إيران: القتل الناعم للغة الأكراد

إيران: القتل الناعم للغة الأكراد

مشاهدة

24/10/2020

ترجمة: محمد الدخاخني

في 14 تموز (يوليو) 2020، قضت المحاكم الثورية الإسلامية الإيرانية على مدرسة اللغة الكردية وناشطة المجتمع المدني، زهرة محمدي، بالسجن لمدة 10 أعوام، وكان قد قبض على زهرة، للمرة الأولى، في مسقط رأسها، سين (المعروف أيضا باسم سنندج)، في إقليم كردستان الإيراني، في 23 أيار (مايو) 2019.

اقرأ أيضاً: لماذا تصعد الميلشيات الموالية لإيران تهديداتها ضد الأكراد في العراق؟

وقبل اعتقالها، خضعت لعدة استجوابات مطوّلة على يد منظمة المخابرات الإيرانية التابعة للحرس الثوري الإسلامي، وأُفرج عنها لاحقاً بكفالة، في 2 كانون الأول (ديسمبر) 2019، بعد نحو ستة أشهر في السجن؛ حيث قالت إنّها تعرضت لاستجواب كافكاوي وتعذيب للإدلاء بـ "اعترافات" كاذبة.

مدرسة اللغة الكردية وناشطة المجتمع المدني زهرة محمدي خلال إحدى محاضراتها

ما "جريمة" زهرة؟ تعليم الكردية، لغتها الأم، وقد احتسب القاضي الثوري الإسلامي حكم الـ 10 أعوام بدقة: كلّ عام تدريس عوقبت عليه بعام سجن، وفي مقطع فيديو نشرته على صفحتها على إنستغرام بعد صدور الحكم، وصفت زهرة جرائمها بأنّها "تعليم لغتها الأم وتوزيع الشوكولاتة في الشارع بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم، ومساعدة ضحايا الفيضانات في لوريستان". وفي دفاعها عن أنشطتها باعتبارها "إنسانية"، دعت المحكمة إلى تقديم كلّ دليل يوثّق أنّها عملت لأيّ غرض بخلاف تمكين الأفراد المهمشين من الأقلية الكردية في إيران وتعليم لغتها الأم.

تجريم اللغة الكردية

في إيران، حيث يشكّل الأشخاص من إثنيات غير فارسية أكثر من نصف السكان، تظلّ اللغة الفارسية هي اللغة القانونية الوحيدة للتعليم، من رياض الأطفال إلى الثانوية وحتى التعليم الجامعي، وتواجه الأقليات الإثنية، بما في ذلك عرب الأحواز والترك الأذربيجانيين والبلوش والأكراد والتركمان، تمييزاً راسخاً.

في الوقت الحالي؛ لا تتمتع اللغات الكردية، وغيرها من اللغات غير الفارسية في إيران، بوضع رسمي، ولم تستفد من أيّ تعزيز أو دعم ملحوظ من الدولة

ورغم أنّ إيران وقّعت على اتفاقية الأمم المتحدة الدولية لحقوق الطفل في عام 1989، ورغم حقيقة أنّ المادة 15 من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية تنصّ على الحقّ في استخدام اللغات غير الفارسية في إيران "لتدريس أدبهم في المدارس"، فقد قوبل تدريس وتعلم اللغة والأدب الكرديين تاريخياً بانتقام قاس، حتى الدستور يصف اللغات غير الفارسية في إيران بمصطلحات استعمارية، مثل "اللغات الإقليمية والقبلية".

وفي 9 أيار (مايو) 2010؛ أعدمت إيران أربعة سجناء أكراد، من بينهم المدرس الكردي، فرزاد كامانجار.

اقرأ أيضاً: كيف يحارب أردوغان الأكراد بورقة النفط السوري؟

ووفق "واشنطن تايمز"؛ فإنّ جريمة فرزاد تمثلت في "كونه كردياً، وأنّه درّس في مدرسة ابتدائية في مدينة كاميران شمال غرب إيران، حيث كان عضواً في اتحاد المعلمين الكردستاني، وكتب في العديد من المنشورات الحقوقية السرية، وعلّم طلابه الأكراد، سرّاً، لغتهم المحظورة، وروى قصصاًً عن ثقافتهم وتاريخهم".

أدّت الظروف اللاإنسانية داخل السجن وإعدامه إلى إدانات عالمية للنظام الإسلامي في إيران من جانب العديد من المنظمات، بما في ذلك "اليونيسف"، ومنظمة التعليم الدولية، ومنظمة العفو الدولية، لكنّ الحكومة الإيرانية واصلت انتهاكاتها لحقوق الإنسان، ضدّ السكان الأكراد وأقليات عرقية أخرى، ما تزال تواجه تمييزاً راسخاً، مما يحدّ من تحصّلهم على التعليم بلغتهم الأم، كما تصف منظمة العفو الدولية في مراجعتها لعام 2019 لحالة حقوق الإنسان في إيران.

اقرأ أيضاً: تعطيش الشمال السوري: إستراتيجية تركيا لمحاربة الأكراد

وما يزال العديد من المسؤولين المشتبه في تورطهم في عمليات إعدام جماعية خارج نطاق القضاء، للأقليات الدينية والعرقية في مناصب السلطة في النظام القضائي الإيراني، في عام 2017، عُيّن علي رضا آفاي وزيراً للعدل في إيران.

وفي عام 2019، قام آية الله علي خامنئي بتعيين إبراهيم رئيسي رئيساً للقضاء الإيراني. ورئيسي هذا، شأنه شأن آفاي وسلفه مصطفى بور محمدي، وزير العدل الإيراني من 2013 إلى 2017، كان عضواً في "لجان الموت" التي أمرت بقتل آلاف السجناء خارج نطاق القضاء، بمن فيهم أكراد إيرانيون في عام 1988.

اقرأ أيضاً: عامان من الجرائم التركية بحقّ العرب والأكراد في عفرين السورية

لقد أنهى تعيينه أيّ أمل متبقٍ في الخلاص للسجناء السياسيين، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى الأقليات العرقية والدينية، ويقول هادي قائمي، المدير التنفيذي لمركز حقوق الإنسان في إيران: إنّ "اختيار رئيسي للعمل رئيساً للسلطة القضائية سيرسل رسالة واضحة مفادها أنّ سيادة القانون لا معنى لها في إيران، وأنّ من شاركوا في القتل الجماعي ستتمّ مكافأتهم"، وجاء اختيار رئيسي بعد تصويت الأقليات، لا سيما الأكراد، لمنافسه الرئيس حسن روحاني، في الانتخابات الرئاسية لعام 2017 في البلاد.

الاستيعاب والإماتة الناعمة للغة

على عكس تركيا والعراق وسوريا، الدول التي حظرت استخدام اللغة الكردية لعقود عديدة، بل وارتكبت جرائم إماتة لغوية قاسية ضدّ الأكراد واللغة الكردية، تنفذ إيران سياسة استيعاب وإماتة ناعمة للغة الأكراد.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة

ومنذ الثورة الإسلامية، عام 1979، أصبحت اللغة الكردية في إيران في حالة يصفها اللغوي جعفر شيهولي إسلامي؛ بأنّها "تسامح خاضع للرقابة ومقيّد"، ورغم أنّنا شهدنا إنشاء أول قسم للغة والأدب الكردي في جامعة كردستان في إيران، عام 2014، وفق العديد من الباحثين في هذا المجال، مثل جيم كومينز وتوف سكوتناب-كانغاس وشيهولي إسلامي، فإنّ اللغة الكردية في إيران معرضة للخطر منذ فترة طويلة؛ لأنّها ليست وسيلة تعليم، خاصة في الأعوام الأولى من التعليم.

قوبل تدريس وتعلم اللغة والأدب الكرديين تاريخياً بانتقام قاس، حتى الدستور يصف اللغات غير الفارسية في إيران بمصطلحات استعمارية، مثل "اللغات الإقليمية والقبلية"

وفي 29 أيار (مايو) 2019، وبعد أسبوع واحد فقط من اعتقال زهرة، أعلن رضوان حكيم زاده، نائب رئيس وزارة التعليم الإيرانية، أنّ اختبار "الكفاية في اللغة الفارسية" سيضاف في كافة أنحاء إيران إلى رياض الأطفال، ووفق هذه السياسة التمييزية، إذا فشل الأطفال غير الفارسيين في اختبار الكفاءة الفارسية في سنّ الخامسة، فسوف تجري معاملتهم كما لو أنّهم أشخاص يعانون عيوباً بيولوجية واحتياجات خاصة، مثل: "ضعف البصر"، و"ضعف السمع"، و"بطء التعلم"، و"صعوبات التعلم"، مثل هذه السياسات الممنهجة والحكومية، التي تهدف إلى وصم الأطفال غير الفارسيين في إيران، تذكّر بمحو الدول الاستعمارية للهويات الوطنية للبلدان والجيوب الإثنية والسكان المستعمرين.

وفي ظلّ هذه السياسات الحكومية التمييزية، يعتمد تعليم اللغة الكردية على الجهود الفردية للمتطوعين من أمثال زهرة، وفي وقت مبكّر من هذا العام؛ قام المعلم المتقاعد، جمال حبيب الله فرج بدار، في غضون أشهر بترجمة، القرآن إلى لغته الأم، الهورامية الكردية، على أمل إنقاذ لهجته، التي صنفتها اليونسكو على أنّها "لغة مهددة بالانقراض".

اقرأ أيضاً: "التجمع السوري لطرد الأتراك".. كيف غير "احتلال الشمال" أولويات الأكراد؟

 وفي الوقت الحالي؛ لا تتمتع اللغات الكردية، وغيرها من اللغات غير الفارسية في إيران، بوضع رسمي، ولم تستفد من أيّ تعزيز أو دعم ملحوظ من الدولة.

ويدرك الباحثون في الكردية في كردستان الشرقية/الإيرانية زيادة في الالتزامات بالتنوع على المستوى الخطابي، وتناقصاً في الالتزامات من حيث التطبيق العملي، بل ووجود ردود فعل عقابية، ويحذّر جيم كومنز، أحد أبرز مؤيدي التعليم متعدّد اللغات، من هذا التقدم السطحي، قائلاً: "قد تقدم المجموعة المهيمنة بعض الدعم الرمزي لتدريس لغات (الأقليات)، مع العلم أنّ هذا الدعم الرمزي فقط ربما لن يكون فعالاً."

اقرأ أيضاً: حتى "البكاء على مقابر الموتى" تصادره تركيا من المعارضين الأكراد!

وكما يحاجج كومنز، فإنّك إذا وضعت ضفدعاً في ماء ساخن، فسوف يقفز على الفور؛ ومع ذلك، إذا وضعت الضفدع في ماء بارد مع زيادة الحرارة تدريجياً، فسوف يتحمّل الزيادة التدريجية ويموت في الماء المغلي. وهذا يعني أنّه "إذا كان الاستيعاب اللغوي بطيئاً، فلن يدرك الناس أنّه يحدث"، وقد تبنّى النظام الإيراني هذه السياسة لعقود عديدة، والحكم بالسجن على زهرة محمدي هو علامة لا لبس فيها على أنّ الماء يغلي بالفعل.

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

حيدر خزري، "أوبن ديموكراسي"

الصفحة الرئيسية