إيران إذ تستثمر في الصراع السني الشيعي

إيران إذ تستثمر في الصراع السني الشيعي

مشاهدة

07/10/2019

بعد حرب 1973 وهزيمة إسرائيل، كان وزير الخارجية الأمريكي، هنري كيسنجر، على وعي تامّ بأهمية تفكيك المنطقة من داخلها، وفق الصراع السنّي الشيعي، وجاء برنارد لويس لينظّر في كتاباته لإعادة تدوير المنطقة وتفكيكها وفق هذا الصراع، ومنذ أكثر من عقد، وإلى الآن، ونحن نرى أمريكا والغرب يسيران في هذا المشروع لصالح إسرائيل، المستفيد الأول من إضعاف العالم العربي.
الأسس التاريخية
لقد بدا واضحاً أنّ أمريكا والغرب يعيدان إنتاج وتدوير المنطقة عبر الصراع السنّي الشيعي، وذلك بمساعدة إيران التي تتدخل في شؤون البلاد العربية، بدعوى حماية الشيعة في معظم مناطق العالم العربي، وذلك باعتبار أنّ إيران هي الدولة المركزية للشيعة في العالم الإسلامي، وتنظر لنفسها باعتبارها حامية حمى المذهب، فتعطي لنفسها الحقّ في التدخل في المنطقة العربية.

إسرائيل المستفيد الأول من إضعاف العالم العربي وتأجيج الصراع السنّي الشيعي

ولا شكّ في أنّ ما يحرّك إيران تجاه المنطقة العربية هي أطماعها التاريخية في ثروات المنطقة من ناحية، والحقد التاريخي للفرس تجاه العرب الذين حطموا إمبراطوريتهم منذ الفتح الإسلامي، وما تزال حركة الشعوبية حاضرة في الذهن العربي، هذه الحركة التي عبرت عن مشكلة استعلاء العرب على الفرس في العهد الأموي، واستعلاء الفرس على العرب في العهد العباسي؛ حيث نظر الفرس إلى العرب على أنّهم أجلاف لا علم لهم ولا حضارة، ولا تاريخ، ولا مقدرة على الحكم والسياسة، وأنّ العرب حين حكموا لم يستطيعوا أن يفعلوا ذلك من دونهم، كلّ هذه الأمور قد جسّدت الخلاف التاريخي بين العرب والفرس، الذي تطور إلى صراع شيعي وسنّي.
الميراث الثقافي وتأجيج الصراع
ولا شكّ في أنّ الصراع المذهبي بين السنّة والشيعة تغذّيه كتب التراث القديم في علم العقائد التي كانت تعمق الفجوة بين السنّة والشيعة على مدار التاريخ، فأهل السنّة يعتقدون أنّهم على حقّ مطلق، والشيعة على باطل مطلق، وأنّ عقائد الشيعة في معظمها كفرية، وأنّهم ملّة خارج الإسلام، وفي المقابل؛ يقوم الشيعة بتكفير أهل السنّة، ويسمّونهم "النواصب"، والنظر إلى أنفسهم على أنّهم الفرقة الناجية، كما ينظرون إلى أهل السنّة على أنّهم فرقة كافرة.

اقرأ أيضاً: لماذا اعتبرت إيران احتجاجات العراقيين الشيعة "مؤامرة"؟!
ولا ينبغي غضّ الطرف عن الإقصاء القائم بين المذاهب الإسلامية؛ فأهل السنّة يقصون أصحاب المذاهب المغايرة لهم؛ لأنّ تلك الفرق المغايرة قد استخدمت أسلحة أهل السنّة نفسها في الإقصاء، ومنها من وظّف السيف في الخروج على الحاكم، وعلى أهل السنّة، كالخوارج، كما استخدمت الشيعة آليات أهل السنّة نفسها، مثل التسفيه والتكفير لأهل السنّة، والقدح في أعلام الصحابة، رضي الله عنهم، وهذا مثبَت تاريخياً أيضاً.
ولا بدّ من ممارسة نوع من النقد الذاتي لدور مدونات الفرق والملل والنحل لأهل السنّة، في ترسيخ نزعة إقصاء الآخر، وتكفيره، والتحريض على استخدام العنف ضدّه، وهذه الأمور جميعاً موجودة أيضاً لدى أصحاب الفرق المغايرة للسنّة، ولهذا تنبغي إعادة النظرة في تلك الرؤية من قبل كلّ فرقة للأخرى.

اقرأ أيضاً: هل ترفع المرجعية الدينية الشيعية الشرعية عن الحكومة العراقية؟
هذا الميراث من الصراع بين السنّة والشيعة في العالم العربي كان له تاريخ طويل في التاريخ الإسلامي، وهو الآن الذريعة الكبرى لتدخل إيران في المنطقة، وإثارة الحروب والقلاقل فيها، ومساعدة الغرب في تفكيك دول المنطقة بعد حروب طويلة، تُهدر فيها ثروات البلاد العربية لصالح مصانع السلاح الأمريكية والغربية.

الدولة العلمانية والمواطنة الحديثة هما السبيل لخروج العالم العربي من محن الصراع العرقي والمذهبي

نحن في حاجة إلى أن يكون هناك حوار بنّاء بين أهل السنّة والشيعة، ولا يكون ذلك إلا بالبحث الخلّاق لجذور الصراع التاريخي بينهما، والأسباب التي رسّخت لهذا الصراع، ولا شكّ في أنّ أحد أهم أسباب ترسيخ الصراع بين السنّة والشيعة؛ الصورة السيئة لدى كلّ منهما عن الآخر، تلك الصورة التي دوّنتها كتب الفرق أو الملل والنحل لديهما، ومؤلفات العقائد المختلفة لدى كلّ منهما، ومن هنا كان من الضروري تجاوز تلك الصورة السلبية من أجل بناء جسور مشتركة بينهما، وهذا ما حاوله الشيخ شلتوت، في ستينيات القرن الماضي.
المنطقة العربية باتت في حاجة إلى بناء الدولة العلمانية الحديثة، الدولة الحيادية إزاء الطوائف والأعراق والأديان، تلك الدولة التي يترسّخ فيها مفهوم المواطنة بصرف النظر عن الاختلاف في الدين أو المذهب أو العرق، هذه الدولة وحدها ستكون ركيزة الاستقرار لدى الشعوب؛ لأنّها لا تميز سنّياً على حساب شيعي، ولا تميّز علويّاً على حساب سنّي، ولا تحابي مسلماً على حساب مسيحي، ولا تميز عراقياً على كردي.
لا بدّ من أن نعي أنّ الدولة العلمانية والمواطنة الحديثة هما السبيل إلى خروج العالم العربي من محن الصراع العرقي والمذهبي، ولا ينبغي النظر إلى الدولة العلمانية على أنّها لا دين لها، لكنّها حامية لكلّ الأديان، وحامية لكلّ المذاهب، وحامية لكلّ الأعراق، كما أنّها دولة لا تميل لدين ولا تصبغ نفسها بدين أو مذهب أو عرق محدد، ومن دون ذلك سنظل ندور في حلقة مفرغة من الصراع، والكلّ فيها خاسر، وذلك نتيجة استحالة التعايش بين الأديان والمذاهب والأعراق في المنطقة، وسيظلّ حلم الحرية والعدل والديمقراطية بعيد المنال عن المنطقة العربية، منطقة القلاقل والحروب والعنف في العالم، ما لم نستطع تأسيس المواطنة والدولة العلمانية الحديثة.

الصفحة الرئيسية