أبرز 6 ركائز تقوم عليها "القوة الناعمة" التركية تجاه المنطقة العربية

أبرز 6 ركائز تقوم عليها "القوة الناعمة" التركية تجاه المنطقة العربية

مشاهدة

21/06/2020

تلعب تركيا دوراً مؤثراً ومتزايداً في المنطقة العربية، أكثر من أيّ وقت مضى منذ تأسيس الجمهوريّة التركيّة. وتتنوع الأساليب التي تمارس عبرها هذا الدور، من الخشنة، التي يمثلها التدخل العسكري المباشر، كما حصل مؤخراً في كل من سوريا وليبيا وحتى في العراق واليمن، أو التواجد العسكري، كما في قطر، وليبيا، والصومال. وهناك أساليب أخرى تأتي في إطار ما يعرف بالأساليب "الناعمة".
الاقتصاد.. المزيد من التشابك في العلاقات
في أعقاب الأزمة الاقتصادية التي عصفت بتركيا منذ نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي، توجهت السياسة الاقتصادية التركيّة نحو الدفع باتجاه زيادة حجم الصادرات، وكانت الأسواق العربيّة في مقدمة  الخيارات المطروحة لاستقبالها. فكان أن تحوّلت السياسة التركيّة عن مجرد التعامل الأمنيّ مع المنطقة العربية نحو مصالح جديدة أكثر تعقيداً.

تطوّرت مستويات التعاون الاقتصادي بين تركيا والدول العربيّة على نحو مطرّد خلال العقدين الأخيرين

وتبع ذلك نهج كامل يقوم على تعزيز مستويات التبادل التجاري، والاستثمار المتبادل بين تركيا والدول العربية، بما في ذلك إجراءات تشجيع الاستثمار وتسهيله للعرب في تركيا، واتفاقيات التبادل التجاري الحرّ التي تم توقيعها بين تركيا وعدد من الدول العربية، مثل؛ الأردن وتونس والمغرب.
ووفقاً لما يورده الباحث المتخصص بالشؤون التركيّة، عقيل سعيد محفوض، في كتابه "السياسة الخارجية التركية؛ الاستمرارية - التغيير"، فإنّ الصادرات التركيّة إلى بلدان الشرق الأوسط بلغت حوالي (10,1) مليار دولار في عام 2005، وارتفعت إلى (23.3) مليار دولار عام 2010، فيما بلغت الواردات (7.9) مليار دولار في عام 2005، وارتفعت إلى (16) مليار دولار في عام 2010.
وهكذا، تطوّرت مستويات التعاون الاقتصادي بين تركيا والدول العربيّة على نحو مطرّد خلال العقدين الأخيرين، ويؤدي هذا التشابك في العلاقات وعدم اقتصارها على الأبعاد الأمنيّة، إلى فرض مواقف سياسية جديدة، بحيث يتم مراعاة المصالح المشتركة من قبل صناع القرار قبل اتخاذ القرارات السياسية من قبل الدول العربية تجاه تركيا.

تضاعف حجم الصادرات التركية إلى دول الشرق الأوسط خلال الفترة 2005-2010

الإعلام.. اتصال مقترن بأهداف
مع تزايد الاهتمامات والمصالح التركيّة في المنطقة العربيّة كان لا بد من حدوث تحوّل على الصعيد الإعلامي، فبعد عقود من العزلة والانقطاع على صعيد التواصل المرئي والمسموع، اختفت فيها وسائل البث والإرسال المباشر من تركيا باتجاه العرب أو العكس، بدأ توجّه جديد تماماً بالتشكّل، ففي عام 2010، تأسست القناة الرسمية التركية الناطقة باللغة العربيّة (تي آر تي عربية). وبعدها بعام تأسّس القسم العربي بوكالة الأناضول الرسميّة التركيّة. ولاحقاً تأسست العديد من المواقع الإخبارية الإلكترونية الناطقة بالعربية مثل "ترك برس"، و"تركيا بوست". كما صدرت نسخ عربية لصحف تركية شهيرة، مثل "يني شفق"، و"زمان".
ويقوم خطاب هذه المنصّات بالمجمل على تبنّي المواقف السياسة التركية والدفاع عنها، وتقديم تركيا باعتبارها نموذجاً على كافّة الصّعُد، بما يخدم السياسية والتوجهات التركية في العمق العربي.

بعض من وسائل الإعلام التركيّة الناطقة بالعربيّة

الدراما.. تجاوز الإطار الفنيّ
تمتلك تركيا صناعة دراميّة متقدمة، ولكنها تجاوزت حدود الإطار الفنيّ بعدما أصبحت وسيلة لتحقيق أهداف تخدم السياسية التركيّ، وجاء ذلك تحديداً مع خطوة دبلجة المسلسلات التركية إلى اللهجات العربية، خلال العقد الأول من القرن الحالي، وعرضها على الشاشات العربية، وحظيت بنسب مشاهدة عالية من قبل المشاهدين في الدول العربية.

اقرأ أيضاً: اليونان تحذر تركيا.. ما القصة؟
واستطاعت هذه المسلسلات تقديم نمط الحياة التركيّة الذي يجمع بين التقاليد وبعض العادات الإسلامية مع الانفتاح الغربي، إضافة إلى عرض الطبيعة والبنى التحتية ومظاهر الحداثة في المدن والأرياف التركية، إضافة بالطبع إلى المسلسلات والأفلام التاريخية التي تبني لدى المشاهد تصوّرات وسرديات مزدحمة بالملاحم والبطولات حول التاريخ التركي - العثماني. وهو ما يصبّ في النهاية باتجاه تحسين صورة تركيا لدى المواطن العربي، ويعزز من القيم والتصورات والاتجاهات الإيجابية لديه تجاهها، فيصبح بالتالي مؤيداً لها ومنحازاً لخيار التعاون والتشارك معها، ويحقق بالنهاية غاية تشكيل رأي عام عربي أكثر تأييداً لها ولتوجهاتها ومواقفها.

الدبلوماسية.. تزايد في الفعاليّة
كثفت تركيا جهودها الدبلوماسية على مستوى المنطقة بالتزامن مع تزايد مصالحها، وتجسّد ذلك عبر عضويتها لأكثر من منظمة دولية مؤثرّة وفاعلة في المنطقة، فحصلت على صفة عضو مراقب في منظمة الاتحاد الأفريقي عام 2005. وفي آذار (مارس) 2006، في الخرطوم، أصبح رجب طيب أردوغان أول رئيس وزراء تركي يحضر ويخاطب قمة للجامعة العربية، ومنحت تركيا وضع "الضيف الدائم" في جامعة الدول العربية.

يقوم خطاب المنصّات الإعلامية التركية الناطقة بالعربية على تبني المواقف السياسة التركية

كما ازداد تحرّك تركيا ونشاطها على مستوى منظمة مؤتمر التعاون الإسلامي، بعد أن كان نشاطها فيها شبه مجمد خلال العقود السابقة، عندما كانت النخب العلمانية مسيطرة على الحكم في تركيا، وفي عام 1997 كان الرئيس سليمان دميرل أول رئيس تركي يحضر قمة لمنظمة المؤتمر الإسلامي بنفسه.
بالإضافة إلى ذلك، رعت تركيا، عام 1997، تأسيس مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية، وهي منظمة دولية تضم ثماني دول إسلامية هي: مصر، ونيجيريا، وباكستان، وإيران، وإندونيسيا، وماليزيا، وتركيا، وبنغلاديش. وتهدف المجموعة إلى تدعيم العلاقات الاقتصادية بين هذه الدول.
كما تزايدت الممارسة التركية لدور الوساطة ومساعي فضّ النزاعات. كما ظهر في رعايتها لمحادثات سلام غير العلنيّة وغير المباشرة، بين سوريا و"إسرائيل"، قبل 2010، وبذلها جهوداً لحلّ الأزمات الداخلية في كل من لبنان والعراق في الفترة (2005-2006م). إضافة إلى ذلك، تضاعفت زيارات المسؤولين الأتراك من أرفع المستويات إلى العواصم العربيّة.

ازداد تحرّك تركيا ونشاطها على مستوى منظمة مؤتمر التعاون الإسلامي

السياحة.. باب آخر لكسب الرأي العام العربي
تمتلك تركيا مقوّمات عديدة تضعها في مقدمة الوجهات السياحيّة على مستوى العالم، وتحتوي العديد من المميّزات التي تجعلها وجهة مفضلة للسائح العربي تحديداً، من الأماكن الطبيعية التي تفتقدها معظم البلدان العربي، إلى الشعور بالألفة من حيث الثقافة والدين، في نفس الوقت الذي توفر لهم فيه أجواء قريبة من الأجواء الأوروبية، وكذلك هناك عامل القرب الجغرافي وتوافر رحلات الطيران اليومية والرخيصة نسبياً.

اقرأ أيضاً: المسماري لـ"حفريات": تركيا ارتكبت جرائم ضد الإنسانية في ليبيا ويجب محاكمة أردوغان
وتشير الإحصاءات إلى تزايد كبير في أعداد السياح العرب المتجهين إلى تركيا خلال العقد الأخير، وفي عام 2019 بلغت الأعداد - حسب إحصائيات وزارة الثقافة والسياحة التركيّة - خلال ثلاثة أرباع العام، في الفترة من شهر كانون الثاني (يناير) حتى أيلول (سبتمبر)، قرابة ثلاثة ملايين سائح عربي.
على الصعيد السياسي، فإنّ هذه الأرقام تنعكس بدايةً عبر دعم الاقتصاد التركي، ومن ثم عبر تأثر وميل السائح أكثر فأكثر للإعجاب بالنموذج التركي، سواء من حيث البنى التحتية، أو الثقافة والتاريخ، وتحوّله في الكثير من الأحيان إلى الصفّ المؤيد لمواقفها وسياساتها، والداعي لتعزيز التقارب معها.

 

 

المنح الدراسية.. عين على المستقبل
انتبهت تركيا إلى مستوى آخر ضروري على صعيد تعزيز العلاقات مع العالم العربي، وهو المتمثّل بالتبادل الثقافي، وتحديداً عبر تقديم المنح الأكاديمية للطلاب من حول العالم، ومن بينها حصة جيدة من نصيب الدول العربية. وبطبيعة الحال فإنّ الطلاب في حال رجوعهم إلى بلادهم يكونون بالمجمل معجبين ومؤيدين للتوجهات والسياسات التركية إزاء بلدانهم، ودافعين باتجاه تعزيز التعاون والشراكة معها.

اقرأ أيضاً: "المجلس الأوروبي": ما مصلحة تركيا بزراعة إمارة يديرها الجهاديون على حدودها؟
يوسف سليمان، طالب أردني يكمل دراسته العليا في أنقرة، بعد حصوله على منحة تركيّة، تحدث لـ "حفريات" عن رؤيته لهذه البرامج، يقول: "أعتقد أنّ تركيا نجحت وبشكل كبير في برنامج المِنَح الذي تقدمه من ناحية تكثيف أثر القوة الناعمة على المدى البعيد؛ فالطالب عندما يبدأ في مراحل المنحة تتم مقابلته في المركز الثقافي التركيّ، وهنا يبدأ التأثر، خاصّة في الدول التي تفتقر للمؤسسات التي تعبر عن هوية جامعة، ثم توفّر المنحة تذاكر الذهاب والإياب، وتستقبل الطالب في المطار، ويعيش الطالب مدة دراسته في السكنات الطلابية مع الطلاب الأتراك مما يساعد على دمجه بشكل سريع معهم، ثم تبدأ سنة دراسة اللغة والتي تتم في مراكز رسميّة، وفق منهاج معدّ خصيصاً ليبرز نقاط قوة "الأمة التركية"، ومع وجود برنامج مرة شهرياً، على الأقل، لزيارة أحد مؤسسات الدولة أو المناطق السياحية مما يبرز صورة متميزة للدولة التركية، كما يُدعى الطلاب إلى المكاتب الطلابية المنتشرة في البلاد في أي وقت للدراسة مع توفير الخدمات الطلابية، كما ويدعون إلى اللقاءات العامة مع المسؤولين الأتراك، خاصّة مع رئيس الجمهورية. هذا يؤثر بشكل إيجابي جداً في صورة تركيا كدولة مؤسسات ودولة كبيرة وقوية مقابل معظم الدول التي يأتي منها الطلاب".
ويضيف يوسف: "بالمختصر: المنحة التركية سلاح قوي؛ لأن الطلاب يحافظون على صلات قوية مع أصدقاء ودكاترة أتراك أغلبهم يصبحون في مواقع قوة في تركيا ويعودون إلى بلادهم إذا عادوا وهم على صلة ببعض مواقع القرار في تركيا ومواقع تأكيد المعلومات وأحياناً بعض مراكز البروباغاندا. فضلاً عن أنّ بعض الطلاب يصبحون ناشطين مع منظمات تركية سياسية".
كل ذلك، كان من جملة الوسائل التي تخدم تحقيق المصالح والغايات التركيّة إزاء المنطقة العربيّة، وبعيداً عن أيّ خيارات للتدخل والاحتكاك الخشن المباشر، ودون اثارة حساسيات وردات فعل ومواجهات مباشرة.

الصفحة الرئيسية