكة، وتحديداً المملكة العربية الشمالية، مملكة دومة الجندل، وقد ورد اسم أبو الملك "قينو"، الملك "جشم" في التوراة، وظهر اسم "جشم" أيضاً في النقوش اللحيانية المكتشفة في منطقة "العُلا" (شمال المملكة العربية السعوديّة). ويدل اكتشاف اسم "قينو بن جشم" في تل المسخوط إلى امتداد نفوذ مملكة قيدار (دومة الجندل) إلى سيناء في فترة نهاية القرن الخامس قبل الميلاد، ويتوافق ذلك مع ما يذكره المؤرخ الإغريقي، هيرودوت (484-425 ق.م)، عندما ذكر أماكن انتشار قبائل قيدار وحدودها، وأشار إلى وصولها شبه جزيرة سيناء.

موقع "تل المسخوط" الأثريّ حيث عثر على نقش يذكر الملك "قينو بن جشم"

في التواريخ الإغريقيّة والرومانيّة
وفي الفترة نفسها التي كتب فيها هيرودوت، كانت مملكة قيدار قد تحولت إلى مقاطعة في الإمبراطورية الأخمينيّة الفارسيّة، وقد أطلق الفرس عليها اسم "العربية الأخمينيّة"، وهو أول اعتماد رسمي لكلمة "عربيّة" في تقسيم سياسي وإداري رسميّ.
ولاحقاً، اشتهر عند المؤرخين الإغريق والرومان تقسيم بلاد العرب إلى ثلاثة أقسام: "العربية السعيدة" (Arabia Felix)، وهي المناطق الجنوبية الغربية من شبه الجزيرة العربيّة (اليمن)، و"العربية الصحراويّة"، وهي الجزء الأكبر من شبه الجزيرة العربية، و"العربيّة الصخريّة"، وهي منطقة الحجاز في غرب وشمال غرب شبه الجزيرة العربية، وهي المنطقة التي أقام الأنباط مملكتهم في الجزء الشمالي منها.

تمّ استيعاب مملكة قيدار وقبائلها لاحقاً في مملكة الأنباط بعد صعودها في القرن الثاني قبل الميلاد

وخلال عهد السلوقيين والبطالمة، خلفاء الإسكندر المقدوني في مصر وسوريا، انتعشت مملكة الأنباط وعاصمتها البتراء، مستغلةً الخلافات فيما بينهما، وبعد تمكّن الرومان من إخضاعها مطلع القرن الثاني قبل الميلاد، أطلقوا على المقاطعة الرومانية التي تأسست مكانها اسم "العربيّة البترائيّة" (Arabia Petraea)، واستمرّ هذا الاسم طيلة العصر الروماني.
وفي القرن الأول الميلادي، يذكر المؤرخ اليهودي، يوسيفوس فلافيوس (37-100م)، العرب في مؤلفاته، عند حديثه عن الأنباط، ويسميهم "عرب"، أما المؤرخ الروماني، سترابو (63-23 ق.م)، من القرن الأول قبل الميلاد، فيذكر خبر حملة حاكم مصر الروماني، اليوس غالوس، عام 25 ق.م، بغرض السيطرة على أقاليم الحجاز واليمن وضمّها للإمبراطورية، والتي لم يكلل لها النجاح، فيسمي هذا الأقاليم بـ "بلاد العرب".

حدود مقاطعة "العربيّة البترائيّة" (باللون الأحمر) كما تظهر ضمن الإمبراطورية الرومانية

وهكذا، وكما جرت العادة في التاريخ؛ فإنّ مسميّات وألقاب الأقوام، كما تثبت بالنهاية، تكون في الغالب من إطلاق الشعوب والأقوام الأخرى، في حين تغيب وتندثر الأسماء التي اختارت الأقوام أن تتسمى بها، وهو ما كان في حالة العرب.

للمشاركة:



الفلسطينيون يلوحون بالتصعيد..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

دعت القيادة الفلسطينية اليوم ، إلى اجتماع طارئ وسط دعوات لتظاهرات غاضبة في الضفة الغربية وقطاع غزة بالتزامن مع إعلان "صفقة القرن" الأمريكية للسلام مع الكيان الصهيوني.

وينطلق الاجتماع مساء اليوم في مدينة رام الله عند الساعة السابعة بالتوقيت المحلي، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية.

ومن المقرر أن يضم الاجتماع أعضاء اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية والمركزية لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وأمناء فصائل المنظمة، بينما نقلت وكالة "فرانس برس"، عن القيادي في حركة فتح عزام الأحمد، أنّ الدعوة وجهت أيضاً لـ "حركة حماس لحضور اجتماع القيادة الطارئ وسيحضرون الاجتماع"، وهدف الاجتماع مناقشة آليات الرد.

دعت القيادة الفلسطينية إلى اجتماع طارئ يضم كل التنظيمات الفلسطينية بالتزامن مع إعلان "صفقة القرن"

ويتزامن هذا الموعد مع إعلان خطة أمريكية يرفضها الفلسطينيون ويعتبرونها استهدافاً لتصفية قضيتهم ومنحازة إلى دولة الاحتلال.

وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد أعلن أنّ خطته للسلام سوف يعلن عنها اليوم، معرباً عن اعتقاده بأنّ الفلسطينيين سيدعمونها في نهاية المطاف وأنّ عدداً من الدول العربية تعتبرها بداية جيدة.

ورغم أنّ الخطة لم يكشف عن تفاصيلها رسمياً بعد، إلا أنّ هناك تسريبات تناقلتها وسائل الإعلام طيلة العام الماضي واصفة الخطة بـ "صفقة القرن".

وأمام رفض الفلسطينيين لهذه الخطة، يرحب الكيان الصهيوني بها. ولن يكون الرئيس الأمريكي بمفرده عند الإعلان عن "صفقة القرن"، بل سيقف إلى جانبه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو المتواجد في المكتب البيضاوي منذ أمس، إلى جانب منافس نتانياهو في الانتخابات بني غانتس. ودعوة غانتس إلى البيت الأبيض هي مؤشر على حساسية التوقيت قبل شهر من انتخابات جديدة في اسرائيل، مع اتهامات الفساد التي تلاحق نتنياهو.

وهدد الفلسطينيون بالانسحاب من اتفاقية أوسلو التي تحدد العلاقة مع إسرائيل. وشدد أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات على أنّ "خطواتنا للرد على إعلان صفقة القرن تتمثل بإعلان تنفيذ قرارات المجلس المركزي لمنظمة التحرير وأبرزها إعلان انتهاء المرحلة الانتقالية".

وتنص اتفاقات أوسلو الثانية الموقعة في أيلول (سبتمبر) 1995، على فترة انتقالية من خمس سنوات يتم خلالها التفاوض على قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين

وبموجب هذه الاتفاقات، قسّمت الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: الأولى خاضعة للسيطرة المدنية والأمنية الفلسطينية، والثانية تخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وأمنية اسرائيلية والثالثة تخضع لسيطرة مدنية وأمنية إسرائيلية.

 

للمشاركة:

حكومة الوفاق الليبية تتستر على قتلى من المرتزقة السوريين

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

أفاد تقرير للاستخبارات العسكرية التابعة للجيش الليبي بوجود جثث لعشرات المرتزقة السوريين داخل أكياس بثلاجة مستشفى طرابلس المركزي.

وأكد الحساب الرسمي للقيادة العامة للجيش الليبي عبر تويتر، أنّ الميليشيات تمنع الأطباء الشرعيين من إجراء عمليات تشريح للجثث كما هو متبع.

الجيش الليبي يؤكد وجود جثث لعشرات المرتزقة السوريين داخل أكياس بثلاجة مستشفى طرابلس المركزي

يأتي ذلك فيما أكد المتحدث باسم الجيش الوطني الليبي، أحمد المسماري، في مؤتمر صحافي، أول من أمس، أنّ تركيا تنقل الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا بوتيرة عالية.

هذا ونقلت صحيفة " The New York Review of Books"الأمريكية، عن أحد المقاتلين السوريين في ليبيا، يدعى أحمد قوله: "أنا تابع للجيش التركي. كل منا لديه منزل في تركيا إما في مدينة إسطنبول أو مدينة غازي عنتاب".

الخبير في الشؤون الدولية في مركز “Carnegie” فريدريك ويهري، أوضح أن بعض المقاتلين السوريين أبعدوا الاهتمام والأنظار عن الحرب في سوريا من خلال الخطوة التي اتخذتها أنقرة بإرسال قوات إلى ليبيا.

مقاتل من الميليشيات السورية يؤكد أنه يتبع للجيش التركي وأن لدى المقاتلين منازل في إسطنبول وغازي عنتاب

الخبر تناول أيضاً حصول المقاتلين السوريين على راتب شهري 2000 دولار أمريكي، من الحكومة التركية، مشيراً إلى حصولهم على وعود بالحصول على الجنسية التركية في نهاية الحرب في ليبيا.

 

للمشاركة:

استجابة إماراتية سريعة للمنكوبين في حريق كراتشي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

قدمت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، مساعدات إغاثية عاجلة للمتأثرين من الحريق الذي شب في مدينة "تين هتين" بكراتشي في باكستان.

وأكد الدكتور الأمين العام لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي، محمد عتيق الفلاحي، في تصريح صحفي نقلته وكالة الأنباء الإماراتية "وام"، أنّ المساعدات جاءت في إطار تضامن الإمارات الدائم مع ضحايا الكوارث والأزمات الطبيعية حول العالم، وضمن المسؤولية الإنسانية التي تضطلع بها الدولة لتحسين الحياة، وتخفيف المعاناة في المناطق والساحات الضعيفة.

وأكد الفلاحي على دور الإمارات التنموي على الساحة الباكستانية، مشيراً إلى أنّ مبادرات الهلال الأحمر الإماراتي العديدة في مختلف الأقاليم الباكستانية تأتي منسجمة مع توجهات الإمارات في الوقوف بجانب الأشقاء في باكستان في كل الأحوال والظروف.

وأضاف أمين عام الهلال الأحمر: "تأتي هذه المساعدات أيضاً استجابة من الهيئة للنداءات الإنسانية العاجلة التي أطلقها أهالي المدينة، الذين فقدوا ممتلكاتهم واحتياجاتهم الأساسية، ويواجهون ظروفاً إنسانية صعبة بسبب ظروف المناخ وبرودة الطقس".

أهالي المدينة يوجهون شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات على ما تقدمه من مساعدات إنسانية

وكان فريق القنصلية العاملة لدولة الإمارات لدي كراتشي، قد توجه للمنطقة التي نشب بها الحريق والذي تسبب في حرق كل الخيام والأكواخ الموجودة في المنطقة وتقطنها 150 أسرة، لتلمس احتياجاتهم وتوزيع مساعدات إغاثية على المئات من السكان الذين يعانون من تدهور أوضاعهم الاقتصادية من قبل.

من جانبهم أعرب أهالي المدينة عن سعادتهم بهذه الحملة الإغاثية العاجلة التي جرت خلال 24 ساعة من الحريق، والتي تعكس سرعة استجابة الهلال الأحمر الإماراتي بالتعاون مع القنصلية العامة لدولة الإمارات ومفوض كراتشي، والتي خففت من معاناة أهالي المنطقة المتضررة، موجهين شكرهم وتقديرهم لدولة الإمارات على ما تقدمه من مساعدات إنسانية ضرورية ترفع عن كاهلهم أعباء الحياة المعيشية اليومية الصعبة.

 

للمشاركة:



خطر المحور التركي القطري على الأمن العالمي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

سوسن الشاعر

لن يطول الوقت حتى يلزم المجتمع الدولي باتخاذ موقف حازم من المحور «القطري التركي». وما هذه المماطلة من التيارات اليسارية الغربية المتحالفة مع جماعة «الإخوان المسلمين» لتأخير هذه الخطوة أو منعها، إلا تضييع وقت ومحاولة لإبعاد الأنظار عما تمارسه هذه الجماعة من رعاية للمتطرفين.

وقد بدأ خطر هذا المحور على الأمن الدولي والاستقرار العالمي يهدد أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فعلاً، السلطات التشريعية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بدأت تتعرض لضغوط من اجل إدراج «الجماعة» وتصنيفها ضمن "الجماعات الإرهابية"، كما ذكر أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة الدكتور طارق فهمى في تصريحات لـ«اليوم السابع» إن النواب بالكونغرس الذين يسعون إلى فتح ملف نشاط الإخوان مدعمين بتقارير الخارجية الأمريكية وملفات الاستخبارات الأمريكية التي تحذر من إهمال ملف الجماعة، وعدم وضعه على الأولويات والمطالبة بالكشف عن المسكوت عنه في دوائر محددة تحاول غلق الملف وإنهاء التحقيقات الفيدرالية.

وأشار الدكتور فهمي إلى أن هناك مجلس العلاقات المتخصصة ومركز سابان ومركز التقدم الأمريكي وهي مراكز بيوت خبرة وتهتم بموضوعات الجماعة الإرهابية بدأت في الفترة الأخيرة سلسلة تقارير موجهة بشأن ضرورة التعامل مع حالة الإخوان وحظر الجماعة والنشاط الاقتصادي الكبير في أمريكا ومخالفة القوانين والقواعد الفيدرالية الأمريكية.

الجديد أن التقارير الأمريكية بدأت تبرز الدور القطري والتركي في رعاية هذه الجماعة، وبدأت تتكلم عن خطر هذا المحور على الأمن الدولي، فقد نشر موقع «ناشيونال إنترست» الأمريكي معلومات تفصيلية عن التقرير الذي كتبه اثنان من كبار الباحثين.

ووصف التقرير تركيا وقطر بـ«الأخوين»، اللذين يشاركان في التمويل غير المشروع لتعزيز الأيديولوجيات المتطرفة، وهو الأمر الذي سيحتم على واشنطن استجابة «متعددة الجوانب» لإجبار الدوحة وأنقرة على الحد من سلوكهما «الخبيث».

وأوضح المصدر أن المحور القطري التركي بات يتنافس بقوة على نفوذه في جميع أنحاء الشرق الأوسط، من العراق إلى ليبيا، ما يعقد الوضع في المنطقة «المضطربة فعلاً».

وأضاف: «بدا التحالف القطري التركي واضحاً بشكل بارز، في أعقاب بدء الأزمة القطرية وقطع عدد من الدول علاقاتها مع الدوحة بسبب دعمها التطرف وتعاونها مع إيران لزعزعة استقرار المنطقة».

وأبرز التقرير الذي نشره الموقع تحت عنوان «الإخوة في السلاح: توحيد المحور التركي-القطري» أن أيديولوجية «الإخوان» هي قلب هذا المحور، الذي ازداد قوة ومتانة بعد صعود رجب طيب أردوغان إلى الحكم.

وتابع: «وفرت تركيا وقطر ملاذات آمنة لمعتنقي هذه الأيديولوجية وقياداتها، ما يشكل انتهاكاً صارخاً للعقوبات الأمريكية والأممية».

كما سلط الضوء على أن أجندة تركيا وقطر المدمرة والمزعزعة للاستقرار «مثيرة للقلق بالنسبة إلى واشنطن»، قائلاً: «الدولتان حليفتان للولايات المتحدة، على الأقل ظاهرياً.. كما أنهما تستضيفان قواعد عسكرية أمريكية مهمة، لكنهما أصبحتا إخوتين في السلاح وفي مشاريعهما المشجعة على الأيديولوجيات المتطرفة».

هذه التقارير تحث الإدارة الأمريكية على اتخاذ خطوات حازمة تجاه هاتين الدولتين، وكما طال الوقت حتى اضطرت الجماعات الغربية اليسارية والليبرالية أن ترضخ وتصنف «حزب الله» ضمن الجماعات الإرهابية، فلن يطول الوقت حتى تقر في النهاية ما يعرفه الجميع أن هذه الجماعة هي جماعة «الإخوان المسلحين» لا جماعة للإخوان المسلمين، وأن أبرز داعمي هذه الجماعة هما دولتا قطر وتركيا وأن هذا المحور بات يشكل خطراً على الأمن العالمي.

عن "البيان" الإماراتية

للمشاركة:

الخلافة الإيرانية وتداعيات مقتل سليماني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-28

مهدي خلجي

بعد اغتيال قاسم سليماني، انصبّ التركيز بشكل كبير على العمليات الخارجية التي ينفذها "فيلق القدس" التابع لـ "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني. غير أن الفيلق لعب دورا بارزا في الداخل أيضا، لكن مستقبله لم يعد واضحا حاليا. وعلى وجه الخصوص، كان سليماني نفسه في موقع جيد يخوله أن يكون شخصية جامعة توفر الاستقرار ما أن تواجه إيران التحدي المتمثل في تعيين خلف للمرشد الأعلى علي خامنئي.

سليماني كجندي مثالي لخامنئي
بنظر المرشد الأعلى، كان سليماني مثالا يحتذى به حول الطريقة التي ينبغي لقائد عسكري التصرف بها مهنيا وسياسيا. فخامنئي لم يكن يثق بأي قائد بارز آخر، وهذه حقيقة كانت واضحة في المعاملة التفضيلية التي كانت تمنح لسليماني في كثير من الأحيان.

على سبيل المثال، عندما استلم خامنئي السلطة في عام 1989، اعتمد سياسة جديدة تقوم على تحديد مدة الخدمة الفعلية في المراكز العسكرية والسياسية، بما في ذلك المنصب الأعلى في "الحرس الثوري" الإيراني الذي تمّ تحديده بعشر سنوات.

ولم يكن خامنئي يُعتبر خلفا طبيعيا لروح الله الخميني وافتقر إلى المؤهلات الدينية والجاذبية التي كان يتمتع بها القائد المؤسس، لذا كان إعادة تشكيل التسلسل الهرمي العسكري بحذر بين الحين والآخر وسيلة بديلة لتوطيد سلطته وترسيخها.

وحتى اليوم، في وقت يتمتع فيه بصلاحية شبه مطلقة، يساهم تناوب المراكز بين العناصر من ذوي الرتب العليا والمتوسطة في منع القادة من تشكيل دوائر سلطة وتحالفات خاصة بهم.

غير أن سليماني شكّل حالة استثنائية لهذه القيود المفروضة على مدة الولاية، ويُعزى ذلك جزئيا إلى أنه كان ينحدر من مجموعة صغيرة من قادة "الحرس الثوري" الذين كانوا مقربين من خامنئي أكثر من خصومه خلال المرحلة الانتقالية [بعد وفاة] آية الله الخميني. وفي أعقاب تعيين سليماني كقائد لـ "فيلق القدس" في عام 1997، بقي في هذا المنصب إلى حين مقتله بعد أكثر من عشرين عاما.

ولم يكتسب سليماني مكانته المميزة هذه فقط بسبب ولائه لخامنئي منذ البداية وإنجازاته العسكرية اللاحقة. فبخلاف الأغلبية الساحقة من ضباط "الحرس الثوري" الإيراني، تجنّب أيضا الانخراط في الأنشطة الاقتصادية والسياسية، وبدلا من ذلك عاش حياة متدينة بحتة.

وبفضل هذه السمات كان محببا إلى خامنئي الذي غالبا ما أشار إلى الجنرال و "فيلق القدس" الذي يرأسه على أنهما دليل على أن استراتيجية "المقاومة" كانت فعالة أكثر من المقاربة الدبلوماسية التي يفضلها الرؤساء الإيرانيون.

وتميز سليماني بانتهاج هذه الاستراتيجية من دون الإدلاء بتصريحات علنية سواء داعمة للسياسات المتشددة أو مناهضة لمسؤولين منشقين، حتى خلال الدورات الانتخابية الساخنة. وتعذّر على مراكز القوة النافذة التأثير عليه ـ فكان يتلقى الأوامر مباشرة من المرشد الأعلى وكان مسؤولا أمامه فقط، لذا لم يكن مهتما بما أراده رؤساء البلاد أو المسؤولين الآخرين.

فالشخص الوحيد الذي كرّر ولاءه المطلق له بفخر وبشكل متكرر هو خامنئي. وفي المقابل، غالبا ما وصف المرشد الأعلى شخصية سليماني وخدمته بصفات لم تُستخدم لوصف أي قائد آخر.

وتجسّدت هذه المحسوبية المتبادلة أيضا بالطريقة التي توليا بها إدارة السياسة الإقليمية. ففي أوائل 2019، على سبيل المثال، رافق أفراد من "فيلق القدس" الرئيس السوري بشار الأسد من دمشق إلى مكتب خامنئي في طهران دون علم مسبق من الحكومة.

ورد وزير الخارجية محمد جواد ظريف بغضب على استبعاده من الاجتماع وعرض استقالته، لكن تمّ رفضها. وحتى أن الرئيس حسن روحاني نفسه استُبعد من أجزاء من الاجتماع ـ في المقابل، جلس سليماني ورفاقه إلى جانب خامنئي طيلة فترة المحادثات حيث أشاد به المرشد الأعلى والرئيس السوري وأغدقا عليه المدح.

بالإضافة إلى ذلك، وبفضل الحملة الدعائية التي تشنها الدولة والتغطية الإعلامية الغربية، اعتبرت شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني سليماني بطلا، رغم أنه كان يقول صراحة إنه ليس شخصية قومية بل جندي في خدمة الإسلام والنظام. ويُعدّ لقب "البطل القومي" الذي غالبا ما وُصف به لقبا نادرا في اللغة الفارسية، لا يُعطى إلا لشخصيات في الملاحم وعلم الأساطير الفارسي وليس لمسؤولين عسكريين معاصرين.

ومن هذا المنطلق، أصبح سليماني مقدسا من الناحية الأيديولوجية بقدر خامنئي نفسه تقريبا. ولم يكن مسموحا انتقاد سجله أو دوره علنا، كما مالت نخبة النظام إلى التحدث عنه باحترام، وحتى بمحبة، بغض النظر عن تبعياتها الفصائلية. فبنظرهم، كان يتمتع بالمقومات الضرورية لتسهيل عملية صنع القرار والتوصل إلى تفاهم وإجماع في وقت الأزمات ـ وهو شخصية لا مثيل لها يتمتع بسلطة وحكمة كان سيتم قبولها دون أدنى شك من قبل أقرانه العسكريين، والنخبة السياسية وجزء كبير من الشعب.

وتم تعزيز هذه السمعة في السنوات الأخيرة كلما تمّ تكليف "فيلق القدس" بالاضطلاع بدور أكبر على الساحة المحلية. على سبيل المثال، فبعد عجز الحكومة عن التعامل بفعالية مع أزمة الفيضانات التي أصابت البلاد العام الماضي، تدخلت قوات سليماني لتوفير الإغاثة. ونظرا إلى وصفه هذه القوة بأنها هيئة وطنية مكلفة بالعديد من المهام العسكرية وغير العسكرية، سيكون من المثير للاهتمام رؤية ما إذا كانت القيادة الجديدة تشعر مضطرة إلى إعادة توضيع التنظيم وكيف.

ويُعتبر محمد حسين ـ زاده حجازي، النائب الجديد لقائد "فيلق القدس"، شخصية تُجسد هذه المعضلة. فقبل انضمامه إلى "فيلق القدس"، كان له دور مهم في تحويل ميليشيا "الباسيج" إلى قوة قمعية أقدمت بوحشية على قمع احتجاجات "الحركة الخضراء" في عام 2009.

ورغم توليه أدوارا خارجية منذ ذلك الحين، إلا أن خلفيته الإجمالية تتركز بشكل كبير على الأمن الداخلي. يُذكر أن "فيلق القدس" بقي عموما خارج مساعي النظام الرامية إلى قمع الاضطرابات التي شهدتها إيران في الآونة الأخيرة، مثل مقتل المئات لاحتجاجهم على رفع أسعار البنزين. ونتيجة لذلك، تلقى "الفيلق" لوما مخففا بسبب هذا القمع، لكن ذلك قد يتغير.

الخلافة تحتاج إلى شخصية تحافظ على الاستقرار
إن آيات الله الثمانية والثمانين الذين يشكلون "مجلس الخبراء" الإيراني مكلفون بموجب الدستور بتعيين خلف للمرشد الأعلى، لكن هذه المؤسسة تُعرف باعتمادها على جهات فاعلة من الخارج، ولا سيما "الحرس الثوري" الإيراني.

فعادة ما يفوز الأعضاء في انتخابات المجلس بدعم مباشر وتمويل من عناصر "الحرس الثوري"، كما أن علاقاتهم بالأجهزة العسكرية ـ الأمنية أقوى بكثير من جذورهم في المؤسسة الدينية. وبالتالي، لا بدّ من اتخاذ القرار الفعلي بشأن خلف خامنئي المحتمل خارج المجلس.

إن موت سليماني يجعل هذا الوضع أكثر تعقيدا إذ لطالما استبدل خامنئي الولاء لأيديولوجيا النظام بعبادة لشخصه على مرّ السنين. وإذا كان سيغادر الساحة السياسية قريبا، فلن يكون للنخبة المقسّمة إلى عدة فصائل ـ بما فيها "الحرس الثوري" الإيراني ـ سلطة محورية ترسي عليها أساسا جديدا للوحدة الداخلية والشرعية المحلية، مما سيطرح خطرا وجوديا على النظام ككل.

والمفارقة أن خامنئي هو "رجل المؤسسات" الذي يؤمن بالبيروقراطية الحديثة غير المحدودة من أجل إضعاف دور الجهات الفاعلة من الأفراد. ومع ذلك، فإن تركيزه على دعم مجموعة من المؤسسات لا يهدف إلى تمكين هيكليات الحكومة الديمقراطية، بل إضعاف إمكانية إقامة تحالفات مستقلة ومؤسسات ديمقراطية قوية.

واليوم، من الشائع أن يتم تكليف مؤسسات إيرانية بمهام متداخلة مع عدم وجود خيارات للتنسيق مع بعضها البعض أو اعتبار نفسها مسؤولة أمام أي سلطة غير المرشد الأعلى. ويساعد هذا التصميم خامنئي على عزل سلطته عن أي تهديدات محلية، سواء من النخبة أو من الشعب، مما يسمح له بالتمتع بصلاحية قصوى ـ ولكن مع الحد الأدنى من المسؤولية عندما تسوء الأمور.

وأخيرا، إن خطر تركيز الكثير من السلطة بيد خامنئي أمر واضح: ما الذي سيحصل عند رحيله؟ لقد كان سليماني يمثّل سلطة بديلة لا تضاهى، كان شخصا قد منح خامنئي على الأرجح راحة البال بأن النظام قد يحافظ على استقراره متى حان موعد المرحلة الانتقالية.

حتى الأنظمة الاستبدادية تستفيد من وجود مثل صمامات الأمان هذه ـ شخصيات يمكنها تقديم التوجيه خلال أوقات الأزمات وتتوقع الالتزام به دون اللجوء إلى التدابير القسرية. والآن يبدو أن آفاق الخلافة مقلقة على نحو أكبر بالنسبة لطهران، كما أن مستقبل النظام أقل تأكدا.

عن "الحرة"

للمشاركة:

هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

2020-01-28

ترجمة: إسماعيل حسن


استفزازات إيران السابقة واليائسة؛ المتمثلة في الهجوم على ناقلات النفط، والمسّ بتصدير النفط السعودي، والهجوم على السفارة الأمريكية، وإسقاط الطائرات المسيرة، كلّها تدلّ على ضائقة عميقة في ضوء نجاح العقوبات، تهدف إلى جرّ ترامب إلى مواجهة في صيغة تخيف ناخبي تشرين الثاني، وتقنعهم بفكر أوباما، وكأنّ البديل هو بين المصالحة والحرب والكثير من القتلى الأمريكيين، وقد فضّلت الولايات المتحدة عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية مبادر إليها، وتشديد الضغوط في المجال الاقتصادي المؤلم، الذي أثبت نجاعته.

اقرأ أيضاً: ما السيناريوهات الإسرائيلية المقلقة في أعقاب اغتيال سليماني؟
بالتوازي؛ بحثت عن خطوة ضارة ومهينة ترمم الردع حيال إيران ومصداقيتها في نظر حلفائها في المنطقة، وقد قدّمت تصفية سليماني خليطاً متكاملاً، لدولة هشّة أكثر من أيّ وقت مضى، ولدى الولايات المتحدة الأدوات لضربها دون الدخول في مواجهة برية مكثفة، هذا النظام جدير باللجم والإضعاف والردع وتقويض أساساته، لقد صالحه أوباما في اتفاق وعد بهدوء مؤقت، بالضبط حين كان الإيرانيون في حاجة إلى مثل هذا الهدوء، كي يطوروا وسائل إطلاق الصواريخ والرؤوس المتفجرة، في المقابل؛ ترامب يضرب هذا النظام في المكان الأكثر هشاشة، وهي مداخيل الدولة، الأمر الذي يفشل محاولة النظام أن يضمن دفعة واحدة من احتياجاته الإستراتيجية الأساسية الثلاثة، وهي: الهدوء في الداخل، والهيمنة الإقليمية، والنووي.

التحذير ليس نظرياً

التحذير ليس نظرياً، إنما الفعل على أرض الواقع هو ما يؤلم ويوثر، إيران سيطرت في العام الماضي على بضع سفن، أبرزها الناقلة البريطانية "ستينا أمبيرو"، كردّ على خطوة مشابهة من بريطانيا ضدّ سفن إيرانية نقلت النفط إلى سوريا، وبحسب الادعاءات في الغرب، فإنّ إيران تقف أيضاً خلف الهجوم على ميناء الفجيرة، أحد أهم موانئ النفط في الإمارات، وضرب ناقلات نفط في قلب البحر، لم تأخذ طهران المسؤولية عن ذلك، لكنّ الولايات المتحدة نشرت أدلة تدين القوة البحرية التابعة للحرس الثوري بالعودة إلى ساحة الحدث، وكانت ذروة النشاط القتالي الإيراني في المجال البحري، في اعتراض مسيرة أمريكية متطورة فوق المياه الدولية، في شهر حزيران (يونيو) الماضي، في ضوء الأسلوب المختلف للهجمات الإيرانية في الساحة البحرية، يبدو تعاظم قوة إيران في المجال مشوشة بالأساس، فإلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة التي يستخدمونها بشكل سرّي. ما هو مهم أن نفهمه حول القوة البحرية الإيرانية؛ أنّها في واقع الأمر تتألف من قوتين منفصلتين تماماً؛ فإلى جانب سلاح البحرية الإيراني الرسمي الذي يحوز كمية كبيرة من السفن، حتى إن كانت قديمة في قسم منها، فثمة قوة بحرية سرّية للحرس الثوري، وفي أساسها تحوز أسطولاً كبيراً ومجهولاً من القوارب الصغيرة والغواصات، وتستهدف تنفيذ أعمال هي على حافة السياسة أو في واقع الأمر إرهابية.

رغم الخطابة الحماسية

الكاتب أبراهام بن تسفي يقول: "رغم الخطابة الحماسية، اختارت الزعامة الإيرانية بعد ضرب قاعدة عين الأسد الأمريكية نقل رسالة تقول إنّ النظام ليس في نيّته أن يقترب حالياً من شفا الهاوية، وبالفعل، إن كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة بين خصمين لدودين، ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة في تصعيد غير منضبط، بالتالي؛ هو يحاول أن يجد التوازن المناسب بين رغبته في أن يبثّ تصميماً والتزاماً بالردّ على التصفية، وبذلك يواصل السير في المسار العنيف الذي شقّه سليماني، وبين تطلعه في الوقت نفسه لمنع ترامب من أن يردّ ردّاً عسكرياً واسعاً وأليماً، من شأنه أن يقوض قدرته على الحكم في عصر من العقوبات المحتدمة وموجات احتجاج من الداخل.

يرى الكاتب عوديد من خلال الرؤية الحالية للأحداث أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني

نقطة التوازن التي اختيرت بعد اغتيال سليماني، أنّ ترامب أراد إمساك العصا من الطرفين؛ فمن جهة أعلن زيادة العقوبات واستمرار سياسة ضغط الحدّ الأقصى على طهران، رغم أنّها حققت، حتى الآن، نتائج معاكسة لما وعد به، وحولت إيران إلى دولة أكثر عدائية ومارقة أكثر من السابق. ومن جهة أخرى؛ طلب ترامب من حكام إيران الجلوس إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى اتفاق نووي جديد، وفي تل أبيب، بلا شك، تمّ تسجيل انتقاد متزايد؛ عندما أمعن ترامب في مدح صفقته، رغم أنّ النار على القوات الأمريكية كانت سابقة وكانت تجاوزاً واضحاً للخط الأحمر؛ ففي الماضي كان من يدورون في فلك إيران هم من يهاجمون أهدافاً أمريكية، إلا أنّهم ركّزوا على جبهة القتال العراقية ولم يتجاوزوها، من هذه الناحية يدور الحديث عن تبادلية معينة بين تصفية سليماني والهجوم الإيراني بالصواريخ، وقد وقعت العمليتان في الساحة ذاتها، وتضمنتا ناراً صاروخية، ولما كان غياب سليماني عن الساحة هو ضربة سياسية عملياتية واعتبارية قاضية بالنسبة إلى الحكم الإيراني، واضح أيضاً الجهد الدعائي للمبالغة في وصف حجم الردّ، وصبّ معانٍ بعيدة الأثر فيه.

هجوم للاستهلاك الإيراني المحلي

مع ذلك، وبالنسبة إلى العديد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، الحاليين والسابقين، لم  يعلقوا كثيراً على الضربات الصاروخية الإيرانية التي أطلقها الحرس الثوري على قاعدة عين الأسد في محافظة الأنبار، غرب العراق، أو قاعدة أربيل العسكرية في كردستان العراق، إذ يقول الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة المركزية الأمريكية السابق لموقع "ديفنس" الدفاعي الأمريكي: إيران كانت لديها خيارات عدة، لكنّ هذا الاختيار الذي نفذته في النهاية يرجع إلى كونه هجوماً مباشراً يصلح للاستهلاك المحلي قبل الدولي، بصرف النظر عن مدى الأضرار التي لم يسببها، يمكن عملياً أن يشير إلى فجوة واضحة بين المستوى اللفظي والبعد السلوكي الذي يشهد على حساسية إيرانية للثمن المتوقع على ردّ مغامر وعديم الثبات من جهته.

إلى جانب بناء أسلحة متطورة، مثل سفن الصواريخ والغواصات، يحوز الإيرانيون أسطولاً هائلاً من القوارب الصغيرة بشكل سري

وبالفعل، في المرحلة الحالية على الأقل، أمامنا استخدام لقوة إيرانية شديدة، بالنسبة إلى إيران على يقين بأنّ ضربات أمريكا موجعة بكل الأحوال، فعندما حاولت إيران أن تنتقم تجنبت الوقوع في حرب شاملة تهدّد وجودها في المنطقة، وفي أغلب الظنّ أثّر تهديد ترامب السابق للردّ الإيراني على تراجع إيران في ضرب أهداف حيوية مأهولة، من شأنها أن توقع خسائر بشرية، وفي هذا السياق؛ استهدفت تصريحات ترامب بعد الردّ الإيراني الفاشل فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية.
وبالتزامن مع ذلك؛ عمّت المظاهرات الشعبية أرجاء المدن الإيرانية، التي طالبت الخميني بالرحيل؛ حيث غرّد الرئيس ترامب في هذا الإطار برسالة عبر تويتر إلى الإيرانيين، داعماً بالوقوف إلى جانبهم في الاحتجاجات المطالبة برحيل النظام الفاسد، وهذا لربما من شأنه أن يؤجج الأوضاع ويجعلها أكثر تدهوراً داخل إيران، وأن يؤثر في طبيعة الدعم للحلفاء في المنطقة، نتيجة تأزم الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ومع ذلك يفهم من تصريح الرئيس أيضاً؛ أنّه فضلاً عن العقوبات الجديدة التي على الطريق، لا توجد نية للولايات المتحدة لرفع المواجهة إلى مستوى عسكري أعلى؛ إذ إنّ تصريحه تضمن أيضاً أقوالاً متصالحة عن استعداده للتعاون مع الشعب الإيراني ومع قيادته إذا ما هجرت هذه مسارها العدواني والعنيف، ولا ينبغي أن نتجاهل الآثار الكفيلة للعملية الإيرانية لأن تكون على مستوى كوريا الشمالية، وقد رجّحت وسائل إعلام أمريكية متخصصة في شؤون الدفاع؛ أن تكون إيران اختارت أن يكون هجومها بالصواريخ الباليستية لأنّها لا تملك سلاحاً جوياً أو بحرياً قوياً، يمكن أن يجابه قوة السلاح البحري والجوي الأمريكي في المنطقة، لكنّ الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز الموجهة هي سلاحها المفضل الذي اختبرته من قبل أكثر من مرة ضدّ داعش والأكراد، وفي اليمن على يد الحوثيين.

موقف روسيا بعد اغتيال سليماني

وفي ظلّ وجود بعض المؤشرات حول إن كانت لدى إيران نوايا في تنفيذ مزيد من الهجمات ضدّ أهداف أمريكية أو إسرائيلية في المنطقة، إلا أنّ دولاً أوروبية أبدت قلقها من نشوب مواجهة عسكرية شاملة؛ إذ كان لدى روسيا قلق كبير من أن تجر عملية اغتيال سليماني المنطقة إلى حرب واسعة؛ حيث حظيت زيارة الرئيس الروسي "بوتين" المفاجئة إلى سوريا، برفقة وزير دفاعه، سيرجيه شويغو، وضباط روس كبار، ولقاؤه بشار الأسد في مقرّ قيادة الجيش الروسي في دمشق، بعناوين عادية في وسائل إعلام الدولتين، فلم تنبئ بالتخوف الحقيقي الذي يسود الكرملين، والشرق الأوسط كله، بعد تصفية سليماني، من أن تشتعل المنطقة في أيّة لحظة، وربما يكون الردّ قد انتهى بالنسبة إلى إيران بضرب قاعدة الأسد في العراق.

اقرأ أيضاً: صحيفة معاريف: من سيضع حداً لعربدة أردوغان؟
وبحسب قول الكاتب والمحلل العسكري، عوديد غرانوت، يمكن لقلق بوتين من وقوع حرب في المنطقة أن يشهد عليه الردّ الروسي المنضبط على التصفية، فإيران وروسيا حليفتان ظاهرياً، ومؤخراً أجرتا مناورات في شمال المحيط الهندي. كان من الممكن أن نتوقع من بوتين توجيه اتهامات شديدة لترامب على الفعلة عديمة المسؤولية التي اتّخذها، وأن يبدي تعاطفاً مع بكاء خامنئي، فيؤيد حقّ إيران في الانتقام، لكنّ كلّ هذا لم يحصل؛ فقد شجب الروس بلهجة هزيلة واكتفوا بمكالمات مواساة للمسؤولين في موسكو مع نظرائهم في طهران.
يجب أن نتذكر أنّ بوتين بطل العالم في العثور على فرص الكسب السياسي، وخبير أيضاً في تشخيص المخاطر، ها هو يشمّ خطراً بعد سليماني، فردّ آخر منفلت العقال من الإيرانيين على اغتيال الجنرال تجاه أمريكيين في الشرق الأوسط، لا بدّ من أنّه سيجرّ ردّ فعل غير متوازن من القوة العظمى الأقوى في العالم، فالمسافة قصيرة إلى الاشتعال الكبير، اشتعال يمسّ بمصالح روسيا أيضاً، في طبيعة الحال يتعلق هذان القلقان لدى بوتين بسوريا التي هي معقله الأساس في المنطقة، القلق الأول في شرق الدولة؛ حيث قوات أمريكية، وإذا ما حاول الإيرانيون المسّ بها فستعمل أمريكا في سوريا، لا في شرق الدولة، بل في كلّ مكان فيه ميليشيات مؤيدة لإيران، وهذا سيحرج القوات الروسية المرابطة في سوريا. القلق الآخر؛ هو من أن تتلقى تلك الميليشيات أمراً من طهران للعمل ضدّ إسرائيل من الأراضي السورية، كجزء من حملة الانتقام على التصفية.

ضرب رموز النظام في دمشق

يفهم بوتين أنّ إسرائيل لن تتجلد على عملية واسعة النطاق ضدّها من خلف الحدود، بل قد تتجاوز خطوطاً حمراء تقررت بين الدولتين؛ كضرب رموز النظام في دمشق، ووفق مصادر روسية أشارت إلى أنّ الزيارة المفاجئة التي قام بها الزعيم الروسي إلى دمشق، كانت محاولة للتأكد من أنّ الأسد يعمل على لجم وتهدئة الميليشيات المؤيدة لإيران في أراضيه؛ فبوتين يريد هدوءاً في سوريا وسيبحث ذلك مع مضيفيه في إسرائيل في الزيارة القريبة التي كانت مخططة مسبقاً، لكنّها أصبحت ذات صلة أكبر من أي وقت مضى بعد تصفية سليماني، كلّ ذلك شريطة ألا يقدم الإيرانيون على أيّ ردّ جديد قبل الزيارة.

إذا كان الحديث يدور عن مواجهة مباشرة ينشأ الانطباع بأنّ نظام الملالي على علم جيد بالمخاطر الكامنة للتصعيد

من دمشق واصل بوتين طريقه إلى أنقرة كي يبرد منطقة أخرى، وفي ليبيا ستبدأ في الأيام المقبلة حرب بين المرتزقة الروس المؤيدين لجيش حفتر، والمرتزقة الذين أرسلتهم تركيا لمساعدة الحكومة، وسيحاول بوتين إقناع أردوغان بأنّ معركته خاسرة؛ لأنّ جيش الجنرال سيطر على معظم أراضي الدولة، ومن الأفضل لموسكو وأنقرة التعاون لمنع اشتعال كبير إذا كان ممكناً في المنطقة الأقرب لحدود تركيا، إذا نجح بوتين في مهمة التهدئة، فإنّ ليبيا ستصبح المعقل البحري الثاني لروسيا في حوض البحر المتوسط بعد سوريا.
ويرى الكاتب عوديد، خلال الرؤية الحالية للأحداث من منظوره الشخصي، أن ميزان الرعب والتهديد الإيراني التقليدي يتقلص مقابل الانتقام لسليماني، ومن حسن الحظّ أنّ إيران لا تمتلك السلاح النووي حتى الآن، وإلا لكانت استخدمته في تفجير العالم من غضبها، في حين أنّ مقتل سليماني نجح في تقليص مخططات التمدّد، فسليماني كانت مهمته توسيع نفوذ إيران ليس على صعيد العراق وسوريا، بل أيضاً في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، ومن هذه الرؤية يجب على العديد من الدول الأوروبية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ألّا تقدم خططاً إستراتيجية تقوم على الدفع نحو إقامة علاقات إيجابية مع إيران، فمثل هذه العلاقات تعطي إيران حرية في التمدّد السرّي، والذي من شأنه في المستقبل أن يشكّل خطراً، وتصعب السيطرة عليه، فإسرائيل تعاملت بمثل هذه الأساليب كثيراً، وهكذا أيضاً تعاملت مع تهديد حماس.
إنّ تعبير سحق رأس الأفعى لم يكن شعاراً شعرياً، بل يمثل إستراتيجية ترتكز على مفهوم مركزي وهو أنّ ما يعدّ تنظيماً أو حتى خلية إرهابية حجمه غير مهم، فقط اقطع رأسه، وبهذا ينتهي التهديد.


مصدر الترجمة عن العبرية: يسرائيل هيوم
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722869
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722485
https://www.israelhayom.co.il/opinion/722163

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية