الاحتباس الحضاري إذ يرفع حرارة الشعبويات في العالم العربي

أعادت حادثة مسجد النور في نيوزيلندا نقاشاً حاداً ومستمراً منذ مطلع القرن العشرين، بين نخب علمانية غربية الثقافة، ترفض كامل الموروث الحضاري العربي الإسلامي، وترى في النموذج الغربي نموذجاً قابلاً للتطبيق في كل زمان ومكان، كما ترى التجربة الغربية لا تشوبها الأخطاء وتبرئها من أي جرم تاريخي، بينما تجرّم نفسَها وموروثها الحضاري كاملاً، وتجلد مجتمعاتها وتنظر نحوها بفوقية، ونخب الإسلام السياسي التي توظف خطاباً دينياً جافاً يرفض الآخر تماماً، ويكفر المجتمعات الغربية والاسلامية على حد سواء، ويسوّق لخطاب مظلومية إسلامي يرافق حقاً إلهياً لا يأتيه الباطل بفرض تصورهم عن العالم بكل الوسائل الممكنة.

اقرأ أيضاً: هكذا يحلل علم النفس شخصيات السياسيين الشعبويين
هذا الصراع السلبي يعدّ أحد أهم أسباب "الاحتباس الحضاري" الذي تعيشه الشعوب العربية  اليوم، والذي يقوم أساساً على خلافات سياسية ونزاع على الشعبوية، في حين تستطيع هذه النخب الاتفاق على ملفات مصيرية أخرى بكل سهولة.

علينا أن نقرأ التاريخ بروح مختلفة أساسها الناقد الذي يرفض الخلاصات الجاهزة، كما يمكننا استلهام تجارب شعوب استطاعت النهضة

لحادثة نيوزيلندا خصوصيتها من حيث أنّ الفاعل كان واضحاً وصريحاً بسَوق دوافعه للقيام بما قام به، حيث أبدى رغبته بالتخلص من المهاجرين، هذه الرغبة التي تمثل تياراً يمينياً يزداد قوة يوماً بعد يوم في الغرب، كما أوضح حقده على المسلمين بشكل خاص بسبب الفتوحات الإسلامية التي يصفها بالهمجية والدموية. ولنكن أكثر تحديداً؛ فهو يعني ما سمي جزافاً بالخلافة العثمانية، التي كانت بالفعل دولة توسعية دموية في خدمة سلاطين وحاشية عاشت حياة مترفة على دماء الشعوب المحتلة، ولم يكن نصيب الشعوب العربية من دمويتها أقل من نصيب دول البلقان ووسط وشرق أوروبا، دون تفريق بين مسلم وغير مسلم في هذا السياق رغم أنها دولة خلافة الله بالأرض، ودولة خلافة المسلمين كما تدعي!

اقرأ أيضاً: لماذا تعد "الشعبوية" كلمة مشينة؟
وليس مستغرباً أنّ المظاهر الاحتفالية لدى نخب الإسلام السياسي في هذه الحادثة، فاقت مشاعر الحزن والتعاطف، حيث أتت هذه الحادثة عقب سنوات طويلة من العمليات الإرهابية التي نفذتها أذرعهم العملياتية المتشددة، من داعش وقاعدة تنظيمات تابعة للإخوان المسلمين في سوريا واليمن والعراق وسيناء وليبيا وفي عدد من الدول الأوروبية. لقد تلقفت هذه النخب الحادثة بلهفة المشتاق لتبدأ جولة إظهار المظلومية، وتبرير الإرهاب، ولكنّ الغريب أنّ منفذ عملية نيوزيلندا كان في زيارة لتركيا قبل تنفيذه العملية بمدة قصيرة، فيما كان أردوغان أول من ندد وهدد وتوعد أوروبا والعالم الغربي.. ولكن هذا موضوع آخر.

اقرأ أيضاً: الشعبوية ويمين الإسلام السياسي
في المقابل خرجت أصوات تجرم كل ما له علاقة بشعوبنا وتاريخها، ودعت إلى قطيعة كاملة مع الموروث الحضاري العربي الإسلامي، وقامت بإدانة الحادثة الإرهابية على استحياء، وساقت لها مبررات تدعي أنّ الشعوب العربية والإسلامية شعوب دموية وتستند إلى موروث عقدي يكرس العنف، في مقابل الغرب الذي يحمل قيم الحضارة والإنسانية والتسامح، دون الأخذ بعين الاعتبار ما للاستعمار الغربي من دور في احتجاز تطور شعوب ما يسمى بالعالم الثالث، وتكريس الصراعات والنزاعات بينهم، ومازال هذا ماثلاً بوضوح في عدة دول أفريقية وآسيوية.

الغريب أنّ منفذ عملية نيوزيلندا زار تركيا، فيما كان أردوغان أول من ندد وهدد وتوعد أوروبا والعالم الغربي

إنّ طرفي هذا الصراع الدائر في مجتمعاتنا بحاجة إليه، حيث إنّ النقيض يحتاج لنقيضه دائماً كي يستمر ويبرر الوسائل الدفاعية التي يستخدمها، ويستطيع بذلك تحشيد أكبر مجاميع ممكنة من الناس حوله، وبين هذين الطرفين تنقسم المجتمعات العربية إلى عدة فئات مختلفة، منها الجمهور الفاعل والمؤازر لقوى الإسلام السياسي، وشرائح واسعة من المتضامنين والمتعاطفين مع هذه القوى، وقلة قليلة - لكنها بازدياد مستمر- كرد فعل على شلالات الدماء التي سالت مع بداية الربيع العربي باسم الإسلام، وعلى حالة التخلف والاحتباس الحضاري وقمع الحريات الفردية والجمعية للشعوب العربية من الشباب العربي الذي استطاع حيازة نسب متفاوتة من الثقافة والاطلاع، عن طريق البحث والقراءة المنهجية أو من الوجبات الجاهزة من المعرفة المعلبة الموجهة المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي ممن يؤيدون النخب العلمانية الغربية.

اقرأ أيضاً: القمة الأوروبية وزحف الشعبوية
لكن بعيداً عن هذا الصراع؛ نستطيع النظر إلى المسألة برمتها من منطلق مختلف تماماً، يخرجنا من حيز الظلم أو المظلومية، إلى رحابة الفعل، ومن عدمية وصف المشاكل إلى تشخيصها ووضع الحلول العملية لها، حيث علينا بدايةً أن نقرأ التاريخ بروح مختلفة، أساسها الناقد الذي يرفض الخلاصات الجاهزة، كما يمكننا استلهام تجارب أقرب لنا، لشعوب استطاعت النهضة في ظروف مشابهة لظروفنا، وهذه معركة واسعة ذات مستويات عدة، ثقافية واقتصادية وعلمية، تبدأ في رياض الأطفال ولا تنتهي بالإنتاج، ولا يمكن بطبيعة الحال لمن يود خوض هذه المعركة، من نخب، أن يكون على الحياد، ولكن لا يمكن له في الوقت ذاته أن يكون جزءاً من الصراع السلبي القائم بين الإسلام السياسي ومثقفي الصالونات ذوي الثقافة الغربية المنقطعين عن واقع شعوبهم، بل عليه أن يكون في مواجهة مع هذا الصراع بطرفيه، ونقطة الأساس في هذه المواجهة، هي التصالح مع الموروث والاعتراف بالسلبي والمظلم منه، والارتكاز إلى الإيجابي، في خطوة أولى لصياغة قالب هوياتي ثابت تستطيع الشعوب عبره معرفة نفسها، وتحديد تطلعاتها واحتياجاتها للمضي قدماً.

الأقسام: