أردوغان: عدوّ الجميع

أردوغان: عدوّ الجميع

مشاهدة

24/01/2021

ترجمة: محمد الدخاخني

لا ينبغي للمُحادثات المقبلة بشأن التّوترات في شرق المتوسّط، والتي من المقرّر إجراؤها في 25 كانون الثّاني (يناير)، أن تُعمينا عن مخاطر العدوان التّركيّ الأحاديّ على كافة الجبهات.

يدفع الاستياء المتزايد في الدّاخل الرئيس التركي أردوغان إلى تبنّي تكتيكات أكثر عدوانيّة وسياسات انقساميّة، ويعكس سلوكه سلوك زعيمٍ سلطويٍّ مذعور

لم يبذل أردوغان أيّة جهود حقيقيّة لتحسين العلاقات مع الاتّحاد الأوروبيّ، باستثناء الوعود غير المجدية بين الحين والآخر بفتح صفحةٍ جديدة، ومنذ تشرين الأوّل (أكتوبر)؛ حثّ أردوغان العالم الإسلاميّ على مقاطعة المنتجات الفرنسيّة، وواصل التّنقيب عن الغاز في شرق المتوسّط وتجاهل بشكلٍ صارخٍ حظر الأسلحة فيما يتعلّق بليبيا، وساعد أذربيجان في ارتكاب جرائم حرب في ناغورنو-كاراباخ.

وبالرّغم من التّحذيرات العديدة الصّادرة عن الاتّحاد الأوروبيّ والمحاولات العديدة الفاشلة لحلّ أزمة شرق المتوسّط ​​دبلوماسيّاً، فقد اختُتمت قمّة الاتّحاد الأوروبيّ الأخيرة بوعدٍ، على غير المتوقّع، بمعاقبة بعض المسؤولين الأتراك فيما يتعلّق بمنطقة شرق المتوسّط وحسب. ولا يمكن وصف هذا الوعد الرّمزيّ البسيط إلّا بأنّه مجرد صفعة على الرّسغ ستثبت فشلها في ردع الميول العدوانيّة لتركيا، فالموقف العدائيّ المتزايد لتركيا، واستخدامها عديم الرّحمة لأزمة اللاجئين، وانتهاكها الواضح للقانون الدوليّ في شرق المتوسّط ​​وليبيا وسوريا وناغورنو-كاراباخ، يمثّل خطراً على القِيَم والهويّة والأمن الأوروبيّين.

ديكتاتور في طور التكوين

نشهد أمام أعيننا ديكتاتوراً في طَوْر التّكوين يحلم بعودة الإمبراطوريّة العثمانيّة ويسعى إلى تدمير الإرث الدّيمقراطيّ والعلمانيّ لأتاتورك، وهو من أشدّ المؤيّدين للإسلام السّياسيّ - خاصّةً جماعة الإخوان المسلمين، ويتّهم الغرب بلا هوادةٍ بالرّغبة في "إعادة شنّ حروب صليبيّة" ضدّ الإسلام. وفي الواقع، منذ عام 2014؛ عمل أردوغان وجهاز مخابراته باستمرار على تسهيل الحركة عبر الحدود إلى سوريا، وشحن أسلحة غير مشروعةٍ إلى عددٍ من الجماعات الجهاديّة المتطرّفة، كما تستخدم الحكومة التّركية "سادات ديفينس"، وهي جماعة إسلامويّة شبه عسكريّة موالية لأردوغان، لمساعدة الجماعات الّتي يمكن اعتبارها منظّمات إرهابيّة، مثل: لواء السّلطان مراد، وأحرار الشّام في شمال سوريا، وتستخدم مقاتليها الجهاديّين لإرسالهم إلى ليبيا وناغورنو-كاراباخ، ومؤخّراً كشمير، من أجل تعزيز السّياسة الخارجيّة لتركيا.

ويستخدم أردوغان مزيجاً من الإسلامويّة والقوميّة لتوسيع نفوذ تركيا في كافّة أنحاء العالم وتوطيد سلطتها في الدّاخل، والفصيلان الأكثر نفوذاً في تركيا هما: الإسلامويّون الرّاديكاليّون، والقوميّون الجدد العلمانيّون، وكلّ منهما يحتقر الآخر، لكنهما يشتركان في الازدراء العميق للغرب، وبفضل القوميّ الجديد والزّعيم الإرهابيّ الماويّ السّابق، دوغو بيرينجيك، تمتّعت الدّولة العضو بحلف شمال الأطلسيّ أيضاً بعلاقاتٍ أكثر دفئاً مع كلٍّ من روسيا والصّين على مدى الأعوام الخمسة الماضية، ونتيجةً هذه التحوّلات في التّحالفات وتنامي المشاعر المعادية للغرب؛ أصبحت تركيا على خلاف مع الغرب على نحوٍ متزايدٍ.

زعيم سلطوي مذعور

علاوةً على ذلك، يدفع الاستياء المتزايد في الدّاخل أردوغان إلى تبنّي تكتيكات أكثر عدوانيّة وسياسات انقساميّة، ويعكس سلوكه سلوك زعيمٍ سلطويٍّ مذعور.

تمثّل شخصيّات سياسيّة، مثل رئيس بلدية إسطنبول الجديد، أكرم إمام أوغلو، أو رئيس بلدية أنقرة الجديد، منصور يافاش، مستقبلاً أكثر إشراقاً لتركيا

ويبحث أردوغان بيأسٍ عن صراعٍ لصرف انتباه الشّعب التركيّ عن سقوط الليرة وانتشار "كوفيد-19"، وسوء التّعامل معه والاقتصاد العامّ المتدهور منذ ما قبل الجائحة، ومن المرجّح أن يتحدّد مستقبل تركيا من خلال الانتخابات العامّة القادمة، والتي من المقرّر إجراؤها في غضون الأعوام الثلاثة المقبلة.

وإذا فاز أردوغان في الانتخابات المقبلة، فسيؤدّي ذلك إلى ترسيخ سلطته وتقريبه خطوةً أخرى نحو تحويل تركيا إلى ديكتاتوريّة، وخلال فترة بقائه في السّلطة، أجرى بالفعل سلسلةً من عمليّات التّطهير لإضعاف المعارضين وإسكاتهم، وتركيا لديها، الآن، أكبر عددٍ من الصّحفيين المسجونين في العالم.

ومع ذلك؛ فإنّ خسارة إسطنبول وأنقرة في الانتخابات البلديّة الأخيرة لعام 2019 تدلّ على تراجع شعبيّته، وتقدّم بصيصاً من الأمل للمعارضة، وتمثّل شخصيّات سياسيّة، مثل رئيس بلدية إسطنبول الجديد، أكرم إمام أوغلو، أو رئيس بلدية أنقرة الجديد، منصور يافاش، مستقبلاً أكثر إشراقاً لتركيا.

أردوغان في موقف صعب

ويجد أردوغان نفسه حالياً في موقف ضعف، وهو ما يمثّل فرصةً نادرةً للاتّحاد الأوروبيّ لأخذ خطوة، لكن، ولسوء الحظّ، ما يزال الاتّحاد الأوروبيّ منقسماً بشدّةٍ حول كيفيّة التّعامل مع وضعٍ يستمرّ في التّدهور، ويبدو أنّ بعض الدّول الأعضاء، خاصّة ألمانيا، تتمسّك بالاعتقاد السّاذج بأنّ أردوغان ما يزال من الممكن التّفاهم معه.

يدلّ تردّدنا في فرض أدنى عقوبات على تركيا على انقسامنا وضعفنا، الأمر الذي يشجّع السّلطان الجديد.

إنّ ردّاً قويّاً وموحّداً من الاتّحاد الأوروبيّ هو السّبيل الوحيد لكبح أجندة أردوغان التّوسّعيّة، ويجب أن يشمل ذلك: إعادة التّفاوض بشأن اتّفاقية المهاجرين، زفرض عقوبات ضدّ جماعة "سادت ديفينس" وزعيمها، عدنان تانريفيردي، وفرض حظر على الأسلحة، وتعليق الاتّحاد الجمركيّ بين الاتّحاد الأوروبي وتركيا، وأخيراً؛ تعليق عضويّة تركيا في حلف شمال الأطلسيّ.

في النّهاية، تجعل سياسة أردوغان الخارجيّة العدائيّة، وخطابه القوميّ الإسلامويّ المثير للجدل، من المستحيل اعتبار تركيا أردوغان حليفة لنا؛ ففي الوقت الذي يمدّ فيه الاتّحاد الأوروبيّ غصن زيتون آخر، يرتقب أردوغان الحروب القادمة.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

كيلي الخولي، "مودرن دبلوماسي"، كانون الثّاني (يناير) 2021

الصفحة الرئيسية