أردوغان المبشر بليل العثمانيين

2238
عدد القراءات

2019-04-14

فاروق يوسف

لا افهم ما العقبات القانونية التي تحول دون اعتراف النظام السياسي التركي بالمذابح التي ارتكبت بحق "الارمن" في السنوات الأخيرة من عمر الدولة العثمانية ولكنني أدرك أن السياسيين الاتراك بغض النظر عن توجهاتهم الفكرية لا يعترفون بتلك الإبادة خشية أن يؤدي ذلك الاعتراف إلى أن تطلع الشعوب المسلمة على التاريخ الأسود لدولة الخلافة التي لا يزال البعض يحن إلى أيامها.

ولأن السيد رجب الطيب اردوغان رئيس تركيا الحالي وزعيم حزب العدالة والتنمية ينطلق في تطبيق منهجه الاخواني من موقع كونه الخليفة المستقبلي لدولة الاخوان فإنه حريص على أن يدير ظهره إلى الحقيقة الإنسانية مفضلا تزييف التاريخ من أجل تجميل صورة حقبة هي من أشد الحقب ظلاما في التاريخ البشري.

لست هنا في صدد محاولة تقديم البراهين التي تثبت وقوع عمليات الإبادة والترحيل التي ارتكبت في حق الأرمن فهناك ملايين الوثائق التي تسجل وقائع الجريمة ناهيك عن خطوات الضحايا المرحلين التي صنعت في حد ذاتها جغرافيا للألم الأرمني بدءا من الموصل العراقية وانتهاء ببوسطن الأميركية. ما تهمني هنا الإشارة إلى أن السياسيين الاتراك بعد أن عجزوا عن نفي وقوع جريمة دولة الخلافة صاروا يبررون تلك الجريمة بجرائم الآخرين ولسان حالهم يقول "ليس الآخرون أفضل منا".

فبعد أن اعترفت فرنسا بواقعة الإبادة التي تعرض لها الأرمن وهو اعتراف متأخر على أية حال صرح وزير الخارجية التركي مولود تشاوش أوغلو قبل أيام بأن على فرنسا أن تنظر إلى تاريخها المظلم وتتجنب إعطاء دروس لتركيا.     

تشاوش اوغلو محق في ما ذهب إليه. فتركيا لم تتلق حتى اللحظة دروسا تكشف عن حقيقة العصور المظلمة التي عاشتها بلدان الشرق الأوسط في ظل هيمنة دولة الخلافة العثمانية عليها.

ظلت الصفحات السوداء لتلك المرحلة مطوية إلا في ما ندر. وكان الأولى بأبناء المجتمعات التي دمرها الاحتلال التركي ومنعها من أن تتنفس هواء العالم أن يتصدوا لتلك الهمة من خلال إقامة معاهد دراسية تضطلع بالقيام بمهمة تسليط الضوء على قرون، عاشتها مجتمعاتهم في ظل مختلف أنواع القمع والاضطهاد والتجهيل والعنف والافقار والابتزاز والنهب الذي مارسته دولة الخلافة وهي ترفع شعار الإسلام.

وهو الدور الذي يسعى اردوغان إلى استعادته بطريقة مخاتلة.

فالرجل المصاب بلوثة الخلافة أعجبه أن تكون الشعوب التي داسها العثمانيون بأحذية انكشارييهم عبر أكثر من أربعة قرون تجهل الجزء الأكبر من الخديعة التي مارسها الأتراك في ظل دولة خلافة جردت الإسلام من تسامحه واعتمدت سياسة التتريك.

أدهشه أن يجد في انتسابه إلى جماعة الإخوان المسلمين غطاء لتعصبه القومي الذي نجح في أن يمرره بسلاسة من خلال مسرحيات، قام بأدائها أدواره فيها بكفاءة اقنعت بسطاء الناس ببطولة صارت سرابا في عصرنا الذي صار الزيف عنوانه بسبب طغيان وسائل الدعاية.

فإذا كان الكثيرون ممن غررت بهم البطولة الاردوغانية لم يتساءلوا عن أسرار الدور القذر الذي لعبه اردوغان في الحرب السورية ولم تشغلهم أوضاع الأكراد المأساوية في بلد لا يعترف بحقوقهم الثقافية فهل ننتظر منهم أن يلتفتوا إلى جريمة مضى على وقوعها أكثر من مئة سنة؟

لذلك فإن اردوغان الذي يمزج بين خبثه الاخواني وتعصبه القومي كان حريصا على أن يظهر كما لو أنه الوريث المعاصر لكل مخلفات الدولة العثمانية التي ارتكبت من الجرائم في حق الشعوب التي هيمنت عليها ما لم يرتكبه أحد من قبلها ومن بعدها.

لقد فعل الأرمن ما لم تفعله الشعوب الأخرى على مستوى فضح النهج الاجرامي الذي اتبعه الاتراك في تعاملهم مع الشعوب الأخرى.

هناك أربعة قرون مظلمة مرت بالمنطقة لا تزال في حاجة إلى البحث والكشف من أجل أن تتعرف الشعوب على حقيقة الخلافة العثمانية التي يدعو اردوغان ومن خلفه جماعة الاخوان المسلمين ضمنا إلى استعادتها.

حينها ستدرك شعوب المنطقة أن الليل العثماني لن ينافسه ليل آخر في عتمته.

عن "ميدل إيست أونلاين"

اقرأ المزيد...

الوسوم: