"الاستبداد والعلم" عند الكواكبي.. حرب تنتصر للتنوير

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
4836
عدد القراءات

2017-10-18

يبين المفكر عبد الرحمن الكواكبي (1849 –1902) في نصه المعنون بـ "الاستبداد والعلم" أنّ أكثر ما يخشاه "المستبِدّ" الارتقاء بالعلوم، وخصوصاً ما يتعلق بالحكمة والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية لما لها من أثر في توسيع المدارك وتغذية العقول وتنويرها وتعريف الإنسان بحقوقه وكيف يطالب بها وينالها.

ويؤكد صاحب الكتاب الأشهر "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد"، أنّ الجهل يولّد الخوف، وكلما تنوّر العقل زال الخوف من المستبد، منوهاً إلى أنّ الحرب بين الاستبداد والعلم مستمرة؛ فالعلماء يسعون إلى تنوير العقول والمستبد يسعى لإطفائها، وكلاهما يجتذب العوام الذين إذا جهلوا خافوا واستسلموا، وإن علموا قالوا وفعلوا.

الاستبداد والعلم

وكتب الكواكبي في هذا السياق:
"ما أشبه المستبدَّ في نسبته إلى رعيته بالوصيّ الخائن القوي، يتصرّف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافاً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوصيّ أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبدّ أن تتنوّر الرعية بالعلم.
لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا ما دامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلُهُ.
العلم قبسةٌ من نور الله، وقد خلق الله النّور كشّافاً مبصراً، يولّد في النفوس حرارةً وفي الرؤوس شهامةً، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النّور تبديد الظّلام، والمتأمل في حالة كلِّ رئيس ومرؤوس، يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
المستبدُّ لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوّم اللسان وأكثرها هزلٌ وهذيان يضيع به الزمان، نعم؛ لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، أو سحر بيان يحلُّ عقد الجيوش؛ لأنه يعرف أنّ الزمان ضنينٌ بأن تلد الأمهات كثيراً من أمثال: الكميت وحسان أو مونتيسكيو وشيللر.

كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته

وكذلك لا يخاف المستبدُّ من العلوم الدينية المتعلِّقة بالمعاد، المختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنّها لا ترفع غباوةً ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهّى بها المتهوِّسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور، فصاروا لا يرون علماً غير علمهم، فحينئذٍ يأمن المستبدُّ منهم كما يُؤمن شرُّ السّكران إذا خمر. على أنّه إذا نبغ منهم البعض، ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبدّ وسيلة لاستخدامها في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنّه يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسدُّ أفواههم بلقيماتٍ من مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً؛ لأنّ أهلها يكونون مسالمين صغار النّفوس، صغار الهمم، يشتريها المستبدُّ بقليل من المال والإعزاز، ولا يخاف من الماديين؛ لأنّ أكثرهم مبتلون بإيثار النّفس، ولا من الرياضيين؛ لأنّ غالبهم قصار النظر.
ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم، المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة، وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: {أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون} وفي قوله: {وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون}، وإنْ كان علماء الاستبداد يفسِّرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبُّد كما حوّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين.
والخلاصة: أنَّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظاتٌ كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة!

كما يبغض المستبدُّ العلمَ ونتائجه؛ يبغضه أيضاً لذاته؛ لأن للعلم سلطاناً أقوى من كلِّ سلطان، فلا بدَّ للمستبدِّ من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحبُّ المستبدُّ أن يرى وجه عالمٍ عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملِّق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كلِّ المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كلِّ من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشرٍّ.

العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف

وينتج مما تقدَّم أنَّ بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا، كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
العوام هم قوة المستبدُّ وقُوتُهُ. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة.
والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقّيها المستبدَّ اللئيم على الترقّي معها والانقلاب -رغم طبعه- إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب، ورئيسٍ عادل يخشى الانتقام، وأبٍ حليمٍ يتلذذ بالتحابب. وحينئذٍ تنال الأمة حياةً رضيّة هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عزّ وسعادة، ويكون حظّ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظاً بالبغضاء، محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قطّ أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأنَّ الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بدَّ أن يهابه، فيضطرب باله، فيتشوش فكره، ويختلّ رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريحه قبل استطلاع رأي المستبدّ، فإن رآه متصلِّباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشداً كان أو غيّاً، وكلُّ مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ: إنَّ الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناءً عليه؛ لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.

ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه

إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.
كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: (التام) لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلتُ: إنه يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرَّد أنهم لا يعلمون الغيب، ومن ذا الذي يعلم الغيب، الأنبياء والأولياء؟ وما هؤلاء إلا أشقياء؛ أستغفرك اللهم! لا يعلم غيبك نبيٌّ ولا وليٌّ، ولا يدّعي ذلك إلاّ دجّال، ولا يظنُّ صدقه إلاّ مغفَّل، فإنَّك اللهم قلت وقولك الحقّ: {فلا يظهر على غيبه أحداً} وأفضل أنبيائك يقول: "لو علمتُ الخير لاستكثرت منه".
من قواعد المؤرِّخين المدققين: إنَّ أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدَّين كنيرون وتيمور مثلاً، يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذُّر والتحفُّظ. وإذا أراد المفاضلة بين عادلين كأنو شروان وعمر الفاروق، يوازن بين مرتبتي أمنهما في قوميهما.
لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام، والشمس وزحل، والعقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أنَّ أضرَّ شيء على الإنسان هو الجهل، وأضرّ آثار الجهل هو الخوف، فعملت هيكلاً مخصصاً للخوف يُعبد اتقاءً لشرِّه.
قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبدِّ في كلِّ زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدَّس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يُقدَّمون قرابين الخوف، وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأنّ المستبدَّ امرؤٌ عاجز مثلهم، زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم".

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبي، كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة، 2011، ص 35-38
اقرأ المزيد...
الوسوم:



آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر

2019-07-29

تلقي قصة "الشاطئ" ضوءاً على عالم الكاتب والسينمائي الفرنسي آلان روب غرييه، الذي ولد في 18 آب (أغسطس) 1922 وصدرت له عشرات الكتب وستة أفلام.
ويعد غرييه بابا "الرواية الفرنسية الجديدة"، فضلاً عن كونه واحداً من "كبار" الكُتّاب، لا في فرنسا وحسب، بل في العالم، في النصف الثاني من القرن العشرين، وفق الكاتب اسكندر حبش الذي رثاه في صحيفة "السفير" لحظة رحيله في الرابع والعشرين من فبراير (شباط) العام 2008.

يُعدّ غرييه بابا "الرواية الفرنسية الجديدة" وواحداً من "كبار" الكُتّاب لا في فرنسا وحسب بل في العالم

اكتسب غرييه شهرة كبيرة خارج بلاده، عبر نظريته "عن الرواية الجديدة" إلا أنّ ذلك لم ينفعه، إذ بقي أقلّ الكُتّاب "محبة" من قبل القراء الفرنسيين. بالتأكيد، كان يثير الإعجاب، إلا أنه سبّب الاختلاف الكبير حول أدبه، كما الغيرة من شهرته. ومع ذلك، لم يستطع أحد إلا احترام حيويته الثقافية، على الرغم من عدم الاتفاق حوله، بسبب "ذكائه الماكر والشرس".
بدأ غرييه حياته الأدبية "زعيماً لتيّار أدبي" بسبب قناعاته الجمالية (الاستيتيكية) الحادة، التي كان يدافع عنها عبر هجومه على أدب عصره. من هنا اعتبر أنّ الرواية الجديدة ـ التي صاغ أفكارها ونظّر لها مطولاً ـ هي طريقة للاتحاد ولمواجهة الأدب "البالي"، السهل، الذي يروق للعدد الكبير من القراء.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
ولعب تشكّل غرييه المهني والفكري؛ أي دراسته للهندسة الزراعية، الدور في هذه النظريات، إذ اعتبر أنّ الأدب مثله مثل العلم، بمعنى أنّ هذا الأخير قد أصابه التطور على مر السنين، لذلك على الأدب أن يتطور بدوره، وأن تفرض الحقائق الجديدة نفسها لتحيل القديمة جزءاً من التاريخ. واعتبر غرييه، أنّ هذا الأدب القديم (والفن بشكل عام) يملك، من دون شك، أخطاء استيتيكية لذلك امتلك تحليلات سيئة، خاطئة، تماماً كما حدث الأمر في التحليلات الرياضية، حيث جاءت نظريات جديدة لتنسف كل التحليلات القديمة. لكنه لم يتوقف عند ذلك، إذ نادى غرييه، بضرورة قيام الثورة في الأدب، حيث على الجديد أن يقتل الأدب القديم ويحل مكانه.

اكتسب غرييه شهرة كبيرة خارج بلاده، عبر نظريته "عن الرواية الجديدة"
في قصة "الشاطئ" التي ترجمها الكاتب والإعلامي الأردني عامر صمادي، ونشرها موقع "المسيرة الإلكتروني" إطلالة أخرى على عالم غرييه المدهش والفسيح والمكتظ بالتفاصيل الصغيرة:

الشاطئ
صبية ثلاثة يمشون على طول الشاطئ جنباً إلى جنب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض. طولهم متقارب وأعمارهم أيضاً متقاربة في حوالي الثانية عشرة، لكن مع ذلك يبدو الذي في الوسط أقصر من الاثنين الآخرين. باستثناء هؤلاء الصبية الثلاثة فالشاطئ الطويل فارغ، يمتد فيه شريط الرمل العريض بوضوح على مد النظر، يخلو من الصخور المتناثرة، والحفر المائية وينحدر بنعومة من المنحدر الصخري عند الشاطىء نحو البحر فيبدو لا نهاية له.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
الطقس رائع والشمس تضيء الرمل الأصفر بضوء عمودي متقد، السماء صافية بلا غيوم والريح ساكنة، الماء أزرق صاف بلا أي أثر لموجة كبيرة قادمة من بعيد على الرغم من مواجهة الشاطئ للبحر المفتوح والأفق البعيد.
لكن ومع ذلك تتكون في المنخفضات المنتظمة موجة سريعة بنفس الحجم دائماً على بعد عدة ياردات من الشاطئ، ترتفع فجأة ثم تتكسر على طول نفس الخط دائماً، لم يكن الماء يبدو أنه يندفع إلى الأمام ثم يعود. بل بدا الأمر وكأنّ الحركة كلها في وضع سكون. يشكل ارتفاع الماء منخفضاً ضيقاً ضحلاً على طول الشاطئ ثم تعود الموجة أدراجها بنعومة يرافقها صوت دحرجة الحصى لتتحطم وتنتشر فوق المنحدر على حافة الشاطئ وتعود لتغطية الفراغ الذي تركته.
غالباً ما ترتفع موجة أقوى هنا وهناك لترطب - للحظة - مزيداً من حبات الرمل ثم يعود كل شيء إلى السكون. البحر مسطح أزرق مساكن على مستوى رمل الشاطئ الأصفر حيث الصبية الثلاثة جنباً إلى جنب.

"المماحي" لغرييه
ثلاثتهم شقر، شقرتهم تقارب صفرة الرمل، لكن بشرتهم داكنة قليلاً وشعرهم فاتح اللون قليلاً، يرتدون ملابسهم بنفس الطريقة، سراويل قصيرة وقمصان بلا أكمام، يمشون جنباً إلى جنب وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض ويسيرون بخط مستقيم مواز للبحر وللمنحدر بمسافة تتوسط الاثنين، لكن أقرب قليلاً إلى الماء، الشمس الآن في أوج توهجها فلا تلقي ظلالاً على أقدامهم ولا يوجد أمامهم أي أثر على الرمل من المنحدر الصخري وحتى الماء، فالصبية يسيرون بهدوء مستقيم وبينهم مسافات متساوية دون أي انحراف إلى أي جهة من الجهات ويمسكون بأيدي بعضهم البعض.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
خلفهم كان على الرمل ثلاثة خطوط لآثار أقدامهم العارية. ثلاث سلاسل منتظمة بينها مسافات متساوية، آثار غائرة في الرمل بوضوح دون أي تشابك مع بعضها، يسير الصبية إلى الأمام دون أي التفاتة إلى المنحدر الصخري على يسارهم أو إلى البحر وأمواجه الصغيرة التي تتحطم بتتابع في الاتجاه الآخر بل وحتى دون أن يلتفتوا إلى الخلف ليقدروا المسافة التي قطعوها استمروا في طريقهم بخطوات سريعة وموحدة.
أمامهم، هناك سرب من طيور البحر تسير على الشاطئ وحافة الموج، تسير بموازاة الصبية الثلاثة وبنفس الاتجاه وتسبقهم بحوالي مائة ياردة، لكن بما أنّ الطيور لا تتحرك بنفس سرعتهم فقد لحق الصبية بها، ومع أنّ البحر كان يمحو آثار سرب الطيور باستمرار إلا أنّ آثار أقدام الصبية بقيت منقوشة بوضوح في الرمل الرطب حيث ازدادت الخطوط الثلاثة من آثار الأقدام طولاً على طول، عمق آثار الأقدام تلك لا يتغير أقل من إنش بقليل، تشوهها تعرجات الحواف أو ضغط اعقاب الأقدام أو مقدماتها تبدو وكأنها قد حفرت بواسطة آلة على الشاطئ.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
هكذا تمتد خطوطهم الثلاثة، دائماً وبنفس الوقت تبدو وكأنها تضيق حتى كأنها تندمج في خط واحد يقسم الشاطئ إلى قسمين من خلال طولها الذي ينتهي بحركة ميكانيكية صغيرة تبدو من بعيد وكأنها في وضع ثبات، الارتفاع والهبوط المتعاقب لستة أقدام عارية كلما تحركت مبتعدة اقتربت من الطيور، وهي لا تنهب الأرض بسرعة لكنّ المسافة القريبة التي تفصل المجموعتين تضمحل أسرع مقارنة مع المسافة المقطوعة وسرعان ما أصبحت تفصلهم مسافة لا تتجاوز بضع خطوات لكن عندما بدا الصبية أخيراً أنهم على وشك الاصطدام بالطيور رفرفت أجنحتها وبدأت بالطيران طير واحد ثم اثنان ثم عشرة ثم السرب كله. إلا طيور بيضاء وردية تشكل منحنى فوق البحر ثم تعود الى الرمال لتبدأ المشي مسرعة مرة أخرى دائماً بنفس الاتجاه وعلى حافة الموج تبعد حوالي مائة ياردة إلى الأمام على هذا البعد أصبحت حركة الماء غير محسوسة باستثناء تغير مفاجئ باللون لكل عشر ثوانٍ في اللحظة التي تلمع فيها الرغوة المتألقة تحت أشعة الشمس والصبية غير عابئين بآثار أقدامهم التي يتركونها على الرمال غير مقتربين من الأمواج الصغيرة على يمينهم أو الى الطيور التي بدأت تحط وتمشي على أقدامها أمامهم. سار الصبية الشقر الثلاثة جنباً إلى جنب بخطوات منتظمة سريعة وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض.

سبّب الاختلاف الكبير حول أدبه
لفحت الشمس وجوههم فبدت داكنة أكثر من شعرهم، لهم نفس التعابير، جدية وعمق وتفكير وربما الهم، تقاطيع وجوههم أيضاً متشابهة على الرغم أنه من الواضح أنّ اثنين من الصبية الثلاثة هم من الذكور والثالثة فتاة، الا أنّ شعر الفتاة أطول ومتجعد قليلاً لكن ملابسها هي نفس ملابسهم، بنطال قصير وقميص بلا أكمام وكلاهما بلون أزرق داكن.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
تسير الفتاة إلى أقصى اليمين وإلى يسارها يسير الغلام الأقصر قليلاً، والغلام الآخر القريب من المنحدر الصخري هو بنفس طول الفتاة. يمتد أمامهم الرمل الممهد الذي لم تطأه قدم على مد النظر ويرتفع على يسارهم جدار من الصخر البني يكاد يكون عمودياً ولا نهاية له. على يمينهم سطح الماء الساكن ممتداً إلى الأفق تحيط به تموجات خفيفة تنتشر عبر الرغوة البيضاء ثم بعد عشر ثوانٍ تعود الموجة التي تكسرت لتشكيل مجرى ضحل مرة أخرى على جانب الشاطىء يصحبها صوت ضجة خفيفة تثيرها دحرجات الحصى، وتنتشر الموجة الصغيرة من جديد وتصعد الرغوة البيضاء رمال حافة الشاطئ المنحدرة لتغطي المسافة الباقية من الفضاء الضائع، وخلال السكون الذي يعقب ذلك يرتد من بعيد صوت قرع جرس خافت في الهدوء الساكن.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
الجرس هناك: يقول أصغرهم الذي في الوسط لكن صوت قرقعة الحصى يغطي صدى قرع الجرس الخافت وعندما تنتهي الموجة يمكن سماع بعض الأصوات التي شوهتها المسافة مرة أخرى.
إنه الجرس الأول، قال الغلام الطويل، وتنتشر موجة صغيرة على يمينهم وعندما يعود الصمت مجدداً فلا يسمعون غيره، مازال الصبية الشقر الثلاثة يسيرون بنفس الانتظام ويمسكون بأيدي بعضهم البعض.
أمامهم سرب الطيور على بعد عدة خطوات فقط تصيبها عدوى الطيران فجأة فتنتشر أجنحتها لترتفع مشكلة نفس المنحنى فوق البحر ثم تعود إلى الضوء عبر الرمل وتبدأ بالمشي من جديد، دائما بنفس الاتجاه وعلى بعد مئة ياردة إلى الأمام وعلى حافة الموج قال أحدهم: ربما لم يكن الأول ربما لم نسمع الآخر قبل..

الطقس رائع والشمس تضيء الرمل الأصفر بضوء عمودي متقد السماء صافية بلا غيوم والريح ساكنة الماء أزرق صافٍ

أجاب الغلام الأطول قليلاً: كنا سنسمعه كما سمعنا هذا. لم يغير الصبية من مشيتهم أبداً. نفس آثار الأقدام خلفهم التي استمرت بالظهور تحت الأقدام الست العارية وهم يتقدمون إلى الأمام.
قالت الفتاة لم نكن بمثل هذا القرب من قبل، وبعد برهة قال أطول الغلامين وهو الذي يمشي من جهة المنحدر الصخري: مازلنا لم نقترب بعد..
سار ثلاثتهم بصمت وهدوء.. بقوا صامتين حتى وصلوا الجرس وهو ما يزال ذا صوت خافت في هذا الجو الهادئ، عندها قال أطول الغلامين: "ذاك هو الجرس" ولم يجب الآخران.
عندما اقتربوا من الطيور رفرفت بأجنحتها وطارت مبتعدة إلى الأمام، طير واحد، ثم اثنان ثم عشرة، ثم عاد السرب كله إلى الرمل على طول الشاطىء على بعد مائة ياردة من الصبية الثلاثة. استمر البحر بطمس آثار أقدامهم، واستمر الصبية الذين يسيرون أقرب إلى المنحدر جنباً إلى جنب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض بترك آثار أقدام عميقة بخط ثلاثي موازٍ لشاطئ البحر على طول الشاطئ الممتد الى اليمين قرب حافة الماء الساكن المسطح.
دائماً تأتي نفس الموجة إلى نفس المكان لترتفع ثم تتحطم..

للمشاركة:

في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

2019-07-25

من أعمق نقطة في وجدانه، أيقن ماركس أنّ الحياة هي أعزّ شيء لدى الإنسان، وأنّها يجب أن تعاش عيشةً لا يشوبها استعباد، ولا يشوّهها الإحساس الممض بالخطيئة والذنب، أو الرعب المهووس بالعذاب. ومثلما كانت حياته منذورة بالكامل للنضال من أجل تحرير الإنسانية من كافة قيودها، وهاجسه اليتيم هو أن يصبح العالم مختلفاً عن الذي لدينا الآن وأفضل، فقد أمل أن تكون حياة كلّ المشغولين بالهمّ الإنساني كذلك.

كان ماركس يطمح للكشف عن القوانين والأنساق التي تنتظم الحياة الاجتماعية وفقها

ضدّ المجتمع قبل الدين

مثل رواد علم الاجتماع الكبار، تناول ماركس بالتحليل والدرس ظاهرة الأديان في المجتمعات الحديثة، على هامش دراسته للحداثة بأوجهها كافة: الاقتصادية/ الرسمالية، السياسية/ الديمقراطية، ونقيضها البونابرتية، الثقافية/ العلمانية، وكان ماركس أول نظرائه في التنظير للوعي التاريخي للشعور بالقطيعة مع الماضي، وتشكيلاته الاجتماعية وأيديولوجياته؛ وهو ما وضعه في مواجهة سياسية وفلسفية مع الظاهرة الدينية.

مثل رواد علم الاجتماع الكبار تناول ماركس بالتحليل والدرس ظاهرة الأديان في المجتمعات الحديثة لدى دراسته للحداثة بأوجهها كافة

كان ماركس يطمح للكشف عن القوانين والأنساق التي تنتظم الحياة الاجتماعية وفقها، وفي هذا وجد نفسه في صدام لا يمكن تفاديه مع الدين، بوصفه تمثيلاً وبناءً رمزياً لفهم العالم؛ فأساس مشروعه النظري الكبير تطلّب تفسير الحياة الاجتماعية، ليس من خلال المفاهيم والرموز التي يستخدمها الفاعلون الاجتماعيون، وإنما من خلال الشروع في التحليل النقدي المنظم للتفسيرات التي يقدمها أولئك الذين يشتركون في الحياة الاجتماعية لأعمالهم ولأوضاعهم، وللخبرات التي يتقاسمونها، والتي يعدّ الدين وجهها التلقائي أو التقليدي، وفق دانييل هيرفيه وجان بول ويلام، في كتابهما "سوسيولوجيا الدين" 2005.
ولعلّ من شأن التفحّص النقدي لأهمّ بيان مباشر لماركس حول الدين، في الصفحات الأولى من "مقدمة في الإسهام في نقد فلسفة الحقّ عند هيغل"؛ أن يوضح أنّ نقد الدين شكّل جسراً للعبور النظري إلى الموضوعية في تفسير الواقع الاجتماعي، وزحزحة الطموح الجبّار للأديان لإعطاء معنى شامل للعالم؛ إذ يقول: "بالنسبة إلى ألمانيا، فإنّ نقد الدين قد اكتمل بشكل أساسي، ونقد الدين هو الشرط المسبق لكلّ نقد".

اقرأ أيضاً: روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد
في مقاله التأسيسي "الماركسية والدين: أكثر من أفيون"؛ يحدّد جون مولينو قصد ماركس بكلامه هذا بالعمل المشترك بين الثورة العلمية والتنوير (الموسوعيون الفرنسيون خصوصاً)، ونقد الكتاب المقدّس من قبل اليسار الهيغلي العلماني في ألمانيا، هو من قام بإجهاض طموحات المسيحية في تقديم صيغة واقعية ودقيقة للطبيعة وللتاريخ؛ بل ولاهوت متماسك ومتّسق.

نقد الدين شكّل لدى ماركس جسراً للعبور النظري إلى الموضوعية في تفسير الواقع الاجتماعي

المسألة اللافتة، التي لم ينتبه إليها مولينو، والتي تطرحها على أذهاننا عودة الدين في المجتمعات المتخلفة والحديثة على حدّ سواء، هو تغلغل الطموح العلماني في طرح ماركس والمتعلق برهان العلمانية الكبير على الزوال المطرد للدين من الحياة الاجتماعية للمجتمعات الحديثة؛ فقد ارتكزت مجمل أطروحاته حول الدين على التراجع البادي لتأثير المعتقدات والمؤسسات الدينية في الحياة الحديثة.

اقرأ أيضاً: ماذا تبقى من ماركسية طيب تيزيني؟
وتوضح جملة ماركس هذه؛ أنه عدّ نقد الدين أمراً مفروغاً منه، ودحضه أمراً ناجزاً، فلم يركّز طاقته على النقد التفصيلي للدين؛ بل انتقل سريعاً إلى هدفه الرئيس: نقد المجتمع الذي ينتج "الوهم الديني"؛ فالإنسان، في تحليله، هو الذي ينتج الدين، وليس الدين هو الذي ينتج الإنسان، أو بحسب تحديده في "الأيديولوجيا الألمانية"، مع رفيقه إنجلز: المجتمع والدولة هما من ينتج الدين كوعي معكوس للعالم، أو كمنطق للعالم في صورة شعبية؛ ولذلك فإنّ الصراع ضدّ الدين هو بصورة غير مباشرة صراع ضدّ هذا العالم الذي يمثّل الدين شذاه الروحي".

الدولة الدستورية الحديثة لا تلغي الدّين وإنما تجعله أمراً متعلقاً بالمجال الخاص وتعيد تنظيمه وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة

في هذا الطرح؛ تتّسم بلاغة ماركس بالتراوح بين الذمّ والمدح؛ فـ "الدين هو الإنجاز الرائع للكائن البشري؛ لأنّ هذا الكائن لا يمتلك واقعاً حقيقاً"، وهو استجابة للاغتراب الإنساني، اغتراب الإنسان "الذي خسر نفسه"، وهو ما ينطبق على تطرقه إلى الوظيفة الاجتماعية للدين، إذ يقول: "الحاجة إلى الدين هي، في جانب منها، تعبير عن الحاجة إلى الواقع، ومن ناحية أخرى احتجاج على الخطر الواقعي. الدين هو حسرة الإنسان المضطهد المظلوم، وهو روح عالم بلا قلب، وروح الظروف الاجتماعية التي استبعدت الروح".
هنا لا ينفي ماركس أنّ في الدين عزاء للإنسان في العالم، وسعادته التي ربما قد تكون الوحيدة، لكنّه اعتبرهما: عزاءً زائفاً وسعادة وهمية؛ وبالتالي اعتقد أنّ إلغاء هذا النوع من العزاء وهذا الشكل من السعادة هو الشرط الأول لخلق سعادة حقيقية، أو في كلمة: بدلاً من إلغاء الوهم يجب إلغاء الوضع الاجتماعي الذي يحتاج إلى وهم من أجل القدرة على البقاء فيه، وبذلك انتقل ماركس من نقد السماء إلى نقد الأرض، أو من نقد الدين إلى نقد القانون، ومن نقد العقائد إلى نقد السياسة.

اقرأ أيضاً: كيف شخّص ماركس علاج اغتراب الإنسانية؟
إذاً؛ كان نقد الدين في النصّ الماركسي ذا صيغة مزدوجة؛ فهو أساسي كنقطة انطلاق مبدئية لتحليل البنية الاجتماعية، وثانويّ لأنّه لا يتم إلا عبر تحليل المجتمع الذي ينتج الاغتراب الديني والسياسي والوجداني، لكنّه في الحالتين لم ينظر إلى الدين كواقع قائم بذاته، ولم ينصت مرة إلى منطقه الخاص، وإنما كناتج عن ظاهرة الاغتراب، ولم يكن مهمّاً بالنسبة إليه إظهار عدم واقعية الدين؛ بل كشف علاقته البنيوية بالتمزق الإنساني الذي لا يمكن التغلب عليه إلا عبر القضاء على الاختلال القائم في نمط الإنتاج بين مَن يملك ومَن يعمل.

ماركس كان رائداً بإظهار ميل المسيحية لقيم احتقار الذات وهي الإدانة التي طوّرها نيتشه

متى كان أفيوناً؟
كان إيمانويل كانط أول من استعمل لفظة "أفيون" كمجاز للتعبير عن الدين في كتابه "الدين في حدود العقل البسيط"، إذ يقول: "إذا تدخّل القسّ لحظة الموت، بصفته مواسياً ومعزيّاً، يطمئن الوعي الأخلاقي أكثر من إثارته وإيقاظه؛ فإنّه بذلك يقدّم الأفيون إلى الوعي بشكل ما"؛ وبالتالي كان الفارق الذي أحدثه ماركس يتعلق بحديثه عن الشعوب وليس الفرد؛ مسجّلاً بذلك أوّل نقد للدين من منظور سياسي، وهو شيء جديد حتى على الاشتراكيين أنفسهم؛ فقد كانت الاشتراكية قبل ماركس مهادنة بشكل مبدئي للدين، وكان الاشتراكيون يجاهرون بمشاعر ذات طابع إيماني لافت.

اقرأ أيضاً: حركة القوميين العرب.. كيف تحوّل التنظيم القومي إلى الماركسيّة؟
ما سبق، أصبح من سقط متاع الوعي بالاشتراكية، لكنّ السؤال الذي لم يُطرح بعد: لماذا كان ماركس بالذات أول من بادر لنقد الدين سياسياً، وخسر بذلك دعم الاشتراكيين الفرنسيين؟ يوضح الظرف التاريخي الذي سجّل فيه ماركس موقفه النقدي من الدين الكثير عن نظرته العدائية تجاهه؛ إذ جاءت كتاباته في لحظة سياسية شهدت فيها بلاده بروسيا تشابكاً بالغ التعقيد بين الدين والسلطة، وانخرطت الكنيسة اللوثرية في إضفاء الشرعية على السلطة والوضع الاجتماعي القائم.
وقد يفسر هذا اتساع نطاق معركته مع الدين، فهو لم يكتفِ بنقد الظاهرة فحسب؛ بل صبّ جام هجومه على كلّ الاشتراكيات التي تستلهم الدين، أو تجمع بينه وبين الشيوعية في مُركب ثقافي واحد، وتلك التي تعتبر المسيح أول ثائر عرفته الذاكرة البشرية، ولربما كانت صيحة الحرب الصاخبة، التي أطلقها في البيان الشيوعي، بمثابة الردّ السياسي الحاسم على شعار الاشتراكية المسيحية: "كلّ البشر أخوة"، لكن سيكون من قبيل عدم الإنصاف اختزال نقده في جانبه السياسي وحده؛ فهو محمّل برؤية فلسفية ترى فيه اغتراباً للإنسان، أنتجته طبيعة علاقات الإنتاج السائدة.

اقرأ أيضاً: هل كان ماركس وإنجلس جاهليْن بحقيقة الصراع الاجتماعي في الإسلام؟
بخبرته التاريخية، كان ماركس رافضاً لأيّة مبادرة إصلاحية من ممثلي المسيحية ترمي لتخفيف حدّة البؤس عن الطبقات الفقيرة، على اعتبار أنّ المسيحية أخذت فرصتها التاريخية كاملةً على مدار 18 قرن، لم تقدم فيها للمحرومين شيئاً يُذكر؛ بل رأى في هذا النوع من المبادرات محض مجاراة انتهازية للمدّ الاشتراكي، يقول ماركس في نوعٍ من جرد حساب للمسيحية: "الحاجة للدفاع عن اضطهاد وقمع العمال، حتى لو كانت تقوم بذلك بإظهار القليل من الألم".
وبالحديث عن المسيحية يجدُر تذكُّر أنّ ماركس كان رائداً في إظهار ميل المسيحية إلى قيم الضعف واحتقار الذات، وهي الإدانة التي طورها نيتشه في "نقيض المسيح" لاحقاً، إلا أنّ إدانته على عكس نتيشه ليست فلسفية بحتة، بل كانت جزءاً من مخطط إستراتيجي يهدف لعزل العمال عن التأثيرات السلبية المحتملة للنزعة الدينية على أي مشروع ثوري وإبطائه وعرقلته وإفراغه من مضمونه، يقول ماركس: "تبشّر المسيحية بالتخاذل والمهانة، احتقار الذات، الإذلال، الخزي، الهوان، العبودية، باختصار: بكل صفات النذالة والتحقير [الذاتي]؛ لقد برّرت [المسيحية] العبودية في العصور القديمة، وعظّمت من [شأن] قنانة ورِقّ العصور الوسطى، وإنّ البروليتاريا، التي لا تريد أن تعامل نفسها باحتقار في حاجة إلى شجاعتها، الشعور بكرامتها، اعتزازها بنفسها وبروحها في الاستقلال أكثر من حاجتها إلى الشعور بالألم".

اقرأ أيضاً: ما الذي يريده المخربون من قبر ماركس؟
ويمكن ببساطة استخلاص أنّ الرؤية الضمنية لماركس تفترض مبدئياً أنّ الدين (والمسيحية بالتحديد والتعيين) محافظ بالضرورة بحكم الافتراضات الفلسفية المتضمنة فيه، وفي هذا يمكن القول إنّ ما أخذه ماركس على هيغل في حواره السياسي معه، بأنّه يعطي صكّ وضمانة الديمومة على وضع تاريخي، أوقع نفسه فيه؛ فالتعبيرات الدينية، كما اتضح مع لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، تظلّ عوامل محتملة للانعتاق وتحرير الشعوب.
لاحظ ذلك الفيلسوف الماركسي، ميشيل لووي، الفرنسي/ الأرجنتيني، والمنشغل بلاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية، في مقال بعنوان "أفيون الشعوب؟ الماركسية النقدية والدين"، 2005؛ حيث دعا إلى الاستعانة بأرنست بلوخ، الذي وإن كان يتماسّ مع رأي ماركس تجاه الظاهرة الدينية، ذات الطابع المزدوج: القمعي والتمردي، إلا أنّه رأى في "الصيغ التمردية والاحتجاجية للدين أحد أهم الأشكال للوعي الطوباوي، وأحد أغنى التعبيرات عن مبدأ الأمل وأحد المتخيلات القوية لما لم يقم بعد" على عكس ماركس؛ الذي أقرّ بالدور التمردي للدين، لكنّه رآه ظاهرة من الماضي لم تعد لها أهمية في عصر صراع الطبقات الحديث.

اقرأ أيضاً: قطار الوعي القادم في آخر النفق: النجاة على طريقة ماركس ونيتشه وفرويد
لم ينظر ماركس إلى التأويلات التقدمية المحتملة للدين، لكنّه كان على حقٍّ تاريخياً؛ فمنذ ظهور المجتمع الصناعي دافعت الكنيسة عن "القانون الإلهي لعدم المساواة"، وحين اعترفت ببؤس العمال حثّتهم على ألا يحصروا آمالهم فوق الأرض فقط؛ وبالتالي دعتهم عملياً إلى التخلي عن المقاومة والرفض والاحتجاج، أو بكلمة: سلبتهم الحقّ في الثورة وأعطتهم "أفيون الوعي".
على ضفة السياسة؛ عمّق إلحاد ماركس، في صورته بالغة الحدّية، النزعة المحافظة لدى جزء مؤثر من ممثلي الكنيسة، وأشعرهم بتهديد وجودي إزاء أطروحاته المعادية للدين، بل، بوجهٍ ما، جعلهم معادين للحداثة نفسها، التي تجلب هذا النوع من الدعوات الخطيرة.

قرّر ماركس وإنجلز أنّ المجتمع والدولة هما من ينتج الدين كوعي معكوس للعالم

جدل الدين والدولة
على ضوء سياسات الدولة الألمانية المسيحية، في القرن الثامن عشر، كتب ماركس "حول المسألة اليهودية"، ورغم أنّ الوضع كان تجريبياً بامتياز، إلا أنّ ملاحظاته ما تزال تتمتع براهنية مدهشة، يقول فيها: إنّ "سلطة الدين هي دين السلطة"، وإنّ "الدولة الدينية تظهر تعاملاً سياسياً تجاه الدين وتعاملاً دينياً تجاه السياسة"، في اللحظة الراهنة؛ يمكن الاستفادة من استبصاره هذا في فهم السياسات الإيرانية تجاه الدين وتسييسه، وتجاه المجال السياسي الداخلي، الذي تمّ تديينه، حتى بات حبيساً للمعايير الدينية، وأجبر الفاعلين السياسيين على تبني خطاب ديني، وإلا تمّ استبعادهم من حقل التأثير في المجتمع.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!
وحول علمانية الدولة؛ قدّم ماركس ملاحظة بالغة الأهمية تفيد بأنّ "تحرّر الدولة من الدين يحرّر الإنسان سياسياً؛ باستبعاده [الدين] من الحقّ العام إلى الحقّ الخاص"، إلّا أنّ ذلك ليس كافياً في نظره؛ لأنّه "يترك الدين كظاهرة فردية تفصل الإنسان عن الإنسان، وتفصل الحياة الفردية عن الحياة العامة"، فتزدهر الهويات الدينية بدلاً من أن تختفي.
قدّم ماركس نقداً لامعاً للرؤية العلمانية التبسيطية، التي تلحّ على ضرورة حياد الدولة تجاه الدين، وأن تجعله غير ذي صلة بمكانة المواطنين المدنية والسياسية (حتى لا تتشكّل أيّة معارضة دينية للدولة)، فحاجج بأنّه من الخطأ الاستنتاج أنّ التسيّس ينتزع عن الدين؛ فإنه بذلك يصبح غير متصل بالحياة السياسية، وشدّد على أنّه بسبب نزع التسيس هذا، ورغماً منه، فإنّ الفروقات الدينية ستزدهر مثل باقي الفروقات الاجتماعية: العرق، الطبقة، المكانة، وأنه بمجرد زحزحة الدين إلى مجال الخصوصية سيصبح روح المجتمع المدني بعد أن كان روح الدولة؛ وبالتالي سيصبح الأساس الثقافي للهوية الفردية والجماعية.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
ما يحدث باختصار، كما لاحظت صبا محمود في كتابها "الاختلاف الدينيّ في عصر علمانيّ: تقرير حول الأقليّات" 2015؛ أنّ "الدولة الدستورية الحديثة لا تلغي الدّين، وإنما تجعله أمراً متعلقاً بالمجال الخاص، وتعيد تنظيمه، وتتدخّل فيه بموجب سلطتها السياديّة، وبالتالي بدلاً من أن تمحو السياسات العلمانية الفروق الدينية، فإنّها تنتج التفاوت الديني"، ويمكن اعتبار التاريخ الاجتماعي لتركيا ومصر دليلاً عملياً على واقعية استبصار ماركس هذا.

للمشاركة:

هل حظيت آراء الشيخ عبدالله العلايلي التجديدية بالاهتمام الكافي؟

2019-07-17

في أواخر العام 2016، مرت مئويته فيما كان العالم العربي والإسلامي يدخل نفق الاشتباك المظلم مع تأويل النصوص الدينية، وصعود المذهبيات والإثنيات والقتل على الهوية والدين والاتجاه والرأي واللباس، ومشاهدة كرة القدم.

اقرأ أيضاً: رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب
لهذا راحت بيروت تتذكر شيخها وحكيمها، وهي التي اكتوت بنيران تلك الحروب المتعددة، فنظرت إلى الشيخ عبدالله العلايلي بوصفه حاجة ملحة في هذه القنطرة المرعبة التي تحتاج إلى مفكرين كبار وشجعان كالعلايلي الذي كان يوصف بأنّه "مدافع قوي عن حقوق الإنسان، وثوري متفان، ومساند مخلص للقضية الفلسطينية، ومعارض شرس للحكومات الاستبدادية الديكتاتورية في الوطن العربي"، فضلاً عن آرائه في شؤون الدين والفقه.

رأى الشيخ عبدالله العلايلي أنّ الحدود مثل قطع يد السارق ورجم الزاني وسواها ليست مقصودة لذاتها بل لغاياتها

وُلد العلايلي في 20 تشرين الثاني 1914 في أسرة قديمة العهد ببيروت، ترقى إلى القرن الحادي عشر الهجري، وشغلت في الأوساط التجارية، على ما سلك أهل السنّة دوماً. في العام 1924 توجه إلى الجامع الأزهر في بلاد الكنانة برفقة شقيقه، وظّل يتابع الدراسة في هذا الجامع حتى العام 1935.
وما أخذه العلايلي عن الجلَّة من الشيوخ، أمثال الدسوقي العربي، محمد نجيب المطيعي، يوسف الدجوي، سيّد علي المرصفي، السملوطي، أحمد عيسى الشرقاوي، محمد العربي، عفيف عثمان، وعلي محفوظ، إلى كثرة غيرهم، لم يحمِه في يوم، من صنميّي النص. كما لم تشفع له قدرته الاستثنائية على تطويع اللغة في النأي بنفسه عن غائلة من يتشبثون بالنقل لا بمراكمة الجهود في مواكبة العصر، على ما تذكر صحيفة "النهار".
وُلد العلايلي في 20 تشرين الثاني 1914

"مقدمة لدرس لغة العرب"
عاد عبد الله العلايلي إلى بيروت عام 1936، وتسلم مهمة التدريس في "الجامع العمري الكبير" واستمر لمدة ثلاث سنوات كان يحضّر في أثنائها كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب" ولم تكن هناك في لبنان دور للنشر فاضطر إلى العودة للقاهرة كي يخرج الكتاب. وكان يقول عن اللغة: "إنها تتحرك بقانون الغاية لا السببية"، لذلك يقرر أنّ "اللغة هي مجموعة الأفكار والتقاليد والعواطف... تنمو أو تموت، تتحرك أو تأسن، بحسب حاجة الناس إليها، أو بمدى ارتباطها بنشاط الإنسان".

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟
بعد هذا الكتاب، أطل الشيخ على الناس بكتابين طبعتهما الجالية السورية اللبنانية على نفقتها؛ الأول بعنوان "سوريا الضحية" هاجم فيه معاهدة 1937 مع الفرنسيين. والرسالة الثانية بعنوان "فلسطين الدامية". ثم أتبع الكتابين بثالث "إني أتهم" الذي هاجم فيه التفكك الطائفي الذي استشرى في المجتمع اللبناني. كما صدر له: "تاريخ الحسين"، "المعرّي ذلك المجهول"، "المعجم"، "مثلهنّ الأعلى- السيدة خديجة"، "المرجع"، "من أجل لبنان".
النحت في اللغة والحياة والتدين
وفي غمرة ذلك، لم ينفك الشيخ العلايلي عن النحت في اللغة العربية واشتقاق المصطلحات، وتجديد حضور اللغة في الوعي والتاريخ واللسان. وفي حديثه عن "النظريّة اللغويّة عند العلايلي" يقول د. رمزي البعلبكي "من منن الله على العربيّة أنه سبحانه وتعالى، لا يفتأ يبعث من يُحيي هذه اللغة الشريفة في نفوس أبنائها، وينهض بها لتستقيم في معترك البقاء على نقاوة في التشذيب ولدانة في التخيّر واندفاع في الوثب، ولا جديد في القول إنّ الشيخ العلايلي هو محيي العربيّة على رأس هذه المائة، فهو المقدمة وهو المرجع ومنه الفكر والنظر والاقتراح والبرهان".

غلاف  كتابه "مقدمة لدرس لغة العرب"
ولا تكمن أهمية العلايلي في كونه مارد اللغة العربية وصانعها، بل لأنه كان علامة الإصلاح الديني. وحول اجتهاداته الفقهية ثار غبار كثيف، خصوصاً في مسألة العقوبات الجسدية والزواج المختلط، بحسب الكاتب اللبناني محمد حجيري. ففي المسألة الأولى، رأى أنّ الحدود، مثل قطع يد السارق ورجم الزاني وسواها، ليست مقصودة لذاتها بل لغاياتها. واستنتج من قراءة الآيات الكريمة والأحاديث النبوية المعنية، أنّ من الضروري "إقامة مطلق الرادع مقام الحد عينه، إلا في حال الإصرار؛ أي المعاودة تكراراً وتكراراً". والأرجح أنّ إحدى أبرز مشاكل الدين في العصر الحديث هي مسألة العقوبات الجسدية التي تتبناها التنظيمات المتطرفة، وحتى بعض الدول المنغلقة المحكومة بالملالي.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
في المسألة الثانية (أي الزواج المختلط)، اعتبر العلايلي أنّ الآية القرآنية تحرِّم زواج المسلمة من المشرك، وليس من الكتابيّ، فأجاز هذا الزواج، مخالفاً بذلك الإجماع الفقهي. وهو رأى "أنّ الإجماع في هذه المسألة، من نوع الإجماع المتأخر الذي لا ينهض كحجة إلا إذا استند إلى دليل قطعي"، وهو ما لم يحصل، بحسب رأيه.
زواج المسلمة من كتابيّ
في كتابه "أين الخطأ"، تحدث العلايلي عن زواج المسلمة من كتابيّ، وقدّمها تحت عنوان "أطوطميون أنتم أم فقهاء؟".
وقدّم العلايلي لرأيه في جواز زواج المسلمة من كتابيّ بإشارات إلى ما يشهده المجتمع اللبناني من جدل حاد حول الزواج المختلط. ويؤسّس رأيه في هذه المسألة، كما يقول القاضي الشيخ محمد أبو زيد، رئيس المحكمة السنية في صيدا، على ما يلي:

كوثراني: آراء العلايلي التجديدية في مجال الفقه لم تحظَ بالاهتمام الكافي ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية لأسباب متعددة

1. إنّ زواج المسلمة من كتابيّ مسألة بسيطة. وهي جزئية، واجتهادية.
2. إنّ الإجماع الحاصل في هذه المسألة هو إجماع متأخر. وهذا النوع من الإجماع ينبغي أن يكون له مستندٌ من دليل قطعي.
3. إنّ الآيات الواردة في: سورة البقرة (221)، الممتحنة (10)، المائدة (5)، غير قاطعة في تحريم زواج المسلمة من كتابيّ، تأسيساً على اعتبار العلايلي أنّ لفظي "مشرك" و"كافر" لا يشملان "الكتابيّ".
4. إنّ لفظ "خير" الوارد في قوله تعالى: {وَلاَ تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أتى لبيان ما هو الأفضل، دون أن يعني ذلك حرمة زواج المسلمة من كتابي.
5. إنّ أدلة المانعين لا تخلو من احتمال، وهو أمر يجعلها ساقطة لجهة الاستدلال بها.
6. الآية 10 من سورة الممتحنة خاصة باللواتي فررن بدينهن بسبب الاضطهاد. فلا يجوز إرجاعهن إلى الكفار.
7. وجوب حصر النقاش في آيات سورة المائدة؛ كونها تتحدث عن الكتابيين حصراً.
8. استفاد العلايلي مما ذكره ابن رشد في كتاب البيوع، ثمّ قام بعد ذلك بتطبيقه على الأنكحة، ونصّ كلام ابن رشد: "نحن نذكر أولاً "المنطوق به" في الشرع وما يتعلق به من الفقه، ثم نذكر بعد ذلك من "المسكوت عنه" ما شهر الخلاف فيه بين فقهاء الأمصار ليكون كالقانون في نفس الفقه، أعني في رد الفروع إلى الأصول".
9. الأحاديث الواردة في هذه المسألة هي آحاد لا يَحتج العلايلي بها.

اقرأ أيضاً: مفهوم التراث عند مهدي عامل: المعرفة ضد الخصوصية
10.أحاديث الأفعال الواردة في هذه المسألة هي -شأن سائر أحاديث الأفعال- محل نظر عند الأصوليين لجهة دلالتها.
وختم العلايلي رأيه في هذه المسألة بالقول: "وأختم هذا الفصل ببيان أنَّ الفرق كبير بين الإباحة حيث لا مندوحة، وبين الورع... أما ما يقتضي الورع فشيء آخر، يتصل بالطمأنينة النفسية والراحة القلبية..." .
غلاف كتابه "أين الخطأ؟"

الرؤية العلمية للقمر الرمضاني
وتشمل اجتهادات العلايلي الكثير من الآراء التي تحاول أن تواكب التحديات المعاصرة في ميادين عملية عدة ومفاهيم نظرية: مفهوم الثروة، الرؤية العلمية للقمر الرمضاني، الربا، توزيع الأضاحي، الصورة، والسينما. كان قد نشر هذه القضايا في كتابه "أين الخطأ"؟ الذي صدر في طبعته الأولى العام 1978، واضطر تحت الضغط إلى سحبه من التداول وأعيدت طباعته العام 1992.

اقرأ أيضاً: محمد عابد الجابري: مثقف المشروع
والمفارقة والغريب، يقول الحجيري، أنّ إصلاحات العلايلي بقيت في الهامش ولم يسعَ دعاة ما يُسمى "الاعتدال الديني" إلى تبنّيها أو ترويجها. وهذا ما لاحظه الباحث اللبناني وجيه كوثراني إذ اعتبر أنّ آراء العلايلي التجديدية في مجال الفقه لم تحظَ بالاهتمام الكافي، ولم تشع كما شاعت اجتهاداته اللغوية لأسباب متعددة ومن مواقع مختلفة؛ من موقع التقليديين والمحافظين الذين سخطوا على الشيخ وحاصروا فكره الفقهي وحاربوه، وربما من موقع الحداثيين الذين لم ينتبهوا في غضون الستينيات والسبعينيات، إلى ما يشكله العلايلي الآن وفي الماضي ودائماً من علامة بارزة وساطعة ومجددة في اللغة والسياسة والدين، وكذلك في التفكير الذي أراده العلايلي، وهو يغمض عينيه إلى الأبد في العام 1996، متحرراً من أغلال القشور والتقليد، ونازعاً إلى إعمال العقل في كل ما يحيط بدنيا الكائن وانتظاراته ورهاناته الوجودية.

للمشاركة:



رفض عربي ودولي للاعتداء الإرهابي على حقل الشيبة السعودي.. تصريحات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

توالت الإدانات الدولية للحادث الإرهابي الذي استهدف حقل الشيبة النفطي في السعودية، أمس؛ حيث دانت دولة الإمارات الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية، عن طريق طائرات مسيَّرة بدون طيار "درون" مفخخة، أطلقتها ميليشيا الحوثي الإرهابية.

واستنكرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في بيان نشرته، اليوم، وكالة "وام"، بشدة، هذا العمل الإرهابي، الذي يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويشكّل خطراً جسيماً على إمدادات الطاقة للعالم أجمع.

الإمارات تدين الاعتداء الإرهابي الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة بالسعودية

وجدّدت دولة الإمارات تضامنها الكامل مع المملكة العربية السعودية الشقيقة، ووقوفها التام إلى جانب الأشقاء في المملكة، وتأييدها ومساندتها لها في كلّ ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها، ودعمها الإجراءات كافة التي تتخذها في مواجهة التطرف والإرهاب.

وأكّد البيان؛ أنّ أمن دولة الإمارات العربية المتحدة وأمن المملكة العربية السعودية كلٌّ لا يتجزأ، وأنّ أيّ تهديد أو خطر يواجه المملكة تعتبره الدولة تهديداً لمنظومة الأمن والاستقرار في الإمارات.

وفي هذا السياق؛ أعرب مصدر مسؤول في وزارة الخارجية الكويتية عن إدانة واستنكار دولة الكويت الشديدين للاعتداء الذي تعرض له حقل الشيبة البترولي في السعودية.

وأوضح المصدر؛ أنّ "هذا العمل الذي يستهدف أمن واستقرار المملكة العربية السعودية وإمدادات الطاقة العالمية يتطلب جهداً عالمياً لوقفه بما يجنب المنطقة أزمات وصراعات ومزيداً من التوتر".

الكويت تعبّر عن إدانتها واستنكارها الشديدين للاعتداء الذي تعرض له حقل الشيبة من قبل الحوثيين

وأكّد وقوف الكويت التام إلى جانب السعودية، وتأييدها في كلّ ما تتخذه من إجراءات لصيانة أمنها واستقرارها.

بدورها، دانت الحكومة الأردنية، أمس، "الهجوم الإرهابي الآثم الذي تعرض له حقل الشيبة باستخدام طائرة مسيّرة مفخخة".

ورأى الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية الأردنية، السفير سفيان القضاة، أنّ هذا العمل الإرهابي "تصعيد يستهدف زعزعة الأمن والاستقرار ويزيد من التوتر في المنطقة".

وأكّد، في بيان صحفي، تضامن الأردن الكامل ووقوفه إلى جانب السعودية "في كلّ ما تتخذه من إجراءات للحفاظ على أمنها واستقرارها والتصدي للإرهاب بكل صوره وأشكاله".

الأردن يدين الهجوم الإرهابي الآثم الذي تعرض له حقل الشيبة ويؤكّد تضامنه الكامل مع السعودية

من جهتها، دانت مصر، بأشدّ العبارات، الهجوم على حقل الشيبة جنوب شرق السعودية.

وجدّد بيان لوزارة الخارجية المصرية "تضامن مصر حكومةً وشعباً مع حكومة وشعب المملكة العربية السعودية الشقيقة، ودعم كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمن واستقرار المملكة ضدّ محاولات النيل منها".

وحذّر البيان من "استهداف المنشآت الحيوية في السعودية بما في ذلك المساس بسلامة البنية التحتية للطاقة".

في السياق ذاته؛ أعربت أفغانستان عن استنكارها الشديد للهجوم الإرهابي الذي وقع صباح السبت في إحدى الوحدات بحقل الشيبة البترولي.

وأكّدت أفغانستان "إدانتها لكلّ الأعمال التخريبية والإرهابية" و"تضامنها التام" مع السعودية في الوقوف بحزم ضدّ ما يمسّ أمنها واستقرارها، ويستهدف منشآتها الحيوية المدنية.

مصر تتضامن مع السعودية، حكومة وشعباً، وتدعم كافة الإجراءات اللازمة للحفاظ على أمنها واستقرارها

وأوضحت؛ أنّ "هذه الأعمال الإرهابية التخريبية ما هي إلا امتداد للاستهداف المتواصل لإمدادات الطاقة في العالم بشكل عام، وفي المنطقة على وجه الخصوص، وهذه السلسلة المتواصلة من الاعتداءات الجبانة تتطلّب من المجتمع الدولي تكثيف جهوده لوقف ومنع هذه الاعتداءات على إمدادات الطاقة حفظاً للاقتصاد العالمي".

بدورها، أعربت جيبوتي عن إدانتها وبأشد العبارات للاعتداء الذي تعرضت له إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة النفطي.

وقال سفير جيبوتي لدى السعودية، ضياء الدين سعيد بامخرمة: إنّ "جيبوتي تعدّ هذا الاعتداء استمراراً للتهديدات التي استهدفت إمداد البترول العالمي".

كما أكّد بامخرمة تضامن جمهورية جيبوتي "المطلق" مع السعودية.

وكانت وزارة الطاقة السعودية قد صرّحت، أمس، بأنّ "إحدى وحدات معمل للغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي، جنوب شرق السعودية، تعرضت لهجوم إرهابي، من قبل ميليشيات الحوثي الإرهابية".

وأوضحت الوزارة؛ أنّ الهجوم "تم عن طريق طائرات مسيرة من دون طيار "درون" مفخخة، ونجم عن ذلك حريق تمت السيطرة عليه، بعد أن خلَّف أضراراً محدودة، ودون أيّة إصابات بشرية"، بحسب ما أوردت وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس".

 

 

للمشاركة:

اعتداء مسلَّح على سعوديين في إسطنبول.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

حذرت السفارة السعودية في تركيا المواطنين السعوديين المتواجدين في إسطنبول، وذلك بعد تعرّض مواطنين سعوديين لاعتداء مسلّح، بمنطقة شيشلي في إسطنبول، أسفر عنه إصابة أحدهما بطلق ناري وسرقة أمتعتهما.

السفارة السعودية في تركيا تحذّر مواطنينها المتواجدين في إسطنبول وذلك بعد تعرّض سعوديين لاعتداء مسلح

وقالت سفارة الرياض لدى أنقرة، في بيان أمس: "نظراً لتعرض مواطنين أثناء تواجدهما في إحدى الكافيهات بمنطقة شيشلي في إسطنبول لاعتداء مسلح من قبل مجهولين، نتج عن ذلك إصابة، أحدهما بطلق ناري، وسرقة أمتعتهما الشخصية؛ تطلب السفارة من المواطنين والمواطنات المتواجدين في مدينة إسطنبول أخذ الحيطة والحذر، كما تنصح بعدم ارتياد منطقتي (تقسيم شيشلي) بعد غروب الشمس"، وفق ما نقلت صحيفة "الشرق الأوسط".

ويعدّ التحذير الحالي الذي أصدرته السفارة، أمس، التنبيه السادس الذي أصدره السفارة السعودية، خلال العام الحالي.

وفي الشهر الماضي؛ نبّهت السفارة السعودية لدى تركيا مواطنيها من عصابات تركية تستهدف السائح السعودي، بسرقة جوازات السفر والأموال.

وأكّدت مصادر موثوقة؛ أنّه تمّت سرقة 165 جواز سفر سعودياً خلال أربعة أشهر، في ثلاثة مواقع سياحية تركية، هي: تقسيم وأرتكوي وبشكتاش، وجميع أصحابها وصلوا إلى تركيا للسياحة.

يأتي ذلك بعد أن رصدت السفارة تعرّض مواطنين ومواطنات لعمليات نشل وسرقة لجوازات سفرهم ومبالغ مالية في بعض المناطق التركية من قِبل أشخاص مجهولين.

وشدّدت السفارة، في بيان لها، على ضرورة المحافظة على جوازات السفر والمقتنيات الثمينة، والحذر، خصوصاً في الأماكن المزدحمة، داعية المواطنين لعدم التردّد في التواصل معها، أو مع القنصلية العامة بإسطنبول، في حالات الطوارئ.

السفارة السعودية في تركيا تؤكّد سرقة 165 جواز سفر سعودياً في ثلاثة مواقع سياحية هي: تقسيم وأرتكوي وبشكتاش

من جهته، أكّد القائم بالأعمال في القنصلية السعودية في إسطنبول، مشاري الذيابي، في تصريح صحفي؛ أنّ "السفارة والقنصلية شكّلتا غرفة عمليات على مدار الساعة لاستقبال البلاغات من المواطنين المقيمين في تركيا، الذين تعرضوا إلى سرقة جوازات سفر، ومبالغ مالية"، مشيراً إلى أنّ "موظفي السفارة يتوجهون على الفور إلى موقع الحادثة"، مشيراً إلى أنّ عدد السياح السعوديين انخفض بشكل كبير عن العام الماضي.

وفي أيار (مايو) الماضي، أفادت سفارة الرياض بأنقرة، في بيان؛ بأنّه ورد إليها كثير من شكاوى المواطنين المستثمرين والملاك، حول المشكلات التي تواجههم في مجال العقار في تركيا، مثل عدم حصولهم على سند التمليك، أو الحصول على سندات تمليك مقيدة برهن عقاري، إضافة إلى منعهم من دخول مساكنهم، رغم تسديد كامل قيمة العقار، إلى جانب تهديدهم من قبل شركات المقاولة.

 

للمشاركة:

هل تعتزم إيران شنّ هجمات عسكرية في العراق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

يحشد الحرس الثوري الإيراني قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق، ما يرجّح تحضيره لعمليات عسكرية داخل قرى عراقية.

وأفادت المصادر، التي نقل عنهم موقع "السومرية" الإخباري؛ بأنّ "قوات تابعة للحرس الإيراني بدأت تتجمع بشكل لافت خلال الأيام القليلة الماضية، قرب الأراضي العراقية في إقليم كردستان".

الحرس الثوري الإيراني يحشد قواته قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق لاستهداف جماعات كردية معارضة

وبيّنت أنّ "الحشد الإيراني الجديد يؤشر إلى احتمال وجود مخططات إيرانية لتنفيذ عمليات عسكرية داخل قرى عراقية حدودية في الإقليم".

وأضافت: "هذه العمليات تأتي رداً على هجمات نفذتها أجنحة كردية مسلحة معارضة ل‍طهران انطلقت من مناطق عراقية حدودية في كردستان".

وتابعت: "قوات الحرس الثوري اتخذت جميع الإجراءات الاحترازية، ومنها الاستعداد لقصف مدفعي على مقرات أو مواقع أحزاب إيرانية في بلدات سيدكان وقلعة دزة ومناطق عراقية أخرى حدودية مع إيران".

وأكّد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، اللواء حسين سلامي، خلال تفقده المناطق التي تتولى مهام الحفاظ على أمنها القوة البرية للحرس الثوري في شمال غرب إيران، ومنها المرتفعات الحدودية لمدينتي بیرانشهر وسردشت، المحاذيتين لكردستان؛ أنّ جميع قمم الجبال على الحدود الشمالية الغربية للبلاد خاضعة بشكل كامل لسيطرة وإشراف الحرس الثوري.

 

 

للمشاركة:



هكذا يمكن تفسير دور تركيا المتنامي في الصراع الليبي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-18

ترجمة: مدني قصري


ظهر مصطلح "الربيع العربي"؛ الذي ميّز هذا العقد في وسائل الإعلام، عام 2011، حول تمرّد الشعب الليبي ضدّ الرئيس معمّر القذافي، بعد ثمانية أعوام من مقتله، تحت قصف الطائرات الفرنسية والبريطانية، لم يعد الهدوء بعدُ إلى ليبيا، ولم يصل الصراع أبداً إلى الحدّ الذي وصله اليوم بعد أعوام من الفوضى، التي أدّت إلى احتلال البلاد بأكملها من قِبل القبائل والميليشيات المتصارعة، كلّ منها مدعوم من قِوَى أجنبية بأهداف مختلفة.

اقرأ أيضاً: هكذا تؤجّج تركيا القتال في ليبيا
"حرب بالوكالة" حقيقية تُذكّرنا بالنزاعات السورية واليمنية، التي وُلدت أيضاً من "الربيع العربي"، وبالنزاعات اللبنانية أيضاً قبل أعوام عديدة؛ لأنّه منذ وفاة العقيد السابق، قائد البلاد، إذا كانت الجهات الدولية الفاعلة تحاول دعم مشروعٍ افتراضي مشترك قادر على تحقيق الاستقرار في رأس هذه الدولة؛ فالذي يحدث في الوقت الحالي؛ أنّ هناك طرفَيْن متعارضَيْن يتقاتلان على الأرض لتجسيد هذه الشرعية؛ شعبياً ودولياً.
تجسيد الشرعية شعبياً ودولياً
من ناحية؛ هناك بقايا جيش القذافي السابق، بقيادة المشير حفتر، ومقرّه في مدينة بنغازي الشرقية، بدعم من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ومصر..

دعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكّك العلاقات مع أنقرة

ومن الناحية الثانية؛ حكومة الاتحاد الوطني التي تسيطر على العاصمة طرابلس، بدعم من الميليشيات والأمم المتحدة وقطر وإيطاليا وتركيا، هذه المواجهة تبدو مثيرة للذهول في ضوء العلاقات الدولية الحالية، ولكن يمكن تفسيرها بقضايا الهجرة أو الرهانات الاقتصاد أو الأمنية، بقدر ما يمكن تفسيرها بالرهانات الأيديولوجية والتاريخية. القوى الغربية، وفي مقدّمتها فرنسا والولايات المتحدة، تدعم التقدم العسكري لحفتر، باسم الحرب على الإرهاب، الذي تطور وتفاقم منذ وفاة القذافي، ولكن أيضاً من أجل هدف ضمني، وهو الحصول على رجل قوي جديد على رأس البلد، قادر على استعادة السيطرة على طريق الهجرة إلى أوروبا، وعلى استغلال موارد الطاقة الهائلة التي تمتلكها ليبيا.
 المشير خليفة حفتر

دور تركيا الرائد في الصراع
هذه الطموحات المتعددة يتقاسمها أنصار آخرون لحفتر، الذين يعتمدون عليه أيضاً لمنع انتشار الإسلام السياسي، مع تقديم وتعزيز بيادقهم الجيواستراتيجية الخاصة في هذا البلد الذي تجب إعادة بنائه في يوم من الأيام، فضدّ تحالف المصالح هذا، فإنّ الأمم المتحدة وإيطاليا وقطر وتركيا هي آخر من يدعم التحالف السياسي المعترَف به من قبل المجتمع الدولي بأسره حتى الآن.

اقرأ أيضاً: هذا ما فعله الإخوان في ليبيا
كانت عزلة معسكر طرابلس تبدو في الآونة الأخيرة، حتمية وقاتلة، بالنظر إلى تقدّم قوات حفتر في ضواحي العاصمة، والتي تمكّنت في الأسابيع الأخيرة من الصمود في وجه هجوم مضاد غير متوقع، كانت الأسلحة التركية والمرتزقة الأتراك بمثابة العمود الفقري فيه، كيف إذاً نفسر دور تركيا في هذا الصراع؟
وجود تركي راسخ في ليبيا
بعد أن كانت على التوالي، يونانية ومصرية ورومانية وبيزنطية وعربية، وأخيراً عثمانية، تميّزت الأرض التي نسمّيها اليوم ليبيا بثقافات مختلفة يمكن أن تفسر جزئياً تعقيدها الحالي. احتاجت هذه الثقافات الأجنبية المتنوعة أحياناً إلى تدمير كلّ آثار أسلافها في المنطقة، كما كان الحال في العصور الوسطى على وجه الخصوص مع الفاطميين الذين دمّروا الآثار القديمة، من أجل منع قيام تجمعات مستقرة على هذه المساحة، المأهولة أصلاً بالقبائل الرحّل.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن قراءة الدورين المصري والتركي في ليبيا؟
لذلك؛ كان من الضروري انتظار الفتح العثماني لِما ما يزال يسمّى "Cyrenaica" (برقة)، وفق التقاليد اليونانية القديمة، لرؤية ظهور مدن أخرى، مثل بنغازي، وهي تتطور على طول الساحل.
كانت القسطنطينية ترغب في تعزيز سيطرتها على البحر الأبيض المتوسط، ولذلك سعت لتنصيب الباشوات والحاميات العسكرية في مدينتَي طرابلس ومرزوق، وقد كان ربط هاتين المدينتين بالمقاطعة القديمة لمدينة سيرين، والتي تقع أطلالها بين بنغازي وطبرق، شرق ليبيا، هو الأصل في الشكل الحالي للبلاد.

هذا الانصهار تُفسّره الرغبة في تعزيز وزن هذه المقاطعة العثمانية الجديدة، عن طريق ربطها بمنطقة المرفأ الروماني القرطاجني، وهو إقليم طرابلس، مع حمايتها من تهديدات الصحراء، عن طريق تحصين مدينة أخرى في الجنوب من البلاد، وهكذا ضمّن العثمانيون الخناق على الحدود بين شرق وغرب البحر الأبيض المتوسط؛ حيث حكم القراصنة البربر(1) انطلاقاً من موانئ الجزائر العاصمة، وتونس ومن ثم طرابلس، وكانت هذه المنطقة، التي كانت العمود الفقري لعمليات اللصوصية البحرية منذ القرن السادس عشر، هي أيضاً الطريق التجاري الرئيس لتجارة الرقّ العربية الإسلامية، لأعوام عديدة.

اقرأ أيضاً: ليبيا... أطماع وأوجاع
في محاولة للسيطرة على هذا الموقع الجديد المتقدم المشهور، اعتمدت السلطة العثمانية على حكام موثوق بهم، كان لمصيرهم تأثير في ظهور القومية الليبية، في فجر تفكّك الإمبراطورية خلال الحرب العالمية الأولى.
كان القرمانليون (نسبة إلى الأسرة القرمانلية)(2)، المتمركزون في طرابلس، هم الذين أداروا أوّلاً، بصفتهم باشوات، النشاط البحري باسم القوة العثمانية، وفي أعقاب هزيمة القراصنة في حروب القراصنة البربر ضدّ الولايات المتحدة، التي ادّعت حماية التجارة العالمية في أوائل القرن التاسع عشر، وبعد خسارة الجزائر العثمانية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، أصبحت جماعة الأخوية السنوسية هي المسؤولة عن حكم هذه الأراضي لصالح القسطنطينية، وبدعوتها إلى العودة إلى تفسيرٍ صارم للقرآن الكريم، وبالتوازي مع تطور الحركة الوهابية في نفس الوقت في شبه الجزيرة العربية، سرعان ما أصبحت هذه الجماعة الدينية شعبية؛ بسبب أنشطة مقاومتها للوجود الفرنسي الإيطالي، وأتاحت لليبيا أن تظلّ آخر معقل عثماني في شمال إفريقيا حتى سقوط الإمبراطورية، عام 1920.

اقرأ أيضاً: لأهداف إيديولوجية واقتصادية، أردوغان يزيد من تدخله في ليبيا
بقوة هذا الإرث، ورغم استيلاء إيطاليا موسوليني، عام 1931، تمّ تعيين حفيد إدريس، مؤسس الأسرة الحاكمة، مَلِكاً على ليبيا، عام 1951، بعد استقلال البلاد، وظلّ العاهل الليبي، المنبثق من أسرة عثمانية عريقة، وبعد أن أصبح على رأس منطقة ظلت لقرون من الزمن، واحدة من جسور الإمبراطورية في المنطقة، يقيم علاقات جيدة مع تركيا طوال فترة حكمه.
يفسِّر هذه العلاقات الوثيقة أيضاً الوجودُ الكبير لسكان من أصل تركي، منبثقين من الإمبراطورية العثمانية القديمة، وهو الوجود الذي اختلط خلاله الجنود والمستوطنون الأناضوليون أو القوقازيون مع السكان المحليين على مدى أجيال، وهو ما أدّى إلى ولادة مجموعة عرقية معينة تسمى الكراغلة(3) "Kouloughli"، هذه المجموعة العرقية والاجتماعية المتميزة، التي يمكن تحديد أصلها بأسماء العائلات "التركية"، مثل عائلة قارمنلي، والتي تأكدت واتسعت أهميتها الكمية بعد الاستقلال.
وافق أردوغان على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة للمعارضة

أتراك تركيا النخبة الموروثة من العهد العثماني
أتراك ليبيا، هؤلاء الذين بلغ عددهم 35000 (عام 1936)، بما في ذلك 30000 في منطقة طرابلس وحدها، ولا سيما مدينة مصراتة، كانوا يمثلون بالفعل في ذلك الوقت 5٪ من السكان الليبيين، وقد مكّنهم هذا الموقع الجغرافي الدقيق من تطوير تأثيرهم على هذه المنطقة بالذات، حيث شكّلوا نوعاً من النخبة الموروثة من العهد العثماني.

اقرأ أيضاً: تدخلات تركيا في ليبيا... مصالح و"أخونة"
هؤلاء الكراغلة، الذين جلبوا طقوسهم الدينية من القسطنطينية، وشكّلوا جمعيات المساعدة المتبادلة للمغتربين، ما لبثوا أن جذبوا غضبَ النظام الجديد عليهم بمجرد إلغاء المَلكية.
وهكذا؛ ففي أعقاب انقلاب العقيد القذافي، عام 1969، الذي استفاد من إقامة طبيّة للمَلك إدريس في تركيا، وجدت الأقلية التركية في ليبيا نفسها مُجبَرة على التخلي عن ثقافتها وامتيازاتها التي عُدَّت مُضرّة بعروبة القائد الجديد، بعد ذلك؛ تعقّدت العلاقات التركية الليبية، بفعل شخصية معمر القذافي، الذي ضاعف الاتفاقيات الاقتصادية مع نظرائه الأتراك المتعاقبين، لكن مع دعمه، بموازاة ذلك، للتمرد الكردي في الأناضول.
تركيا العثمانية تعزز نفوذها في ليبيا
هذه العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا، لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها؛ حيث اجتذبتهم الفرص الاقتصادية لهذه المنطقة التي تعيش من ريع مواردها من الطاقة، ومنذ بداية الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات، انتقل العدد من 664 عاملاً متواجداً على الأراضي الليبية، بين 1961 إلى 1973، إلى 48457 عاملاً بين عامَي 1974 إلى 1980، وإلى 106735 عاملاً من 1981 إلى 1985، استقروا بكثافة حول مدينتَي طرابلس ومصراتة، وعززوا التأثير التاريخي التركي العثماني غرب البلاد، وهم ينشطون في صناعة البناء، ويلتزمون مع شركاتهم بعقود بمليارات الدولارات، مثل مشروع امتداد الطريق الساحلي انطلاقاً من العاصمة.

اقرأ أيضاً: لماذا تدعم تركيا الميليشيات المسلحة في ليبيا؟!
هذا الالتزام لا يمنع حكومة تركيا رجب طيب أردوغان من أن تعلن نفسها من بين البلدان الأولى المطالبة باستقالة القذافي، عام 2011؛ فدعم القذافي لقضية الأكراد في الأناضول كان ينبئ منذ فترة طويلة بتفكك العلاقات مع أنقرة، وهو التفكّك الذي أصبح رسمياً عندما ضمِن ممثلو المتمردين لتركيا استمرار العقود الموقعة.
فشل مرحلة ما بعد القذافي الانتقالية
بعد تقديم العديد من الخطط للعقيد القذافي لإنهاء النزاع سلمياً، بما في ذلك العرض الذي قُدّم له بمغادرة البلاد، وتعيين رئيس بدلاً منه، قررت أنقرة أخيراً دعم تدخّل المجتمع الدولي، ومع ذلك؛ فمن دون المشاركة في العمليات العسكرية الفرنسية البريطانية التي استهدفت النظام، وافق أردوغان مع ذلك على إرسال سفن حربية للمشاركة في حظر الناتو على شحنات الأسلحة الموجَّهة إلى معارضي النظام، وفق قرار صادر عن الأمم المتحدة، وبعد ذلك، وبدعمٍ رسميّ من المجتمع الدولي بأسره، انتصر معارضو النظام في نهاية المطاف، بعد ثمانية أشهر من الصراع، في أواخر تشرين الأول (أكتوبر) 2011.

العلاقات المعقدة بين ليبيا وتركيا لم تمنع الشركات والعمال الأتراك من القدوم إلى ليبيا لتضخيم حجم الجالية المغتربة فيها

والحال؛ أنّ إعلان رئيس المجلس الوطني الانتقالي عزمه وضع دستور ليبي جديد..، بدأ يُقلق القوى التي أيدته، وكانت أسلمة الدولة مقيَّدة من قبل العقيد، ولذلك كان يُخشَى ظهورُ عنف جديد في البلاد، خاصة أنّه، منذ آذار (مارس) 2012، أعلن أحد أفراد العائلة المالكة السابقة، سليل الملك إدريس، وجماعة الأخوية السنوسية، والذي عُيّن على رأس المقاطعة الشرقية من البلاد، استقلال برقة (سيرينايكا) "Cyrenaica"، عن طرابلس، جرت هذه المحاولة لتقسيم ليبيا قبل أسابيع قليلة من أول انتخابات تشريعية، في تموز (يوليو) 2012، لتعيين 200 عضو في المؤتمر الوطني العام، وتمّ استبعاد جميع أقارب نظام القذافي السابقين تلقائياً منها.
هذا القرار ساعد في ظهور طبقة سياسية متجددة بالكامل، ولكنّها في الغالب إسلامية وغير ملتزمة سياسياً، وهو ما حال دون ظهور أيّ ائتلاف قابل للحياة ومستقر على رأس الدولة، وهكذا؛ ففي آذار (مارس) 2014، تمت الإطاحة بالشخص الذي تمّ تعيينه رئيساً للوزراء من قبل هذه الجمعية التأسيسية الأولى، من قبل هذه الهيئة التشريعية نفسها، وأجبِر على الفرار من البلاد أمام تجدد أعمال العنف من جانب الميليشيات المسيطرة في العاصمة، مثل القبائل في بقية البلاد.

اقرأ أيضاً: التهريج الأردوغاني في ليبيا
إنّ ضعف القوة المركزية هذه أمام القوى المسلحة ذات التوجه الديني أو الطائفي، أو القائمة على تجنيد المرتزقة، يعزز هذا الشعور بالانقسام الذي تعيشه ليبيا، وممّا يعزز هذا الاتجاه الانتخابات الجديدة، التي جرت في حزيران (يونيو) 2014، والتي شهدت رفض الأغلبية الإسلامية في المؤتمر الوطني العام لهزيمتها في صناديق الاقتراع، بحجة نقص مشاركة الناخبين، والتي وصلت إلى 30 ٪ فقط من الأصوات؛ لذلك قرّر مجلس النواب الجديد الذي كان من المفترض أن يحلّ محلّ الجهاز التأسيسي لما بعد الثورة، الانتقالَ إلى طبرق، بدلاً من طرابلس، في أقصى شرق البلاد، لتشكيل حكومته الخاصة.

انقسام ليبيا يقلق القوى الدولية
انقسمت ليبيا بعد ذلك إلى عدة معسكرات: معسكر المؤتمر الوطني العام في طرابلس في الغرب، ومعسكر مجلس النواب في الشرق، والمعسكر الذي تنتمي إليه القبائل التي لا تعترف بأيّة وصاية، في الأجزاء الصحراوية من البلاد، وبات هذا الوضع يقلق القوى الدولية، التي ترى الآن الإرهاب وتهريب البشر، والإسلاموية، وحركات الهجرة، وهي تتضاعف في قلب هذه الأرض التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي أصبحت فريسة للفوضى، وقد فقد الغربيون أهميّتهم في عيون المتمردين السابقين، الذين كانوا يهتفون لهم عام 2011، وأصبحوا هدفاً للهجمات: عام 2012، تعرضت القنصلية الأمريكية في بنغازي للهجوم، ما تسبّب في وفاة الممثل الدبلوماسي المحلي لواشنطن، كما تعرضت سفارة فرنسا أيضاً لهجوم، عام 2013، مما أجبرها على الانتقال إلى تونس.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

تركيا ورسوخ ثقافة عدوانية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

محمد بدر الدين زايد

تمثل تركيا تاريخياً، نموذجاً للسياسات العدوانية، بل كانت التعبير عن تلك السياسات في العقلين الغربي والعربي على السواء. وفي الوقت الراهن تواصل تركيا سياسات عدوانية في ثلاث جبهات رئيسة: في سورية وليبيا وشرق المتوسط، وبدأت حالة تهدئة غالباً موقتة مع الشريك الاستراتيجي منذ الحرب العالمية الثانية، أي الولايات المتحدة، بعد أن كان مناخ العلاقات في توتر شديد منذ إصرار أنقرة على إتمام صفقة الصواريخ الروسية "اس 400" وحول عدد آخر من الملفات، ولكن يبدو أن واشنطن اختارت بعض التهدئة في المرحلة الراهنة. العدوان التركي على ليبيا مستمر منذ بدء الاضطرابات ضد القذافي. ولكي لا يكون هناك خلط، فإن تأييد أنقرة الثورة ضد القذافي، فهذه رؤيتها السياسية على شرط أن لا تصحبها إجراءات تتضمن محاولة تغيير والتأثير على إرادة الشعب الليبي. وهذا هو ما حدث للأسف. وبالإضافة إلى دعم الميليشيات المسلحة ضد النظام، فقد استمر هذا الدعم بعد إطاحة القذافي واغتياله. وبدت معالم التورط التركي – القطري في مراحل متقدمة وسابقة لآخر انتخابات برلمانية، وهي التي أسفرت عن مجلس النواب الحالي الذي لجأ إلى طبرق منذ منتصف العام 2014. بعدها بدأت تركيا تورطها العدواني ضد الشعب الليبي، ووصل الأمر إلى نقل سفينة تركية لأعداد من مقاتلي "داعش" من الجبهة السورية إلى أحد الموانئ الليبية، ما كان له دور خطير في انقلاب التوازن العسكري لصالح فصيل "فجر ليبيا" الإخواني ضد خصومها والسماح لها بالسيطرة على مطار طرابلس في العام 2014، ومن ثم تكريس الوضع الراهن الذي يشهد آخر تداعياته حالياً مع زحف الجيش الليبي ضد هذه الميلشيات التي تسيطر في شكل مطلق على العاصمة منذ ذلك الوقت. والآن ونحن في هذا الفصل الحرج من المواجهة الصعبة حول العاصمة الليبية، واصلت تركيا نقل أسلحة وذخائر لهذه الفصائل الإرهابية، وهو ما أشرنا إليه هنا غير مرة، متمثلاً في حوادث ضبط السفن التركية أو الاستيلاء على هذه الأسلحة خلال المعارك، وآخرها الطائرات المسيَّرة التركية التي تم إسقاطها وتدميرها. وفي سورية تكتسب طاقة العدوان على الدولة والشعب المزيد من قوة الدفع. فمنذ البداية لعبت تركيا دوراً مشوهاً لثورة الشعب السوري، وعملت على تسليح الفصائل المتطرفة وبخاصة "جبهة النصرة" ذات الصلة بتنظيم "القاعدة". وواصلت هذا بعد تغيير اسمها إلى "هيئة تحرير الشام"، وكانت دوماً طرفاً في المعادلة السورية، ما اضطر روسيا إلى إشراكها في المظلة الثلاثية، أي روسيا وتركيا وإيران، كصيغة لإدارة وتنظيم نظام الوصاية واحتلال هذه الدول للأراضي السورية وليس فقط إدارة الأزمة. وفي العام الأخير أصبحت أنقرة هي الراعي العلني للتطرف ولفصائله المختلفة وأمام أعين العالم كله. ففي ترتيبات إدلب، كان الاتفاق أنها ستنزع السلاح الثقيل الخاص بالفصائل المسلحة، كما ستفصل تللك المتشددة ومنها "القاعدة" و"داعش" عن تلك الأكثر اعتدالاً. وهو طبعاً لم يحدث. وقامت أنقرة بتوظيف وجودها في هذه المناطق شمالي غرب سورية لنقل مزيد من الإرهابيين والمتشددين إلى ليبيا. أما العدوان الأكبر والصريح فتجري تطوراته منذ أكثر من عام، بتحرك قوات تركية مباشرة لاحتلال مناطق من سورية بحجة التصدي لمحاولات إقامة دولة كردية. وأخيراً كان تصعيد الأزمة بتهديدها باحتلال مساحات من الأراضي السورية المتاخمة لها لإقامة منطقة آمنة.

وهي الأزمة التي كان عنوانها الرئيس هو التخوف من احتمال حدوث مواجهة عسكرية ضد القوات الأميركية المصاحبة للقوات الكردية في قتالها ضد "داعش". واختتمت فصول هذه المسرحية الهزلية بالاجتماعات الأمنية التركية - الأميركية التي أسفرت عن ترتيبات غامضة في ما يتعلق بمساحة المنطقة الآمنة التي كانت تركيا تريدها بعمق 35 كيلومتراً وطول 140 كيلومتراً، وواشنطن تريدها أقل من نصف هذا. بينما ما تمَّ الاتفاق عليه هو إنشاء مركز عمليات مشترك ودوريات أميركية تركية مشتركة. ولم تتضح بعد بدقة مساحة المنطقة الآمنة ولكن بدأ الحديث عن حل وسط في ما يبدو بعمق 20 كيلومتراً، وإن كان لا يزال هناك خلاف حول مسألة التدرج في إنشاء هذه المنطقة التي تريدها واشنطن بينما تتعجل أنقرة في هذا. كما أنه من الواضح أن تركيا تريد نقل النازحين السورين الذين كانت تزايد وتتاجر باستضافتهم إلى هذه المنطقة الآمنة، لتطوي صفحة لم تعد في حاجة إليها. ومرة أخرى، وأياً كانت رؤيتي تجاه نهج التعاطي الإقليمي مع المسألة الكردية وضرورة معالجتها في شكل مختلف يتضمن نهج الاحتواء الإيجابي، فإنه يمكن تفهم دواعي تركيا لو كانت تكتفي بضمانات ضد قيام كيان كردي وإعطاء وقت كاف لترتيبات لمعالجة الأوضاع السورية كافة، ولكن الواضح هو تكريس سيطرة تركية على أراض سورية وتعقيد فرص تسوية هذه الأزمة وتصعيب مهمة القضاء على التنظيمات المتطرفة التي تصر أنقرة على مواصلة رعايتها.

وتواصل تركيا التنقيب عن الغاز خارج مياهها الإقليمية في سلوك يعكس ثورة غضبها لما تعتبره استبعاداً لها من "منتدى غاز شرق البحر المتوسط" الذي تلعب فيه مصر دوراً محورياً بالتعاون مع اليونان وقبرص. ولم تنتبه تركيا بالطبع إلى أن عزلتها الإقليمية المتوسطية هي نتاج سياسات من العدوان على مدى قرون، تأكدت حديثاً بغزو قبرص في سبعينات القرن الماضي، وإعلان انفصال الجزء التركي منها واعتباره جمهورية مستقلة، لم يعترف بها أحد في العالم سوى أنقرة التي تتجاهل أن هذا النهج يناهض محور سياستها الخارجية وهو عدم السماح بقيام دولة كردية أو بأي تعديلات للحدود القائمة التي من بينها لواء الأسكندرونة الذي احتلته منذ عقود طويلة. وتتغافل أنقرة عن أن احتلالها لهذا الشق القبرصي يعرقل أي عمليات لترسيم الحدود في شمال شرق المتوسط. بعبارة أخرى، فإن سياساتها العدوانية والمتعالية هي التي خلقت منظومة استبعادها من شرق المتوسط، ثم جاءت رعايتها لمشروع الإسلام السياسي المتطرف لتعمق من مخاوف جيرانها الذين يرون أن هذا التوجه ينطوي على نيات توسعية وأوهام تركية مكشوفة. وفي الواقع فإن هذا الموضوع يتضمن الكثير من التفاصيل والمعلومات التي تكشف مدى تفشي العدوانية في العقل التركي، وهي الدليل الدائم على طغيان طبيعة الشخصية القومية التركية وتاريخها على استمرار هذه السياسة الخارجية، التي يبدو أن غيابها لبعض الوقت في تركيا الحديثة كان فقط تحت السطح، ولم يكن يعكس الواقع. ودليل ذلك هو قِصر هذه الفترات في التاريخ التركي. ومن ثم فإنه عندما طرح وزير خارجية تركيا السابق أحمد داود أوغلو –الذى أصبح رئيسا لوزرائها بعد ذلك لفترة من الوقت، ثم استقال لخلافه مع أردوغان - فكرة صفر مشاكل مع الجيران، وبدا بعض التحسن في أداء السياسة الخارجية التركية، ثم انتكس لتبرز مجدداً المواجهة مع الجيران، ويبرز كذلك التوتر في علاقاتها الأوروبية، ونمط معقد من إدارة الخلافات مع واشنطن. أما مع روسيا، فهناك قدرة على إدارة مصالح وترتيبات مشتركة، ولكنها لا تخفي حقيقة عمق التناقضات الاستراتيجية بين الجانبين، وعلى رأسها الخلاف حول توظيف الإسلام السياسي ومخاوف روسيا الجادة من هذا المشروع.

وأشير أخيراً إلى أمرين؛ أولهما أنني كنت من المتحفظين علمياً على مخاطر التعميم وما نطلق عليه التنميط في فهم ثقافات الشعوب المختلفة، ولكن ما لا يمكن إنكاره أن هناك أشكالاً تركي معقد في نمط تعاطيها مع الآخرين عموماً أو في ما يتعلق بطموحاتها التوسعية تاريخياً، وثانيها أنني أظن أيضاً أن دولة بهذه التقاليد العدوانية، لن تستطيع الحفاظ على ازدهارها الاقتصادي، الذي يحتاج الحفاظ عليه إلى سياسة خارجية أكثر حصافة وأقل عدوانية وإلى حكم يفهم أن بعض المكاسب قصيرة الأجل قد يتم دفع ثمن باهظ لها في مراحل تالية.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

هل تخلى الإخوان المسلمون عن المنافسة على السلطة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-18

بابكر فيصل

في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وجدت جماعة الإخوان المسلمين المصرية، حرجا كبيرا في مواصلة رفع شعارات الحاكمية وتطبيق الشريعة فقررت الخروج من ذلك المأزق عبر طرح جديد يتمثل في إنشاء حزب مدني يستند إلى مرجعية إسلامية أطلقت عليه مسمى "حزب الحرية والعدالة"، باعتباره حلا يدفع عنها شبهة السعي للخلط بين السياسة والدين وتوظيف الأخير لخدمة الأهداف السياسية.

بمناسبة حلول الذكرى السادسة لسقوط حكم الإخوان، أصدر المكتب العام للإخوان المسلمين بمصر في 29 حزيران (يونيو) الماضي بيانا أوضح فيه أن الجماعة أجرت مراجعة جادة، أفضت إلى إعادة النظر في أفكارها وسلوكها، وأبان أن الجماعة ستعمل على إنجاز التغيير الثوري الشامل بالتعاون مع القوى السياسية الأخرى.

أهم ما جاء في البيان هو القول "فإننا نعلن أن جماعة الإخوان المسلمين تقف الآن على التفريق بين العمل السياسي العام، وبين المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة، ونؤمن بأن مساحة العمل السياسي العام على القضايا الوطنية والحقوق العامة للشعب المصري، والقيم الوطنية العامة وقضايا الأمة الكلية، هي مساحة أرحب للجماعة من العمل الحزبي الضيق والمنافسة على السلطة، وسنعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية، داعمين للأمة، ونمارس الحياة السياسية في إطارها العام، وندعم كل الفصائل الوطنية التي تتقاطع مع رؤيتنا في نهضة هذا الوطن في تجاربها الحزبية، ونسمح لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء من أبنائها بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانتشار مع الأحزاب والحركات التي تتقاطع معنا في رؤيتنا لنهضة هذه الأمة".

ظل مطلب الوصول للحكم وإقامة "الدولة الإسلامية" يمثل الركن الأساسي في أفكار جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره الضمانة الوحيدة لتطبيق حكم الله القائم على الشريعة الإسلامية، وكذلك لكونه نقطة الانطلاق نحو استعادة الخلافة الإسلامية التي ستقود بدورها لسيطرة المسلمين على كل أرجاء المعمورة أو ما أسماه المرشد المؤسس، حسن البنا، "أستاذية العالم".

نسبة لأهمية ذلك المطلب، أي إقامة الدولة الإسلامية، ومركزيته في فكر الجماعة، فقد رفع البنا من مكانته وجعله ركنا من أركان الإسلام، شأنه شأن الصلاة والصوم والحج، بحيث أضحى التقصير في طلبه وعدم السعي لإقامته يمثل خروجا على الدين نفسه.

يقول البنا في رسالة المؤتمر الخامس: "فالإخوان المسلمون يسيرون في جميع خطواتهم وآمالهم وأعمالهم على هدى الإسلام الحنيف كما فهموه، وكما أبانوا عن فهمهم هذا في أول هذه الكلمة. وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديما قال الخليفة الثالث رضي الله عنه: 'إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن'".

وبما أن الحكومة عند الإخوان تعتبر ركنا لا يكتمل بنيان الدين بدونه، فإن السعي لإقامتها أصبح فرضا لا مناص منه وأولوية تسبق أي مطلب آخر، حيث اعتبر المرشد المؤسس أن "قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف".

إن قرار الجماعة بعدم السعي للمنافسة على السلطة والاكتفاء بالعمل السياسي العام يمثل "جريمة إسلامية" في نظر حسن البنا، ويعتبر تحولا كبيرا في المنطلقات الفكرية للجماعة التي سعت منذ نشأتها للوصول للسلطة عبر جميع الوسائل بما فيها قوة السلاح والانقلاب العسكري، وليس أدل على ذلك من دخولها في مواجهات عنيفة شاملة مع الدولة المصرية طوال تاريخها الممتد منذ عام 1928.

الأمر الثاني الذي أشار إليه البيان بوضوح هو السماح "لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء" من أبناء الجماعة بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانضمام للأحزاب والحركات الأخرى التي تتقاطع رؤيتها مع رؤية الجماعة للنهضة، وهذا أيضا يمثل نقلة في فكر الإخوان المسلمين الذين كانوا يرفضون انضمام عضويتهم لأية جهة سوى حزب الحرية والعدالة الذي أسسته الجماعة في أعقاب ثورة يناير.

على الرغم من أن البيان أوضح تركيز الجماعة على "القضايا الوطنية" و"القيم الوطنية"، إلا أنه حمل بين طياته ذات التوجهات الأممية للجماعة بحديثه عن "الأمة"، والمقصود بها الأمة الإسلامية، وهذه إحدى الإشكاليات في فكر الإخوان المسلمين، الذين ظلوا ينادون بعودة الخلافة الإسلامية ويرفعون شعار "الجهاد" من أجل السيطرة الكونية عبر المراحل الست التي وضعها المرشد المؤسس والتي تنتهي بما أسماه "أستاذية العالم".

كان المرشد المؤسس قد أوضح الهدف النهائي من أستاذية العالم بقوله: "نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم وأن نبلغ الناس جميعا، وأن نعم بها آفاق الأرض، وأن نُخضع لها كل جبار، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم".

الالتباس الثاني الذي حملته سطور البيان يتمثل في عدم التعريف الدقيق لماهية "العمل السياسي العام" الذي ترغب الجماعة في الاكتفاء به، فضلا عن سكوت الجماعة عن كثير من الأمور الهامة وفي مقدمتها الإجابة عن السؤال التالي: هل يعني عدم السعي للمنافسة الحزبية على السلطة توقف الجماعة عن المطالبة بتطبيق شعارات الشريعة والحدود والحاكمية والخلافة الإسلامية؟

أيضا لا يشرح البيان معنى القول بأن الجماعة "ستعمل كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية"، ذلك لأن الحديث عن "الخلفية الإسلامية" هو حديث فضفاض وحمَّال أوجه، وقد يعني استمرار الجماعة في خلط القضايا السياسية مع الأمور الدينية ومواصلة استخدام ذات الأساليب التي ظلت الجماعة تعمد بها إلى إخفاء أهدافها السياسية والاجتماعية وراء قناع الدين.

خلاصة الأمر هي أن بيان المكتب العام للإخوان المسلمين يطرح أسئلة أكثر من كونه يُعطي إجابات على كثير من الأمور والقضايا التي تحتاج إلى إيضاح وتبيين، وإذ يتضح من العنوان العريض للبيان أن مراجعة الجماعة لأفكارها وتجربتها الطويلة أفضت إلى قرارها بترك المنافسة على السلطة، فإنه يتوجب عليها أن تطرح رؤيتها الجديدة بصورة أكثر شمولا وتفصيلا، وأن توفر الإجابات عن الأسئلة الكثيرة المرتبطة بانعكاسات ذلك القرار ومدى تأثيره على مبادئها وأفكارها وشعاراتها وممارستها التي استمرت منذ عام 1928 وحتى اليوم.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية