أي سلفية موجودة بمصر؟

أي سلفية موجودة بمصر؟

مشاهدة

23/06/2021

عقب ما أثارته شهادة الداعية السلفي محمد حسين يعقوب، طُرح السؤال: أيّ سلفية في مصر؟ وأيّ معسكر سلفي تعود إليه الأصول الفكرية المنهجية للرجل؟ وأيّ علاقة بين الجهادية وتلك المجموعة العامّة من الأفكار التي تدعو إلى العودة إلى الفترة التأسيسية المبكّرة فى الإسلام، وإلى النصوص الأساسية للدين، وخلق صورة مثالية مثل الفترة الإسلامية الأولى؟

معسكرات سلفية متناقضة

يتوزع المعسكر السلفي إلى عدد من الاتجاهات، تصل أحياناً إلى حد الاختلاف والتناقض، لكن رغم ذلك فإنّ ملامح خطابهم واحدة، ويعملون ككتلة سائلة داخل المجتمع، وينتقلون فجأة من دائرة إلى أخرى حسب الظروف المحيطة، والملفت للانتباه أنهم لا يعتبرون المعتزلة أو الأشاعرة على سبيل المثال من السلفية، رغم البدايات المتشابهة المبكرة في الأصولية الأولى.

 

يتوزع المعسكر السلفي إلى عدد من الاتجاهات، تصل أحياناً إلى حد الاختلاف والتناقض، لكن رغم ذلك فإنّ ملامح خطابهم واحدة، ويعملون ككتلة سائلة داخل المجتمع

 

من التناقض، على سبيل المثال، أنّ هناك سلفية مؤسساتية؛ أي مؤسسات خاضعة لإشراف وزارة التضامن، مثل جماعة "أنصار السنّة المحمّدية"، التي ينتمي إليها صاحب الشهادة محمد حسين يعقوب، ترى أنّ النظام الديمقراطي نظام كافر، لكنّ الانتخابات بالترشيح ومزاحمة أهل الديمقراطية لتقليل شرّهم جائزة، وترى شرعية العمل الجماعي، ولا تقرّ التحزب لغير السنّة والجماعة، ومثلها الجمعية الشرعية، التي يصل أتباعها إلى مئات الآلاف.

شعار  جماعة "أنصار السنّة المحمّدية"

أمّا "السلفية العلمية"، أو ما يطلق عليها "الدعوة"، فهي تؤمن بجواز العمل الجماعي التنظيمي، وقد أنشأت تنظيماً كاملاً له فروع ومسؤولون وآلية ونظام صارم، بقيادة محمد عبد الفتاح أبو إدريس (قيّم "قائد" الدعوة السلفية).

 

تؤمن "السلفية العلمية"، أو ما يطلق عليها "الدعوة"، بجواز العمل الجماعي التنظيمي، وقد أنشأت تنظيماً كاملاً له فروع ومسؤولون وآلية ونظام صارم

 

من الناحية الجغرافية تتوزع السلفية في مصر في عدة معسكرات، يمكن أن يكون أخطرها بحسب المراقبين، (سلفية القاهرة)، وهم تيار حركي يرفضون تكوين جماعة خاصة، لكنهم يشجعون أتباعهم على التعاون مع جميع الجماعات العاملة حتى تنظيم القاعدة!.

محمد عبد الفتاح أبو إدريس

يُعدّ أبرز من دعوا إلى السلفية القاهرية "محمد عبد المقصود"، و"رفاعي سرور"، و"فوزي السعيد"، و"نشأت أحمد"، وتقريباً نشأت كل المجموعات المسلحة خلال الأعوام الـ10 الأخيرة في مصر من تحت أيديهم، والغريب أنهم متداخلون بشكل كبير مع باقي معسكرات السلفية، بما فيها العلمية والتقليدية، ودعاة التيارات الأخرى، مثل؛ محمد حسان وأبي إسحق الحويني ومحمد حسين يعقوب.

رفاعي سرور

وعقب "الربيع العربي"، انبثق من هذه السلفية العديد من الحركات، مثل؛ الجبهة السلفية، وحركة طلاب الشريعة، وتيار الإسلام الجديد.

وهناك معسكر آخر قد يتناقض مع الجميع، وهو التيار المدخلي، أو السلفية التي تعمل من خلال الإذعان للسلطان، وعدم الخروج على الحاكم، ومواجهة استفحال "الدعوة السلفية بالإسكندرية"، على سبيل المثال، عشرات الآلاف الذين يتبعون الشيخ محمد سعيد رسلان، وأسامة القوصي، الذي اعتذر "لشباب الثورة"، ومحمود لطفي عامر، الذي قرر ترشيح نفسه للرئاسة!

 

(السلفية الجهادية)، هو تيار له توجهات أشدّ تطرفاً في مسألة الخروج على الحاكم، فالفكرة المركزية التي يقوم عليها هي تكفير الحكام والأنظمة في البلاد الإسلامية

 

من ناحية البنيوية الفكرية، تيار كبير اندمج داخل القاعدة أو سلفية الشام، أو ممّن دمجوا بين الجماعات التي يطلق عليها جهادية والسلفية الوهابية، أطلقوا على أنفسهم (السلفية الجهادية)، وهو تيار له توجهات أشدّ تطرفاً في مسألة الخروج على الحاكم، فالفكرة المركزية التي يقوم عليها هي تكفير الحكام والأنظمة في البلاد الإسلامية.

محمد سعيد رسلان

بهذه التقسيمات شكلوا عدة دوائر؛ الأولى تقليدية، والثانية جهادية، والثالثة سياسية، والدوائر الـ3 تتحرك كلها باتجاه بعضها بعضاً، فيمكن أن يتحوّل السلفي التقليدي الإصلاحي من أسفل المجتمع إلى جهادي وبالعكس.

 

التأثير المتبادل بين الإخوان والسلفية تميز بصيغة يمكن تحديدها، فبقدر ما كان التأثير الإخواني في السلفية حركيّاً، كان التأثير السلفي لدى الإخوان إيديولوجيّاً

 

بناء على تلك الخريطة المعقدة من السلفيات، انتشر في مصر "السروريون"، وهم سلفية وافدة من السعودية، دمجت ما بين حركية الإخوان ومعالم الطابع السلفي المعاصر، أو "السلفيون الجهاديون"، وهم مجموعات تتركز في شبرا بوسط القاهرة، ومحافظة البحيرة، وسلفية التزكية والتربية، التي لا تهتم بالعمل السياسي، مثل شيخها أسامة عبد العظيم، وغيرها العديد من الاتجاهات الأخرى، التي تختلف بين الخبراء حسب الخارطة الجغرافية، أو الإيديولوجية.

في المقابل، تحوز "الدعوة السلفية بالإسكندرية" على النصيب الأكبر من قطاع السلفيين، وكانت تؤجل السياسة إلى حين، لكنهم تسارعوا إليها وشكّلوا بعد الثورة حزب النور بتاريخ 13-6-2011، وتبعتهم مجموعة سلفية أخرى بتشكيل حزب الفضيلة والأصالة، وقامت الجماعة الإسلامية، التي يمكن إيديولوجياً أن نعدّها حركة سلفية بتشكيل حزب البناء والتنمية.

 

تحوز "الدعوة السلفية بالإسكندرية" على النصيب الأكبر من قطاع السلفيين، وكانت تؤجل السياسة إلى حين، لكنهم تسارعوا إليها وشكّلوا بعد الثورة حزب النور بتاريخ 13-6-2011

 

عقب "الربيع العربي"، حاولت جماعة الإخوان أن تستفيد من تلك المعسكرات والكيانات، فأنشأت "الهيئة الشرعية لحماية الحقوق والحرّيات"، وتشكّل "مجلس شورى العلماء"، وكان من أعضائه: محمد حسين يعقوب، وأبو إسحق الحويني، ومحمد حسّان، ونشأت "الجبهة السلفية"، وهي رابطة تضم عدة رموز إسلامية وسلفية مستقلة، وتشكّل "ائتلاف شباب مصر الإسلامي" - أغلب أفراده من التيار السروري - ثم تشكّل "ائتلاف دعم المسلمين الجدد"، الذي اهتم بالقضايا الطائفية بشكل خاص، وقبلهم نشأ "سلفيو كوستا"، وهم مجموعة من الشباب السلفيين الذين ظهروا في نيسان (إبريل) عام 2011، عقب الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وأعلنوا أنّ أهم أهدافهم التقريب بين التيارات بشكل عصري.

ويرى باحثون، ومنهم الأردني محمد أبو رمان، في دراسة حملت عنوان "السلفية في المشرق العربي"، أنّ النصف الثاني من القرن الـ20 شهد تراجُع توجهات ومدارس سلفية وتقدُّم أخرى في العالم العربي؛ فقد تقاسم المشهد السلفي تياران أساسيان؛ هما: السلفية الحركية التي انبثقت بداية عن جماعة الإخوان المسلمين، ويعتبر سيد قطب ممثلها ومنظّرها وموجهها فكرياً، وتتمثّل بصورة أساسية بما يُعرف بالمدرسة السّرورية، نسبة إلى محمد سرور بن نايف زين العابدين، الذي خرج على الإخوان السوريين، حين كان في السعودية، ودشّن تياراً سلفياً حركياً، أمّا التيار الثاني، فهو السلفية التقليدية المحافظة، ويمثله الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، الذي بلغ تأثيره مدى جغرافياً واسعاً في أنحاء العالمين الإسلامي والعربي عموماً والمشرق العربي خصوصاً، وقد توفي الألباني في مدينة عمّان عام 1999، بعد أن أسس سلفية تقليدية راسخة في المشرق العربي والعالمين العربي والإسلامي.

ويشير الباحث الراحل حسام تمّام، في "تسلّف الإخوان: تآكل الأطروحة الإخوانية وصعود السلفية في جماعة الإخوان المسلمين"، إلى أنّ التلاقح الإخواني السلفي الأهم حدث داخل مصر، فقد أثرت المكونات السلفية في أفكار قادة هذه الجماعات وأعضائها، ونقلها عدد كبير منهم ممّن انضموا لاحقاً إلى جماعة الإخوان في نهاية السبعينيات، فتأثّر فكر الإخوان بالفكر السلفي، وتداخل الطرفان.

ويعتبر تمّام مرحلة الثمانينات مرحلة كمون السلفية الإخوانية، ويبيّن أنّ التأثير المتبادل بين الإخوان والسلفية تميز بصيغة يمكن تحديدها، فبقدر ما كان التأثير الإخواني في السلفية حركيّاً، كان التأثير السلفي لدى الإخوان إيديولوجيّاً.

هل هناك فرق بين السلفيين؟

رغم الخريطة الواسعة، وتلك الكيانات الموزعة جغرافياً أو إيديولوجياً، فإنّ هناك تقاطعات متنوعة وتشابهات كثيرة بينها، وهو ما يدفعها إلى التحالف أحياناً، يمكن أن نجملها في التالي:

1 - ادعاء الحقيقة المطلقة، ورفض الرأي الآخر، أي ما خالف مذهب السلف.

2- استنساخ الأقوال القديمة دون اعتبار زمانها ومكانها، واقتباس اجتهادات الفقهاء القديمة وتقديمها في طبعة جديدة.

 3- التوظيف لآراء السلف الصالح، وانتقاء أقوالهم حسب ما يخدم المعسكر السلفي.

 4- رفض النظرة المقاصدية للنصوص الشرعية، والوقوف عند ظواهر النصوص.

 5- عدم الاكتراث بالمواجهة المصيرية مع الحضارة الغربية، والسعي لأسلمة المعرفة والفنون والاقتصاد والسياسة، والانشغال بالرد على الطرق الصوفية والأشاعرة والماتريدية.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية