أوروبا إذ تساند أمريكا في تضييق الخناق على إيران

صورة عمر الرداد
كاتب وخبير أمني أردني
2978
عدد القراءات

2019-01-15

بنت القيادة الإيرانية إستراتيجياتها لمواجهة الانسحاب الأمريكي من الصفقة النووية، على رهانات بأنّ هناك إمكانية لانتزاع مواقف أوروبية، يمكن أن تكون لصالح القيادة الإيرانية، تسهم في مواجهة الضغوطات الأمريكية، بما فيها حزم العقوبات الاقتصادية والعسكرية اللاحقة لقرار الانسحاب من الصفقة.

واستندت هذه الإستراتيجية الإيرانية إلى تقديرات بإمكانية استثمار المواقف الأوروبية الرافضة لمواقف الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خاصّة من قبل فرنسا وألمانيا، في العديد من العناوين، لعلّ أبرزها القرارات الاقتصادية الخاصة بالتبادلات التجارية بين أمريكا وأوروبا، والضرائب والرسوم الجمركية، والانسحاب الأمريكي من مؤسسات غربية أوروبية أمريكية، واتفاقيات اقتصادية عالمية.

اقرأ أيضاً: واشنطن تؤسس لجبهة مضادة لإيران بعيداً عن الأزمات الظرفية

الرهانات الإيرانية ذهبت أدراج الرياح، وتقترب أوروبا، يوماً بعد يوم، في مواقفها وسياساتها تجاه إيران من أمريكا، لدرجة أنّ القرارات الأوروبية الأخيرة تجاه إيران، أرسلت رسائل واضحة بأنّ أوروبا لم ولن تغادر الموقف الأمريكي، وأنّ إجبار إيران على التخلي عن سياساتها الإقليمية، بما فيها برامجها النووية والصاروخية، وشنّها حروباً في المنطقة، عبر وكلاء في العراق وسوريا ولبنان، إضافة إلى اليمن، وعلاقاتها مع التنظيمات الإرهابية، داعش والقاعدة، تشكّل قاسماً مشتركاً بين الأوروبيين وأمريكا.

خيارات القيادة الإيرانية تبدو أكثر محدودية من السابق إذ تدرك خطورة الذهاب بعيداً باستخدام أوراقها خاصة في سوريا ولبنان

لقد شكّل قرار الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات جديدة على وزارة الأمن الإيرانية "جهاز المخابرات"، على خلفية مخططات هذا الجهاز للقيام بعمليات ضدّ معارضين إيرانيين، يقف وراءها ضباط مخابرات إيرانيون، يمارسون أنشطتهم السرية بغطاءات دبلوماسية، ضربة لإيران، خاصة أنّ كشف هذه المخططات جاء بعد تنسيق أجهزة المخابرات الأوروبية فيما بينها، وتحديداً في؛ بلجيكا، وألمانيا، وفرنسا، والدنمارك، وجاءت مكملة لالتزام أوروبا بالعقوبات الأمريكية على طهران، بعد قرارات شركات أوروبية بإلغاء عقودها الاستثمارية التي أبرمتها مع إيران، بعد الصفقة النووية عام 2015.

رهانات القيادة الإيرانية على موقف أوروبي كانت محاولة من التيار الإصلاحي، بقيادة رئيس الجمهورية، حسن روحاني، فيما كانت تقديرات التيار المتشدد بقيادة المرشد الأعلى، خامنئي، والحرس الثوري الإيراني، بأنّ مواقف أوروبا لن تخرج عن الإرادة الأمريكية، وستبقى تدور في فلكها، رغم ما بينهما من خلافات، وهو ما يعني اليوم إضعاف مواقف روحاني لصالح المرشد الأعلى وتياره، وهو ما يفسّر أيضاً ردّ الفعل المتشنج لوزارة الخارجية الإيرانية عند لقاء الوزير ظريف مع السفراء الأوروبيين، بعد عقوبات الاتحاد الأوروبي الأخيرة، والتصعيد ضدّ بولندا، على خلفية انعقاد القمة التي دعت إليها أمريكا لتشكيل المحور ضدّ إيران في بولندا.

اقرأ أيضاً: هذا هو رد إيران على قمة بولندا..

قناعات القيادة الايرانية بأنّ التصعيد الأوروبي غير معزول عن الجهود الأمريكية لمحاصرة إيران، خاصة جولتي وزير الخارجية الأمريكي، مايك بوميو، ومستشار الأمن القومي، جون بولتون، التي شكّل استهداف إيران أحد أبرز ملفاتها، تزامناً مع إرسال العديد من البوارج وحاملات الطائرات الأمريكية والقطع البحرية إلى المنطقة، وإجراءات تعزيز وتوسيع التواجد العسكري الأمريكي في العراق، الذي أكّدته الزيارة المفاجئة للرئيس الأمريكي للقطاعات العسكرية ليلة عيد الميلاد، التي كانت رسالة مباشرة لإيران، بأنّ سحب القوات الأمريكية من سوريا لن ينطبق على العراق.

تعتقد أوساط متابعة للشأن الإيراني في المنطقة بأنّ الضغوط الأوروبية "المتوافقة" مع الضغوط الأمريكية على القيادة الإيرانية، ستعمل على إضعاف التيار الإصلاحي، بقيادة رئيس الجمهورية، وتفقده ورقة مهمة، وتهمّش قدراته في صراعه مع التيار المتشدّد، وأنّ تلك الضغوط ستسهم في زيادة تصلّب وراديكالية القيادة الإيرانية، إلا أنّ هذا التقدير في حاجة إلى مزيد من الفحص، في ظلّ تجارب تاريخية، منذ ظهور تياري الإصلاح والتشدّد، أثبتت أنّ القرار الأول والأخير بيد المرشد الأعلى للثورة، وهو ما يؤكّده الدستور الإيراني، وطبيعة النظام الإيراني، منذ إعلان الثورة الإسلامية، عام 1979، وقد كان في شعارات الانتفاضة الإيرانية، التي انطلقت في أواخر عام 2017، ضدّ المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية، ما يؤكّد إدراك الشعب الإيراني للعبة تبادل الأدوار بين التيارين؛ الإصلاحي والمتشدّد.

الرهانات الإيرانية ذهبت أدراج الرياح، وتقترب أوروبا، يوماً بعد يوم، في مواقفها وسياساتها تجاه إيران من أمريكا

خيارات القيادة الإيرانية تبدو أكثر محدودية من السابق، رغم أنها تمتلك أوراقاً في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وتدرك خطورة وعقوبات الذهاب بعيداً باستخدام تلك الأوراق، خاصة في سوريا ولبنان، ارتباطاً بالعامل الإسرائيلي، كما تدرك أنّ إستراتيجية حافة الهاوية التي اتبعتها على مدى أعوام، ربما لن تشكّل طوق نجاة لها، مع رئيس أمريكي يعيش نشوة الانتصار على كوريا الشمالية، بانتزاع "إنجاز" لم يتحقق لأيّ رئيس أمريكي قبله، وأنّ روسيا والصين لا تتجاوز نظرتهما إلى إيران كونها ورقة يمكن التفاوض عليها مع أمريكا، فقط خارج العناوين المرتبطة بأمن إسرائيل.

وربما تشكّل أية ضربة عسكرية عميقة لإيران، أحد المخارج لرئيس أمريكي يواجه العديد من المصاعب الداخلية، خاصة بعد فوز الديمقراطيين بالكونغرس الأمريكي، كما قد تشكّل مثل تلك الضربة، حال وقوعها، تمهيداً لفتح الطريق أمام "صفقة القرن"، التي لن تتوقف عند فلسطين فقط، وعلى غرار مؤتمر مدريد، الذي عقد بعد ضرب العراق عام 1990.

اقرأ المزيد...

الوسوم: