الإسلام السياسي: النشأة والتمدّد والهيمنة

يُجمع كثير من الباحثين على أنّ مصر كانت هي منشأ الإسلام السياسي في فترة ما بين الحربين عام 1928 من خلال تكوُّن جماعة الإخوان المسلمين. كان حسن البنا أول من تَنَبَّه إلى أنّ الدولة نفسها لا بد أن تكون مسلمة. لا يكفي إسلام المجتمع، أغلبيته، لضمان هيمنة الإسلام التامة.
يمكننا التعامل مع الإسلام السياسي باعتباره ظاهرة حديثة، حداثية (بنت الحداثة الأصيلة)، التي، لولا الحداثة ما تكونت بالأساس. لكنها استمدت كل خلفياتها وأسسها من الماضي الإسلامي/ العربي (على الترتيب). تمددت هذه الظاهرة واكتسبت قبولًا اجتماعيًا بعد هزيمة 1967. ووفق رؤية المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، مرَّت الأمة العربية/ الإسلامية في أغلبيتها بارتداد إلى الأصول والجذور الخاصة بها، "إلى التراث الذي مثَّل للبعض حماية من عراء الهزيمة". وفي الواقع المصري، إن لم يكن على مستوى الواقع العربي ككل، حدث نوعٌ من الردَّةِ العامة (على المستوى الاقتصادي، والاجتماعي والفكري)؛ حيث "تم التراجع عن كل المنجزات التي تحققت في التاريخ العربي الحديث والمعاصر. ولعل من مظاهر التراجع، التحول الذي أصاب الخطاب العربي الذي انتقل من أن يكون خطاب "نهضة" وتحول ليكون خطاب "أزمة"".

تمددت ظاهرة الإسلام السياسي واكتسبت قبولًا اجتماعيًا بعد هزيمة عام 1967

من هنا، تحرَّك الإسلام السياسي ليُقدِّمَ نفسه كإمكانية جديدة، ورهان كبير لمساعدة العرب على الخروج من هزائمهم الساحقة. كان هو البديل الفوري لوعود القوميات العربية التي أخفقت بشكل كبير على المستوى السياسي.
وعلى هذا الأساس، لزم على الإسلام السياسي أن يبدو بهيئة النظام الكامل، الجاهز، الذي لا ينتظر سوى التفعيل في الواقع. وكان عليه أن يتحرك وفق إجراءين على الأقل؛ يتمثل الأول في أنّ هذا الوعد جاهز للتطبيق الفوري، والثاني في أنّه لا يحتاج إلى أي مراجعة على مستوى أسسه النظرية أو ممارساته في الواقع. يستمد الإجراء الأول أصالته وقوته من جهة كونه يقدم وعدًا سياسيًا بالتقدُّمِ من خلال الدين نفسه، دين الأغلبية، في تلك اللحظة التي ننشغل بتحليلها، على المستوى الوجداني أكثر من أي مستوى آخر. مفاد هذا الوعد أنّ الدين نظام كامل، وفيه رؤية تشريعية كاملة، تكافئ أو تضاهي في قوتها القوانين الوضعية لكل دولة قُطرية عربية، وبالتالي فهو البديل الأمثل، وهو الذي ستُعَلَّق عليه كل الآمال لإنجاز النهضة التي تعثرت كثيرًا فيما مضى. وينبني الإجراء الثاني على هدف ظاهر وهدف خفي؛ ويتبدى الهدف الظاهر في جهة أن الدين، بشكل عام، لا يصح أن يكون موضوعًا للنقد أو الدرس (ولعل هذا سر الأزمة التي نعاني منها حتى الآن!)، ويرقد السبب الثاني متخفيًا تحت السبب الأول، وهو أنّ الجماعة التي قررت أن تجعل الإسلام مهيمنًا على الدولة ونظام حكمها لا يمكن أن تصبح هي نفسها عرضة للمساءلة أو الحكم عليها بأي شكل سلبي؛ لأنها تستمد شرعية وجودها من وجود الدين ولزوم سيطرته على كافة مفاتيح الحياة (والدولة هي المفتاح الأكبر الذي يلزم الاستحواذ عليه).

يمكننا القول بأنّ خطاب النهضة العربي كانت عينه على الآخر بوعي أكبر بكثير من خطاب الإسلام السياسي (المُحافِظ بطبيعته)؛ فالأول انشغل باستلهام العوامل التي ساعدت على تقدم الآخر ولم يغفل عن مساوئه في التوسع والهيمنة، فكان واعيًا بالآخر بشكل شبه كلي، بينما كان الثاني منشغلًا بشيطنة الآخر وتقديم التراث والماضي باعتبارهما مَعْبَرًا حقيقيًا، وأوحد، للمستقبل. وعلى الرغم من أن الواحد من الخطابين لم ينشغل بنقد الشريعة، إلا أنّ خطاب النهضة لم ينقذها؛ لأنه لم يرَ بينها وبين التقدم والنهضة (وبالأحرى الحداثة) أي تعارض، بينما انشغل خطاب الإسلام السياسي بتثبيت الشريعة باعتبارها مجموعة من الأحكام التي تنتمي للتاريخ الماضي ولكنها صالحة لكل زمان ومكان؛ أي إنه قد ألغى المسافة الكبيرة بين الشريعة والفقه، وذلك لتقديم نسخة نهائية، مُغلَقَة، عن الدين (أو بالأحرى التديُّن)، لا يوجد ممثل لها إلا تيار الإسلام السياسي.

احتاج الإسلام السياسي لطاعة الجماهير له، ومن هنا كان خطابه مُحافِظاً بامتياز؛ لأنه لا يريد أن يساهم في تطوير وعي الاجتماع

استجاب الاجتماع المسلم العربي لدعاوى الإسلام السياسي؛ لأنهم ظنّوا أنّ من يتحدث باسم الدين لن يكون منشغلًا بمكاسب السياسة وأطماعها. لم ير الاجتماع في إقحام الدين، بشكل فجٍّ، في السياسة ونظام حكم الدولة ما يُمَثِّلُ أي تهديد للدين نفسه. ومن هنا حظى الإسلام السياسي بالقبول المجتمعي، وصار لزامًا عليه أن يتحرك في اتجاه السيطرة على الدولة والإمساك بمقاليد الحكم.
احتاج الإسلام السياسي لطاعة الجماهير له، ومن هنا كان خطابه مُحافِظاً بامتياز؛ لأنه لا يريد أن يساهم في تطوير وعي الاجتماع بالقيم الحديثة التي لا تنشأ إلى في ظل دول حديثة أو دول تحاول جاهدة أن تصل لحداثة حقيقية، وإنما لأنه كان يريد تثبيت انصياع الاجتماع له والإذعان لمقولاته.
إذن، يصبح الارتقاء بالدولة، على مستوى الحقوق الفردية والجماعية والمستوى الأخلاقي، مجرد هاجس يستعيذ منه ممثلو الإسلام السياسي باعتباه شيطانًا رجيمًا، وتصبح الدولة الحديثة دولة مريضة عندهم يلزم تطويرها مستقبلًا بالعودة للوراء، للسلف الصالح والأنظمة التي كانت تحكم اجتماع شبه الجزيرة العربية، قبل أن يتبلور حتى مفهوم الدولة في سياقهم!.
وكما يذهب المفكر التونسي عبد المجيد الشرفي، فإنّ ما يُعوِّض مفهوم "الطاعة" في العصر الحديث هو مفهوم "المواطنة"، وتساوي جميع الأفراد أمام القانون وفي الحقوق كذلك. ولكن هذه القيمة يصعب ابتلاعها وهضمها على مستوى الضمير الجمعي، وعند دعاة الإسلام السياسي.
ومن هنا، يلزم الحديث عن "المواطنة" في فكر الإسلام السياسي، وكيف مارسوا الألاعيب الكلامية في محاولة منهم لتقليص حدود المفهوم وإعطاء الهيمنة الحقوقية للمواطنين المسلمين فقط. ومن ثمّ تظلُّ العلاقة بين المسلم والآخر، داخل الدولة الواحدة، متأزمة في أفق تفكير الإسلام السياسي.

الأقسام: