إثيوبيا: هل يطيح الجيش آبي أحمد؟

إثيوبيا: هل يطيح الجيش آبي أحمد؟

مشاهدة

31/07/2021

من الصعب التكهّن بمستقبل الأزمة بإثيوبيا، التي تفتح الباب أمام احتمالات عديدة تتجاوز الجغرافيا الإثيوبية إلى منطقة القرن الأفريقي، التي تتصل بأمن البحر الأحمر، بما يجعل حجم المنخرطين بتبعات الصراع يزداد ليشمل دول البحر الأحمر، خصوصاً السعودية ومصر، إلى جانب القوى الدولية، إضافة إلى أنّ مصر مهتمة بالأزمة؛ بسبب قضية سدّ النهضة في الأساس، والصراع بين إثيوبيا والسودان.

تشعب الصراع الداخلي

لم يعد الصراع في إثيوبيا مقتصراً على الحرب بين الحكومة الفيدرالية، برئاسة آبي أحمد وحلفائه من إقليم أمهرا وإريتريا، والجبهة الشعبية لتحرير شعب تيجراي ( TPLF)، مثلما كانت في البداية في تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، وتوسعت الحرب لتلقي بظلالها على المشهد السياسي والاجتماعي في مجمل البلاد، عقب الهزيمة الثقيلة لحلف آبي أحمد في تيجراي، في حزيران (يونيو) الماضي، ما دفعه إلى إعلان وقف إطلاق نار من طرف واحد في نهاية الشهر، دون استجابة من جبهة تحرير تيجراي، التي قررت القتال لحين استعادة كافة مناطق الإقليم، خصوصاً في الغرب الذي يتمتع بمناطق زراعية خصبة، وتسيطر عليه قوات إقليم أمهرا، الذي تعدّه جزءاً من أمهرا، وكانت تيجراي قد استولت عليه من قبل، عام 1991، بحسب زعمهم.

الآلاف من قوات آبي أحمد أسرى بيد قوات جبهة تحرير تيجراي

وأمام تطوير التيجراي هجومهم وعدم القبول بوقف إطلاق النار، وإنزالهم هزائم ثقيلة بقوات الجيش الفيدرالي وحلفائه، دعا آبي أحمد القوميات الصومالية إلى الاصطفاف مع الحكومة لقتال تيجراي، وبدأت الحكومات الإقليمية في إرسال وحدات من قواتها إلى جبهات القتال، وسط معارضة واسعة من الشعوب الإثيوبية، التي طالبت بالنأي بالنفس عن الصراع بين الحكومة وتيجراي.

ما يزيد الخناق على آبي أحمد، تنامي الخلافات مع حلفائه الأمهرا، والذين يريدون تطويع الحكومة الفيدرالية لصالح الدفاع عن مكتسباتهم، ويحشدون ضدّ شعب تيجراي

ولم تقتصر معارضة الشعوب الإثيوبية المتعددة على رفض الانخراط في الصراع، بل استغلّت الحركات المسلحة المتمردة على الحكومة الفيدرالية الوضع للتقدم عسكرياً على حساب القوات الفيدرالية، خصوصاً في إقليم أوروميا الذي يعيش أزمة سياسية كبيرة، منذ عام 2020، بعد حادثة اغتيال المغنّي الأورومي هوشالو هونديسا، وما تبعها من اعتقالات واسعة بحقّ القيادات السياسية الأورومية على يد آبي أحمد، وحملات قمع طالت الشعب الأورومي.

وتشكّل المعارضة الأورومية المسلحة خطراً واسعاً على العاصمة أديس أبابا، التي تقع في إقليم أوروميا، وذكرت مصادر إثيوبية؛ أنّ المسلحين الأوروميين من جبهة تحرير أوروميا (OLF)، وغيرهم، وصلوا إلى حدود 40 كم من العاصمة.

وتزامناً مع ذلك، أعلنت مجموعات سياسة في إقليم غامبيلا تشكيل حركة مسلحة لقتال الحكومة الفيدرالية، وفي إقليم بني شنقول استمرت المناوشات بين جبهة تحرير شعب بني شنقول والقوات الفيدرالية، ووقعت مناوشات بين الإقليم الصومالي والإقليم العفري في المناطق الحدودية المتنازع عليها.

مهاجمة الإقليم العفري

ويقول الصحفي من قومية العفر، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، شفاء العفاري؛ بعد انسحاب آبي أحمد من تيجراي، كان أمام جبهة تيجراي هدف تحرير غرب الإقليم من ميليشيات الأمهرا، والوصول إلى الحدود السودانية لخلق منفذ خارجي، لكن مع موسم الأمطار الذي يجعل نهر تكيزي يفيض، وتدمير القوات الفيدرالية المنسحبة للجسور الثلاثة القائمة عليه، لم تستطع الجبهة التقدم غرباً.

اقرأ أيضاً: مقتل جندي سوداني يرفع التوترات مع إثيوبيا... تفاصيل

وأضاف العفاري لـ "حفريات"؛ اتخذت الجبهة قراراً غير محسوب بغزو إقليم العفر، بهدف تشتيت القوات الفيدرالية وتحويل الإقليم إلى فوضى بالسيطرة على الطريق الحيوي الرابط للموانئ الجيبوتية، وربما مهاجمة ميناء عصب في إريتريا للحصول على منفذ خارجي.

الصحفي شفاء العفاري

بينما تقول جبهة تحرير تيجراي إنّها دخلت الإقليم بالاتفاق مع السكان لقطع الطريق على القوات الإقليمية التي استدعاها آبي أحمد لشنّ هجوم مضاد، ونشر إعلام الجبهة صوراً لترحيب العفر بقواتهم، لكن من المؤكد أنّ العفر لن يقبلوا بتحويل أرضهم إلى منطقة صراع، ولهذا السبب رفضوا في بداية الحرب دخول قوات آبي أحمد وحلفائه إلى تيجراي عبر أراضيهم، المحاذية لشرق تيجراي.

ويشهد الإقليم العفري صدامات كبيرة بين التيجراي والقوات الخاصة العفرية، وتسبّب القتال في تأزم العمليات الإنسانية الدولية في تيجراي، وصدرت تقارير تحذّر من خطر المجاعة في الإقليم، إلى جانب موجات نزوح وعدد كبير من الضحايا داخل الإقليم نفسه.

الصحفي شفاء العفاري لـ "حفريات": المجتمع الدولي يريد وقف نزيف الدماء، ويخشى تشعّب الصراع لكنّه يريد التدخّل في حال انتصار أحد الأطراف

وألقت الحرب بظلالها على الإقليم العفري، من زاوية أخرى، وذلك بعد تجدّد الصدامات بين العفر والإقليم الصومالي، الذي تلعب جيبوتي دوراً فيه عبر دعم الصوماليين، ما يزيد من المخاوف من توسّع الصراع إلى جيبوتي.

وكانت جبهة تحرير تيجراي قد حققت انتصارات جديدة ضدّ القوات الأورومية التي أُرسلت إلى قتالها، ونجحت في أسر المئات من الأورومو، الذين يتمّ تجنيدهم قسراً، ومن المرجح استجابة هذه القوات غير المتحمسة للقتال لدعوات قيادات الأورومو بالاستسلام للتيجراي، وتزامناً مع ذلك، بدأت الدعوات للتحالف بين التيجراي والأورومو، بهدف الزحف على العاصمة أديس أبابا، وتغيير نظام الحكم.

ماذا بقي لآبي أحمد؟

ولا يبدو أنّ أمام آبي أحمد خياراً سوى مواصلة الحرب ضدّ تيجراي، لكن إذا استمر في عمليات التجنيد القسري والزجّ بالشباب دون تدريب في جبهات القتال، فربما يُسرّع ذلك من ثورة الأقاليم ضدّه، ويزيد من رصيد خسائره أمام العالم.

منسّق أبحاث أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية ببيروت، الدكتور محمد عبد الكريم

وأثار اختفاء الجيش الفيدرالي من المشهد تساؤلات عديدة؛ فمن غير المعقول أن يكون الجيش هو القوات التي هُزمت في تيجراي فقط، فهناك قوات كبيرة حول سدّ النهضة، بهدف حمايته من هجوم خارجي، من غير المرجّح أن يحدث، وحتى إذا قررت مصر استهداف السدّ فلن يكون الأمر باجتياح برّي، بل بعمليات جوية لا قدرة للجيش الإثيوبي على صدّها.

وينوّه منسق أبحاث أفريقيا بمعهد الدراسات المستقبلية ببيروت، محمد عبد الكريم، إلى ضرورة فهم شخصية آبي أحمد، من أجل توقّع خطواته المقبلة، ويقول؛ هو شخصية متجاوزة للواقع، ومهووس بأحلام ونبوءات عن تنصيبه ملكاً لإثيوبيا، والهيمنة على دول الجوار، ولهذا ليس أمامه خيار سوى استمرار القتال، ما يجعل أول خطوة لعودة الاستقرار إزاحته من المشهد السياسي.

اقرأ أيضاً: هل تدخُل مجلس الأمن في ملف سد النهضة صب في مصلحة إثيوبيا؟

وأضاف عبد الكريم: "إثيوبيا دولة كبيرة، عدد سكانها 120 مليون نسمة، ولن تحتمل عدم الاستقرار الحالي لمدة أطول، ولم يعد لآبي أحمد مشروع لجمع الشعب حوله، بعد أن أخذت أزمة السدّ منحى مختلفاً بسبب نجاحات الدبلوماسية المصرية، ما جعل الأزمة واقعياً في طور الانتهاء، ولن تفيد آبي أحمد في الحشد الشعبوي، ولهذا تجب إزاحته وإطلاق حوار وطني شامل ينقذ البلاد".

سيناريوهات الأزمة

ويرى الباحث في التاريخ والسياسة من القومية الصومالية في إثيوبيا، أحمد هراد؛ أنّ هناك أربعة سيناريوهات حول مستقبل الأزمة؛ أولها استمرار حرب الاستنزاف بين الفرقاء لحين تحقيق طرف نصراً كبيراً، والثاني دخول الميليشيات المسلحة العاصمة وهذا وارد إذا تحالف التيجراي والأورومو، وحدث من قبل بتحالف مشابه، عام 1991.

وتابع هراد: الثالث الجلوس على طاولة المفاوضات، لكن يكاد هذا السيناريو أن يكون مستحيلاً؛ إذ تعدّى الصراع الجانب العسكري إلى الجانب الحقوقي والإنساني والقانوني، وباتت الهوة بين الجانبين متسعة بحيث بات من الصعب تجاوزها.

والسيناريو الرابع، بحسب هراد، حدوث انقلاب عسكري من الجيش الفيدرالي على آبي أحمد، وإعادة البلاد إلى ما قبل عام 2018، وسبق أن كانت للجيش تجربة مماثلة عندما انقلب على الإمبراطور هيلا سيلاسي، عام 1974، بعد أن ساءت الأمور.

الباحث في التاريخ والسياسة، د. أحمد هراد

ومن جانبه، ذكر الباحث محمد عبد الكريم؛ أنّ الأزمة كلّما طالت ستجذب لاعبين جدداً؛ وذلك لأنّ تأثيرها بات يتجاوز إثيوبيا إلى البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي مناطق ستؤثر في المصالح الأمريكية والسعودية والمصرية وغيرها، علاوةً على الانخراط الأمريكي والأوروبي الدائم، والذي يمارس ضغوطاً كبيرة على الحكومة الفيدرالية منذ اندلاع الأزمة.

وحول موقف المجتمع الدولي، يرى الصحفي شفاء العفاري؛ أنّ المجتمع الدولي يريد وقف نزيف الدماء، ويخشى تشعّب الصراع، لكنّه يريد التدخّل في حال تحقيق أحد الأطراف للنصر، بحيث يكون التفاوض ممكناً بين الفرقاء، إلى جانب أنّه لن يتسامح مع جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات آبي أحمد وإريتريا وأمهرا.

ومما يزيد الخناق على آبي أحمد، تنامي الخلافات مع حلفائه الأمهرا، والذين يريدون تطويع الحكومة الفيدرالية لصالح الدفاع عن مكتسباتهم، ويحشدون ضدّ شعب تيجراي بأكمله، وكذلك يلومون آبي أحمد على عدم تصعيد النزاع مع السودان بسبب الفشقة، وإضافة إلى ذلك بات من المؤكد أنّ العلاقات بين آبي أحمد والرئيس الإريتري تمرّ بأسوأ حالاتها، بعد هزيمة تيجراي، وانشغال إريتريا بتحصين حدودها لصدّ أيّ هجوم محتمل من الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي.

الصفحة الرئيسية