عبدالله القصيمي: ثار على المقدس وأشعل الحرائق في الأفكار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
3546
عدد القراءات

2017-12-28

عندما توفّى، وحتى ينشر خبر نعيه في الصحف، اضطر أصدقاؤه إلى تغيير حقائق عنه، ربما تكون جذرية، من أجل إشهار نبأ رحيله عن هذه الدنيا التي عاركها وعاركته، وأشعل في أفكارها الحرائق، واختلف القوم بشأنه، لا سيّما وأنه ابن منطقة لم تعرف هذه المشاكسة التي تمسّ المقدس، وتصيبه في مقتل.
ينتسب المفكر السعودي عبدالله القصيمي إلى جيل قديم في الثقافة العربية المعاصرة، وكان لوقع اسمه في الخليج العربي رنة تبعث على الشكوك، وتثير المشكلات، فكانت كتبه ومنشوراته توزّع سراً، وكانت أفكاره تُهرّب، والويل لمن تورط بحيازة فكرة أو منشور أو كتاب لعبدالله القصيمي الذي يوصف بأنه من أوائل الملحدين وأشهرهم في السعودية والخليج العربي.

كانت كتبه ومنشوراته توزّع سراً وكانت أفكاره تُهرّب

ورغم ما جلبته هذه الاختيارات الفكرية عليه من متاعب، وما وضعت في سبيله من عثرات، وعقبات هددت حياته، إلا أنّ ذلك لم يحُلْ دون أن يوصف من لدن الشيخ حسن القاياني في مجلة "المقتطف"، في عددها الصادر في 10 شباط (فبراير) 1947، "معسكر الإصلاح في الشرق، قلبه هو السيد القصيمي نزيل القاهرة اليوم، نجديّ في جبته وقبائه، وصمادته وعقاله، فإذا لمحَتهُ عيناك لأول مرة، قلتَ: زعيم من زعماء العشائر النجدية، تخلف عن عشيرته، لبعض طيته، حتى إذا جلستَ إليه فأصغيت إلى حديثه الطيب، أصغيتَ إلى عالم بحر يفقه بعلم ديني واجتماعي".
القاياني يضيف: "تعرّفتُ إلى العلم النجديّ القصيمي، فجلست إليه مرة ومرة، ثم شاهدته كرّة، فناهيك منه داعيةَ إصلاح، أكثر ما يلهج به الشرق وأدواؤه وجهله ودواؤه".

ولد القصيمي، بحسب السرديات التاريخية، في العام 1907 في خب الحلوة بمدينة بريدة في منطقة القصيم وسط السعودية، وأخواله من عائلة الرميح المشهورة. التحق بالأزهر في القاهرة في العام 1927، لكنه سرعان ما فُصل منها بسبب تأليفه كتاب "البروق النجدية في اكتساح الظلمات الدجوية"، الذي جاء رداً على مقالة عالم الأزهر يوسف الدجوي "التوسل وجهالة الوهابيين" المنشورة في مجلة نور الإسلام في العام 1931.
بعدها، ألّف القصيمي كتباً هاجم فيها علماء الأزهر، مثل "شيوخ الأزهر والزيادة في الإسلام"، "الفصل الحاسم بين الوهابيين ومخالفيهم" و"الثورة الوهابية".

وبعد هذه المرحلة، كما يرى مؤرخو سيرة الرجل، تغيّر القصيمي ووصل مرحلة وصفه فيها معارضوه بالملحد. فألّف كتاب "هذي هي الأغلال" وكتاب "يكذبون كي يروا الله جميلاً"، وكتابه "العرب ظاهرة صوتية".

ولد القصيمي في العام 1907 في خب الحلوة بمدينة بريدة في منطقة القصيم وسط السعودية

ونتيجة لتوجهه الإلحادي الجديد، تعرّض القصيمي لمحاولتيْ اغتيال في مصر ولبنان. ثم سُجن في مصر بضغط من الحكومة اليمنية، بعدما بان تأثر طلاب البعثة اليمنية في مصر بفكره، لكثرة لقاءاته بهم.
وفُرض حصار شديد على القصيمي وأفكاره وكتبه، وظل هذا الحظر مقيماً ردحاً طويلاً من الزمن حتى قررت أخيراً دار جداول للنشر والترجمة التي يديرها السعودي الدكتور يوسف السمعان التعاقد مع المحامي المصري إبراهيم عبدالرحمن لنشر وتوزيع كتابه "خمسون عاماً مع عبدالله القصيمي". وعبدالرحمن، كما يقول موقع "إيلاف" أحد أكثر الأشخاص القريبين من القصيمي، تعرّف إليه أثناء دراسته الثانوية، ولم يفارقه إلا ملقياً عليه وداعه الأخير قبل أن يُوارى الثرى في مقابر باب الوزير في القاهرة في 9 كانون الثاني (يناير) 1996.
وقيل إنّ القصيمي عاد إلى الإسلام في آخر حياته، وثابر على تلاوة القرآن الكريم. لكن عبدالرحمن نفى هذا، مؤكدًا أنه مات على فكره الذي عُرف عنه.

وسبق للكاتب عبد الله القفاري، في الحلقة الثالثة من سلسلة مقالات معنونة "خمسون عاماً مع القصيمي"، نشرت في جريدة الرياض السعودية في عددها الصادر في 16 حزيران (يونيو) 2008، أنْ ذكر:
سألته أخيراً (ويقصد الكاتب القفاري أنه سأل ابراهيم عبد الرحمن) هناك من روج لفكرة تحول القصيمي في آخر أيام حياته وهو على فراش الموت، وأنت القريب منه حتى تلك الساعات الأخيرة في مستشفى فلسطين حيث ودع الحياة؟! قال لي: هذه كذبة جميلة، روج لها البعض ليُمرّر اسم القصيمي على صفحات الصحف، في وقت كانت الكتابة عن القصيمي مشكلة بحد ذاتها، فقد حسم عبد الله القصيمي منذ وقت مبكر خياراته، لقد كانت كذبة جميلة تستهوي من يبحث عن فكرة التائب العائد، لكنها ليست هي الحقيقة على الإطلاق".

تغيّر القصيمي ووصل مرحلة وصفه فيها معارضوه بالملحد

يقول عبد الله القصيمي في كتابه "هذي هي الأغلال": إنّ المسلمين يقفون أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يستفيدوا من التراث العلمي للبشريةـ أو أن يبقوا متخلفين جهلة، ولكي يتخلصوا من الركود الذي هم فيه، ما عليهم إلا أن يعرفوا أنه لا توجد معرفة ضارة ولا جهل نافع، وأن كل الشرور مصدرها الجهل، وكل الخير مصدره المعرفة".       
أما في كتابه "العرب ظاهرة صوتية" فيرى أن"العرب ليظلون يتحدثون بضجيج وإدعاء عن أمجادهم وانتصاراتهم الخطابية حتى ليذهبوا يحسبون أن ما قالوه قد فعلوه، وأنه لم يبق شيء عظيم أو جيد لم يفعلوه لكي يفعلوه.. إن من آصل وأرسخ وأشهر مواهبهم أن يعتقدوا أنهم قد فعلوا الشيء لأنهم قد تحدثوا عنه".

تعرّض القصيمي لمحاولتيْ اغتيال في مصر ولبنان ثم سُجن في مصر بضغط من الحكومة اليمنية

ويقول في كتابه "عاشق لعار التاريخ": "قد يكون تحطيمك لصنم ما، تشييداً لصنم أعظم". ويضيف في موقع آخر من الكتاب بلغة شاعرية وجدانية:
"إن كل دموع البشر تنصبّ في عيوني...
إن كل أحزانهم تتجمع في قلبي...
إن كل آلامهم تأكل أعضائي...
ليس لأني قديس، بل لأني مصاب بمرض الحساسية، بمرض الانتقال إلى الآخرين، إلى أحزانهم، إلى آلامهم، إلى آهاتهم المكتومة والمنطوقة، إلى عاهاتهم المكشوفة والمستترة.
إني أنقد الإنسان بقسوة لأني أتألم له، لأنه ليس سعيداً كما أريده، ليس نظيفاً كما أريده، ليس عظيماً كما أريده.

لا توجد معرفة ضارة ولا جهل نافع وأن كل الشرور مصدرها الجهل، وكل الخير مصدره المعرفة

إني أريد الابتسام والسرور لكل القلوب لكل الوجود، فلا أجد ما أريد، فأثور وأنكر، أعاتب الكون والحياة، لأنهما لم يحترماه، لم يرحماه، لم يسألاه.
إني أغضب من أجل الانسان... ليس لأني قديس بل لأني حزين، لأني حزين!"
وتتضّح معالم فكر القصيمي أكثر في كتابه "العالم ليس عقلاً" حيث يقرر أن "الذين لا يشكّون هم الذين لا يعلمون. فالعلم دائماً شك والجهل يقين. وكلما تعلمنا الشيء وأحطنا به ازددنا شكاً. والمبصرون أكثر من العميان شكاً في مرئياتهم. وكلمة يقين لا وجود لها في القوانين الكونية أو العلمية".

عن"thewhatnews.net"

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل كان المفكر المصري فرج فودة ملحداً؟

2,386
عدد القراءات

2019-06-13

ينتسب الكاتب والمفكر المصري الراحل، فرج فودة، إلى طائفة من المثقفين العرب الذين جاهروا بآرائهم المناوئة لعاصفة التفكير الديني بمعناه الشعبوي والسلفي، فلقي حتفه، حتى إنّ أتباعه يصفونه بـ"شهيد الكلمة" وهو وصف يستحقه؛ لأنه امتلك ناصية الشجاعة في الإعراب عن آرائه، غير عابئ بقوة التكفير المضادة التي أحلّت دمه بزعم أنه "مارق" و"كافر" و"ملحد"، رغم أنه ظل يفكر في دائرة الدين، ودعا إلى جعل الشريعة أداة بناء للإنسان والمستقبل، لا معول هدم للعقل والروح.

هل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم، وتضع ميقاتاً لتجديد البيعة، وتحدد أسلوباً لعزل الحاكم؟

كان فودة يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أنّ الدولة المدنية لا شأن لها بالدين. وبسبب آرائه هاجمته جبهة علماء الأزهر، وأصدرت في 1992 بياناً نشرته "جريدة النور" قضى "بكفر" فرج فودة ووجوب قتله.
وفي 8 حزيران (يونيو) 1992 وبينما كان فودة يهمّ بالخروج من مكتبه بشارع "أسما فهمي" بمدينة نصر بالقاهرة، بصحبة ابنه الأصغر وأحد أصدقائه الساعة السادسة و45 دقيقة، جرى اغتياله على يد أفراد من الجماعة الإسلامية، حيث قام شخصان بينهما مُطلق الرصاص من بندقية آلية بقتله فيما كانا يركبان دراجة نارية، فيما أصيب ابنه أحمد وصديقه إصابات طفيفة. أصيب فرج فودة إصابات بالغة في الكبد والأمعاء، وظل بعدها الأطباء يحاولون طوال ست ساعات إنقاذه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، ونجح سائق فرج فودة وأمين شرطة متواجد بالمكان في القبض على الجناة.
كتاب فرج فودة "الحقيقة الغائبة"

اغتيال بفتوى من شيوخ جماعة الجهاد
وتبيّن أنّ الجريمة جاءت بفتوى من شيوخ جماعة الجهاد وعلى رأسهم الشيخ عمر عبد الرحمن. وفي شهادة الشيخ محمد الغزالي في أثناء محاكمة القاتل، وصف الغزالي فودة بـ "المرتد" "وأنه "يجب قتله" وأفتى بجواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان هذا افتئاتاً على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة، وهذا يعني أنه لا يجوز قتل من قتل فرج فودة، حسب تعبيره.

اقرأ أيضاً: السلفي السابق أسامة عثمان: كتابات فرج فودة حوّلت أفكاري 
أثناء المحاكمة سئل قاتل فرج فودة: 
لماذا اغتلت فرج فودة؟
القاتل: لأنه كافر
ومن أي من كتبه عرفت أنه كافر؟
القاتل: أنا لم أقرأ كتبه
كيف؟
القاتل: أنا لا أقرأ ولا أكتب..!
وفيما يأتي مقتطفات من كتاب فرج فودة "الحقيقة الغائبة":
****
... إنّه من المناسب أن أناقش معك أيّها القارئ مقولة ذكرتها لك ضمن وجهة نظر الدّاعين للتّطبيق الفوري للشريعة، وهي قولهم بأنّ التطبيق (الفوري) للشريعة، سوف يتبعه صلاح (فوري) لمشاكله، وسوف أثبت لك أنّ صلاح المجتمع أو حلّ مشاكله ليس رهناً بالحاكم المسلم الصّالح، وليس أيضاً رهناً بتمسّك المسلمين جميعاً بالعقيدة وصدقهم فيها وفهمهم لها، وليس أيضاً رهناً بتطبيق الشريعة الإسلاميّة نصّاً وروحاً، بل هو رهن بأمور أخرى أذكرها لك في حينها، دليلي في ذلك المنطق وحجّتي في ذلك وقائع التّاريخ، وليس كالمنطق دليل، وليس كالتّاريخ حجّة، وحجّة التّاريخ لديّ مستقاة من أزهى عصور الإسلام عقيدةً وإيماناً، وأقصد به عصر الخلفاء الرّاشدين.

اقرأ أيضاً: سدنة الهيكل يغمدون سيفاً آخر في قلب فرج فودة
أنت أمام ثلاثين عاماً هجريّاً (بالتّحديد تسعة وعشرون عاماً وخمسة أشهر) هي كلّ عمر الخلافة الرّاشدة، بدأت بخلافة أبي بكر (سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيّام) ثمّ خلافة عمر (عشر سنين وستّة أشهر وتسعة عشر يوماً) ثمّ خلافة عثمان (إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة عشر يوما) ثمّ خلافة علي (أربع سنين وسبعة أشهر).)
وتستطيع أن تذكر بقدر كبير من اليقين أنّ خلافة أبي بكر قد انصرفت خلال العامين والثلاثة أشهر إلى الحرب بين جيشه وبين المرتدّين في الجزيرة العربيّة، وأنّ خلافة علي قد انصرفت خلال الأربعة أعوام والسبعة أشهر إلى الحرب بين جيشه في ناحية وجيوش الخارجين عليه والرافضين لحكمه في ناحية أخرى، بدءاً من عائشة وطلحة والزّبير في موقعة الجمل، وانتهاء بجيش معاوية في معركة صفين ومروراً بعشرات الحروب مع الخوارج عليه من جيشه، وأنّه في العهدين كانت هموم الحرب ومشاغلها أكبر بكثير من هموم الدّولة وإرساء قواعدها.
كان فودة يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أنّ الدولة المدنية لا شأن لها بالدين

قِصر عهد خلافتي أبي بكر وعمر
أضف إلى ذلك قِصر عهد الخلافتين، حيث لم يتجاوز مجموع سنواتهما ستّ سنوات وعشرة أشهر، ويبقى أمامك عهد عمر وعهد عثمان، حيث يمكن أن تتعرّف فيهما على الإسلام الدّولة في أزهى عصور الإسلام إسلاماً، وأحد العهدين عشر سنين ونصف (عهد عمر)، والثّاني حوالي إثني عشر عاماً (عهد عثمان)، وهي فترة كافية لكلّ من العهدين لكي يقدّم نموذجاً للإسلام الدّولة كما يجب أن تكون، فعمر وعثمان من أقرب الصّحابة إلى قلب الرّسول وفهمه، والإثنان مبشّران بالجنّة، وللأوّل منهما وهو عمر مواقف مشهودة في نصرة الإسلام وإعلاء شأنه، وهي مواقف لا تشهد بها كتب التّاريخ فقط، بل يشهد بها القرآن نفسه، حين تنزّلت بعض آياته تأييداً لرأيه، وهو شرف لا يدانيه شرف، وللثّاني منهما وهو عثمان مواقف إيمان وخير وجود، ويكفيه فخراً أنّه زوج إبنتي الرسول، هذا عن الحاكم في كلّ من العهدين.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً
أمّا عن المحكومين، فهم صحابة الرسول وأهله وعشيرته لا تحدث واقعة إلاّ تمثل أمامهم للرّسول فيها موقف أو حديث ولا يمرّون بمكان إلاّ وتداعت إلى خيالهم ذكرى حدث به أو قول فيه ولا تغمض أعينهم أمام المنبر إلاّ وتمثّلوا الرّسول عليه قائماً ولا يتراصّون للصّلاة خلف الخليفة إلاّ وتذكّروا الرسول أمامهم إماماً، وهم في قراءتهم للقرآن يعلمون متى نزلت الآية، وأين، ولماذا إن كان هناك سبب للتّنزيل، وبإختصار يعيشون في ظلّ النبوّة ويتأسّون بالرسول عن قرب وحب، هذا عن المحكومين، ولا يبقى إلاّ الشّريعة الإسلاميّة وهي ما لا يشكّ أحد في تطبيقها في كلّ من العهدين.
بل إنّك لا تتزيّد إن أعلنت أنّ هذا العهد أو ذاك، كان أزهى عصور تطبيقها لأنّها لزوم ما يلزم في ضوء ما سبق أن ذكرنا بشأن الحاكم والمحكوم، ومع ذلك فقد كان عهد عمر شيئاً وعهد عثمان شيئاً آخر، فقد ارتفع عمر بنفسه وبالمسلمين إلى أصول العقيدة وجوهرها، فسعد المسلمون به، وصلح حال الدّولة على يديه، وترك لمن يليه منهجاً لا يختلف أحد حوله، ولا نتمثّل صلاح الحكم وهيبة الحاكم إلاّ إذا استشهدنا به، بينما قاد عثمان المسلمين إلى الاختلاف عليه، ودفع أهل الحلّ والعقد إلى الإجماع على الخلاص منه، إمّا عزلاً .. أو قتلاً !
(...)

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف
وعلى الرّغم من أنّ عمر وعثمان قد ماتا مقتولين، إلا أنّ عمر قد قتل على يد غلام من أصل مجوسي، وترك قتله غصّة في نفوس المسلمين، وأثار في نفوسهم جميعاً الرّوع والهلع لفقد عظيم الأمّة، ورجلها الذي لا يعوّض، بينما على العكس من ذلك تماماً، ما حدث لعثمان عند مقتله، فقد قتل على يد المسلمين الثّائرين المحاصرين لمنزله وبإجماع منهم، وقد تتصوّر أنّ قتلة عثمان قد أشفوا غليلهم بمصرعه على أيديهم، وانتهت عداوتهم له بموته، لكن كتب التّاريخ تحدّثنا برواية غريبة ليس لها نظير سابق أو لاحق، وإن كانت لها دلالة لا تخفى على أريب.
(...)
أتباعه يصفونه بـ"شهيد الكلمة" وهو وصف يستحقه

كيف يتحقق العدل؟
وهنا نصل سويّاً أنّ العدل لا يتحقّق بصلاح الحاكم، ولا يسود لا بصلاح الرعيّة، ولا يتأتّى بتطبيق الشّريعة، وإنّما يتحقّق بوجود ما يمكن أن نسمّيه (نظام حكم)، وأقصد به الضّوابط التي تحاسب الحاكم إن أخطأ، وتمنعه إن تجاوز، وتعزله إن خرج على صالح الجماعة أو أساء لمصالحها، وقد تكون هذه الضّوابط داخليّة، تنبع من ضمير الحاكم ووجدانه، كما حدث في عهد عمر، وهذا نادر الحدوث، لكنّ ذلك ليس قاعدة ولا يجوز الرّكون إليه، والأصحّ أن تكون مقنّنة ومنظّمة.

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
فقد واجه قادة المسلمين عثمان بخروجه على قواعد العدل بل وأحياناً بخروجه على صحيح جوهر الإسلام، فلم يغيّر من سياسته شيئاً، وبحثوا فيما لديهم من سوابق حكم فلم تسعفهم سابقة، ومن قواعد تسيير أمور الدّولة فلم يجدوا قاعدة، واشتدّ عليهم الأمر فحاصروه وطلبوا منه أن يعتزل، ولأنّ قاعدة ما في الأمر لم تكن موجودة، فقد أجابهم بقوله الشّهير: والله لا أنزع ثوباً سربلنيه الله (أي ألبسنيه الله)، وحين اقترب الأمر من نهايته، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من ملاقاة حتفه على يد رعيّته، أرسلوا إليه عرضاً فيه من المنطق الكثير ومن الصّواب ما لا يختلف عليه.
فقد خيّروه بين ثلاث:
إمّا الإقادة منه (أي أن يعاقب على أخطائه شأنه شأن أيّ مسلم يخطئ) ويستمرّ بعدها خليفةً، بعد إدراكه أنّه لا خطأ دون عقاب.
وإمّا أن يتبرّأ من الإمارة (أي أن يعتزل الخلافة بإرادته).

العدل لا يتحقّق بصلاح الحاكم ولا يسود بصلاح الرعيّة وإنّما يتحقّق بوجود ما يمكن أن نسمّيه (نظام حكم)

وإمّا أن يرسلوا الأجناد وأهل المدينة لكي يتبرّأوا من طاعته (أي أن يعتزل الخلافة بإرادة الرعيّة).
فكان ردّه كما ورد في رسالته الأخيرة كما انتسخها بن سهيل (وهم يخيّرونني إحدى ثلاث إمّا يقيدونني بكل بجل أصبته خطأ صواباً غير متروك منه شيء، وإمّا أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإمّا يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرّأون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السّمع والطّاعة، فقلت لهم أمّا إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقدمن أحد منهم وقد علمت إنّما يريدون نفسي، وأمّا أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرّأ من عمل الله عزّ وجلّ وخلافته، وإمّا قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرّأون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتكم من قبل على السّمع والطاعة ولكن أتوها طائعين).

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
هنا يوضّح عثمان أنّ مراجعة الخليفة على الخطأ لم تكن واردة فيمن سبقه من الخلفاء (أبو بكر وعمر) أو على الأقلّ ليس لها قاعدة، وهنا أيضاً يعلن بلا مواربة أنّه مصرّ على تمسّكه بالحكم حتى النّهاية وأنّ اعتزاله غير وارد، وهنا أيضاً يواجه الدّعوة إلى سحب البيعة بمنطق غريب مضمونه، وهل كنت أكرهتكم حين بايعتم؟ وكأنّ البيعة أبديّة ولا مجال لسحبها أو النّكوص عنها.
لا قاعدة إذن، ولا نظام للرّقابة، والأمر كلّه موكول لضمير الحاكم إن عدل وزهد كان عمر، وإن لم يعدل ويمسك بالحكم كان عثمان.

خلافة مؤبّدة
لقد أعلن عثمان أنّ نظام الحكم الإسلامي (من وجهة نظره) يستند إلى القواعد الآتية:
لا مراجعة للحاكم ولا حساب ولا عقاب إن أخطأ. لا يجوز للرعيّة أن تنزع البيعة منه أو تعزله، ومجرد مبايعتها له مرة واحدة، تعتبر مبايعة أبدية لا يجوز لأصحابها سحبها وإن رجعوا عنها أو طالبوا المبايع بالاعتزال.
ولأنّ أحداً لا يقرّ ولا يتصوّر أن تكون هذه هي مبادئ الحكم في الإسلام، قتله المسلمون، لكنّ السؤال يظلّ حائراً، ومضمونه، هل هناك قاعدة بديلة؟ أو نظام حكم واضح المعالم في الإسلام؟
هل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم، وتضع ميقاتاً لتجديد البيعة، وتحدد أسلوباً لعزل الحاكم بواسطة الرعية، وتثبت للرعية حقها في سحب البيعة كما تثبت لها حقها في إعلانها، وتعطي المحكومين الحق في حساب الحاكم وعقابه على أخطائه، وتنظم ممارستهم لهذا الحق؟

كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟

7,479
عدد القراءات

2019-06-06

أثار كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي" معارضة شديدة حال صدوره في العام 1926 إذ طبّق حسين فيه مبدأ الشك الديكارتي، حيث خلص إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول، وأنّه كتب بعد الإسلام ونُسب للشعراء الجاهليين، ما أثار عاصفة من الاحتجاج قادها رجال الأزهر وبعض الأدباء والمفكرين الذين اتهموا طه حسين في إيمانه.

اقرأ أيضاً: اللقاء المزعوم بين طه حسين وحسن البنا
وكان من جراء ذلك أن سُحب الكتاب من الأسواق لتعديل بعض أجزائه، وتغيير اسمه إلى "في الأدب الجاهلي". وقامت وزارة إسماعيل صدقي باشا عام 1932 بفصل طه حسين من الجامعة كرئيس لكلية الآداب. فاحتج على ذلك رئيس الجامعة أحمد لطفي السيد، وقدم استقالته. ولم يعد طه حسين إلى منصبه، إلا عندما تقلّد حزب "الوفد" الحكمَ عام 1936.
هنا جزء من المقاطع المثيرة للجدل في هذا الكتاب:

طه حسين: كانت قريش متدينة قوية الإيمان بدينها. ولهذا الدين وللإيمان بهذا الدين، جاهدت ما جاهدت، وضحّت ما ضحت

لا أنكر الحياة الجاهلية، وإنما أنكر أن يمثلها هذا الشعر الذي يسمونه الشعر الجاهلي، فإذا أردتُ أن أدرس الحياة الجاهلية فلستُ أسلك إليها طريقَ امرئ القيس والنابغة والأعشى، وإنما أسلك إليها طريقاً أخرى، وأدرسها في نص لا سبيل إلى الشك في صحته، وأدرسها في القرآن فالقرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي، ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه. أدرسها في القرآن وأدرسها في شعر هؤلاء الشعراء الذين عاصروا النبي وجادلوه، وفي شعر الشعراء الآخرين الذين جاؤوا بعده ولم تكن نفوسهم قد طابت عن الآراء والحياة التي ألفها آباؤهم قبل الإسلام، بل أدرسها في الشعر الأموي نفسه، فلست أعرف أمة من الأمم القديمة استمسكت بمذهب المحافظة في الأدب ولم تجدد فيه، إلا بمقدار، كالأمة العربية، فحياة العرب الجاهليين ظاهرة في شعر الفرزدق وجرير وذي الرمة والأخطل والراعي أكثر من ظهورها في هذا الشعر الذي يُنسب إلى طرفة وعنترة والشماخ وبشر ابن أبي خازم .
كتاب طه حسين "في الشعر الجاهلي"

"القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية"
قلت: إنّ القرآن أصدق مرآة للحياة الجاهلية وهذه القضية غريبة حين تسمعها ولكنها بديهية حين تفكر فيها قليلاً، فليس من اليسر أن نفهم أن الناس قد أعجبوا بالقرآن حين تليت عليهم آياته إلا أن تكون بينهم وبينه صلة، هي هذه الصلة التي توجد بين الأثر الفني البديع وبين الذين يعجبون به حين يسمعونه أو ينظرون إليه، وليس من اليسير أن نفهم أنّ العرب قد قاوموا القرآن وناهضوه وجادلوا النبي فيه إلا أن يكونوا قد فهموه ووقفوا على أسراره ودقائقه، وليس من اليسير، بل ليس من الممكن، أن نصدق أنّ القرآن كان جديداً كله على العرب. فلو كان كذلك لما فهموه ولا وعوه ولا آمن به بعضهم ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر، إنما كان القرآن جديداً في أسلوبه، جديداً فيما يدعو إليه، جديداً فيما شرع للناس من دين وقانون، ولكنه كان كتاباً عربياً لغته هي اللغة العربية الأدبية التي كان يصطنعها الناس في عصره، أي في العصر الجاهلي، وفي القرآن رد على الوثنيين فيما كانوا يعتقدون من الوثنية، وفيه رد على اليهود، وفيه رد على النصارى، وفيه رد على الصابئة والمجوس، وهو لا يرد على يهود فلسطين، ولا على نصارى الروم ومجوس الفرس وصابئة الجزيرة وحدهم، وإنما يرد على فرق من العرب كانت تمثلهم في البلاد الغربية نفسها، ولولا ذلك لما كانت له قيمة ولا خطر، ولما حفل به أحد من أولئك الذين عارضوه وأيدوه وضحوا، في سبيل تأييده ومعارضته، بالأموال والحياة.
هاجم الوثنية فعارضه الوثنيون
..هاجم الوثنية فعارضه الوثنيون. هاجم اليهود فعارضه اليهود، وهاجم النصارى فعارضه النصارى. ولم تكن هذه المعارضة هيّنة ولا ليّنة، وإنما كانت تقدّر بمقدار ما كان لأهلها من قوة ومنعة وبأس في الحياة الاجتماعية والسياسية. فأما وثنية قريش فقد أخرجت النبي من مكة، ونصبت له الحرب، واضطرت أصحابه إلى الهجرة. وأما اليهودية فقد ألّبت عليه، وجاهدته جهاداً عقلياً وجدلياً، ثم انتهت إلى الحرب والقتال. وأما نصرانية النصارى فلم تكن معارضتها للإسلام إبّان حياة النبي قوية قوةَ المعارضة الوثنية واليهودية. لماذا؟ لأن البيئة التي ظهر فيها النبي لم تكن بيئة نصرانية، إنما كانت وثنية في مكة، يهودية في المدينة، ولو ظهر النبي في الحيرة، أو في نجران، للقي من نصارى هاتين المدينتين مثلما لقي من مشركي مكة ويهود المدينة. وفي الحق أنّ الإسلام لم يكد يظهر على مشركي الحجاز ويهوده حتى استحال الجهاد بينه وبين النصارى من جدال ونضال بالحجة، إلى الصدام المسلح أدرك النبي أوله وانتهى به الخلفاء إلى أقصى حدوده .

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يقلّب كتاب الأيام ويحدّق في الألم
فأنت ترى أنّ القرآن حين يتحدث عن الوثنيين واليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب النحل والديانات، إنما يتحدث عن العرب وعن ديانات ألفها العرب: فهو يُبطل منها ما يُبطل، ويُؤيد منها ما يُؤيد، وهو يلقى في ذلك من المعارضة والتأييد بمقدار ما لهذه النحل والديانات من السلطان على نفوس الناس. وإذن فما أبعد الفرق بين نتيجة البحث عن الحياة الجاهلية في هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين، والبحث عنها في القرآن!
القرآن أصدق مرآة للعصر الجاهلي، ونص القرآن ثابت لا سبيل إلى الشك فيه

حياة غامضة جافة بريئة
فأما هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين فيظهر لنا حياة غامضة جافة بريئة أو كالبريئة من الشعور الديني القوي والعاطفة الدينية المتسلطة على النفس والمسيطرة على الحياة العلمية، وإلا فأين تجد شيئاً من هذا في شعر إمرئ القيس أو طرفة أو عنترة!

طبّق طه حسين مبدأ الشك الديكارتي على الشعر الجاهلي وخلص إلى أنّ الشعر منحول وأنّه كُتب بعد الإسلام

أو ليس عجيباً أن يعجز الشعر الجاهلي كله عن تصوير الحياة الدينية للجاهليين! وأما القرآن فيمثل لنا شيئاً آخر، يمثل لنا حياة دينية قوية تدعو أهلها إلى أن يجادلوا عنها ما وسعهم الجدال، فإذا رأوا أنّه قد أصبح قليل الغناء لجأوا إلى إعلان الحرب التي لا تبقي ولا تذر. أفتظن أنّ قريشاً كانت تكيد لأبنائها، وتضطهدهم، وتذيقهم ألوان العذاب، ثم تخرجهم من ديارهم، ثم تنصب لهم الحرب، وتضحي في سبيلها بثروتها وقوتها وحياتها، لو لم يكن لها من الدين إلا ما يمثله هذا الشعر الذي يضاف إلى الجاهليين؟ كلا! كانت قريش متدينة قوية الإيمان بدينها. ولهذا الدين وللإيمان بهذا الدين، جاهدت ما جاهدت، وضحّت ما ضحت، وقل مثل ذلك في اليهود، وقل مثله في غير أولئك وهؤلاء من العرب الذين جاهدوا النبي عن دينهم. فالقرآن، إذن، أصدقُ تمثيلاً للحياة الدينية عند العرب من هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي.

"المجتمع المعنوي": دولة الأخلاق هي الحل

1,540
عدد القراءات

2019-05-30

على الرغم من أهمية كتاب "المجتمع المعنوي" للأمريكي جون ديفيد غارسيا، إلا أنّه لم يحظ بالترجمة إلى اللغة العربية، على ما تنبئ به محركات البحث على شبكة الإنترنت.
الكتاب، الذي صدر عام 1971 وهو الأول لصاحبه، قدم نظريات أساسية للأخلاقيات التطورية ثم التطبيقات البديلة التي اعتبرت بمثابة نظرية أخلاقية ثورية كبيرة تستلهم أو تتقاطع مع الروح الفلسفية لدى من سبينوزا، وبيير تيلار دي شاردان، وسواهما من الفلاسفة والمفكرين.

 اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
ورمى غارسيا من كتابه إلى وضع مفهوم الأخلاق ذي أساس عقلاني محض من دون عاطفة أو أيديولوجيا، لذا يوحّد الكتاب الأخلاق والفن والعلوم والتكنولوجيا من خلال ما يسميه المؤلف "التنمية الأخلاقية".
ولجون ديفيد غارسيا ( 25 مارس (آذار) 1935 - 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2001 ) أربعة كتب، والعشرات من المقالات والمحاضرات والندوات، وحاول تعميم أفكاره، وتأسيس مدارس لتنميتها بشكل رئيسي في الولايات المتحدة، ثم في تشيلي والمكسيك.

اقرأ أيضاً: النفّري الذي اتسعت رؤيته فضاقت عبارته: الجهل عمودُ الطمأنينة
ويعتقد غارسيا أنّ الجنس البشري على وشك الانتحار. لذا فإنّ من واجبه تقديم بديل منطقي عن الموت، ليضمن بقاء الإنسان، من خلال خطة للعمل الأخلاقي تشدّد على أنّ السعادة من دون هدف والأمن من دون وعي هي أهداف الهزيمة الذاتية التي يجب التخلي عنها إذا أراد التطور البشري الاستمرار.
ومن أجل إلقاء نظرة على جهود هذا المفكر، نقتبس، بشيء من التصرّف، هذا الجزء من كتابه، بعد ترجمتنا له إلى العربية من لغته الأصل الإنجليزية:

يمثل مجتمع الأخلاق امتداداً منطقياً للنموذج الحالي للإنسانية
المجتمع المعنوي
يمثل مجتمع الأخلاق امتداداً منطقياً للنموذج الحالي للإنسانية. المجتمع المعنوي هو مجتمع الكائنات الأخلاقية، التي تعتمد الأجهزة والمعرفة والعلم والتكنولوجيا لتوحيد المكونات الفردية للذكاء وتحويلها إلى الذكاء الجمعي. ومن شأن الذكاء الجمعي أن يحرّر المجتمع الأخلاقي، وصولاً إلى مجتمع الفكر النقي.

الناس في حالة من التراجع الحاد والتدهور الحتمي نتيجة البيروقراطية والأيديولوجيا ويتجلى هذا في الديمقراطيات من خلال الثورة ضد العقل

العقل هنا هو الأثر الذي يمكن أن يؤثر على نفسه. وبالتالي فإنه يمكن أن يتطور نحو الفكر النقي والوعي التام قبل أن يصبح أقل تأثيراً من الجسم، وأكثر تأثير في حد ذاته. وهذه عملية معقدة ومستمرة منذ آلاف السنين.
هكذا، ومن دون وعي، يتم إنشاء المجتمع المعنوي من خلال خلق نظائر من مكونات الذكاء نفسه. حدث هذا في ظل التوتر المستمر والاختبار العشوائي للقوة التطورية التي دفعت نحو الذكاء الجمعي للإنسان، بعد جملة من النتائج والاختبارات التي قادت إلى الذكاء الجماعي.
المجتمع الأخلاقي للإنسان حاله كما هو حال الكائن إلى الخلية؛ ومع ذلك، فإن المجتمع الأخلاقي في نهاية المطاف لانهائي.

اقرأ أيضاً: أوسكار وايلد سارداً حكاية سيدة مولعة برغبة أن تبدو غامضة
الفرق التطوري حاسم بين مجتمع أخلاقي وجميع أشكال الحياة الأخرى، أي إنّ المجتمع الأخلاقي واع تماماً لتطوره الخاص. وهذه العملية يمكن أن تكتمل على نحو مقصود داخل الدولة الأخلاقية، عندما يكون لدى الجميع الإدراك التطوري التام والموحّد لزيادة الوعي الكلي الجماعي. ومن هنا تكون بداية المجتمع الأخلاقي وانطلاقته.
ربما يكون المجتمع الأخلاقي، في البداية، متفوقاً قليلاً عن الدولة الأخلاقية، ومع ذلك عندما يبدأ البشر توحيد ذكائهم الفردي لغرض وحيد هو تضخيم الذكاء الجمعي، سيبدأ المجتمع الأخلاقي يتطور بسرعة، حيث يعكس التطور الجماعي التطورات الفردية لكل عناصر المجتمع الذاتية.
وتتطور مكونات المجتمع الأخلاقي من شبكات الاتصالات ومضاعفات الآليات الميكانيكية والكهربائية وأجهزة الاستشعار، وأجهزة الكمبيوتر، والخلايا الاصطناعية وأجهزة أخرى. وبالتالي فإنّ الدولة الأخلاقية تمثل الإرادة الجماعية الجنينية والخيال الكلي للمجتمع الأخلاقي. في نهاية المطاف المجتمع المعنوي سيكون كياناً واحداً فيه يندمج الجميع بالمعرفة والآلات.

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ولكن في المجتمع الأخلاقي على الإنسانية أن تتطور تدريجياً من الإنسانية المجزأة إلى الوحدة، من دون أن تكون هناك تغييرات جذرية مفاجئة في الهيكل. وفي غضون ذلك سيكون الناس أشدّ وعياً، أكثر من أي وقت مضى، فمن خلال الحرية فقط سيكون المجتمع الأخلاقي ممكناً، فالحرية والوعي هما الأساس في الأسباب والمؤثرات.
المجتمع المعنوي سيكون كياناً واحداً فيه يندمج الجميع بالمعرفة والآلات

دراسة الجدوى
الجدوى الفنية للمجتمع الأخلاقي واضحة. فنمط قدرة الإنسان المتزايدة على التنبؤ والتحكم في بيئته إجمالاً يشير إلى أنّ جسم المجتمع الأخلاقي ممكن، وأنّ معظم مَن كان موجودٌ بالفعل أو يتم إنشاؤه بسهولة. يبقى فقط العمل على توسيع الأسلوب العلمي ليتناسب مع البيئة النفسية والاجتماعية من أجل خلق العقل، أي الروح. بهذه الطريقة فقط يمكن تخليق العقل للمجتمع الأخلاقي.

اقرأ أيضاً: إبراهيم المازني وحلّاق القرية
سيتم إنشاء العقل الجمعي للمجتمع الأخلاقي من العقول الفردية للإنسانية بحرية، من خلال جماع الفن والعلوم والتكنولوجيا، وتحقيق هدف مشترك. ويبدو أنّ الإرادة والخيال وتضخيمهما من قبل، من خلال التعاون الوثيق الطوعي بين الأشخاص يخدم هذا الهدف المشترك. كما أنّ البرامج التعليمية للدولة الأخلاقية تزيد من وتيرة هذه العملية من خلال جعل جميع الأشخاص أعلى وعياً، وكذلك خلق قنوات تواصل مباشرة بين العقول الفردية. وهذا الأخير يمكن أن يكون امتداداً للتواصل الاصطناعي، ونسميه لغة.
هذا يمثل امتداداً طبيعياً للعمل الذي تقوم به حالياً علوم وظائف الأعصاب والفيزياء الحيوية وعلم النفس الرياضي. فإذا تم تجميع المعلومات، والخيال فإنّ العقل الجمعي للمجتمع الأخلاقي سيبدأ في التطور. وسيتم تعزيز التنمية من خلال تضخيم عمل الذاكرة والمنطق من خلال تطوير أجهزة الكمبيوتر الفائقة مع مكونات شبه مجهرية. وسيتم تعزيز العملية برمتها من خلال التكنولوجيا التي تشهد نمواً سريعاً من المجسات الاصطناعية والمستجيبات.

اقرأ أيضاً: عمر في مرآة العقاد: سريع البكاء إذا جاشت نفسه بالخشوع
الجدوى الفنية للمجتمع المعنوي مضمونة. قد يستغرق إنشاؤها مئات السنين، أو قد يكون من الممكن في خمسين عاماً. الوقت غير مؤكد إلى حد كبير. العائق الجدي الوحيد لخلق مجتمع أخلاقي هو زيادة التوترات في الكون البشري.
الناس حالياً في حالة من التراجع الحاد والتدهور الحتمي نتيجة البيروقراطية والأيديولوجيا. ويتجلى هذا في الديمقراطيات من خلال الثورة ضد العقل، والرفاهية، والخصخصة، والأمية العلمية، والأهم من ذلك كله من خلال الفجور في القيادة.
في الدول الشمولية يتجلى ذلك من خلال خنق غير أخلاقي للحرية لخدمة مصالح ذاتية من الطبقات الفاسدة، والبيروقراطية والأيديولوجية التي يهيمن عليها الرجال بشكل غير لائق. قمع الحرية من خلال الأيديولوجيا والبيروقراطية يؤدي حتماً إلى انقراض الوعي عن طريق جعل جميع الناس غير أخلاقيين. العالم أصبح غير أخلاقي.
الدفاع الوحيد هو أنّ الجنس البشري لديه التعليم، ولكن التعليم هو أيضاً في تراجع بسبب البيروقراطية وإعاقة العلوم النفسية والاجتماعية من خلال إنشاء العقائدية. الأمل الوحيد للتغلب على الكون، الذي سيدمر حتماً الجنس البشري، هو الدولة الأخلاقية.

على المدارس أن تقوم بتدريس جميع العلوم والأخلاق بوصفها، موضوعاً واحداً متكاملاً

ما يجب القيام به

اذا كانت الناس ترغب في الاستمرار في التطور نحو الوعي الكلي، فهناك بعض الخطوات الأساسية التي يجب اتخاذها. الخطوة الأولى والأكثر أهمية هي تجميع الأنصار واللاعبين المؤيدين للعبة الحياة. وتركيز كل الطاقات على إنشاء دولة الأخلاقية. ويجب أن يتم فعل ذلك مهما كانت التكلفة لهم ولذويهم. وكل رجل أخلاقي يدرك الأنماط التطورية على طريقته الخاصة. تاريخياً كان هذا التصور في مستوى الوعي، وهذا ربما كان الحال مع موسى وكونفوشيوس وبوذا وسقراط، ويسوع.

اقرأ أيضاً: "البيت والعالم" لطاغور: المحبّ لسمكته مطبوخةً ليس كمن يحبّها في الماء
وربما أول من قام بمحاولة مقصودة في الإدراك الواعي للأنماط التطورية هو سبينوزا. بعد سبينوزا، أدلى المفكرون الآخرون بمحاولات مماثلة. كان أبرزها ما قدمه غوته، داروين وماركس، وبيير تيلار دي شاردان (هو فيلسوف وكاهن يسوعي وجيولوجي فرنسي تخصص بعلم حفريات ما قبل التاريخ والحفريات، وساهم في اكتشاف إنسان بكين. ومن أعماله تصور فكرة نقطة أوميغا وتطوير مفهوم فلاديمير فردانسكي المعروف بمجال العقل أو مجال نو "Noosphere". واجهت بعض أفكاره معارضة المسؤولين في الكنيسة الكاثوليكية وتم منع العديد من كتبه).

اذا كانت الناس ترغب في الاستمرار في التطور نحو الوعي الكلي يتعين تجميع الأنصار واللاعبين المؤيدين للعبة الحياة

هؤلاء الرجال الخمسة كل له مزاج مختلف جذرياً وأيديولوجياً خاصة. فقط يبدو سبينوزا من بينهم خالياً من أي أيديولوجيا واعية، لكنه اضطر إلى العمل مع العلم البدائي والمنطق. ومع ذلك، إن شئنا استخراج المبادئ الأخلاقية من كتابات هؤلاء، فإننا سنتوصل إلى رمز ثابت مثير للدهشة من الأخلاق هي لعبة الحياة. لذلك، البشر الأخلاقيون قد لا يوافقون على علاقة العلة والمعلول، ولكن من المرجح أنهم يوافقون على الأخلاق الأساسية. هذا الميل إلى الاتفاق على المبادئ الأخلاقية الأساسية ينبغي أن يستثمر لانضمام جميع الأشخاص الأخلاقيين في المجتمع بقصد إنضاج وبلورة لعبة الحياة، وكذلك إنشاء الدولة الأخلاقية، والتغلب على البيروقراطية السياسية، وتولي الحكومة بالوسائل الأخلاقية.
وثمة طريقة واحدة لتحقيق هذا الهدف هو أن تبدأ المدارس بتدريس جميع العلوم والأخلاق بوصفها، موضوعاً واحداً متكاملاً، وهذه وظيفة أساسية لا يتم القيام بها من قبل البيروقراطية التعليمية؛ لأنّ الفساد البيروقراطي يجب أن يتوقف قبل أن يدمر البشرية.

اقرأ أيضاً: حليم بركات.. إذ يغوص في المجتمع العربي ويشخّص علله وتطلعاته
يتعين أن يكون الهدف الرئيسي لمنع البيروقراطيين السياسيين من تبوّؤ المناصب، هو انتخاب القادة الأخلاقيين. ولتحقيق هذه الغاية على الأنصار تركيز الثروة بالوسائل الأخلاقية الممكنة، من خلال التركيز على الاختراعات والإبداعات، وإنتاج التكنولوجيا مما يزيد الوعي.
ثم يجب أن تستخدم كل الثروة المتراكمة لانتخاب الرجال الأخلاقيين في المناصب العامة وإقصاء القادة غير الأخلاقيين من السلطة. ويمكن القيام بذلك في إطار حزب منظم مخصص للقضاء على الفساد السياسي بالوسائل الأخلاقية. هذا يمكن أن يطلق عليه حزب الأخلاق.
هذا الحزب يمكن أن يستخدم لإعادة توجيه الأنشطة الهدامة في الوقت الحاضر وغير الأخلاقية ومحاصرة الثورة ضد العقل، وإعادة الأمور إلى قنواتها الأخلاقية. يجب أن ينتصر السلوك الأخلاقي على الفجور.




القطاع النفطي الإيراني يتراجع.. هذا هو موقف أوروبا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
402
عدد القراءات

2019-06-19

أقرّ وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، بالصعوبات التي تواجه القطاع النفطي في إيران، مؤكداً أنّ؛ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على الجمهورية الإسلامية، وفق ما ونقلت وكالة "فارس" للأنباء.

وحجبت وزارة النفط الإيرانية بيانات صادراتها من النفط، خلال نيسان (أبريل) الماضي، للشهر التاسع على التوالي، وسط تدني صادراتها من الخام بفعل العقوبات الأمريكية.

وزير النفط الإيراني يؤكد أنّ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية

ومنذ أيار (مايو) 2018؛ انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية ومالية ونفطية على طهران، اعتباراً من آب (أغسطس) 2018، وتوسعت في تشرين الأول (نوفمبر) من العام ذاته.

وعرقلت العقوبات الأمريكية صادرات طهران من النفط الخام، بعد منع العديد من الشركات العاملة في صناعة النفط والمشتقات البتروكيماوية، وشركات نقل الخام، أبرزها، شركة "ميرسك تانكرز" الدنماركية، المتخصصة في نقل شحنات الخام.

وجاء في تقرير منظمة "أوبك" الشهري؛ أنّ "إنتاج طهران من النفط الخام تراجع بنحو 227 ألف برميل يومياً، في أيار (مايو) الماضي، مقارنة بـشهر نيسان (أبريل) 2019.

وكان وزير النفط الإيراني، بيجان نمدار زنقنة، قد اعترف بأنّ "طهران تستخدم طرقاً "غير تقليدية" للالتفاف على العقوبات الأمريكية، ومواصلة بيع نفطها في السوق السوداء، في مقابلة نشرت الأسبوع الماضي.

وقال الوزير، لوكالة "شانا" الإخبارية الإيرانية: "لدينا مبيعات غير رسمية، أو غير تقليدية، جميعها سرية، لأنّ الولايات المتحدة ستوقفها إن علمت بها".

وامتنع زنقنة عن إعطاء مزيد من التفاصيل بشأن الصادرات النفطية الإيرانية، مؤكداً أنّه لن يكشف أيّة أرقام إلى أن تُرفع العقوبات.

 

وشهد شاهد: مصور سابق في "الجزيرة" يكشف علاقة القناة بالجماعات المسلحة.. هذا ما قاله!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
341
عدد القراءات

2019-06-19

كشف المصور الحربي السابق بقناة "الجزيرة"، محمد فوزي، الأدوار المريبة للقناة وأجندتها العدائية الداعمة للجماعات المسلحة ونشر الفتنة والاضطرابات.

فوزي: مسلحون في "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا يعملون مع قناة "الجزيرة" كموظفين برواتب

وقال المصور، الذي عمل في شبكة "الجزيرة" نحو 12 عاماً، في مقابلة مع موقع "العين" الإخباري: "كنّا نذهب إلى أماكن الأحداث الإرهابية قبل وقوعها، كنت أعتقد حينها أنّنا نقدّم سبقاً صحفياً".

وعبّر فوزي، لـ "العين"، عن ندمه على العمل في "الجزيرة"؛ بسبب الدور التي اضطلعت به ومساهمتها فيما حدث من تخريب ودمار في المنطقة.

وكشف فوزي، في المقابلة، أنّ هناك أعضاء من تنظيمات مسلحة، مثل: "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا، يعملون مع قناة "الجزيرة"، كموظفين، ويحصلون على رواتب لتسهيل مهمات القناة الصحفية.

"ورغم أنّ علاقة الجماعات المسلحة بقناة "الجزيرة" كانت غامضة، وتثير تساؤلات بين بعض العاملين، إلا أننا –كموظفين- لم يكن لنا الحقّ في السؤال"؛ وفق فوزي.

وقال فوزي: إنّ "قناة "الجزيرة" اشترت مجموعة كبيرة من الكاميرات صغيرة الحجم ووزعتها على التنظيمات المسلحة داخل سوريا."

ولفت، في المقابلة، إلى أنّ القناة "كانت تسمح لنا فقط بتصوير المناطق بعد القصف، أو استهدافها من جبهة النصرة، لكن لم يكن مسموح لنا أن نرافقهم في عملياتهم تجاه المدنيين".

فوزي يكشف كواليس مقابلة قناة الجزيرة مع زعيم جبهة النصرة الجولاني في 2015

وكشف فوزي ترتيبات خاصة لفضائية "الجزيرة"، خلال مقابلتها مع "أبو محمد الجولاني"، عام 2015، زعيم جبهة النصرة في سوريا.

وأشار، وفق "العين"، إلى أنّه شارك في صنع الصورة الذهنية لزعيم جبهة النصرة في سوريا؛ حيث إنّ الفضائية طلبت منه تغيير ملابسه، وإضافة لافتة سوداء خلفه، ووضع سلاح بجواره.

وأضاف: "عندما التقيت زعيم جبهة النصرة في منزله، كان يبدو شخصاً عادياً، يرتدي معطفاً، إلّا أنني طلبت منه تغيير ملابسه، وكذلك وضع لافتة خلفه، وحمل سلاح".

ورأى فوزي؛ أنّ تصريحات زعيم جبهة النصرة خلال المقابلة، ومنها جملة مهمة هي: "ندعم تنظيم القاعدة، ونوافق على طلباته"، توضح التعاون بين "الجزيرة" وتنظيم جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، برأيه.

وكشف بعض كواليس اللقاء، وأبرزها، وفق قوله لـ"العين": إنّ "شخصاً جاء خلال المقابلة من الخارج، وأعطى زعيم جبهة النصرة مبلغاً كبيراً من المال وضعه في جيبه".

وأشار فوزي للمصدر ذاته، إلى أنّ أهمّ شيء عند التنظيمات المسلحة هو تصوير العمليات؛ لأنهم يتلقون أموالاً كبيرة مقابل العمليات الإرهابية المصورة.

وقال مصور الحربي السابق في قناة الجزيرة: "فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين، ومع أسر متعاونة مع الإرهابيين، في بيوت مؤمّنة من جبهة النصرة".

فوزي: فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين في بيوت مؤمنة من جبهة النصرة

وكشف فوزي في المقابلة؛ أنّ "صحفياً يعمل في "الجزيرة الإنجليزية"، كان يستخدم عربات الفضائية لتمرير إرهابيين من الحدود التركية إلى داخل سوريا، أثناء وجود فريق عمل "الجزيرة" في منطقة "هاتاي" الحدودية.

وأوضح مصور "الجزيرة" السابق؛ أنّه التقى شخصاً كان معدّاً في قناة "الجزيرة"، وكان يعمل كذلك وسيط سلاح وأموال، في منطقة هاتاي على الحدود مع تركيا وسوريا.

وأضاف فوزي: "هذت الشخص كان له باع طويل جداً في تهريب الأسلحة وشرائها، وهو أيضاً شقيق أحد المعارضين السوريين البارزين، وكان له العديد من الأنشطة الغامضة وسط صفوف العاملين في القناة".

تيسير علوني

ولفت فوزي إلى أنّ "هذا الشخض أصبح مديراً لمكتب قناة "الجزيرة" في لندن، مكافأة له على ما قام به في سوريا لصالح الشبكة".

وقال المصور في المقابلة: "الجزيرة كانت من أوائل المحطات التلفزيونية التي دخلت إلى ليبيا".

وأشار فوزي إلى أنّ التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة؛ حيث "كنا نذهب لأماكن الأحداث أو الهجوم بالأسلحة قبل وقوعها، وكأنها كانت تنفذ بالتنسيق مع "الجزيرة""، وفق قوله لـ"العين".

ونوّه إلى أنّ "الفضائية تملك علاقات قوية جداً مع الجماعات المسلحة في ليبيا، كانت لنا الأفضلية عند التنظيمات الإرهابية المختلفة".

فوزي: التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة حيث كنا نذهب لأماكن الأحداث قبل وقوعها

ولفت إلى أنّ "مكتب قناة "الجزيرة" في مدينة بنغازي (شرق)، كان عبارة عن مركز للشرطة الليبية، على البحر المتوسط، وتم تدميره واستخدمته "الجزيرة" كمكتب لاحقاً، دون تنسيق مع أحد، ولم يعترضها أحد؛ بل وكانت المظاهرات يتم ترتيبها أمام مكتب "الجزيرة"، بتنسيق مع الجماعات المسلحة، حتى يتم تصويرهم"، وفق قوله في المقابلة.

وكشف المراسل الحربي السابق لقناة "الجزيرة"؛ أنّ "المسؤول الإعلامي لتنظيم القاعدة في "شمال مالي" هو نفسه معدّ قناة "الجزيرة"، وهو الشخص الذي يرتب كلّ اللقاءات الصحفية للفضائية مع التنظيمات المسلحة في إفريقيا"، موضحاً: "عندما احتلّ تنظيم أنصار الشريعة في شمال إفريقيا أجزاء من دولة مالي، "ذهبنا نحن طاقم "الجزيرة"، إلى دولة مالي عن طريق النيجر عبر الحدود، بتنسيق مع معدّ "الجزيرة"، الذي هو في نفس الوقت المسؤول الإعلامي لتنظيم أنصار الشريعة".

وأشار إلى أنّه "في هذه الأثناء، دار حديث بين أمير الجماعة المغربي وشخص آخر موريتاني، مسؤول عن تصوير كل عمليات القاعدة، ولديه شركة إنتاج اسمها "صحارى"، ويعمل أيضاً مع "الجزيرة"، وهو منسق الرحلة لقناة للجزيرة".

وأضاف: "مالك شركة "صحارى"؛ التي تصور العمليات الإرهابية للقاعدة في إفريقيا كان مراسل "الجزيرة" في موريتانيا سابقاً".

وكشف فوزي؛ أنّه أثناء حضوره مؤتمراً صحفياً لوزير خارجية طالبان، عام ٢٠٠١، فوجئ بمصور "الجزيرة" لاحقاً، سامي الحاج، بصحبة الوزير".

وأشار إلى أنّ القناة استعانت بسامي الحاج بعد هذه الواقعة في أفغانستان، ضمن خطتها دائماً، حيث كانت تجند أشخاصاً مرتبطين بالجماعات المسلحة، وترسل لهم كاميرات صغيرة يرسلون منها المواد لإذاعتها بعد ذلك.

وكشف مراسل الجزيرة الحربي السابق؛ أنّ "تيسير علوني، مراسل "الجزيرة"، عام 2001، جاء إلى المراسلين العرب في كابول، وقال لهم: "التحالف الشمالي سوف يقتحم المدينة في اليوم التالي، وسوف آتي غداً وأؤمن خروجكم""، مردفاً: "تيسير علوني جاء بصفته عربياً في هذه الأثناء، وليس بصفته مراسل "الجزيرة"".

ولكن، والحديث لـ "فوزي"، علوني جاء فعلاً في اليوم الثاني صباحاً، وأخذ شخصاً واحداً من حركة طالبان، واسمه "أبو جهاد"، وهو سوري الأصل، ويعدّ أحد قيادات القاعدة في حينها.

سامي الحاج

وأكّد أنّ "علوني" كان قريباً جداً من تنظيم القاعدة، ولهذا اصطحب قيادياً منها، وهرب قبل الاجتياح.

وعمل علوني مراسلاً لقناة "الجزيرة" في أفغانستان، تشرين الأول (أكتوبر) 2001، وهرب قبل ساعات قليلة من دخول قوات التحالف إلى العاصمة كابول، بصحبة تنظيم القاعدة، وفق ما ورد على لسان فوزي في مقابلته مع موقع "العين" الإخباري.

 هذا وقد أبدى المراسل الحربي السابق للجزيرة ندمه على عمله بالفضائية، لمدة ١٢ عاماً؛ حيث إنّ أهدافها لم تكن معلومة له، لكن الآن كلّ شيء أصبح واضحاً للعيان، وفق قوله.

وأضاف فوزي في المقابلة: "كنت أحاول أن أكون بعيداً عن قسم الأخبار العربية؛ لأنّها أساس كلّ المشكلات؛ حيث إنّ أغلبهم من الإخوان، فعندما جاء وضاح خنفر (عمل بالجزيرة من 2003-2011) إلى قناة "الجزيرة"، جاء بفريق كبير من الإخوان المسلمين".

 

التحالف يعترض طائرة مسيّرة تحمل متفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
294
عدد القراءات

2019-06-19

اعترضت قوات التحالف العربي، اليوم، طائرة حوثية مسيَّرة، تحمل متفجرات، قبل دخولها الأجواء السعودية.

وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: إنّ "قوات التحالف الجوية تمكّنت، عند الساعة التاسعة من صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار "مسيّرة"، كانت متجهة نحو الأراضي السعودية"، وفق ما ذكرت وكالة "واس".

الطائرة الحوثية المسيَّرة محمّلة بالمتفجرات وأُطلقت باتجاه السعودية من محافظة الحديدة

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "الطائرة المسيّرة، تم رصد إطلاقها من قبل الميليشيا الحوثية من محافظة الحديدة، وتم اعتراضها فوق الأجواء بمحافظة حجة، قبل دخولها المجال الجوي للمملكة".

وأضاف: "الميليشيا الحوثية الإرهابية مستمرة بمخالفة اتفاق ستوكهولم، وخرق وقف إطلاق النار بالحديدة، وتواصل اتخاذ المحافظة مكاناً لانطلاق الأعمال العدائية والعمليات الإرهابية، بإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وكذلك إطلاق هجمات القوارب المفخخة والمسيّرة عن بعد".

وشدّد على أنّ هذه الأعمال تمثّل تهديداً حقيقياً للأمن الإقليمي والدولي، وتقويضاً للجهود السياسية لإنجاح اتفاق (ستوكهولم)، كما تواصل مخالفة القانون الدولي الإنساني، باستهداف المناطق المأهولة بالسكان، واتخاذ المدنيين كدروع بشرية لنشاطاتها الإرهابية المتعلقة بتخزين وإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وتفخيخ وإطلاق القوارب المفخخة والمسيَّرة عن بعد.

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف تؤكّد الحقّ المشروع باتخاذ وتنفيذ إجراءات الردع المناسبة للتعامل مع هذه الأعمال العدائية والإرهابية، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني، وقواعده العرفية.

وتحاول الأداة الإجرامية الإرهابية الحوثية، استهداف المنشآت المدنية والمدنيين في المملكة العربية السعودية، في محاولات بائسة ومتكررة، عبر هذه الطائرات المسيرة.

وكان تحالف دعم الشرعية في اليمن قد أعلن، ليل الإثنين-الثلاثاء، عن اعتراض وإسقاط طائرتين مسيَّرتين تحملان متفجرات، أطلقتهما ميليشيات الحوثي باتجاه المملكة.

وأمس الأول، الإثنين، دان مجلس الأمن الدولي بشدة، استهداف الحوثيين مطار أبها الدولي السعودي، قبل أيام، داعياً إلى محاسبة مَن يقف وراء هذا الاعتداء الذي قوبل بموجة إدانات عربية وإقليمية ودولية واسعة.

 




في يوم اللاجئ العالمي.. الحاجة سردانة: ننام ونستيقظ على أمل العودة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
37
عدد القراءات

2019-06-19

ماجدة أبو طير

منذ النكبة الفلسطينية حتى اليوم، لم تجد الحاجة هدى يوسف سردانة، الراحة، فالألم يتنوع والقدرة على تحمله باتت قليلة، ولا يوجد في الذاكرة متّسع لحزن جديد.

من الطفولة إلى الشيخوخة، تشكو سردانة من أن «عمراً بأكمله يتجسّد أمامنا لا فرح به بل هو نكبات متتالية تشبه أوطاننا».

وفي يوم اللاجئ العالمي وفي زقاق مخيم البقعة الذي يعتبر من أكبر وأهم المخيمات الفلسطينية في العاصمة الأردنية عمّان، وصلت «البيان» إلى منزل صغير جداً هو عبارة عن غرفتين، استقبلتنا الحاجة بثوبها الفلسطيني المطرّز مرحّبة بنا بلهجة بلدتها «الفالوجة». للحظات فقط وبلا مقدمات بدأت تحكي عن النكبة والنكسة، وكيف تنقّلت من مخيم إلى آخر وصولاً إلى مخيّم البقعة.

حلم العودة

تقول سردانة وهي تلامس الـ 84 عاماً من عمرها: لا يختلف مخيم عن آخر، واللاجئ يبقى متمسكاً في حلم العودة إلى نهاية حياته، ويُذكّر على الدوام أولاده وأحفاده بوطنه، كيف سُلب في لحظات، على أمل أن يكون الخير القادم في هذه الأجيال.. حياة اللجوء لا يمكن وصفها بكلمتين فقد عشنا الموت والرعب ومع ذلك زاد الإصرار لدينا وتشبثنا بالحياة.

تضيف: المرأة في اللجوء تصبح قوّتها مضاعفة لإثبات حقها في الوجود والوقوف إلى جانب أسرتها. لقد حضرت النكبة وكان عمري 12 عاماً وبدأت أسمع قصص المذابح والقتل والتهجير، وكل ذلك ترك أثراً في شخصيتي، وأصبح الصمود منهجاً في تفاصيل حياتي. اليوم أعيش وحيدة في المخيم.. لم أتزوج ووالدتي توفيت مؤخراً، ورغم ذلك فإنني أقاوم المرض والحزن والذكريات.

لجوء متنقل

في عام 1948 كل القرى الفلسطينية هُجرت إلا بلدة الفالوجة، حيث صمدت في وجه العصابات اليهودية لمدة عام، وبعد ذلك توجه أهلها إلى الخليل ومن ثم إلى أريحا وصولاً إلى منطقة «الكرامة» في الأغوار المحاذية للأردن، وكانت تسمى آنذاك «البيار». وعاشت هنالك الحاجة هدى وعائلتها ما يقارب 20 عاماً، ومن ثم انتقلت إلى مخيم «البقعة».

وشهدت سردانة وعائلتها النكبة والنكسة والعديد من المذابح. تقول الحاجة هدى: بعد حرب 1967 توجهنا إلى مخيم البقعة وسكنا في الخيام لمدة عامين، وفي الثالثة بنينا كرفانات من ألواح الإسبست والزينكو. اللاجئ الفلسطيني مرّ بتجارب مليئة بالقسوة والخوف، والأخطر من ذلك كله أننا لم نكن على دراية بمستقبلنا، وفي كل يوم نستيقظ على أمل العودة للفالوجة.

عن "البيان" الإماراتية

هل يبقى ترامب حتى 2024؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
18
عدد القراءات

2019-06-19

وحيد عبد المجيد

بداية مبكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستُجرى في نوفمبر 2020. تبدأ هذه الانتخابات رسمياً في فبراير القادم مع الجولة التمهيدية الأولى في ولاية أوهايو، لتتواصل حتى اختيار مرشحيْ الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، منتصفَ العام نفسه.
والمعتاد أنه عندما يكون الرئيس في ولايته الأولى، يُعيد حزبه ترشيحه لفترة ثانية، ولا تُجرى بالتالي انتخابات تمهيدية في داخله. ولذا ستُجرى هذه الانتخابات في الحزب الديمقراطي فقط، لأن الرئيس ترامب سيكون مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات 2020.
لكن مقدمات السباق داخل الحزب الديمقراطي بدأت مبكراً مطلعَ العام الجاري، عندما ظهر عدد متزايد من الطامحين لخوض السباق من أجل الترشح، دون أي مؤشر على إمكان حدوث توافق على أحدهم ليكون معبراً عن الاتجاه الرئيس في الحزب. غير أن الصراع داخل الحزب لم يشتد إلا عندما أعلن نائب الرئيس السابق جو بايدن، في 25 أبريل، خوضه المنافسة.
ولا يمثل انضمام بايدن للسباق حلاً لمشكلة التوافق على مرشح يحظى بدعم الحزب كله، بل ربما يفاقم هذه المشكلة. يمثل بايدن (76 عاماً) اتجاهاً وسطياً ينظر إليه قطاع معتبر في قاعدة الحزب بوصفه يمثل الماضي، وليس المستقبل.
كما أن تقدم عمر بيرني ساندرز (77 عاماً)، اليساري الذي نافس هيلاري كلينتون عام 2016 بشراسة، يجعله غير قادر على إقناع قطاعات تنحو لليسار في قاعدة الحزب، كونها تتحفظ على استمرار الأجيال الأقدم في تصدر المشهد السياسي. ومن أهم هذه القطاعات جماعات شبابية تقدمية يتفاوت حضورها من ولاية إلى أخرى. لا تريد هذه الجماعات مرشحاً ديمقراطياً ذا توجهات يسارية فقط، ولكن صغير السن أيضاً. ولا يبدو أنها تتجه إلى توافق على أي من المتسابقين الشباب الذين تُعد عضو الكونغرس «الكساندريا أوسكايو-كورترز» أصغرهم سناً (30 عاماً).
وتفيد مؤشرات أولية أن الكثير من الشباب التقدميين، وغيرهم ممن يميلون لليسار في قاعدة الحزب، يفضلون ترشيح سيدة مرة أخرى. لكن هذه القاعدة منقسمة بشدة، الأمر الذي قد يؤدي حال استمراره إلى إضعاف فرص المتسابقات، وكذلك المتسابقين الشباب، وربما كل مَن يميلون لليسار، لأنه يُشتت الأصوات، ويُضعف فرص الحصول على تمويل كافٍ، وخاصة أن أغلبهم يعتمدون على تبرعات صغيرة عبر شبكة «الإنترنت».
وفي هذه الحال، ستزداد فرصة بايدن، الذي تلقى تبرعات قيمتها 6.3 مليون دولار خلال 24 ساعة فقط بعد إعلان ترشحه، لأنه قد يكون المستفيد الأول من تشتت أصوات القاعدة التي تسعى إلى تجديد شباب الحزب الديمقراطي وتغيير اتجاهه.
وربما يكون ترشيح بايدن خبراً ساراً للرئيس ترامب، الذي قد لا يجد صعوبة -في هذه الحال- في الفوز بفترة رئاسية ثانية. شبح تجربة باراك أوباما يلاحق نائبه بايدن. فقد فضّل نصف الناخبين تقريباً ترامب، القادم من خارج المؤسسة السياسية في انتخابات نوفمبر 2016 الرئاسية، على هيلاري التي عملت مع أوباما وحظيت بدعمه في تلك الانتخابات. وحدث ذلك قبيل أن يجربوا ترامب، ويلمسوا التحسن الملموس في الاقتصاد الأميركي، والتغيير الإيجابي في بعض اتجاهات السياسة الخارجية. ولذا، فالأرجح أن يحصل ترامب على تأييد أكبر بعد أن انخفضت نسبة البطالة إلى أدنى معدل لها منذ عام 1969، وازدادت فرص العمل بمعدل نحو 200 ألف وظيفة جديدة شهرياً في المتوسط، وارتفعت الأجور بنسبة 3%، وتراجع التضخم إلى نحو 2% وأقل.
ولذا، فالأرجح أن يزداد الميل إلى إعادة انتخاب ترامب إذا صار بايدن منافسه في الانتخابات النهائية، لأنه كان أقرب إلى أوباما من هيلاري. وحتى إذا اختفى أوباما من المشهد، وفق طلب بايدن الذي يدرك أن الرئيس السابق عبء عليه، لن ينسى الناخبون الناقمون على أداء البيت الأبيض في الفترة بين 2009 و2016 العلاقة الوثيقة بينهما. وإذا أضفنا أن بايدن لن يحظى بدعم كامل في حزبه المنقسم بشدة، تبدو فرصة استمرار ترامب في الرئاسة حتى نهاية 2024 كبيرة. والأرجح في هذا الحال أن تزداد تدريجياً شعبيته التي تخطت 45% للمرة الأولى منذ تنصيبه، وفق استطلاع معهد «غالوب»، الذي نُشرت نتائجه في 6 مايو الجاري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

لماذا نصوّت لليمين المتشدد؟

84
عدد القراءات

2019-06-19

ترجمة: علي نوار


يتطرق كتاب "وباء التشدد" للصحفي أندريو جيريز، وأستاذ العلوم السياسية، فرانكو ديللي دوني، إلى تصاعد ظاهرة الأحزاب القومية المتشددة والمناهضة لأوروبا والمعادية للأجانب التي تشهدها أوروبا، عن طريق تحليل نماذج من 12 دولة في القارة العجوز، ونقدم هنا الفصل الأخير من العمل الذي يستعرض الأدوات النفسية التي تدفع ملايين الأوروبيين اليوم إلى التصويت لصالح هذه التيارات.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

"يمنحوننا أصواتهم لأنهم أشخاص عاديون للغاية يعانون مشكلات عادية للغاية". تخص هذه العبارة القيادية رفيعة المستوى في حزب "بديل لأجل ألمانيا" اليميني المتشدد في ألمانيا، بياتريكس فون شتورش، وهي ليست كأي جملة، فهي مفتاحية للبدء في فهم التأثير الناجح للخطاب الذي تتبنّاه حركات اليمين المتشدد الجديدة في أوروبا.

يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول

ليس ثمة مقترحات ولا خطط ولا حتى أيديولوجيا، الأمر كله عبارة عن قيم ومشاعر، وفي نفس الوقت بتوصيف زخم ما وغريزة وتطلّع لشيء مختلف، نشعر جميعاً بأنّنا "عاديون" ونقتنع تماماً بأنّ مشكلاتنا واهتماماتنا ومخاوفنا "عادية". ولا يعرّف خطاب اليمين المتشدد ماهية هذا "العادي"، بل يتركه لرغبات المواطن كي يملأه بما يبدو له مناسباً، ويطلق على عملية الملء هذه مصطلح "الشعور العام"، ولا يوجد خلف هذا الشعور سوى القيم الخاصة بنا، والمفاهيم التي تسمح لنا بالتمييز بين ما نريد وما لا نريد، وما هو خير وشرّ، ما نؤيّده وما نرفضه، وعلى أساس كل ذلك نمنح أصواتنا.

زعيم الحزب المتطرف الإسباني فوكس
نجح اليمين المتشدد في إعداد سرديات تختلف من دولة إلى أخرى، تبلور القيم الأساسية بالنسبة لقطاعات بعينها، ربما تكون هذه القيم غائبة أو مشوّهة في خطاب الأحزاب الأخرى. قيم لا مكان لها بالضرورة في خطط الحكومة، عن طريق مقترحات قوانين أو مشروعات محدّدة. ومن منظور اليمين المتشدد، فإنّ الشيء الأهم هو صياغة منطق أعمق ألا وهو ذلك الذي يحرّكنا: الخوف من المجهول وكراهية المختلف والإحباط الناجم عن عدم تحقّق توقّعاتنا.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟
هذا هو بالضبط ما تغفل عنه الأغلبية الساحقة من المراقبين ومنافسي أحزاب اليمين المتشدد، الذين لا يدركون السبب وراء قدرة حزب يفتقر لأي محتوى على حشد ملايين الناخبين. يعجز الكثير من ساسة اليسار واليمين على حدٍ سواء في إيجاد منطق ما خلف تنامي نفوذ اليمين المتشدد، وربما لن ينجحوا في ذلك مطلقاً.

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر

فهم لا يعرفون سوى المنطق كأداة ومحفّز ودافع للشعبية الانتخابية، يظنّون أنّ عملية التصويت تخضع لمعايير ذات أساس منطقي بالضرورة، ويعيشون على أوهام القرن الـ19 والـ20، والتنوير، وقدرتنا على التفكير المنطقي العقلاني بوصفه مرشداً لأفعالنا. لكن الحقيقة أنّ عقلنا أعقد بكثير من مجرّد آلية التفكير في المميزات والعيوب؛ فالقرارات تخضع للدوافع والتي بدورها، في أغلب الأحوال، لا تكون ناتجة عن التمحيص، وربما لا نكون على دراية من الأساس بهذه الدوافع، ومن بين أبرز دوافعنا تظهر المشاعر.

تعزّز ظاهرة اليمين المتشدد هذه الفكرة؛ فالدعم الانتخابي الذي يحصل عليه هذا التيار منبعه في حالات قليلة جداً القرار المنطقي، بالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح. وعلى الجانب الآخر، سيكون من المستحيل استيعاب لماذا -على سبيل المثال- يلجأ عامل بسيط ربما يعاني البطالة إلى التصويت لصالح حزب يميني متشدد يخطّط لإضفاء قدر أكبر من المرونة وإفقار سوق العمل، هل يمكن للمشاعر أن تعطينا إجابة في هذه الحالة؟

المشاعر وراء الخطاب

يوجد في أوروبا عدد هائل من أحزب اليمين المتشدد التي لم تنجح فحسب في دخول البرلمان بجميع دول القارة، بل تمكّنت أيضاً من المساهمة في تشكيل بعض الحكومات أو حتى قيادتها. وفي منطقة يغلب عليها نظام الحكم البرلماني، تكتسب النقطة الأخيرة أهمية بالغة لا يمكن التقليل منها؛ فاليمين المتشدد في حقبة ما بعد الحرب ليس ظاهرة هامشية أو محلّية أو مؤقّتة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟
والواقع أنّ القدرة على جمع مشاعر الاستياء وتقنين الإحباط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، أدّى إلى تحوّل هذه الظاهرة لنتيجة تلقائية للإطار السياسي. وبتعبير آخر؛ فإنّ الكثيرين يرون أنّ اليمين المتشدد كان مستفيداً عارضاً من التصويت العقابي الذي يستهدف إنزال الهزيمة بأحزاب الأغلبية لحين إعادة ترتيب الأخيرة لأوراقها والعودة للاستماع إلى مطالب المجتمع.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين ولم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً

بيد أنّ هذه الرؤية، التي استُخدمت وأعيد تدويرها مع كل مرة يظهر فيها حزب سياسي يميني متشدد في أي دولة بأوروبا على مدار الأعوام الـ20 المنصرمة، لم تعد صالحة. فهي تتعامى عن بعض العناصر المميّزة لقوى اليمين المتشدد. استعانت هذه التيارات بتلك الخصائص في خطابها للّعب على مشاعر بعينها، وبالتالي التأثير على شرائح من الناخبين بحيث تغيّر مواقفها.
فمن جانب، يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول. فالاتهامات ضد السياسة القديمة هي أداة شائعة الاستخدام في الخطاب الشعبوي. وتسمح للمرشحين الشعبويين بإيجاد عدو يعمل بصورة تتعارض مع مصالح من يمثّلونه؛ الشعب، وبالتالي ينصّبون أنفسهم حماة له. رغم أنّ أثر هذا العامل يرتبط بصلة وثيقة بظهور مشاعر الإحباط. بكلمات أخرى، فإنّ هذا العامل في خطاب اليمين المتشدد يركّز على شعور الاحتقار والسخط إزاء الأحزاب السياسية التقليدية وأعضائها.

اقرأ أيضاً: نيوزيلندا.. هل انتهى تهديد اليمين المتطرف؟
ومن جانب آخر، يلعب المكوّن المناهض لأوروبا دوراً محورياً كذلك. فتصوير الاتحاد الأوروبي على أنّه كبش فداء لجميع الشرور يمنح هذه الأحزاب عدواً ملموساً أكثر هذه المرة. وفي الوقت عينه، يمنحها القدرة على تطوير خاصية ثالثة تميّز خطاب اليمين المتشدد؛ القومية. وفي سرديات هذا التيار، يرمز الاتحاد الأوروبي لكل ما هو مضاد للوطن وفخر الانتماء والحفاظ على الملامح الثقافية لكل منطقة. وإجمالاً، فإنّ العامل الأهم في هذا العنصر هو الخوف. رهاب غير واضح الشكل لكن يغلب عليه عامل مشترك: التهديدات على الهوية.

الإحباط، الغضب، الاستياء، الخوف، الكراهية، تهديد الهوية، أدركت قوى اليمين المتشدد في القارة الأوروبية أنّ استعمال كل هذه العوامل كأداة هو أفضل سلاح بوسعها التوفّر عليه، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: لماذا ينجح الأمر؟

نايجل فاجي عند باب أحد مراكز الاقتراع في المملكة المتحدة في الانتخابات الأوروبية

الجدل الخاطئ
إنّ المنطق والمشاعر هما مفهومان يجري تصويرهما على أنّهما متعاكسان، أو هكذا لقّنوننا. فالمنطق هو سبب القرارات الصائبة، على العكس من ذلك فإنّ المشاعر حين تتغلّب علينا، تعوقنا عن حسن الاختيار، والأول هو ما يميّزنا عن الحيوانات، فيما ترمز المشاعر للحيوان الكامن بداخلنا، لكن من الضروري فهم أنّ الطريقة التي يعمل بها عقلنا لا تتّفق مع هذا الفهم.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه
إنّ المنطق والمشاعر لا يمكن لأحدهما أن يشغل مكان الآخر، ولا يمكن التبديل بينهما، لكنّهما على النقيض من ذلك يكمّلان بعضهما، ويضطّلع كل منهما بمهام مختلفة. فمهام المنطق تتباين عما نعتقده، وبالفعل فإنّنا نعرّف أنفسنا بكائنات عقلانية تدرس المميّزات والعيوب لحظة اتخاذ القرارات. إلّا أنّه وفقاً لأحدث ما توصل إليه العلم في دراسات المخ، فإنّنا بعيدون كل البعد عن ذلك. ويكشف الباحثان أوجو مورسييه ودان سبريبر في كتابهما "معضلة المنطق"، أنّ المنطق، وبالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح، يشمل وظيفتين أساسيتين: وهما البحث أو صياغة تبريرات منطقية لكل من قراراتنا، وهي عملية تعرف باسم "المنطقة"؛ والثاني، تقييم الأسباب التي يقدّمها الآخرون حين يحاولون تبرير قراراتهم.

من الضروري أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة

والهدف من وراء المنطقة هو الحفاظ على صورتنا الاجتماعية، فعندما نكون بصدد اتخاذ قرار ما، فإنّنا نستدعي مجموعة من الاعتبارات التي ستخضع بشكل تلقائي للتقييم من قبل المحيطين بنا. فإذا قرّر شخص التصويت لصالح اليمين المتشدد وكشف عن ذلك على الملأ، سيصبح مُلزماً بتفسير الأمر، ويبدأ عقله في البحث عن التبريرات اللازمة لإضفاء المنطقية على قراره أمام الآخرين. وفي هذه الحالة، تصبح الوظيفة الرئيسة للمنطقية اجتماعية بحتة.
أما الوظيفة الثانية للمنطق فتتكامل مع الأولى؛ إذ يتعلّق الأمر بالتقييم الذي نجريه تجاه مبرّرات الآخرين. هل هي كافية؟ هل هي مقبولة؟ هل تشارك نفس القيم مع هؤلاء الذين يدّعونها؟ وتدفعنا الوظيفة الثانية هذه إلى مراجعة حُجج المتُكلّم كي نتمكن من تحديد موقفنا في هذا السياق.

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

يرتبط دور المشاعر بإيجاد دوافع للشروع في شيء ما، وبدون هذه الدوافع سنصبح عاجزين عن اتخاذ القرارات، أو على الأقل ستحتاج هذه العملية للكثير من الوقت والطاقة. وبحسب خبيرة علم النفس والباحثة ليزا فيلدمان باريت، فإنّ المشاعر هي بناءات اجتماعية تسمح لنا بقراءة ما يحيط بنا وإعداد جسدنا كي يتعامل معه، فإذا كان شخص ما متواجداً بمفرده خلال الليل في منطقة نائية من مدينة مجهولة بالنسبة له، فمن المحتمل أن يشعر بالخوف من أي جلبة مفاجئة مثل نفير سيارة عالٍ أو نباح كلب أو صافرة إنذار، كل هذه العوامل قد يترجمها مخ هذا الشخص على أنّها خطر محتمل ويبدأ في تجهيز الجسد كي يتعامل معه (ازدياد معدّل خفقان القلب وسريان الدم، على سبيل المثال).

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

إنّ الخوف الذي يشعر به هذا الشخص في تلك اللحظة والمكان هو شعور مبني على أساس تصنيف لمحفّزات بعينها في موقف مُحدّد (ضوضاء في محيط غير معلوم وغير آمن). هذا الشعور هو ما يمنح القدرة على اتخاذ قرار ربّما عن غير وعي. بمعنى أنّ الشعور، أو الخوف هنا في هذه الحالة، يعمل كمؤشّر يجمع عدداً لا حصر له من المُحفّزات كي نستطيع تلافي أو الحدّ من خطر محتمل.

ويعرّف أستاذ علم النفس بجامعة إموري في ولاية جورجيا الأمريكية، درو ويستن، المشاعر على أنّها وقود اتخاذ القرارات. وإذا انتقلنا إلى مستوى اتخاذ القرارات السياسية، مثل دعم أو رفض حزب سياسي ما، فسنكتشف أنّ المشاعر تلعب دوراً رئيساً. فبالاعتقاد، على سبيل المثال، أنّ منظومتنا الأخلاقية مُهدّدة، سيظهر الخوف، وهذا الخوف هو ما يدفعنا للتحرّك بطريقة دفاعية.
يقودنا كل ذلك إلى سؤال؛ ما هي الأسباب التي تؤدّي بنا إلى الإحساس بشعور ما مثل الخوف أو الكراهية أو الإحباط، والأهمّ من ذلك كيف لنا الوصول إلى هذه المعلومات أو ما هي احتمالات تعرّضنا للتلاعب دون أن ندرك ذلك؟

مظهر من مظاهر النشطاء اليمينيين ضد سياسة الهجرة التي تتبعها حكومة ميركل الألمانية

النقاش والإطار التفسيري

إنّ تقييم المعلومات وما يتبعه من اتخاذ للقرارات قد يتباين كلية وفقاً لطريقة عرضها. بعبارة أخرى: نفس المعلومات المُقدّمة بطرق مختلفة تؤدّي إلى آثار متباينة، توصّل إلى هذا الاكتشاف خبيرا علم النفس دانييل كانمان وآموس تفيرسكي، اللذان عكفا منذ حقبة السبعينيات على دراسة عملية اتخاذ القرار، وتُعد أبحاثهما حجر الأساس لمفهوم الإطار التفسيري.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف قنبلة العالم الموقوتة

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر، وتقدّم الأُطر تعريفاً لمشكلة تتضمّن بدورها عرضاً ما للمعلومات. لذا فقبول إطار يعني بالتبعية تقبّل فرضيّات أو شروط وفي الوقت ذاته تبعات نقاش ما. على سبيل المثال، الإشارة إلى الاتحاد الأوروبي بوصف (بيروقراطية بروكسل) يحمل بداخله تقييماً لنفس المصطلحات السلبية التي تستدعي انطباعاً على كل فرد منّا، حتى لو كان غير واعٍ لذلك.
واختصاراً، فإنّ الأٌطر تسهم في فهم وتنظيم ما يحدث حولنا، وفي نفس الوقت تحدّد وتنتقي وتهيكل المعلومات، وينتج عن ذلك ليس التأثير على تقييمنا فحسب، بل وأيضاً المشاعر التي نختبرها.
لقد عرفت القوى المختلفة اليمينية المتشددة في أوروبا كيف تهيمن على الاستخدام الاستراتيجي للأُطر، وأدركت أنّ هذه الأُطر هي وسيلة لربط مشاعر مُعيّنة بموضوعات مُعيّنة، ومن هنا تحقيق المكاسب الانتخابية والسياسية، ولعلّ هذا هو السبب وراء حصول كل ملفّ من أجنداتها التي تضعها هذه الأحزاب على أٌطر مختلفة ضمن خطابها، وبصورة ممنهجة.

من الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة: الكراهية والخوف والإحباط، بحيث يتغذّى كل منها على الآخر

على جانب آخر، فإنّ اليمينيين المتشددين ناجحين للغاية في استخدام السرديات، وذلك عن طريق توظيف ونقل الأُطر والقيم التي يدّعون تمثيلها والمشاعر التي يثيرونها، في عملية يصفها الفيلسوف والرياضي نسيم نقولا طالب بـ"سردية المغالطة".
عملية الحصول على المعلومات بالنسبة لعقولنا مُكلّفة، فأولًا يجب استثمار موارد من أجل ذلك، وثانياً نستثمر موارد إضافية للاحتفاظ بها، وأخيراً نبذل استثماراً كي نعيد استخدامها. وتُعتبر القصص هي الأداة المثلى كي يدّخر المخ أكبر قدر ممكن من الموارد. حيث تبدو المعلومات في القصص منظّمة ومتكاملة وتسمح ببناء سببيات بين الأحداث، ولا تتضافر هذه الخواص فقط من أجل إعادة بناء القصة، أو بمصطلح آخر؛ الذاكرة، بل إنّ المعلومات تُخزّن كتجربة حيّة وليس كحزمة من البيانات.
لكن الرواية تتضمّن في الوقت ذاته تبسيطاً للمعلومات، وتزداد احتمالات السقوط نحو التقليص بسبب قدرتها التفسيرية والترابطية، وتبدو القصة قابلة للاعتماد عليها رغم أنّها قد تعرض جانباً واحداً من الموضوع، وبالتالي، تحوي النتائج الناجمة عنها ربما خطر أن تكون مضلّلة أو لا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟
تجعلنا الروايات عرضة لسلسلة من الانحيازات المعرفية التي قد تستغل للتلاعب بالرؤية التي نطوّرها تجاه جدل بعينه، وبهدف تبسيط ومعالجة المعلومات التي نتلقاها باستمرار بصورة سريعة وفعّالة، فإنّ عقلنا يلجأ للانحيازات المعرفية، أي إنّه يعود للخبرات السابقة كي يتّخذ قرارات دون حتى أن ندرك ذلك، وعموماً، فإنّ هذه وظيفة مفيدة جداً، لكن في بعض الأحيان، تؤدّي هذه الانحيازات إلى انحرافات في التأويل، يطلق عليها الانحيازات المعرفية.

إنّ الميل نحو الاعتقاد بقوة حُجّة لأنها قابلة للتصديق، والتركيز فحسب على المعلومات التي تعضّد الأفكار الموجودة بالفعل، أو حتى تفضيل نتيجة صحيحة حتى لو كانت تنطوي على أضرار، هي بعض أوجه هذا الانحياز المعرفي. وتكمن قوة هذه الانحيازات في تجاهلنا لها، بمعنى أنّها تحدث بصورة طبيعية تتطلّب قدراً هائلاً من الطاقة كي ننتبه لها، وبالتالي إعادة النظر في القرارات الناتجة عنها.

في ضوء الخصائص المذكورة، يصبح خطاب المغالطات أداة مُفضّلة لليمين المتشدد، سواء من أجل نقل أُطره أو ضمان انتشاره عن طريق التكرارية.

يروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها

إطار غياب العدالة: الإحباط الدائم

تاريخياً، لطالما شكّل النقاش حول توزيع الثروة جزءاً من أجندة الأحزاب اليسارية، فالصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال هي العناصر البارزة في هذا الاتجاه. لكن ملكية هذا الملف لم تعد قاصرة على هذا التيار السياسي وحده، فقد تمكّن اليمين المتشدد من انتزاعه، لينجح بذلك في إدخال "إطار" إلى النقاش العام يناطح خطاب اليسار ويسعى لوضع إعادة تصوّر للمشكلة.

إنّ معقولية الرواية تجعلها أحياناً سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة

ويروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها، إلّا أنّه يغير تعريفها، بحيث تصبح المشكلة لا بين الأغنياء والفقراء مثلما يرى اليسار، بل تتّخذ صورة أفقية لتتحّول إلى مشكلة بين الفقراء والأجانب الفقراء، بمعنى أنّه يجري الربط بين مسألة الهجرة والشرائح الأكثر تعرّضاً للتهميش. وبفعل ذلك، يضع اليمين المتشدد تلك الفئات في موضع المنافسة على الموارد العامة وفرص العمل والتعليم لأجل أبنائهم والحصول على المنازل، والقائمة لا تنتهي.

وإذا نظرنا إلى الحالة الألمانية، فسنجد أنّ الإطار يعمل على أكمل وجه بفضل خطاب وصول اللاجئين في 2015. وفي هذا الخطاب يُصوّر اللاجئين على أنّهم زوّار غير مرغوب فيهم و"فتحت لهم الأبواب" المستشارة أنجيلا ميركل.

اقرأ أيضاً: عن اليمين السياسي في المنطقة العربية.. أيّ دور وهُويّة؟

يؤدّي الإحباط الناجم عن هذا الإطار، مُعزّزاً بخطاب اليمين المتشدد، إلى حصوله على أصوات هؤلاء الذين لا تتحقّق تطلّعاتهم ولا يشعرون بالرضى، فلم يعد الكثيرون يثقون في النظام ولا الأحزاب السياسية التقليدية، ويشعرون بالإحباط والتهميش والنسيان، كما يستثار الشعور بالاستياء لدى هذه القطاعات حين تجد ضالّتها في كبش فداء أضعف بكثير من الأغنياء والمصارف والشركات العالمية.
بالتالي يسمح إطار غياب العدالة بتلافي اكتساب المشكلة لطابع معاداة الأجانب، على الأقل ظاهرياً، ويضفي نوعاً من المنطقية على رفض الغاضبين للاجئ أو الإفريقي الذي عانى الأمرّين كي ينجو بحياته في مياه البحر الأبيض المتوسط. لا يتعلّق الأمر بالهجوم عليه، بل بالدفاع عن النفس. وهنا يصبح الانحياز المعرفي جلياً للغاية: التركيز على المعلومات التي تؤكّد المخاوف. لقد خان السياسيون، الذين لا يمكن الوثوق بهم، شعبهم بالسماح بدخول الأجانب واستغلالهم للموارد، ويعمد خطاب اليمين المتشدد على الادعاء بأنّ هؤلاء السياسيين هم مشكلة البلاد وأنّ تغييرهم هو الحل، وهذا ما يقودنا إلى المثال الثاني.

الشعب في مواجهة عدو الشعب

إطار التهديد الكامن: الخوف والكراهية

يتميّز خطاب اليمين المتشدد بالثنائية المنطقية. الشعب في مواجهة عدو الشعب، مفهومان يضطلع اليمين المتشدد بتعريفهما وملئهما وفقاً لما يراه. السياسة القديمة، الاتحاد الأوروبي، البنوك، وسائل الإعلام، قد تكون هي أعداء الشعب، والأخيرة تلعب دور العدو عند عملها بما يتعارض مع مصالح البلاد، مع تقديم هذه المصالح على أنّها التمثيل الجماعي للمواطنين.

إنّ بناء هذا الخطاب عملية بسيطة للغاية، لكن لا تفتقر للفعالية في الوقت ذاته. فمن جانب هناك الشرير، العدو، سبب المشكلات ومعاناة الضحية، وعلى جانب آخر قد يظهر المتواطئ، الذي لا يفعل شيئاً سوى منح الشرعية للشرير والتعاون معه. وأخيراً هناك البطل الذي يأتي لمحاربة الشر، رغم أنّه يتعيّن عليه قبلها تجاوز عدة مصاعب من أجل تحقيق هدفه، وفي هذا البناء الخطابي البسيط، يبثّ اليمين المتشدد إطاره التفسيري الأكثر فعالية: إطار التهديد الكامن.

أما الضحية فهو الشعب، يتعرّض الشعب للخطر، ومن الضروري إبراز أنّ هذه النظرة ليست مادية بحتة، ولا تركّز فحسب على الموارد التي يساء توزيعها، بل على قيم الشعب المُهدّدة. فالضحية هنا يشعر بالخوف من فقدان ثقافته ودينه وأسلوب حياته والخوف من ألّا تعود الأمور لسابق عهدها والخوف من الفوضى، كل هذه القيم تلخّص مسألة الهوية الوطنية.

كان للصحافة دور كبير في استمرار الخطاب اليميني المتشدد فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر

وعلى التوازي مع هذا الخطر، أو الشرير، توجد عدة صور في سرديات اليمين المتشدد. فقد تشير إلى الإسلام كـ"دين غريب لا جذور له في أوروبا.."، كما قد يوصف المهاجرين بجماعة خارجية "لا تريد الاندماج وتمتلك تقاليد غريبة وتتعارض على الأرجح مع القيم المحلية"، وقد يُساق السياسيون والأحزاب التقليدية كذلك إلى لعب دور العدو، وأيضاً "تحرّكاتها المعادية للوطن والأنانية والتي تحطّ من شأن مصالح من يمثّلونهم" ليصبحوا في نظر اليمين المتشدد "الجرثومة المسُبّبة لمرض" النظام.

وفي نفس السياق، من شأن الأشرار أن ينتقلوا إلى خانة المتواطئين، فالسياسة "بفتح الأبواب في وجه الهجرة"، أو وسائل الإعلام "بإخفاء الحقيقة"، مثالان واضحان جداً على ذلك.

وأخيراً، فإنّ البطل هنا ليس سوى الحزب اليميني المتشدد، وزعيمه بشكل عام، الذي يصل "للدفاع عن الشعب" وتحقيق عدة أهداف في نفس الوقت "تحذير الشعب من التهديد الكامن، واتهام المذنبين بشرورهم، واسترداد القيم المُنتهكة، وإعادة النظام إلى البلاد".

يحوي إطار التهديد الكامن بداخله عدة أُطر فرعية منبثقة عنه، تظهر في سرديات اليمين المتشدد. فالخوف من التحوّل إلى "أقلية في بلادنا" نموذج لذلك، وقد استعانت عدة أحزاب وحركات بهذه العبارة للتحذير مما أسمته باستبدال ثقافي، وكذلك انهيار الهويات الوطنية. إنّ المكوّن الوطني أو القومي، الذي يتضمّنه هذا الإطار الفرعي، لا يؤدي لإثارة الخوف فحسب، بل ينشر الكراهية تجاه الثقافات الوافدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب اليميني: القتل باسم الكراهية

يندرج دور المرأة وهويات الأنواع .. ونقاط أخرى ضمن بعض ملفّات النقاش التي يطبّق فيها اليمين المتشدد نموذج إطار التهديد الكامن، ويجترّ في خطابه عناصر محافظة متشددة يستخدمها اليمين المتشدد كرأس حربة في مواجهة الحدود الناجمة عن الصواب السياسي. وفي هذا السياق، يضحى ما كان يُنظر إليه باعتباره تقليلاً من الاحترام اليوم واقعاً لا يجرؤ أحد على الإشارة له.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين، وبالتالي، لم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً، بل يتحوّل إلى دفاع عن قيم بعينها. ويرتبط العنصر الأخير تحديداً بالخوف من الفوضى وغياب القواعد وضياع الوضع الراهن.

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد

ثلاثية المشاعر

يلعب خطاب اليمين المتشدد عادة على استثارة حزمة من المشاعر التي تترجم في مجتمعاتنا إلى الكراهية والخوف والإحباط، وبعيداً عن النماذج التي سبق وصفها على حدة، فمن الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة بحيث يتغذّى كل منها على الآخر. السخط على السياسة يتحوّل إلى كراهية بسبب تجاهل مخاوف الشعب الذي يشعر في داخله بغياب الأمان والخوف وعدم اليقين.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كما تعود فعالية هذا الخطاب إلى الاستفادة من انحيازاتنا المعرفية. ومثلما ذكرنا آنفاً، فإنّ معقولية الرواية تجعلها في كثير من الأحيان سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها، وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة. وهنا نظنّ أنّ الخلاصة التي توصّلنا إليها هي نتاج عملية عقلانية، بالمفهوم التقليدي، بينما نحن في حقيقة الأمر نحاول إيجاد تبريرات لمواقف مُعيّنة.

لقد تزايد انتشار خطاب اليمين المتشدد وأطره بسبب عوامل خارجية أخرى. فمن جانب، عانت باقي الأحزاب السياسية صعوبات حقيقية لإدراك المنطق الدعائي لليمين المتشدد، ولم تفهم حتى الآن بعض هذه الأحزاب ما يحدث. فمع إغراقها في التحليل المتخصّص، لم تكن الأحزاب التقليدية قادرة على تطوير أُطر بديلة للمنافسة في الساحة العامة. فقد رأت كيف أنّ قوى يمينية متشددة مختلفة كانت قادرة على اكتساب الناخبين إليها، لا سيما في ملفات مثل الهجرة واللاجئين والهوية الوطنية وموضوعات أخرى. بل إنّ قوى اليمين المتشدد سجّلت نقاطاً لصالحها حتى في النقاشات التي غابت عنها الأحزاب التقليدية بشكل رسّخ لأُطرها أكثر.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما أنّ دور الصحافة كان كبيراً فيما يخصّ استمرار الخطاب اليميني المتشدد، فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر، وبالتالي، سرديات القوى اليمينية المتشددة، فقد ساهمت بصورة غير مقصودة إذن في نشر دعاية اليمين المتشدد، وبشكل ما منحه أهمية لم يكن قادراً على اكتسابها بمفرده.

لم ينته بعد الجدل الإعلامي حول تغطية النشاط السياسي لهذه الأحزاب أم تجاهله، لكن خطر تقديم دعاية مجانية للاستفزازات الاستراتيجية التي يشنّها زعماء اليمين المتشدد لا يزال كامناً. هناك مبادرات جديرة بالاهتمام من قبل بعض مجموعات الصحفيين للتثبّت من الحقائق تقدّم أفكاراً جيدة لمكافحة المعلومات الكاذبة المنتشرة، بيد أنّ مداها محدود في مواجهة ملايين الرسائل الخاصة، والمنشورات التي تُبثّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية النشطة يومياً على مدار 24 ساعة.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد. دون أي نوع من الرقابة، وفّرت شبكة الإنترنت لهذه القوى السياسية فرصة كبيرة للوصول إلى قطاعات من الناخبين كانت عاجزة عن الوصول إليها بالوسائل التقليدية، فضلاً عن التمييز بين شرائح الناخبين المختلفة لتزداد بذلك فعالية رسائله ودرجة تعقيدها.

في خضم هذه الأجواء المواتية، تمكّن اليمينيون المتشددون من بث خطابهم، وبالتالي تفعيل ثلاثية الخوف-الكراهية-الإحباط لدى الشعب. وتعدّ هذه العواطف، مضافاً إليها الانحيازات المعرفية ودور العناصر المذكورة بالأعلى، مفاتيح لفهم تنامي نفوذ اليمين المتشدد وبناء قواعد له في أنظمة سياسية محلية.

مسألة انتخابات

تحظى الأحزاب السياسية بفرصة ذهبية لمراجعة مفاهيمها بشأن الناخبين، لكن شريطة تخلّيها عن ثنائية المنطق في مواجهة المشاعر، القديمة والبالية. كما أنّها بصدد فرصة سانحة لإعادة اكتشاف قيمها، وبناء -بالاستناداً إليها- أُطر تتنافس مع تلك الخاصة باليمين المتشدد، وفي حال فعلت ذلك، فستفرض على المواطنين اختيار القيم الأساسية بالنسبة لهم، ممّا يعني عدم الانزلاق وراء الإجابات التلقائية التي يقدّمها المخ.
أمّا في حالة تجاهلها لهذا الوضع وإذا ما قرّرت المضيّ قدماً في نفس نهجها الحالي، فستكون الأحزاب السياسية غير قادرة على عدم الخروج من خندق السياسة القديمة، ما سيعمّق انعدام ثقة الناخبين بها، ما سيؤدّي بالتبعية للاتجاه نحو خيارات أكثر أصولية.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما يمثّل هذا السياق تحدّياً كبيراً بالنسبة للصحافة على مستوى القارة. فدورها رئيس من حيث عدة جوانب، فالمعلومات الكاذبة، على سبيل المثال، هي نقطة محورية تجبر كافة وسائل الإعلام على الارتقاء بمعاييرها للرقابة والتحقّق من صحة المعلومات، والحيلولة دون انتشار معلومات زائفة لن يكون خدمة للمواطنين فحسب، بل سينعكس إيجاباً على جودة الديمقراطية في المنطقة بأسرها.

على جانب آخر، من الضروري أيضاً أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة. ولن يتحقّق ذلك عن طريق التوقّف عن تغطية أنشطة هذه الحركات وتجاهلها، لكن عبر عمل صحفي نقدي دقيق وواع لوجود أُطر هدفها التأثير على الرأي العام.

بوسع المواطنين الاختيار، يمكنهم التفكير في ماهية قيم الخطاب، وتحديد ما إذا كان الاختزال الذي تروّج له حركات اليمين المتشدد يتوافق معهم أم لا. هل معاداة الأجانب إحدى القيم التي يمكن الدفاع عنها؟ هل العنصرية كذلك؟ أم الكراهية أو الأنانية؟

تحليل للكاتب فرانكو ديللي دوني عن أسباب اتجاه قطاع من الناخبين لمنح أصواتهم لليمين المتشدد في أوروبا، نشر بالنسخة الإسبانية من مجلة (فورين بوليسي)


المصدر: https://bit.ly/2HEAOfm

الصفحة الرئيسية