القاهرة الفاطمية.. عبقرية عابرة للأزمان

12126
عدد القراءات

2018-03-25

هنا القاهرة الفاطمية.. وهذا شارع المعز لدين الله، الإمام الرابع للإسماعيلية، وكان أمر قائده العسكري (جوهر الصقلي) ببنائها، على أنقاض الدولة الإخشيدية، ومدينتها الفسطاط نحو العام 970م، وأُطلق عليها اسم (المنصورية)، بداية الأمر، ثم لاحقاً، اكتسبت اسم القاهرة.

لم يكن مؤسّس القاهرة المنسوب إلى جزيرة صقلية، قائداً عسكرياً فذّاً فحسب؛ بل كان سياسياً ضليعاً وماهراً، فحالما وطأت قدماه أرض الفسطاط، شرع في بناء مسجد كبير، ليكون رمزاً لمدينته الجديدة، عاصمة الدولة الفاطمية ومركز الطائفة الإسماعيلية الشيعية، لكنّه أبقى على كلّ المظاهر السنيِّة، لم يمسسها بتغيير جذري، غير إضافته للأذان المعروف والشائع عبارة "حيّ إلى خير العمل"، بحسب بعض المؤرخين.

باكتمال بناء جامعها الكبير ونصب أبوابها الثماني دانت مصر كلّها لسلطة الفاطميين وانتعش فسطاطها ونهضت قاهرتها

باكتمال بناء الجامع الكبير، الموسوم بالجامع (الأزهر)، مُذكّر (الزهراء) فاطمة بنت رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، وبنصب الأبواب الثمانية: "الفتوح، الفرج، زويلة، القنطرة، البرقية، النصر، القراطين، والمحروق"، على سور المدينة الكبير، دانت مصر كلّها لسلطة الفاطميين، وانتعش فسطاطها، ونهضت قاهرتها.

عبق الأزقة وضجيج المكان

الآن وهنا، وبعد مرور أكثر من عشرة قرون من تأسيس القاهرة الفاطمية، يمكن للزائر أن يستشعر روحَي المعز وقائده مؤسس المدينة العريقة وجامعها الأزهر، اليوناني جوهر الصقلي، تترقرقان في شارع المعز، وباحات الأزهر وإيواناته ومآذنه، وفي مسجد الإمام الحسين، والأزقة النحيلة التي تتشابك وتفترق وتلتئم لتنفض، وتضيق لتنفرج مجدداً، وفي المقاهي الشعبية العتيقة، والمحال التجارية العتيدة، وعلى أوشام الحناء في أيدي الصبايا اليانعات، وعلى أجيج النار وزمزمة اللهب في سوق النحاسين، يصيغون من المعدن أباريق وقصعات وصحائف، وبين حواجب عيون السياح الأجانب تنفرج وتضيق دهشة ممّا وقعوا عليه من بانوراما "أم الدنيا" التي لا مثيل لها ولا نظير.

هنا تلتحم الأجساد والأنفاس من ضيق المكان لكنّها تتنفس بهدوء وعمق من سعة روحه العبقة

هنا، في الشارع المكتظ بالبشر من كلّ حدب وصوب، ومن كلّ سحنة ولمحة، والمحتشد بالدكاكين التي تبيع كلّ شيء، من الأنتيكات والتحف والسجاد، إلى الفول السوداني والبوشار، والكشري وفطائر العسل بالزبدة البلدية.. هنا تلتحم الأجساد والأنفاس من ضيق المكان، لكنّها تتنفس بهدوء وعمق من سعة روحه العبقة، وكأنما سحر ما يفضّ كلّ تلك التشابكات فتنداح دائرتها، تماماً كـ"صفحة الماء يُرمى فيه بالحجر" كما قال ابن الرومي في قصيدته الشهيرة.

الجامع الأزهر هو مركز القاهرة الفاطمية وقلبها النابض

في رحاب الأزهر الشريف  

ليس ثمة أثر أبرز  في هذه المدينة الساحرة، أكثر من الجامع الأزهر؛ بل هو مركز القاهرة الفاطمية وقلبها النابض، فمنذ افتتاحه العام 972م، وإلى يومنا هذا، ما يزال يُعدّ  أحد أقدم الجوامع والجامعات في المنطقة العربية والإسلامية، وأكثرها تأثيراً في الحياة الدينية والسياسية، وكأنّه شاهد (ملك) على كلّ الحقب السياسية، الاستعمارية والوطنية، التي تقلبت مصر (المحروسة) بين يديها لحقب ودهور، حيث عاصر  الدولة  الأيوبية، والمملوكية، والعثمانية، والخديوية، ولم يتأثر بالمدّ الثقافي الفرنسي أو الإنجليزي، ومارس وجوده وتأثيره بذكاء وسط كافة التقلبات التي اجتاحت أرض الكنانة إبان حكوماتها الوطنية، فإلى اليوم، ما يزال تلك المؤسسة صاحبة التأثير العميق في المجتمع المصري.

مئذنتان، قبو أسطواني، نقوش مذهلة ورقيقة، كأنّها منمنمات رُسمت على المدخل المُفضي إلى الإيوان المتموضع في الناحية الجنوبية الشرقية، الموسوم بـ"إيوان القبلة"؛ حيث يضمّ 5 أروقة، يقابلها في الاتجاه الآخر رواقان، هذا غير القباب الرائعة، خاصة قبة المحراب، إلى جانب الأبواب التسعة، بما فيها باب الخطيب، والنوافذ ذات الزخارف الهندسية والنباتية المحفورة والمتسلقة على الخشب.  

مدرسة وقبة السلطان الناصر محمد بن قلاوون

مسجد  الحسين وخان الخليلي

يُحكى أنّه، وإبان ما عرف بالحروب الصليبية، خشي الخليفة الفاطمي على مصر حينها، من أن يلحق الغزاة الأذى بمدفن رأس الحسين، رضي الله عنه، الموجود في عسقلان بفلسطين، فطلب حمله إلى مصر، ودفنه في مكان آمن؛ حيث ما يعرف بمسجد سيدنا الحسين، الكائن بالقاهرة الفاطمية الآن، ورغم الاختلاف بشأن هذه الرواية، إلّا أنّ هذا ما أشار إليه المقريزي، وابن خلكان، في روايتيهما الشائعتين.  

على كلٍّ، يقوم مسجد الإمام الحسين بن علي، المبني بالحجر الأحمر على الطراز الغوطي، العام 1154م، وفق مصادر تاريخية متطابقة، في القاهرة الفاطمية بأربعة أبواب تطلّ ثلاثة منها مبنية بالرخام الأبيض على خان الخليلي، فيما يوجد الرابع المعروف بالباب الأخضر جوار قبة المسجد.

على تخوم مسجد الحسين وقبل نحو أكثر من 600 عام أسّس الأمير المملوكي جركس الخليلي الخان الذي حمل اسمه

ما يجعلك تحمل دهشة لا تزول، في أنّ المسجد، رغم مرور قرون طويلة شهدت مصر خلالها، تقلبات سياسية كثيرة، وتحولات اجتماعية عميقة، ما يزال محتفظاً بمكانته في قلوب الناس، يقصدونه للصلاة ونيل البركات والدعاء، وهنا لا أحد يلزم آخر بأسلوب محدد لنيل ما يريد، فحول محيط المسجد يمكنك أن تستمع لمنشدٍ أو مغنٍ، في الوقت ذاته الذي تدقّ أصوات الابتهالات والتضرعات طبلتَي أذنيك.

وهنا أيضاً، وعلى تخوم مسجد الحسين، وقبل نحو أكثر من 600 عام، أسّس الأمير المملوكي (جركس الخليلي) هذا الخان؛ أي الحي، وأطلق عليه اسمه، فصار (خان الخليلي)؛ حيث المطاعم والمقاهي الشعبية، والبازارات وسوق الحليّ، فالحي الذي يُروى أنّه بُني فوق مقابر (الموتى الفاطميين)؛ هو الآن أكثر أحياء مدينة حاكمهم "المعز لدين الله الفاطمي" نبضاً بالحياة.

 جامع الناصر بن قلاوون

قلعة الناصر قلاوون وقصر الأمير بشتاك

وكأنّ أحشاء شارع المعز تستبطن كلّ القاهرة الفاطمية داخلها، فبين تضاعيفه تستلقي قلعة الحاكم المملوكي الناصر بن قلاوون؛ حيث تضمّ مسجداً ومدرسة تعرف بالمدرسة الناصرية، ولعلّ ما يميز جامع الناصر بن قلاوون، أنّه، وعلى عكس بقية مساجد القاهرة القديمة، يبدو شبه خال من الزخارف، ويتخذ في معماريته أنماطاً شتى، ذات طابع فرعوني، وبطلمي، وروماني.  

لكن، يظلّ قصر الأمير سيف الدين بشتاك، أحد أمراء الملك الناصر قلاوون، الذي تم بناؤه 1339م، تحفة معمارية لا مثيل لها في منطقة (النحاسين) بشارع المعز في القاهرة الفاطمية؛ إذ يتكون من ثلاثة جوانب، أبرزها المطل على شارع المعز بثلاث طبقات مطعّمة بالمشربيات المحفورة والبارزة، بجانب إسطبلات الخيول، ومستودعات الغلال، وقاعة الاحتفالات، ونسق الإضاءة الفريد.

لم يزر القاهرة القديمة من لم يقف بخشوع أمام الجامع الأقمر حيث الواجهة البديعة المبنيِّة بحجارة بيضاء كضوء القمر

وقفة خشوع أخيرة

لم يزر القاهرة القديمة، من لم يقف بخشوع أمام الجامع الأقمر؛ حيث الواجهة البديعة المبنيِّة بحجارة بيضاء كضوء القمر، ومن لم يلقِ ببصره، ولو خطفاً، على زخارف واجهته المدهشة، وسقفه المعشق بالأسلوب المملوكي في العمارة.

لم يزر القاهرة الفاطمية من لم يمر بجامع الجيوشي ليجلي ناظريه بتلك الزخارف الإسلامية الموحية والرائعة.

ولكن، من يزور تلك البقعة التي تضجّ بالحياة، عليه أيضاً، أن يخطف اللحظات ويقتنصها، ليتأمّل روعة مدرسة "الصالح نجم الدين أيوب"، ومسجد السلطان "برقوق"، وبيت السحيمي، وأزقة حي الجمالية، وأن يتناول الفطائر البلدية المحلاة بالقشطة والعسل، ويختم جولته بكوب شاي (منعنع) في مقهى شعبي، ويردّد بهمس مع الشاعر السوداني الراحل محجوب شريف: "كم في الذهن عالق ثرثرة الملاعق والشاي اللطيفة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



وداد البرغوثي في قبضة احتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني

2019-09-18

بتهمة التحريض على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، اقتحم العشرات من جنود الاحتلال منزل الأكاديمية الفلسطينية وداد البرغوثي من جميع الجهات، وقاموا باعتقالها، في الأول من الشهر الجاري، دون الاكتراث بمعاناتها مع مرض السكري وضغط الدم، بعد أن جرى اعتقال نجلها كرمل (31 عاماً)، في 31 آب (أغسطس) الماضي، على أحد الحواجز العسكرية في بيت لحم، أثناء عودته وعائلته من حفل زفاف، وكذلك اعتقال نجلها الآخر، قسام، بعد اقتحام الجيش الإسرائيلي للبلدة، والذي يقبع في مركز تحقيق المسكوبية، وقد مدّدت المحكمة العسكرية اعتقاله لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق.

 استنكرت نقابة الصحفيين اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي للبرغوثي
ويرى بعض رواد التواصل الاجتماعي أنّ اعتقال الدكتورة البرغوثي جاء بعد قيامها بنشر أبيات شعرية على صفحتها على فيسبوك، تمدح فيها زعيم حزب الله اللبناني، حسن نصر الله؛ إذ تعدّ من المؤيدين له.

انحازت البرغوثي في رواياتها للحقيقة وتجنّبت الحياد في جميع أنشطتها وذلك للوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء

لم يرق للقوات الإسرائيلية أن يعيش أبناؤها في كنف والدهم، عندما أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على اعتقال زوجها عبد الكريم البرغوثي (66 عاماً)، والذي حكم عليه بالسجن لمدة 7 أعوام، بعد مطاردته من قبل القوات الصهيونية لما يزيد عن 3 أعوام، ومن ثم أعيد اعتقاله لمدة عامين آخرين، ليستمرّ مسلسل الاعتقال لنجلها قسام ثلاث مرات؛ حيث اعتقل في المرة الأولى لشهر ونصف الشهر، وفي المرة الثانية 10 شهور، وتمّ اعتقاله لمدة 7 شهور أخرى، قبل أن يتمّ الإفراج عنه، وكلّ حوادث الاعتقال هذه جعلت قضية الأسرى والمرأة والوطن المسلوب تأخذ جزءاً كبيراً من كتابات وحياة البرغوثي، ودأبت على المشاركة في الاعتصامات الأسبوعية للتضامن مع الأسرى، وتغطية وكتابة وتأليف العديد من الروايات التي تتحدث عن الأسر ومعاناة الأسرى الفلسطينيين بالسجون الإسرائيلية.

اقرأ أيضاً: عملية إعدام ميدانية جديدة لفلسطينية برصاص قوات الاحتلال!! فيديو

البرغوثي كاتبة وروائية وشاعرة فلسطينية، عُرفت بمواقفها الصلبة ضدّ الاحتلال الإسرائيلي، والتي عبّرت عنها بقلمها، عندما بدأت محاولاتها الأدبية والشعرية الأولى، في منتصف سبعينيات القرن الماضي، واستطاعت فضح الممارسات الصهيونية، بعد أن خطّت لها طريقاً نحو الإبداع والتميّز في مجال الفن والأدب والفكر، وأن تضع بصماتها في مجتمعها الفلسطيني، رغم كافة الصعوبات التي واجهتها.

اقرأ أيضاً: دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى لتهجير سكان غزة.. بهذه الطريقة

وداد عادل البرغوثي، من مواليد عام 1958، من قرية كوبر شمال غرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة، حاصلة على شهادة الدكتوراه من جامعة موسكو الحكومية، عام 1984، وهي أستاذة بكلية الإعلام في جامعة بيرزيت، ومن أبرز مؤلفاتها "الوجوه الأخرى"، والتي تبيّن فيها وتعكس التجارب الحياتية لعائلتها في الأسر، ورواية "تلّ الحكايا"، والتي تروي فيها تجربة اعتقال والدها، ورواية "ذاكرة لا تخون"، ورواية "حارة البيادر"، والتي تتحدث بمجملها عن الأسرى الفلسطينيين، ومن دواوينها الشعرية "سقوط الظل العالي"، و"للفقراء فقط" .

اقرأ أيضاً: هكذا ردت دولة الاحتلال على خبر استدعاء الطفل عليان

بدأت البرغوثي دراستها الابتدائية في مدرسة كوبر، في منتصف ستينيات القرن الماضي، بعد أن قضت طفولتها في جوّ عائلي حزين بعد اعتقال والدها، ومن ثم انتقلت إلى مدرسة البيرة الثانوية، عام 1970، وكانت الأنثى الثانية في قريتها، التي تكمل تعليمها، لتذهب لدراسة البكالوريوس في الصحافة والإعلام في روسيا، وبعد عودتها لزيارة عائلتها عام 1980، تمّ منعها من العودة لاستكمال دراستها وتمّ اعتقالها لمدة 5 أيام، قضتها في مركز تحقيق المسكوبية، شهدت خلالها أبشع أنواع التعذيب الذي يمارَس بحقّ الأسرى الفلسطينيين، والذين كانوا مقيدين من أيديهم وأرجلهم وتوضع أكياس في رؤوسهم، وبعد الإفراج عنها عادت البرغوثي للسفر مرة أخرى للاتحاد السوفييتي، بعد منعها لمدة عام، وكانت وقتها في عامها الدراسي الرابع.

الوقوف إلى جانب المظلومين والفقراء

دعم البرغوثي ومساندتها في كتاباتها لفلسطين والتطرق إلى الأسرى ومعاناتهم داخل السجون الإسرائيلية، جعل عمرها الذي يتجاوز 61 عاماً حافلاً بالأسر، فاعتقل والدها لمدة 15 عاماً، بعد أن جرى اتهامه بالشيوعية، وتمّ الإفراج عنه بعد صدور عفو ملكي عن الأسرى السياسيين في السجون الأردنية؛ حيث كانت والدتها حاملاً بها، ولم تستطع رؤية والدها إلا بعد بلوغها 8 أعوام، لتبصر عيناها الحياة، دون أن تنعم بعطف وحنان والدها.

أمين سرّ نقابة العاملين في جامعة بيرزيت: اعتقال البرغوثي تصعيد خطير من قبل الاحتلال واستهداف ممنهج للجامعة

عملت البرغوثي، للمرة الأولى، في جريدة "الميثاق" في القدس المحتلة، والتي أغلقتها قوات الاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يتمّ فصلها من الصحيفة، بعد نشرها تحقيقاً حول النساء في منطقة "الجفتلك"، التي كانت مهدَّدة بطرد ساكنيها، ومن ثمّ انتقلت للعمل في الكلية العصرية، ثمّ عملت في جريدة "النسوية"، التي استقالت منها بعد عدة أعوام لاعتمادها على التمويل الأجنبي، وعام 2000؛ جرى تعيينها في جامعة بيرزيت، أستاذة في كلية الإعلام فيها.

اشتهرت البرغوثي بترديد عبارة "الاحتلال خلق ثأراً شخصياً مع كلّ فرد فلسطيني"، بعد اعتقال زوجها وأبنائها عدة مرات، وتفاعلت مع المجتمع الفلسطيني وقضاياه وأصبح الفقر والمرأة والوطن المسلوب يدخلون في تفاصيل حياتها وكتاباتها، وأثر ذلك في توجّهها نحو الإعلام والأدب.

ورفضت النيابة العسكرية الإسرائيلية قرار محكمة الاحتلال في معسكر عوفر، في 4 أيلول (سبتمبر) الجاري، بالإفراج عن الدكتورة وداد البرغوثي.

كان لاعتقال البرغوثي صداه في الشارع الفلسطيني

استنكار واسع
وكان لاعتقال البرغوثي صداه في الشارع الفلسطيني والمؤسسات التعليمية والنقابات الصحفية؛ حيث نظمت نقابة العاملين في جامعة بيرزيت، في الثاني من الشهر الجاري، وقفة احتجاجية أمام مبنى محمد المسروجي للإعلام، ضدّ اعتقال قوات الاحتلال البرغوثي، ورفع المشاركون في الوقفة لافتات داعمة لزميلتهم، ومنددة بإقدام الاحتلال على اعتقالها واستهدافه المتعمد والممنهج للجامعة وأساتذتها وطلبتها.

وقال أمين سرّ نقابة العاملين في جامعة بيرزيت، د. سامح أبو عواد: إنّ الوقفة نظمت في إطار التضامن والمؤازرة للبرغوثي ولكافة الطلبة والموظفين الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال مؤخراً، مضيفاً: "ننظر بعين الخطورة إلى اعتداءات الاحتلال بحقّ الجامعة، ولا سيما حملة الاعتقالات الأخيرة، هذه رسالة من الاحتلال بأنّه لا توجد لديه خطوط حمراء".

ورأى أبو عواد أنّ اعتقال البرغوثي تصعيد خطير من قبل الاحتلال واستهداف ممنهج لجامعة بيرزيت، داعياً مجتمع الجامعة للاتحاد والوقوف في وجه اعتداءات الاحتلال على الجامعة، إضافة إلى العمل مع المؤسسات الحقوقية لفضح ممارسات الاحتلال، وشدّد على أنّ "جامعة بيرزيت ستبقى منارة للعمل الوطني ولن يرهبها الاحتلال أو يجبرها على التراجع".

اقرأ أيضاً: الأسرى الفلسطينيون.. نضال خلف قضبان الاحتلال

بدورها، استنكرت نقابة الصحفيين اعتقال قوات الاحتلال الإسرائيلي للبرغوثي، من منزلها في قرية كوبر بمدينة رام الله، بعد اقتحامه وتدمير محتوياته، وطالبت النقابة كافة المؤسسات الدولية الحقوقية والإنسانية، وفي مقدمتها الاتحاد الدولي للصحفيين، بالضغط على سلطات الاحتلال للإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين في سجونه بحجج وذرائع واهية.

وعبّرت النقابة عن بالغ قلقها إزاء تصاعد جرائم وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي بأجهزته المختلفة، لحقوق الصحفيين، والتي تتعارض مع أبسط القواعد القانونية الدولية والمواثيق التي تكفل حرية العمل الصحفي، وتجرّم الاعتداء والمساس بها، الأمر الذي يستدعي من سلطات الاحتلال الإفراج الفوري عن كافة الصحفيين المعتقلين ووقف الانتهاكات الصارخة بحرية الصحفيين.
انحازت البرغوثي في رواياتها للحقيقة، وتجنّبت الحياد في جميع أنشطتها، وذلك للوقوف إلى جانب المظلومين، ورأت أنّ الحياد أكذوبة وانحراف يروّج به بعض الأشخاص لمواقفهم، مما جعلها بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل في المجال الصحفي والثقافي والأدبي أنموذجاً للسيدة الفلسطينية التي يُفتخر بها، كما أطلق عليها لقب شاعرة الفقراء، بعد أن عاشت طفولتها في كنف أسرة فقيرة، ما انعكس على أعمالها الفنية والأدبية وقناعاتها الشخصية، وكان من بين هذه الأعمال روايتها "للفقراء فقط".

للمشاركة:

أكاديمي فلسطيني متخصص في حل النزاعات من دون إحراق المراكب

2019-09-09

لم يجُل في خلد اليافع، ذي الستة عشر ربيعاً، أنّ تجربة اعتقاله، للمرة الأولى، وهو الابن الأصغر لعائلة تتحدّر أصولها من بلدة اليامون في فلسطين المحتلة، ستلقي بظلالها على ما سيتأتّى لاحقاً من خيارات ومسارات حياتية.

إبراهيم فريحات شخصية فلسطينية تجمع السياسة والثقافة ويعكف على مشروعه الأكاديمي والبحثي وظهوره الإعلامي بمثابرة تدعو للدهشة

حين يستذكر أستاذ النزاعات الدولية، إبراهيم فريحات، تلك التجربة، وما تلاها من اعتقال إبّان الانتفاضة الفلسطينية الأولى، يملك الجزم بالتوقيت الذي خرج فيه من عباءة دلال الوالدين والأشقاء والبلدة الوادعة، نحو ميادين الحياة الأوسع والأقسى؛ إذ أفضت تلك التجربة إلى توق لم يفارقه حتى اللحظة؛ لسبر غور الدراسات السياسية وتحديداً ما يتعلق منها بنقاط التأزّم والنزاعات؛ بل حتى هواياته وُسِمَت لاحقاً بهذه الصبغة؛ إذ قلّما يرتحل لمكان لا يكون فيه حلّ النزاعات والتأمل في أسبابها نصب عينيه؛ بل هو طوال حديثه، الرسمي أو العادي، يهجس بألا يصل لنقاط الصِدام؛ لإيمانه بأنّ العرب لطالما احترفوا إحراق المراكب، عوضاً عن صبّ الجهد على تسييرها في قنواتها الطبيعية بهدوء ودِعة.
لفريحات، الذي يترأس حالياً برنامج النزاعات الدولية في معهد الدوحة للدراسات العليا، والذي عَمِلَ كزميل أول في السياسات الخارجية في معهد بروكنجز، باع طويل في حقل فضّ النزاعات الذي يعدّ مستجداً عربياً، رغم إرث المنطقة المثقل بالنزاعات؛ فهو إلى جانب امتهانه التدريس الأكاديمي في هذا الحقل، فإنّه قدّم خلاصة تأملاته في مطبوعات عدة، آخرها ما تبنّته جامعة إدنبرة البريطانية، والذي حَمَلَ عنواناً مبدئياً؛ هو "تسوية الصراع الإيراني – السعودي"، مجتازاً التحكيمات العلمية الرفيعة، بعد أن استغرقت كتابته ما يزيد على ثلاثة أعوام بواقع ستين مقابلة وأكثر من خمس عشرة ورشة عمل لخبراء دوليين وساسة سابقين.

كتاب "ثورات غير مكتملة"

الكتاب، الذي يصدر مطلع عام 2020، ليس الأول على هذه السويّة العالمية؛ بل كان هناك كتاب تبنّته جامعة "ييل" الأمريكية، والذي حَمَلَ عنوان "ثورات غير مكتملة".
الكتاب، الصادر عام 2016، مجتازاً تحكيمات علمية رفيعة هو الآخر، ناقَشَ الثورات العربية في كلّ من تونس واليمن وليبيا، مُذكياً نقاشاً علمياً غير ذات مرة في أكثر من محفل عربي معنيّ بتدارس الربيع العربي وارتداداته.
الكتاب، استندَ، آنذاك، لما يزيد عن مئتي مقابلة مع مسؤولين وضالعين في الثورات، في مدة زمنية تربو على ثلاثة أعوام.

اقرأ أيضاً: أكله الذئب: ناجي العلي وحنظلة الذي لم نره

إلى جانب ما سبق؛ فإنّ لفريحات مؤلفات أخرى تحت مظلات جامعية رائدة، من قبيل: "أزمة اللجوء الليبي"، والذي جاء برعاية من جامعة "جورج تاون" بمشاركة مؤلفين آخرين، عدا عن مقالاته وبحوثه المنتشرة في مطبوعات عالمية على سويّة موثوقية عالية مثل "اللاجئون الفلسطينيون المزدوجون"، المنشور في مطبوعة "هارفارد" لسياسات الشرق الأوسط، وكذلك "مساحة للاحتواء: الاتفاق النووي الإيراني والدول العربية المجاورة" عن الجامعة ذاتها، و"إدارة الانتقال في تونس" من جامعة "جورج تاون" أيضاً، و"التدخل الدولي وأزمة العدل والمساءلة في اليمن" من إصدار مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي، وغيرها من كتابات أوغلت في تفصيل صراعات عدة ومحاولة تفكيك مسبّباتها وتبعاتها.

يتناول فريحات القضايا بمبضع جرّاح وبترتيب أكاديمي يولي النقاط أهمية كبرى بلغة باحث لا يجنح نحو التعقيد والفذلكة اللغوية

نقاط الفرادة الآنفة لدى فريحات، ليست الوحيدة؛ إذ إنّه إلى جانب نيله درجة الدكتوراه من جامعة "جورج ميسن" الأمريكية، عام 2006، وتكريمها إياه في حقل النزاعات الدولية، عام 2014، وفوزه بجائزة "كوندراتييف الدولية" عام 2017، كأوّل عربي يتلقّاها من أكاديمية العلوم الروسية ومؤسسة "كوندراتييف" الدولية للعلماء الروس والأجانب، فإنّ منهجية التفكير والتناوُل لدى فريحات هي مكمن الموثوقية الأكاديمية التي يتمتع بها، والتي تنعكس على لغته المستخدمة، سواء كان هذا في الحديث التلفزيوني والتعاطي اللغوي، الإعلامي أو العادي، أو في الكتابات التي كان للمنصات العالمية نصيب وافر منها، مثل: "فايننشال تايمز"، و"نيويورك تايمز"، و"فورين بوليسي"، و"فورين أفيرز"، و"كريستيان ساينس مونيتور"، وغيرها.

لا ينساق فريحات وراء الشعبوية في كتاباته

لا يذهب فريحات، الذي درّس مساقات في النزاعات الدولية في كلّ من جامعتيّ "جورج تاون" و"جورج واشنطن" في أمريكا، شأواً بعيداً حاداً في تبنّي وجهة نظر بعينها؛ بل يتمتع إلى حدٍّ كبير بالمرونة وقابلية تطويع وجهة نظره، لكلّ ما يستجدّ من معارف متتالية. ومن الصعب بمكان أن تستشفّ وقوف فريحات مع طرف دون آخر، بل يفعل ما تقتضيه موضوعية الباحث: أن يقف بالمسافة ذاتها من كلّ الأطراف.

اقرأ أيضاً: ابن سينا.. ظاهرة فكرية في رجل
ما سبق يمنح المتلقي كثيراً من الارتياح عند قراءة وجهات نظر فريحات وسماعها؛ هو ينتقد بموضوعية كلّ الأطراف، النقد الذي يسلّط الضوء على الإيجابيات والسلبيات معاً، ويتناولها بمبضع جرّاح، وبترتيب أكاديمي يولي النقاط والتعداد أهمية كبرى، بلغة باحث لا يجنح نحو التعقيد والفذلكة اللغوية، وفي الوقت ذاته يمسك بتلابيب الإنجليزية والعربية باقتدار وتمكّن لافتَيْن، ما يجعله ضيفاً شبه دائم على القنوات التلفزيونية؛ ذلك أنّه يبدو للمتلقي كما لو كان يدير الجلسة بعصا مايسترو، وهذه الثقة ذاتها، التي يبدو عليها في أحاديثه العادية، بلهجته الفلسطينية الأصيلة ونبرة صوته المعتدلة ومخارج حروفه الواضحة، وأحاديثه التلفزيونية، تبدو تماماً في كتاباته، التي يقدّمها مرتاحاً من دون تكلّف فكري أو لغوي، بل بزخم الباحث والمحلّل السياسي الواثق والمطمئن لسويّة ما يقدّمه.

اقرأ أيضاً: حبيب الصايغ.. شراع لم يتعب في رحلة بين ضفتي التسامح والحلم الإنساني

لا ينساق فريحات وراء الشعبوية في كتاباته، ولا يمسك بمكبّرات صوت الواعظ سياسياً وفكرياً، ولا هو في الوقت ذاته يهادن أيّ طرف سياسي، أو يسعى لخطب ودّه.
مقالات فريحات تتناول صراعات شتى دائرة على وجه البسيطة (وهذا بحدّ ذاته محسوب له؛ إذ لم يتمترس خلف القضية الفلسطينية ويركن للراحة، بل راح يبحث ويوغل في مكامن الصراع، القديمة منها والجديدة، في شتى أنحاء المعمورة)، ومن يقرأ تلك المقالات يلحظ تماماً الانسيابية التي تتحلّى بها، وفي الوقت ذاته الأفكار التي يرتبها الأكاديمي، ولا ينثرها كيفما اتفق، ولعلّ تناوله القيادة الفلسطينية، أو السياسة الأمريكية، أو الربيع العربي، على سبيل المثال لا الحصر، لهوَ البرهان الأبرز على ما سبق؛ إذ يتجرّد فريحات من الميول الذاتية وينحاز للأكاديمي والباحث فحسب، وهو يقدّم في المرات كلّها وجبة دسمة للمتلقي، الذي يريد معرفة المزيد عن أبجديات، ومن ثم تفاصيل، إدارة النزاعات.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني

ومن يقرأ مقالات فريحات يلحظ سريعاً النزعة الأكاديمية التي تقف وراء النصّ، ليس هذا في كثافة المعلومات الواردة فحسب؛ بل ما يتعلّق بالحرص على شرح القضية التي يتحدّث عنها بشكل وافٍ، ومنذ المقدمة، كأنما هو يقف أمام طلبته، حريصاً على تقديم ما هو وافٍ، وهذا يبدو لافتاً كذلك في مقابلاته التلفزيونية التي يمنحها درجة عالية من التركيز، إلى حدّ تكون فيه لغة الجسد برهاناً آخر على درجة اندماجه في الحديث، وحرصه على شرح كلّ نقطة للمتلقي، ومن هنا تبرز الفرادة التي يُحدثها فريحات في دمجه بين الحضور الأكاديمي والبحثي الزخم، من جهة، وبين مهارات الظهور الإعلامي، من جهة أخرى، وهو الأنموذج الذي كثيراً ما يتطلّع إليه المتلقي العربي؛ ذلك أنّه في الغالب ثمّة تغوّل لأحد هذين الأمرين لدى من يظهرون للتحليل، تحديداً على شاشات التلفزة، لكن فريحات يجمع باقتدار بين الشقّين ويُحسب له هذا دوماً.

نال العديد من التكريمات

منذ أمد، خفت بريق الاحتفاء الشعبي الفلسطيني بالمثقفين والأكاديميين؛ ذلك أنّ فئة التكنوقراط تحديداً لم تملأ الفراغ وتسدّ الفجوات التي كان مُنتظَراً منها أن تملأها، ولعلّ الحكومة السابقة التي قادها الدكتور رامي الحمد الله، ومن قبله إمساك تكنوقراط بملفات المفاوضات والحوارات، وعدم الوصول في الحالات كلّها لنتائج ملموسة على مستوى التوقعات الشعبية، إلى جانب حديث هذه الفئة من النسيج الفلسطيني، في الداخل والمنفى، في أغلب الأوقات، بنبرة استعلائية أو بطابع إطلالة من برج عاجي، كلّ هذا أدّى لخفوت البريق، غير أنّ شخصيات فلسطينية باتت تحضر بقوة مؤخراً، من خلال تجنّب الثغرات الآنفة، وباستحضار جليّ لإرث الشخصيات الفلسطينية الأولى التي جمعت بين السياسة والإعلام والثقافة في عواصم عالمية شتى، ولعلّ البروفيسور إبراهيم فريحات واحد من بين أولئك، وهو إذ يعكف على مشروعه الأكاديمي والبحثي وظهوره الإعلامي، بمثابرة تدعو للدهشة، فإنّ الرهان الأكبر ينصبّ على مدى ذكاء القيادة الفلسطينية في استقطاب هذه الكفاءات ومنحها الفرصة للإمساك بكثير من مفاصل القرار الفلسطيني، عوضاً عن إعادة تدوير وجوه قديمة وسّعت الفجوة الحاصلة بين الشعب وقيادته.

للمشاركة:

عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-09-02

في مستهلّ سبعينيات القرن الماضي، بينما تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بترسيخ عقيدة الصدمة فوق عجلات الدبابات التي اجتاحت دول أمريكا اللاتينية، تفرّغت المملكة المتحدة لمستعمراتها الإفريقية القديمة، فنصّبت "عيدي أمين"، ديكتاتوراً على أوغندا، بعد انقلابه على الرئيس ميلتون أوبوتي، وعلى غرار القذافي، الذي نصّب نفسه إماماً للمسلمين، وملك ملوك إفريقيا، نصّب أمين نفسّه قاهراً للإمبراطورية البريطانية، التي جلبته للحكم، معلناً أنّه "آخر ملوك إسكتلندا".

كتالوج الديكتاتورية
يبدو أنّ للديكتاتورية خطاباً يبدو موحداً، يتّسم بالنرجسية والتمحور حول الذات، درجات تصل إلى جنون العظمة، بداية من نيرون، وليس انتهاءً بأحد؛ فعقب انتهاء موجة "الربيع العربي"، وخلال انعقاد منتدى أوسلو للحريات، قدّم عالم النفس الأمريكي والمتخصص في علم وراثة الأمراض النفسية والصحة العقلية للسيكوباث، جيمس فالون، ورقته التي أخذت 18 عاماً من البحث والتنقيب في عقول الديكتاتوريين، والقتلة المتسللين، تصدّر دراسته؛ الليبي معمّر القذافي، والأوغندي عيدي أمين، والبيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، وكثيرون، تتبع فيها السمات المشتركة لكلّ ديكتاتور، والطبيعة الجينية التي تنشّط مناطق بعينها في الدماغ، فكانت مقاربته الأكثر اتساقاً، والتي عرضت، في أيار (مايو) 2011، أنّ الديكتاتوريين على الأغلب هم أشخاص أذكياء ومرحون، يتمتعون بقدر كبير من الاستقلالية والثقة بالنفس، تكسبهم روح المحارب لديهم إدماناً على الملذات الجسدية؛ من شرب الكحول، وممارسات الرياضات العنيفة، والجنس والشره للطعام، لكن مع حدوث تشوّه في الفصّ الجبهي للدماغ، المسؤول عن التفكير العقلاني، تنشط اللوزة الدماغية، المسؤولة عن تنظيم مشاعر الغضب والحزن.

اقرأ أيضاً: ديكتاتورية شبكات التواصل

أمين كان طفلاً عنيفاً يجيد ملاكمة أقرانه بعنف
ترتبط اللوزة الدماغية بمنطقة تحت المهاد، المسؤولة عن مراكز الشهية الغريزية، وجذع الدماغ الذي يتضرّر عند الأشخاص الذين عانوا من أزمات عاطفية، أو الذين يعانون من إجهاد أو طفولة صعبة؛ إذ تنشأ سلوكيات متضاربة من العنف والرغبة في القتل والتدمير،  والغريب أنّ ما قدّمه فالون ينطبق على ما حدث مع أمين، المولود في أوغندا، عام 1925، وبلاده تحت قبضة الاحتلال الإنجليزي، ومن نشأته في كوبوكو، شمال غرب البلاد، لأبٍ من قبيلة كاكوا، وأمٍّ من قبيلة لوغبارا، سرعان ما هجر الأب الأسرة، ولم يتعرَّف إليه أمين بعد، فربّته أمّه التي عملت كمعالجة شعبية، وتلقى تعليماً بدائياً في قريته ذات الأقلية المسلمة في أوغندا، تطورّت مهاراته في الملاكمة، منذ الصبا، وبحسب المؤرّخة الأمريكية من جامعة بنسلفانيا، في لقاءٍ لها على قناة "ناشونال جيوغرافيك أبوظبي"؛ فإنّ أمين كان طفلاً عنيفاً يجيد ملاكمة أقرانه بعنف، حتى يحكى أنّه لولا تدخّل الناس في ملاكمة بينه وبين صبيّ، وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة، لأردي الطفل الآخر قتيلاً على يد الديكتاتور الصغير.

سحر الانقلاب العسكري
للتطور إلى ديكتاتور؛ يتمّ تفعيل جينات العنف لدى شخص ما، يستلزم الأمر طفولة قاسية، ومعاملة سيئة، وإحساساً بالدونية، لتكتمل عوامل التدمير لدى هذا الشخص؛ فبحسب بحث "جيمس فالون"، فإنّ الطفرات الجينية التي تُنشئ شخصاً ما بميول عدوانية، لا تتعدى 2% في مواليد البشر، وهم، بحسب رأيه، مَن يشكّلون الديكتاتوريين وأصحاب السلطة، المصابين بجنون العظمة، الذي شكّله شعورهم بالدونية، كلّ هذه الصفات، أهّلت أمين، الذي كان مساعد طبّاخ لجيش الاحتلال البريطاني، لأن يترقّى لرتبة عريف، وبمزيد من العنف تمّ تتويجه بطلاً لملاكمة الوزن الثقيل، واحتفظ بهذا اللقب تسعة أعوام، بين عامَي 1951 و1960، وبعد أن حصلت أوغندا على استقلالها، عام 1964، تمّ تنصيب الرئيس الأول للبلاد، ميلتون أوبوتي، الذي تقرَّب إليه أمين عن طريق جيش الاحتلال، وتحالفا معاً لتوسيع الجيش الأوغندي، وذلك قبل أن يعلن أمين انقلابه على الرئيس، في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1971، وبتأييد جماهيري، وخطابات شعبوية حملت طابعاً قومياً، منح الديكتاتور الشعب الأوغندي وعوداً برّاقة بالتنمية، وتجهيز البنية التحتية، وخطابات تعادي الأجانب، اتّخذها ذريعة لتصفية المعارضة، وقتل الحياة السياسية اليافعة في بلاده.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

غلاف كتاب"هتلر في إفريقيا"

في كتابه "هتلر في إفريقيا"، يحكي السفير الأمريكي السابق في أوغندا، توماس ميلادي، كيف نشر أمين الرعب في قلوب الأوغنديين، فأصبحت طلقات الرصاص تسمع طوال الوقت في الشوارع والأسواق، ومشاهد الجثث والدماء اعتاد الناس عليها، فأصبحت طقساً شبه يومي في حياتهم، وبينما يتوسع أمين في إقامة بنية تحتية للبلاد، كان عليه ألّا ينسى إقامة معتقلات ومعسكرات تعذيب، كان يشارك فيها أحياناً بنفسه؛ كطقس احتفالي، بينما يتناول الخمر وينتشي من تعذيب الآخرين، الذي يفضي في غالب الأحيان إلى موتهم، بينما خصّص سرداباً تحت الأرض في قصره الرئاسي للتعذيب، والذي كشف عنه فيما بعد، إضافة لمقابر جماعية تحوي رفات عشرات الآلاف من الضحايا، كما بدأ في أول أعوام حكمه بالقضاء على قبيلتي لانغو وأخولي، المواليتين لحكم ميلتون، فأباد قراهم عن بكرة أبيها، وعلى نهج الجيستابو في ألمانيا؛ بدأ أمين في نشر كلٍّ من مكتب أبحاث الدولة "SRB"، ووحدة السلامة العامة "Psu"، وأوكل إليهما أعمال القضاء على المعارضة ومراقبة النشطاء، وتنفيذ عمليات اغتيال سرية، في بعض الأحيان تكون علنية، للقضاء على أيّة نزعة تمرّد قد تنشأ من قبل المناهضين لسياساته.
آخر ملوك إسكتلندا
عام 2007؛ قدّم المخرج الإسكتلندي، كيفين ماكدونالد، فيلمه "آخر ملوك إسكتلندا"، المقتبس من رواية تحمل العنوان نفسه، للكاتبة الصحفية البريطانية، جيليس فودين، التي نشرتها عام 1998، فيما حاز الممثل الأمريكي من أصول إفريقية، فورست وايتاكر، جائزتَي "الأوسكار" و"البافتا"، كأفضل ممثل عن دور أمين دادا، كلاهما (الفيلم والرواية) يقدمان قصة لطبيب إسكتلندي حديث التخرّج، قرّر أن يبدأ حياته المهنية في أوغندا، كمتطوع إغاثة في بلاد تعاني من فقر الأطباء، يتوافق موعد وصوله مع قيام الانقلاب العسكري، يتحمّس الطبيب، الذي قام بدوره، جيمس ماكفوي، لخطابات أمين، ويرى التفاف الناس حوله، وفيما بعد تحوّله الصدفة إلى الطبيب الخاص لأمين، هنا تتداخل الأحداث الحقيقية مع أحداث من خيال الكاتبة؛ فطبيب أمين الخاص كان مسنّاً إسكتلندياً بالفعل؛ وذلك بسبب ولع أمين بنضال الإسكتلنديين، وروحهم القتالية العالية ضدّ الإنجليز، ومنح نفسه لقب آخر ملوك إسكتلندا، وكان يصرّح به في لقاءاته الصحفية، على غرار القذافي، الذي أعلن نفسه ملك ملوك إفريقيا.

اقرأ أيضاً: انتقد ديكتاتورية أردوغان .. نعوم تشومسكي يتضامن مع "أكاديميّي السلام"

بوستر فيلم "آخر ملوك إسكتلندا"

يروي الفيلم قصة مختلقة لعلاقة غرامية بين الطبيب الإسكتلندي وزوجة أمين الثالثة، كاي، التي نُبذت من زوجها؛ بسبب إنجابها طفلاً مصاباً بالصرع، لتحمل المرأة من الرجل الأبيض، فيكتشف أمرها أمين، ويقتلها، ويقطّع أوصالها، بينما الحقيقة؛ أنّ الزوجة قد أقامت علاقة مع أحد رجال أمين، وماتت إثر عملية إجهاض قامت بها في قرية نائية، ولم يعرف أمين بالقصة إلّا بعد وفاتها، فالديكتاتور المزواج، المحبّ للنساء، كانت له أربع زوجات، ويطلّق ويتزوج أخريات، له من الأبناء 60 ولداً وبنتاً، ينكر معظمهم اليوم نسبهم إليه، باستثناء ابنه جعفر، الذي يعيش في أوغندا، وأنشأ مؤسسة "أمين" الخيرية، بهدف التصالح مع ماضي والده الدموي، والذي ينكره، ويرى أنّ والده كان شوكة في حلق الإمبريالية البريطانية، وذلك بحسب وثائقي أعدته قناة "فرانس 24"، باسم "تذكرة عودة إلى كامبالا"، والذي يستطلع رأي الشباب الأوغندي اليوم، الذي يمثل 80% من السكان، كثيرون من شباب اليوم يرون في أمين إصلاحياً بارزاً يترحمون على أيامه، التي يرون أنّها حملت إصلاحات اقتصادية، وقدّمت بنية تحتية يستفيدون منها حتى اليوم.

ضربات قاضية
أوغندا، المستفيقة لتوّها من احتلال طال أمده، كانت تعتمد على الجالية الهندية، التي شكّلت اقتصادياتها في البلاد، قرابة 60%، والمقدَّر تعدادهم من 50 ألف إلى 70 ألفاً، قام أمين بطردهم ومصادرة ممتلكاتهم، وتوزيعها على رجاله المخلصين، وذلك بعد تصريحه بأنّ الله أخبره في منامه، أن يقوم بطرد الآسيويين من بلاده، كان لمثل هذا التصرّف أثره في الاقتصاد القومي، لتأتيه الضربة الثانية من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، واختطافها لطائرة فرنسية تقلّ إسرائيلين في طريقها إلى باريس، لكنّها هبطت في أوغندا، ما جعلها محطّ أنظار العالم آنذاك، ليقرر أمين الإفراج عن غير الإسرائيليين، وتخصيص طائرة تقلهم إلى باريس، أمّا الإسرائيليون فاحتجزهم حتى باغتته قوات الاحتلال الصهيوني، بغارة مفاجئة من مطار عنتيبي الدولي، أفرجت فيها عن مواطنيها، ما تسبّب في إعدام غالبية موظفي المطار، الذين شكّ أمين بمساهمتهم في فكّ أسر المحتجزين، كان أمين من أنصار القضية الفلسطينية، معادياً لأمريكا وبريطانيا وإسرائيل، ما يدفع بعض الكتّاب للقول إنّ هذا العداء دفع الغرب إلى تشويه صورته، والإسراع في إطاحته، بدعم حلفائهم في تنزانيا وإثيوبيا.

للمشاركة:



تقرير حقوقي يكشف أبشع انتهاكات الحوثيين الحقوقية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعتقلت ميليشيا الحوثي حوالي 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي، أثناء تنقلهم بين المحافظات، وأخفتهم في سجون بمدينتي ذمار والحوبان بتعز.

وكشف المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان؛ أنّ معظم عمليات الاعتقال كانت خلال مرور المدنيين العائدين من عدن إلى صنعاء، على نقاط أمنية يسيطر عليها مسلحون من جماعة الحوثي.

وأعرب المرصد الحقوقي الدولي، ومقره جنيف، في بيان نشره على موقعه الرسمي، عن بالغ قلقه إزاء توقيف المدنيين اليمنيين بشكل غير قانوني، أو إخفائهم قسراً، على يد جماعة الحوثي، واصفاً هذه الانتهاكات بأنّها "الأبشع في سلسلة طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن".

ميليشيا الحوثي الإرهابية تعتقل 300 مواطن يمني خلال الشهر الحالي بشكل غير قانوني

وبحسب البيان؛ فإنّ عمليات التوقيف والاختطاف في الطريق بين صنعاء وعدن تجري على الهوية، ما يزيد من معاناة المدنيين وأسرهم، مع تزايد الأنباء حول طلب القوات المحتجزة فدية مالية من أجل إطلاق سراحهم.

ووفق معلومات وثّقها المرصد الأورومتوسطي؛ فقد نزح نحو 3163 شخصاً من عدن، إضافة إلى 1034 أسرة من المحافظات الشمالية المختلفة، بعد أن فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، موضحاً أنّ الأطراف الدولية والأمم المتحدة لم توفّر مراكز إيواء للفارين أو أيّة مستلزمات تمكّنهم من بدء حياة جديدة.

وطالب المرصد الأورومتوسطي جماعة الحوثي بكشف مصير 455 مدنياً اعتُقلوا خلال الفترة الواقعة بين أيلول (سبتمبر) 2014 وكانون الأول (ديسمبر) 2018.

كما طالب بالتوقف فوراً عن توقيف واحتجاز المدنيين الفارين من جنوبي البلاد، والتصريح بأسماء المحتجزين وأماكن احتجازهم، والسماح لذويهم بزيارتهم والاطمئنان عليهم، داعياً في الوقت ذاته المجتمع الدولي للعمل الجاد من أجل إنهاء عمليات الاحتجاز التي تنتهك المعايير الأساسية لحقوق الإنسان.

وأفاد بأنّ ذوي المعتقلين يخشون على مصير أبنائهم مع انتشار أنباء عن تعرضهم لعمليات تعذيب، إضافة إلى استمرار منع الزيارات الدورية التي كفلها القانون الدولي للشهر الثالث على التوالي.

وكانت مؤسسات حقوقية محلية قد أفادت، خلال ندوة نظمت على هامش الدورة الـ 42 لمجلس حقوق الإنسان، المنعقدة بمدينة جنيف السويسرية، بأنّ "170 مدنياً يمنياً قضوا تحت التعذيب في سجون تابعة لجماعة الحوثي، بينهم 9 أطفال وامرأتان و6 مسنين، خلال الأعوام الخمسة الماضية".

بدورهم، كشف ناشطون يمنيون في صنعاء، في وقت سابق، اشتراط مسؤولين من جماعة الحوثي دفع 700 ألف ريال يمني (1300 دولار أمريكي) كفدية للإفراج عنهم.

وفرّ آلاف اليمنيّين من مدينة عدن مع احتدام المعارك بين قوات الحكومة الشرعية وأخرى تابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي، للسيطرة على العاصمة المؤقتة عدن، في نهاية آب (أغسطس) الماضي.

 

 

 

للمشاركة:

شاهد.. "الجزيرة" تعترف بفبركة فيديوهات عن مصر

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

اعترفت قناة "الجزيرة" القطرية ببثّ فيديوهات مفبركة وإذاعة مقاطع مصوَّرة قديمة على أنّها مظاهرات من مصر قبل أيام.

واعترفت مذيعة "الجزيرة" بفبركة مقاطع الفيديو والصور، التي نقلتها القناة القطرية عن رواد مواقع التواصل الاجتماعي على أنّها مظاهرات من مصر، وفق ما أوردت قناة "إيكسترا نيوز".

وقالت المذيعة: إنّ الفيديوهات التي تمّ تناول بعضها في نشرات الأخبار والتغطيات والتي نشرها نشطاء هي تجمّعات لمشجعي المنتخب المصري في بعض الفعاليات الكروية، وبعضها فيديوهات مفبركة، تمّ دمج صوت متظاهرين فيها مع صور مظاهرات سابقة.

بدوره، عرض الإعلامي المصري، عمرو أديب، في برنامجه "الحكاية"، المذاع عبر فضائية "MBC مصر" فيديو يظهر زيف ادّعاءات قناة "الجزيرة" القطرية.

وعرض أديب فيديو عرضته القناة وادّعت أنّه من مظاهرات بمدينة المنصورة، ثم عرضته مرة أخرى مدّعية أنّه من ميدان التحرير في القاهرة.

ووصف أديب ما حدث بأنّه "تأليف"، مشدداً على أن ّتلك المظاهرات التي بثّتها الجزيرة ليست إلّا تجمعات لمشجعي النادي الأهلي.

وفي دليل آخر؛ نشر الفنان المصري محمد رمضان عبر "فيسبوك"  فيديو يظهر كيف استغلت "الجزيرة" فيديو لمحبيه، وأخذت مقاطع منه، وفبركتها على أساس أنّها مظاهرة في مصر ضدّ النظام المصري.

وتجمّع في وسط القاهرة وعدة مدن أخرى في ساعة متأخرة من مساء الجمعة الماضي مئات المحتجين مرددين شعارات مناهضة للحكومة في استجابة لدعوة على الإنترنت للتظاهر ضد فساد بالحكومة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز" عن شهود وسكان، لكن سرعان ما عادت الأجواء هادئة وإلى حركتها المعتادة وفق ما أوردت شبكة "بي بي سي".

 

 

للمشاركة:

قمة أردنية مصرية عراقية في نيويورك.. ماذا بحثت؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

بحثت قمة عربية، ضمّت كلاً من العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره العراقي، برهم صالح، ضرورة ترسيخ السلام في منطقة الشرق الأوسط، وإبعاد شبح الحرب عنها.

القمة تؤكّد ضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية ومواجهة كلّ من يدعمها

وأكّد القادة الثلاثة في القمة التي عقدت، أمس، في نيويورك، على هامش اجتماعات الـ 74 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، ضرورة البناء على الانتصارات التي تحققت مؤخراً في المعركة على الإرهاب، وضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية، أينما وجدت، ومواجهة كلّ من يدعمها سياسياً أو مالياً أو إعلامياً.

وشدّدت مخرجات القمة الثلاثية على مضاعفة الجهود الدافعة باتجاه السلام والحوار، من أجل هدوء يشمل المنطقة كلّها؛ إذ لفتت الأطراف المجتمعة إلى أنّ الأمن مشترك، وأنّ التهديدات والثغرات الأمنية من شأنها أن تشمل الجميع.

كما أكّد القادة دعمهم للحلّ السياسي الشامل للقضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية، وأهمية حصول الشعب الفلسطيني على كلّ حقوقه المشروعة، وعلى رأسها حقّه في إقامة دولته المستقلة القابلة للحياة، وعاصمتها القدس الشريف، على أساس حلّ الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

ونوّهوا إلى أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصّة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن، وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يحفظ وحدة واستقلال هذه الدول وسلامتها الإقليمية ومقدرات شعوبها، ويتيح الحفاظ على الأمن القومي العربي ومواجهة التدخلات الخارجية التي تستهدف زعزعة اﻷمن القومي العربي.

القمة تؤكد أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن

وعبروا عن تضامنهم الكامل مع المملكة العربية السعودية، في مواجهة الاعتداءات التي تعرضت لها منشآتها النفطية، مشدّدين على أهمية الحفاظ على أمن منطقة الخليج العربي، وتأمين حرية الملاحة في الخليج، كمكوّن أساسي من مكونات الأمن القومي العربي، ومؤكدين أهمية التهدئة وتجنّب المزيد من التوتر والتصعيد؛ لما لذلك من أثر سلبيّ على الاستقرار في المنطقة.

واتفقوا على مواصلة التشاور والاجتماع بشكل دوري والتنسيق المستمر لتعزيز الأمن القومي العربي، ومواجهة كلّ التحديات التي تتعرض لها المنطقة، ودعم التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والاستثماري والثقافي بين الدول الثلاث، وبناء شراكات فعالة بين الحكومات والقطاع الخاص في الدول الثلاث لذلك الغرض.

كما جدّدوا دعمهم الكامل للجهود العراقية لاستكمال إعادة الإعمار وعودة النازحين للمناطق التي تمّ تحريرها من تنظيم داعش الإرهابي.

 

للمشاركة:



ازدواجية الخطاب تُدخل النهضة في أزمة هوية تهدد مستقبلها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

دفعت الهزيمة التي تلقتها حركة النهضة الإسلامية في الانتخابات الرئاسية إلى بروز مؤشرات سياسية تؤكّد غضب الكثير من القيادات والقواعد من تفرّد زعيم الحركة راشد الغنوشي بكل القرارات المتخذة داخل هياكل الحزب.

وخرجت النهضة من الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية بهزيمة، نتيجة ما وصفه مراقبون بوقوع الحركة في “أزمة هوية” نظرا إلى إخفاقها في الفصل بين إسلاميتها وسياستها وعجزها عن تقديم حلول للأزمة الاجتماعية والمعيشية.

وأفضت الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية إلى مرور المرشحين أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد ورجل الإعلام نبيل القروي إلى الدور الثاني.

ونال مرشح حركة النهضة عبدالفتاح مورو 434 ألفا و530 صوتا وحلّ ثالثا من مجموع ناخبين تجاوز ثلاثة ملايين.

ويرى المحلّل السياسي التونسي صلاح الدين الجورشي أن النهضة لا تزال “تتأرجح بين الإسلامية والمدنية وهذا يضعفها”، معتبرا أن هذا “أحد أسباب تراجعها”.

وأعلنت النهضة في مؤتمرها العاشر عام 2016 عن تغيير توجهها من الإسلامي إلى المدني، لكنها “لم تتخذ موقفا واضحا مثلا في مسألة المساواة في الميراث التي حسم فيها قيس سعيّد وكان واضحا”، بحسب الجورشي.

وكان سعيّد واضحا في مواقفه بقوله إن “القرآن واضح” في مسألة تقسيم الميراث وينص على أن المرأة ترث ثلث نصيب الرجل.

ويرى الباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط حمزة المدب أن “هناك أزمة هوية داخل الحزب، حيث لم يستطع المرور إلى المدنية بتقديم حلول اقتصادية واجتماعية” للتونسيين الذين يعانون من مشاكل البطالة وارتفاع الأسعار ونسبة التضخم.

ويعتبر زبير الشهودي، المدير السابق لمكتب رئيس الحزب راشد الغنوشي من جهته، أن “لا فرق بين مورو وقيس سعيّد، ولكن سعيّد انتخب لأنه خارج دائرة الحكم”.

ويضيف “على الغنوشي أن يرحل. هناك رغبة في أن يرحل جيل الغنوشي والباجي” قائد السبسي، الرئيس الراحل الذي حتمت وفاته إجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

ويتابع “النهضة تطبعت مع النظام وميكانيزمات الدولة وأصبحت غير قادرة على إيجاد الحلول المتعلقة أساسا بالبعد الاجتماعي والاقتصادي”.

ورغم أن النهضة حاولت منذ 2011  حاولت تقديم نفسها على أنها تمارس أداء سياسيا مترفعا عن المصالح والحزبية، فإنها لم تنجح في اقتراح حلول للوضع الاقتصادي ولسياسات الحكومة التي خيبت آمال التونسيين.

في المقابل، عللّ الغنوشي الهزيمة في تصريح إعلامي بالقول إن الحركة لم تستعد جيدا للانتخابات. وقال “دخلنا متأخرين إلى الانتخابات الرئاسية”، مشيرا إلى أن “ما بين 15 وعشرين في المئة من شباب النهضة وقواعدها لم يصوتوا لمورو”.

إلا أنه عبر عن أمله في أن القواعد “ستعود للنهضة في الانتخابات التشريعية” المقررة في السادس من أكتوبر، حيث يسعى الحزب إلى الحفاظ على عدد المقاعد نفسه في البرلمان (69 من أصل 217) في الانتخابات التشريعية.

وتوجد الكثير من التخوفات في تونس من أن تؤثر نتيجة الانتخابات الرئاسية على التشريعية، ومن أن يتواصل ما وصف بـ”تصويت العقاب” ضد منظومة الحكم لصالح قوى جديدة.

ويقول الجورشي “ربما ستخسر النهضة الكثير” في الانتخابات التشريعية، لأن “البرلمان سيتأثر بالرئاسية وسيفرز فسيفساء وقد تفقد الحركة مكانتها في الحكم”.

ويؤكد الشهودي “النهضة مدعوة إلى إعادة بناء نفسها في العمق عبر رسم حدود رئيس النهضة وحوكمة الحزب”.

وسارعت النهضة إلى إعلان تأييدها لقيس سعيّد في الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية، بهدف تدعيم قاعدتها. ويرجح المدب أن من أسباب تراجع النهضة أيضا “صراعات وتمزقا داخل الحركة”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

أسئلة عن إيران ومن خلفها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

عبد الرحمن الراشد

المنطقة في حالة تشكل منذ سنوات، وكل ما فيها يصارع من أجل البقاء أو التغيير، ونظام إيران أحد عوامل هذا التغيير أو بالأصح معاول الهدم. وجاء هجومه على شرق السعودية كتصعيد رفع النزاع إلى مستوى أخطر. ولهذا نحتاج إلى أن نقرأه قراءة واعية، ونرى الصورة الكاملة. مقالي وجبة من نقاشنا اليومي.
هل يمكن أن نعتبر الهجوم على المنشآت النفطية جبهة حرب جديدة؟
الهجوم إعلان حرب من إيران، لكنه ليس بالضرورة جبهة مفتوحة جديدة في حال تم تأمين توازن الردع المطلوب، من ذلك تعهد واشنطن بإرسال قوات دفاعية، لمنع الهجمات الإيرانية أو جعلها مكلفة عليها. السؤال تقني عسكري إن كان يمكن رصد وردع الهجمات ذات التقنية الجديدة.
إيران الآن تبدل جبهاتها. في السابق كانت تحارب من بعيد، عبر الحوثي في اليمن. فشلت في إجبار السعودية، بالصواريخ والدورنز استهدفت الرياض وجدة والطائف وجيزان ونجران وغيرها، ومعظمها تم اعتراضه. أما هجمات بقيق وخريص فهو مستوى جديد من العدوان الإيراني على السعودية وكل المنطقة، ومغامرة دولية خطيرة. لهذا التوازن المنشود إن نجح سيفشل استراتيجية طهران التي تقوم على حرمان خصومها من النفط، بتدميرها المنشآت وخطفها الناقلات.
هل تأخر الرد العسكري السعودي على الهجوم الإيراني؟
نستذكر كيف تم التعامل مع الأزمات السابقة، عندما غزا صدام الكويت في أول أغسطس (آب) عام 1990 لم يأتِ الرد إلا في يناير (كانون الثاني) من العام التالي. مضت خمسة أشهر في سبيل تأمين غطاء قانوني دولي، وبناء تحالف عسكري. رغم الضغوط، صانع القرار لا يريد اتخاذ قرارات متعجلة دون أن يضع في الحسبان كل الاحتمالات، ومحاولة تأمين رد قوي وبأقل قدر من الخسائر. إيران لديها القليل لتخسره، فهي كدولة نفطية سخرت كل مدخراتها لبناء دولة للحروب، أما دول الخليج الست فتخشى على ما أسسته من بُنى صناعية وخدمية ومدن حديثة، وهي تنفر من المواجهات العسكرية، إلا إذا عندما يُفرض عليها، دفاعاً عن نفسها.
هناك من يشير إلى روسيا وأنها طرف مساعد لإيران في الهجوم، من منطلق «فتش عن المستفيد»، هل يعقل؟
لو لم يكن لإيران تاريخ حافل بالعدوان لجاز البحث عن محرض نلومه. الحقيقة لم تستفد روسيا من الهجوم الإيراني، فالسعودية تمكنت من تعويض النقص خلال بضعة أيّام مما أفشل هدف إيران، بحرمان أسواق العالم من المصدر الأول للنفط ورفع أسعاره. أما مغانم روسيا وبقية الدول المنتجة فقد جاءت صغيرة من وراء توقف الإمدادات لنحو ثلاثة أيّام.
قد يرى المتشككون بأن موسكو تريد محاصرة أميركا في مناطق نفوذها التقليدية، مثل الخليج، وهذا يبدو دافعاً منطقياً في صراع القوتين، لكن عند التمعن يمكن أن نرى خلاف ذلك، فالهجوم الإيراني قرّب المسافة بين الرياض وواشنطن وليس العكس، حتى إن زعيماً جمهورياً على خلاف مع الرياض، مثل السيناتور ليندسي غراهام، اصطف مع السعودية ودعا لإعلان الحرب على إيران. موسكو ليست مستفيدة من هجوم إيران، على الأقل في هذه المرحلة، بل قلَّص الهجوم الإيراني هامش المناورة عند الروس.
ماذا عن واشنطن؟ هل يمكن أن تكون متورطة، لتوسيع دائرة الخوف في الخليج وزيادة مبيعاتها من السلاح؟
نظرية المؤامرة عادة تدغدغ المنطق البسيط. لا توجد لواشنطن مصلحة في دعم هجوم يشل نصف إنتاج السعودية، لأنه يرفع الأسعار مما يضعف الاقتصاد الأميركي، ويهدد حظوظ الرئيس ترمب في الانتخاب. والحقيقة عكس ذلك، إيران هي التي تريد رفع السعر وإخراج غريمتها من السوق، والضغط على ترمب لرفع الحظر عنها. كما أن مبيعات السلاح الأميركي حتى هذا اليوم للسعودية أقل بكثير مما تم الاتفاق عليه بسبب معارضة الكونغرس لإدارة ترمب المحاولات في واشنطن لتقليص تسليح المملكة وليس مضاعفته.
ماذا عن تكاليف المواجهة الجديدة التي ستتكبدها الرياض، وتحدث عنها ترمب؟
ليست هناك حروب مجانية، ومعظم التحالفات القديمة والحديثة كانت بثمن، حتى الشركاء العرب يتوقعون أن يعوضوا مالياً، ومع هذا يبقى المال أرخص أكلاف الحروب.
للحوار بقية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

استهداف السعودية والمعادلة الشرق أوسطية الجديدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

السيد ولد أباه

كشف العدوان الأخير على المواقع النفطية السعودية عن حالة التهديدات النوعية التي يعاني منها الأمن الإقليمي العربي في سياق المتغيرات الاستراتيجية الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
لا يتعلق الأمر بمجرد تحولات جيوسياسية ظرفية، بل بمتغيرات نوعية تطال البيئة النظرية والمفهومية للمجال الاستراتيجي نفسه، بما يحتاج من العرب يقظة كبرى لا مجال فيها للتردد والتقاعس.
ما نعنيه هنا بالمتغيرات المفهومية يتعلق بمفهوم الشرق الأوسط نفسه، الذي لم يعد صالحاً لبناء سياسات إقليمية ناجعة. وكما يبين المؤرخ الفرنسي هنري لورانس تزامن مفهوم الشرق الأوسط مع وصول القوى الأوروبية للمحيط الهندي في القرن السادس عشر، بما جعل قلب العالم الإسلامي بين محيطين تحت السيطرة الأوروبية. وقد أصبح المفهوم في الأدبيات البريطانية منذ القرن التاسع عشر يعني المناطق الممتدة على المحيط الهندي، بما يشمل الخليج العربي والدولة الفارسية (إيران)، ثم توسع المفهوم بعد الحرب العالمية الثانية فأصبح يستوعب شرق المتوسط بما فيه اليونان ويوغوسلافيا.
وبعد نهاية الحرب الباردة وحرب العراق الأخيرة (2003)، برزت تحولات مفهومية في الرؤية الأميركية للشرق الأوسط بحيث أصبح يشمل من شمال أفريقيا إلى آسيا الوسطى (أو من نواكشوط إلى كابول).
ما حدث في السنوات الأخيرة هو انتقال التوجهات الاستراتيجية الأميركية من مفهوم «الشرق الأوسط الموسع» إلى مفهوم «المجال الهندي -الهادئ» وهو مصطلح بديل لمجالين جيوسياسيين سابقين هما الشرق الأوسط وآسيا -المحيط الهادئ. وتعني مقولة «المجال الهندي -الهادئ» التي استخدمتها الدوائر العسكرية الأميركية في عهد ترامب الفضاءَ الأمني الممتد من الشواطئ الشرق أفريقية إلى البوابة الغربية للقارة الأميركية، بما يعني دمج الهند في قلب الرؤية الاستراتيجية الأميركية المتمحورة حول التنافس مع الصين في هذه المنطقة الواسعة.
إن هذا التحول المفهومي ينعكس في المنظومة الإقليمية الشرق أوسطية في اتجاهات ثلاث أساسية هي: الارتباط الحيوي بين الأمن الخليجي والعربي إجمالا وأمن شرق أفريقيا الذي أصبح من مكونات المنظومة الشرق أوسطية، انفجار صراع النفوذ والمصالح بين الهند وباكستان في سياق المعادلة الآسيوية الجديدة التي ولّدها مشروع طريق الحرير الصينية الجديدة، ثم محاولات إيران النفاذ إلى شرق المتوسط من خلال وكلائها الإقليميين.
وبخصوص شرق أفريقيا، يتعلق الأمر بمنطقة تتداخل تداخلا شديداً مع أمن ومصالح البلدان العربية المطلة على البحر الأحمر، ومن هذه المنطقة بلدان تنتمي لجامعة الدول العربية وتشكل امتداداً جغرافياً واستراتيجياً طبيعياً لمنطقة الخليج والجزيرة العربية، وقد تضاعفت أهميتها إثر انفجار الملف اليمني بعد استيلاء المليشيات الحوثية المدعومة إيرانياً على مقار السلطة الشرعية في صنعاء.
أما الصراع الهندي الباكستاني الذي عرف في الأسابيع الماضية تطورات خطيرة في ملف إقليم كشمير، فله أبعاده الإقليمية والدولية المحورية وتأثيره الحاسم على المعادلة الشرق أوسطية. وليس من همنا الرجوع إلى الأسباب التاريخية للصراعات الحادة التي تعرفها شبه القارة الهندية بين مكونات الإمبراطورية المغولية التي تفككت على أساس ديني بعد نهاية الاستعمار البريطاني، وهو صراع يتركز حالياً حول موضوعين أساسيين، هما التنافس الهندي الصيني في وسط وجنوب آسيا الذي يفسر التقارب الصيني الباكستاني ومكانة باكستان المحورية في مشروع الحزام والطريق الصيني، والتنافس الهندي الباكستاني على التأثير والنفوذ في أفغانستان التي هي الحلقة الأساسية في معادلة التحكم في آسيا الوسطى.
ولا يمكن عزل هذين الملفين عن الاستراتيجية الإيرانية الساعية إلى التحكم في شريان التجارة النفطية العالمية من خلال موقعها المطل على مضيق هرمز بغية التموقع في المعادلة الآسيوية الجديدة. وعلى خلفية هذا الغرض ندرك محاولاتها المتكررة لاختراق موانئ شرق أفريقيا ودعمها للعصابات الحوثية في اليمن للوصول إلى باب المندب وشواطئ البحر الأحمر، استكمالا لاستراتيجيتها الإقليمية التقليدية للسيطرة على العراق والوصول إلى الضفة الشرقية للمتوسط.
ما نلمسه حالياً هو تمدد إيران من خلال مليشياتها الأيديولوجية المسلحة إلى العراق وشرق المتوسط عبر وكلائها في لبنان وسوريا، بما يضع الأمن الإقليمي العربي أمام تحديات جسيمة للغاية.
ما نريد أن نخلص إليه هو أن أي استراتيجية عربية ناجعة لا بد أن تراعي التحولات المفهومية لمعادلة الشرق الأوسط الجديد التي تتركز في اتجاه وسط آسيا وشرق أفريقيا وتدمج أطرافاً دولية لا تنتمي تقليدياً للدائرة الشرق أوسطية. ولا شك أن الخطوة الأولى لرد العدوان الإيراني هي إدراك هذه المتغيرات واستخدام الإمكانات والفرص الاستراتيجية التي توفرها لصانع القرار.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية