اعترافات الغنوشي: إعلان هزيمة أم خداع سياسي؟

اعترافات الغنوشي: إعلان هزيمة أم خداع سياسي؟

مشاهدة

27/11/2021

يسعى راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان التونسي المُجمدة أعماله، إلى مسايرة مركبة التحول السياسي في البلاد، خاصة بعدما أكلت نيران الخلافات الداخلية سقف بيته النهضاوي الذي تهاوى جزء منه، وذلك من خلال إعادة بناء خطابه السياسي، وتغيير لهجة قوله والاعتراف بأخطائه في محاولة أخيرة، لإيجاد هدنة سياسية مع رئيس الجمهورية قيس سعيّد.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يلعب بآخر أوراقه.. فهل احترقت مراكب النهضة؟

يأتي ذلك بعد حرب مشحونة، حاول فيها الغنوشي سحب البساط من تحت أقدام سعيّد، بتمرير قانون المحكمة الدستورية، كرسالة فهم سعيّد مضمونها جيّداً، واستطاع أن يقلب الطاولة على الجميع، في ما عُرف بتصحيح مسار الثورة وما اعتبره الغنوشي "انقلاباً" في بداية تصريحاته.

الغنوشي والانقلاب

واُعتبر إعلان الغنوشي بأنّ حركته ارتكبت عدة أخطاء في إدارة الحكم في تونس خلال السنوات الماضية، ووصفه القرارات التي أعلنها الرئيس قيس سعيد في 25 تموز (يوليو) الماضي، بأنّها "جرعة أوكسجين في أجواء مُختنقة بجائحة كوفيد-19"، مراوغة ذكية من الغنّوشي الذي وصف قرارات سعيّد في البداية بالانقلاب.

الغنوشي يراوغ من جديد للعودة إلى السلطة

اعتراف تأخر أكثر من ثلاثة أشهر من إعلان الرئيس قيس سعيد عن التدابير الاستثنائية التي مكنته من إدارة شؤون البلاد بمراسيم رئاسية، وقد رآها الغنوشي "مُعبّرة عن إرادة شعبية صادقة متعطشة إلى التغيير، وضائقة ذرعاً بالحكومة وحزامها السياسي والحزبي".

راشد الغنوشي يتلون في خطابه كوحش مجروح لربح الوقت إلى حين تنظيم انتخابات جديدة وإقصاء سعيّد، واعترافاته بأنّ النهضة ارتكبت الكثير من الأخطاء محاولة للرجوع للمشهد السياسي

 واستبعد مراقبون أن يكون هذا الاعتراف مراجعة متأنية لخطاب الغنوشي المتشنج الذي طالما فقد السيطرة على أعصابه، فيما رجحوا أن يكون مناورة جديدة لكسب ثقة الشعب الذي لم يعد يثق في خطاب حركته خاصة بعد عشرية سوداء مبطنة بالوعود الكاذبة.

شهادة الغنوشي الذي سعى دائماً إلى تحميل المسؤولية لما آلت إليه البلاد من أزمات اقتصادية وانسداد في المشهد السياسي، إلى حلفائه في الحكم، مع تكرار القول إنّ حركة النهضة لم تكن تحكم لوحدها، طرحت عديد الاستفهامات عن السر الذي يتخفى وراء تغير خطابه مع مراجعة الأدوار التي لعبتها النهضة والنظر في الأخطاء التي ارتكبتها.

 

اقرأ أيضاً: الغنوشي والخطاب "الإخواني" المخاتل

اعترافات الغنوشي تتزامن مع توالي نتائج استطلاعات الرأي، التي تصدّر فيها المرتبة الأولى في قائمة الانعدام الكلي للثقة في الشخصيات السياسية.

اعترافات منقوصة لوحش مجروح

ويصف رواد مواقع التواصل الاجتماعي في تونس اعترافات الغنوشي بالمكر والخداع، بهدف القفز من فوق سفينته التائهة تهرباً من المحاسبة والعقاب، واعتبرها محللون تكتيكاً جديداً من الغنوشي وحركته للبقاء في الحكم، ومواصلة السيطرة على مفاصل الدولة بعد أن حوصروا، خصوصاً أنّ ملفات ثقيلة تنتظرهم حال رفع يدهم عن الحكم.

هل يسعى الغنوشي للتقرّب من الرئيس سعيّد؟

وكتب محمد الحبيب الأسود القيادي السابق في حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النّهضة حالياً) أنّ راشد الغنوشي كذب حين وصف القرارات الدستورية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد، والتي وضع بها حداً للخطر الداهم على البلاد، ولما نال الدولة من عبث ونهب وفساد، فوصفها بالانقلاب، ثم كذب مرّةً أخرى حين قال عن الإجراءات نفسها، بأنّها فرصة للإصلاح، وأظهر استعداداً للتعامل مع الرئيس، مشيراً إلى أنّ الغنوشي شخصية مركبّة من متناقضات، لا يصلح للسياسة ولا يصلح لقيادة تنظيم حركة سياسية، فهو ليس بالسياسي، لأنّ السياسة لها ناموسها وضوابطها، وهو لا ضابط له إلا هواه.

 

اقرأ أيضاً: الباحثة التونسية بدرة قعلول لـ"حفريات": الغنوشي رجل مخابرات صنعته بريطانيا

وتساءل التونسيون حول أهداف الغنوشي وسبب تغيير موقفه من قرارات 25 تموز (يوليو)، وقال الشاب رضا ليني في تدوينة له على حسابه بالفيسبوك "شهد شاهد من أهلها، يعني عشر سنوات وأنت خانق الشعب، يا لندرا فاش قاعد ينكبس يا غنوشي" (على ماذا تخطط يا غنوشي).

ويعتبر المحلل السياسي عبد الجبار المدوري في تصريحه لـ"حفريات" أنّ اعترافات الغنوشي جاءت منقوصة، أولاً بعدم اعترافه بالتسبب هو وحركته بارتفاع منسوب العنف بالبرلمان، وتزايد حجم التهديدات الإرهابية، واستخدامه المنابر الدينية إلى جانب إخوته في التنظيم، لتكفير خصومهم السياسيين وتنفيذ اغتيالات، أبرزها اغتيال القياديين اليساريين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، فضلاً عن مئات الشهداء بالمؤسسة الأمنية والعسكرية، وتسفير الشباب التونسي إلى سوريا وليبيا للقتال.

 

اقرأ أيضاً: استطلاع جديد: تراجع ثقة التونسيين في سعيد وانعدامها في الغنوشي

وشدّد المدوري على أنّ حركة النهضة (الذراع السياسية لتنظيم الإخوان في تونس) لعبت دوراً كبيراً في الدفاع عن الإرهابيين وإخراجهم من السجون، والدفع بهم إلى بؤر الإرهاب، سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا.

ويضيف المدوري أنّ الغنوشي يتلون في خطابه كوحش مجروح، لربح الوقت، إلى حين تنظيم انتخابات جديدة وإقصاء سعيد من الحكم، معتبراً أنّ تودد الغنوشي ومحاولة تقرّبه من الرئيس التونسي سعيّد مصطنع، لافتاً إلى أنّ اعترافات الغنوشي بالأخطاء هو مجرد ذر للرماد على العيون، وسعي منه للتقرب من الرئيس قيس سعيّد حتى يقبل بالحوار معه، ويعيده للمشهد السياسي، الذي خسره بعد تجميد البرلمان وتراجع حركة النهضة على مستوى الحضور في الساحة السياسية وعلى مستوى شعبيتها، التي باتت في انحدار مستمر.

النقد الذاتي المفتعل

ويُعرف عن الغنوشي بتناقض مواقفه وتضاربها منذ وصول حركة النهضة للسلطة، فهو يفعل عكس ما يقول، كما تُجمع أغلب الآراء في تونس على أنّه مهووس بالسلطة ويحاول بشتى الوسائل والأساليب حماية نفسه وكرسيه كقائد وزعيم، حتى ولو صنع تحالفاته السياسية مع أشد أعدائه وخصومه في الانتخابات.

المحلل السياسي يوسف الوسلاتي لـ"حفريات": اعترافات الغنوشي محاولة من زعيم الإخوان للهروب من المحاسبة والبحث عن مقايضة مع سعيّد حول سلامته بخروج آمن مع جماعته

 ويتجلى ذلك في تحالفه مع نداء تونس والرئيس التونسي الراحل الباجي القائد السبسي سابقاً بعد اتهامه بالتورط مع منظومة الاستبداد والتعذيب، في عهد الرئيس الراحل بن علي، وشن ضدّه حرباً إعلامية، وهو الأسلوب والتكتيك نفسه الذي مارسه الغنوشي مع رجل الأعمال المسجون في الجزائر اليوم والمتهم بقضايا فساد نبيل القروي، صاحب حزب قلب تونس بعد أن شدّد الغنوشي على أنّه لن يتحالف مع رجل فاسد يستغل قلوب الناس بقناته الخاصة "نسمة" في برامج خيرية في محاولة للتغطية على فضائح تبييض الأموال.

اقرأ أيضاً: هل يأخذ الغنوشي حركة النهضة معه إلى التقاعد؟

من جانبه، يقول القيادي اليساري عبيد البريكي في تصريحه لـ"حفريات" إنّ عدم ثبات النهضة في التحالفات التي تبرمها مع القوى السياسية، واعترافات الغنوشي بأنّ النهضة ارتكبت الكثير من الأخطاء لم يكن على قناعة، بقدر ما هو محاولة للرجوع إلى المشهد السياسي، والجلوس مع رئيس الدولة والقوى السياسية، بعد ما أصبحت مهددة بنهاية وجود تنظيمها السياسي، مشيراً إلى أنّ اعترافات الجماعة التي خرجت من النهضة وتسعى إلى تكوين تنظيم جديد، واتهام الغنوشي أنّه وراء كل ما يحدث، يعكس سلوك تنظيم الجماعات الإسلامية في كيفية التعاطي مع العواصف السياسية التي تهددها.

السياسي اليساري عبيد البريكي: شعور الحركات الإسلامية وخاصة حركة النهضة بأنّها محاصرة يجعلها تبحث عن مخارج

ويضيف البريكي أنّ شعور الحركات الإسلامية وخاصة حركة النهضة بأنّها محاصرة يجعلها تبحث عن مخارج، لذلك هي تتخذ نقداً ذاتياً مفتعلاً، وهو ما ذهب إليه الغنوشي في اعترافاته اليوم في محاولة للرجوع للمشهد السياسي، معتبراً أنّ تاريخ ومواقف حركة النهضة المعارضة لمجلة الأحوال الشخصية حول حرية ومكتسبات المرأة، أو نسخة المشروع الأول من الدستور يؤكد أنّ الحركة تستخدم هذا التكتيك السياسي، حتى أنّها كلما شعرت أنّها متورطة تتراجع عن موقفها.

الهروب من المحاسبة

تصريحات الغنوشي اعتبرها أيضاً المجال السياسي يوسف الوسلاتي في تصريحه لـ"حفريات" محاولة من زعيم الإخوان للهروب من المحاسبة، والبحث عن مقايضة مع سعيّد حول سلامته، بخروج آمن مع جماعته، بعدما فقد الدعم الخارجي، خاصة في ظل الخناق المستمر على جماعة الإخوان على المستوى الإقليمي، وتراجع القوى العالمية الكبيرة في دعم القوى الإسلامية، بعد رفضها في مصر والسودان وتونس.

اقرأ أيضاً: هل يقدم الغنوشي استقالته من رئاسة البرلمان التونسي المُعطل؟

وأشار الوسلاتي إلى أنّ الغنوشي الذي مثل خطراً على مشروع الديمقراطية بتونس، وعلى سلامة الأمن القومي، وجد نفسه محاصراً من الداخل والخارج، وسط عدم رضاء المحور القطري التركي على أدائه ودوره، وبرغم المد اللوجستي والإعلامي اللذين توفرا له، بعد سنة 2011، لافتاً إلى أنّه يسعى اليوم للهروب والنجاة بنفسه، بعدما أدرك أنّ مشروع التنظيم الإسلامي بات يواجه أزمة سياسية واتصالية في المشهد السياسي، لا سيما في ظل الاتهامات الموجهة له طيلة العشرية الماضية، ورفض كل القوى السياسية والرئيس التونسي قيس سعيد الجلوس مع النهضة على مائدة الحوار.

ويُضاف إلى كل ذلك ملف الجهاز السري والاغتيالات التي ينكرها الغنوشي، وهي أكبر الملفات التي تثير مخاوفه، في ظل الدعوات لكشف حقائق الاغتيالات التي حدثت منذ أحداث باب سويقة والتفجيرات فالاغتيالات.



الصفحة الرئيسية