الحوار مع إرهابي وأسئلة غائبة

3418
عدد القراءات

2017-11-22

لم أتعاطف أبداً مع تلك الهستيريا التي أصابت كثيراً من المتابعين لحوار أجراه إعلامي مصري مع الإرهابي الليبي عبدالرحيم المسماري، الناجي الوحيد من مجموعة "هجوم الواحات"، التي نفّذت أخطر حادث إرهابي استهدف مفرزة أمنية مصرية على الحدود الغربية الشهر الماضي.

فجأة أصبح جلّ من تابعوا الحوار خبراء فى الحركات الإسلامية وروّاداً للوسطية الإسلامية، يقفون على أرضية راسخة قوامها المعارف الدينية الصحيحة، وقد استقامت في نفوسهم كل مفاهيم الدين.
وفجأة أصبحوا خبراء في إجراء الحوارات مع الإرهابيين، رغم أنّ بلادنا انقطعت فيها تلك التجربة منذ الثمانينيات، والتي طالعنا فيها جميعاً تجربة ندوة للرأي، التي كان يديرها الإعلامي الراحل حلمي البلك، الذي رغم امتلاكه ثقافة واسعة وحضوراً كبيراً، اقتصر دوره في تلك الندوات على موقف المدير بين علماء من الأزهر وخبراء في علوم الاجتماع والنفس وغيرها من العلوم المتصلة بالظاهرة.
يا سادة أين هو هذا المذيع الذي اكتملت لديه كل فروع الثقافة، فأضحى مؤسسة في شخص واحد، فضلاً عن التمكّن من علوم الدين وما تضمّنته من بنود إشكالية تحتاج مناقشتها إلى عالم دين أو متخصص.
قد يقول البعض إنّ هناك مذيعين متخصصين في هذا الباب كان بإمكانهم أن يناقشوا هذا المتّهم ويفحموه ويفندوا أفكاره. وأزعم أنّ أي مذيع كان سيجلس مكان هذا الإعلامي، لم يكن يستطيع مجاراة متّهم آمنَ بأفكار ووقف عليها حياته وأبدى استعداداً للتضحية بتلك الحياة التي أكد في الحوار "أنّها بلا قيمة".

أحد أسباب استمرار تمويل الإرهاب هو دعم أفراد يعتقدون أنّهم يدعمون الجهاد الذي هو من أركان الإسلام

الأسئلة الغائبة في هذا الحوار هي: أين كانت المؤسسة الدينية الرسمية في حياة هذا الشاب وغيره؟
هل يبدو عبدالرحيم المسماري نموذجاً مختلفاً لا نعرفه ولم يصافح وجوهنا في مجتمعاتنا، أم يبدو وجهاً مألوفاً قضى نحبه في إرهاب أو لايزال ينتظر؟
هل حرّرنا القضايا التي صنعت تصور المسماري وغيره تحريراً جعلها معلومة من الدين بالضرورة كشهادة التوحيد؟
أعني هنا بالطبع قضية التكفير بعيداً عمّا بسط في كتب الفقه القديمة من البحث في توفر الشروط وانتفاء الموانع ووقوع الاستتابة أو عدم وقوعها، أعني مناقشة قضية التفكير بالأساس أو حتى الردة  هل نحن من سنحاسب الخلق على الإيمان والكفر، وقد جعله الله حقاً خالصاً له يحاسب الناس عليه أو يعفو عنهم بمشيئته يوم يقوم الناس لرب العالمين؟!
هل حرر علماؤنا هذا المعنى بالتأكيد على أنّ حرية العقيدة من ثوابت الدين، وأنّنا معنيون فقط بالانتصار لسيادة القانون في دولة مدنية وأنّ الحديث عن تلك الأحكام مرتبط بماضٍ تجاوزته البشرية سواء في بُنى الدولة أو نسق القيم والقانون فيها.

تبقى قضية التكفير بوابة واسعة لاستهداف الخلق بوهم التعبّد لله بما لم يأمر به ولم يشرّعه لعباده، القيمة المركزية في هذا الدين الرحمة التي ابتذلها خطاب القاعدة وداعش بالثناء على الضحوك القتال من بعث بالسيف رحمة للعالمين.
تباينت وسائل جماعات التطرف في فرض الوصاية على المجتمعات، فتوسل الإخوان بالتقية السياسية وسيلة لفرض تلك الوصاية، ثم الكشف في النهاية عن وجه لا يتمايز عن وجه داعش والقاعدة قبحاً ووحشية، واللتان لا تكفان عن التصريح بأنّ الناس إما مؤمنون على شروطها أو كفار وجب قتالهم حتى قيام الساعة.

توسل الإخوان بالتقية السياسية وسيلة لفرض الوصاية على المجتمعات ثم الكشف في النهاية عن وجه لا يتمايز عن وجه داعش والقاعدة قبحاً ووحشية

هل حرر علماؤنا معنى الطائفة الممتنعة عن تطبيق بعض شرائع الإسلام، ذلك الباب الثاني لاستباحة أرواح مسلمين بدعوى الامتناع عن تطبيق بعض شرائع الإسلام، هلّا عرف علماؤنا ما هي شرائع الإسلام وما مكانها في بنية الدولة الحديثة التي يحكمها دستور وقانون؟
هل حرر علماؤنا معنى الولاء والبراء، وهل هي قضية عقدية أم سياسية ينظمها عقد اجتماعي يحتكم لمعايير إنسانية تحت راية المواطنة التي لا تفرق بين الناس على أساس دين أو جنس أو عرق؟
هل حرر علماؤنا سيرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وتاريخ هذه الأمة، وفرقوا بوضوح بين تاريخ اجتماعي وتطور بشري وأوامر إلهية صارمة واجبة التطبيق دون تأويل أو تعطيل؟
هل حرّر علماؤنا معنى الجهاد اليوم وشرحوا لنا كيف يسمى تمويل الإرهاب صدقة جارية وتجهيزاً لغازٍ في سبيل الله ونصرة لدين الله، حتى يتصدق الفرد لا تعلم يده اليمنى ما أنفقته يده اليسرى، على الإرهاب كما ذهب الإرهابي في تفكيره، ليس سراً بالطبع أنّ أحد أسباب استمرار تمويل الإرهاب هو دعم أفراد يعتقدون أنّهم يدعمون الجهاد الذي هو من أركان الإسلام بدعم جماعات الإرهاب.
إنّ أفكار الإرهاب قابلة للتفكيك لاشك، لكن هل بإمكان مذيع مهما بلغت ثقافتة أن يحقق هذا الهدف، أم أنّ الأمر فوق طاقة أي مذيع يعدم بنية فكرية وسياسية واقتصادية داعمة لهذا الهدف.
لاشك أنّ الحوار المشار إليه ألقى بحجر في بحيرة مياه راكدة، وربما يبقى هذا هو هدف الحوار وما نجح فيه، لكن هذا الإخفاق المزعوم للحوار لا يجب أن يثنينا عن توجيه الأسئلة الصحيحة التي تصنع بيئة جديدة، تقبل حواراً من هذا النوع بعد تحقق شروط نجاحه.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أسلمة الإسلام

221
عدد القراءات

2019-06-19

شهد العالم الإسلاميّ مع القرنين التاسع عشر والعشرين سيرورات تحويليّة، نقلت  تصوّرهم لذاتهم وتاريخهم وثقافتهم نحو آفاق مختلفة. كانت تلك "السيرورات التحويليّة" منوطة، في الأساس، بالاحتكاك بالغرب الذي وفدَ كاستعمار، وكبنية ثقافيّة جديدة على العرب والمسلمين استدخال ذواتهم فيها، وتعريف أنفسهم من خلالها حتّى يتسنّى لهم "اللحاق بركب الحضارة"، كما هو التعبير المستعمَل آنذاك، بكثيرٍ من الارتجال، وعدم التمحيص.

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟

في الحقيقة، سعت كتابات كثيرة إلى تصوير العرب والمسلمين، والإسلام، كمتلقين سلبيين للتحوّل الكبير الذي حصلَ في العالم الإسلاميّ. بينما، كما هو قانون التدافع، فإنّه كلما نشأت سلطةٌ، ظهرت مقاومة لها، وهذه المقاومة لا تنتجُ من فراغ، بل من احتكاك مباشر، وجدال قابع في قلب الآخر. كان الصراع مع الغرب حينها باعتباره "الحضارة" قائماً وبالأساس على شقين: شقّ متعلّق بالمقاومة الماديّة للاستعمار، والذين انخرط فيها أناس عاديّون ومثقفون وبعض النخبة، وشقّ آخر متعلّق بالمقاومة الرمزيّة التي حاولت إثبات أنّ الإسلام، بتاريخه وتقليده الواسع، له نصيبٌ من هذه الحضارة. وبالتالي، استُعمِلَ "الإسلام" في نقاشات تلك الفترة على أصعدة عدّة كنوع من المقاومة الرمزيّة للغرب الذي يفرض نفسه كاستعمارٍ وكثقافة.

الشيخ عبده كان ممثّلاً لأزمة عصره يفكّر بعقلين، وله خطابان داخليّ لأهل الملّة، وخارجيّ للخطابات الغربيّة المسيئة للإسلام

لقد لعبت ما أسميته بـ "السيرورات التحويليّة" دوراً بارزاً وجليّاً في إنتاج الإسلام كمصطلح يدلّ على دلالات، وأيضاً في الآن نفسه كمصطلح للتنازُع الأيديولوجيّ بين القوى المختلفة، سواء في الداخل، أو مع الخارج (أي، بين المفكّرين الذين عدّوا أنفسهم ينطلقون من رؤية إسلاميّة، والآخرين الذين وسموا أنفسهم بدهرانيين أو علمانيين). وعليه، غدا من مصطلح الإسلام نفسه تكويناً وتشكّلاً جديداً للتنازع والتفاهم. فقد استُخدِم مصطلح الإسلام كثقافةٍ مرّة، أو كحضارة، أو كنسقٍ، أو كمنهج. واستعملَ المستشرقون الإسلامَ، من جانب آخر، لإثبات دونيّته الحضاريّة، وعلوّ الحضارة الغربيّة "العقلانيّة" (كتاب "الإسلام في الليبراليّة" لجوزيف مسعد فيه شمول واسع بخصوص هذه الأفكار).

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي ومستقبل الديمقراطية في العالم الإسلامي

كما أشرت، احتلّ الصراع على الإسلام موقع الصدارة في القرنين التاسع عشر والعشرين بسبب تتريس الإسلام باعتباره عائقاً -بالنسبة إلى المستشرقين- أمام الحداثة، هذا الإسلام الذي اتّخذ شكلاً غامضاً أغلب الأحيان، باعتبارها بنية كليّة أبديّة تهيمن على التاريخ والذات المسلمة التي نُظر إليها على أنّها مشلولة بفعل بنية دينيّة عميقة. وبالمثل، استدعى النهضويّون العرب الإسلام أمام حائط التغريب الذي رأوه غير مفصول عن الاستعمار الذي كانت تحياه المجتمعات المسلمة آنذاك.

اقرأ أيضاً: الصراعات الدينية.. كيف تستنزف جماعات الإسلام السياسي المجتمعات؟

بيد أنّ ههنا نقطةً لا بدّ من إيضاحها. فقد فرّق النهضويّون بين ما هو "غربيّ" وما هو "استعماريّ"، رُغم أيّ شيءٍ يمكن قوله حول مثل هذه التفرقة. كان عبد الله العروي في كتابه "مفهوم العقل" قد عقد فصلاً عن أهمّ شخصيّة نهضويّة عربيّة، ألا وهو الشيخ محمد عبده. حاول العروي بذكاء شديد النمذجة بمحمد عبده باعتباره يمثل المفارقة التي نحياها منذ ما يُسمّى بعصر النهضة العربيّة. ومن تحليل العروي الرشيق والمهمّ، يمكن الاستدلال على هذا التفريق الذي أشرتُ إليه بين ما هو غربيّ وما هو استعماريّ، رغم التداخل الحاصل في كثير من الأحيان. فالشيخ عبده كان ممثّلاً لأزمة عصره: يفكّر بعقلين، وله خطابان داخليّ لأهل الملّة، وخارجيّ للخطابات الغربيّة المسيئة للإسلام التي يعتقد عبده أنّها لم تفهم جوهر الرسالة الإسلاميّة.

الإسلامويّة في قلب الصّراع

نشأ الإسلام السياسيّ في ظرف معقّد ومضطرب، ولعبَ على أوتار الخلافة وسقوطها، واعتبر المؤسّس حسن البنا في مصر أنّ الإسلام -وهو فهم جديد لم يكن موجوداً في التقليد الخطابيّ للمسلمين- دين ودولة، وكتاب وسيف؛ ودمجه داخل منظومة جديدة تماماً تتعامل مع الدينيّ تعاملاً مغايراً للاجتماع ما قبل الحديث الذي كانت مصر حينها على وشك الخروج منه للدخول في نمط اجتماع مغاير تشكّل بفعل تغيّر الظرف التاريخيّ والاجتماعيّ والثقافيّ، وتغيّر "أنظمة الخطاب" التي استعملها المسلمون للتعبير عن أنفسهم وتاريخهم آنذاك.

نشأ الإسلام السياسيّ في ظرف معقّد ولعبَ على أوتار الخلافة وسقوطها واعتبر البنا أنّ الإسلام دين ودولة وكتاب وسيف

بيد أنّ الإسلام السياسيّ، كحركة سياسيّة-دينيّة-اجتماعيّة، كان بالأساس صراعاً على تمثيل الإسلام في صورة سياسيّة. فالبنى القديمة للاجتماع الإسلاميّ لم تنهر تماماً، كما إنّ البنى المستوردة حديثاً لم تَفد هي أيضاً بصورة تامّة. وهذا التأرجُح هو دائماً كان السّمة المميّزة للحداثات المغايرة؛ أي تلك البلدان التي شهدت الحداثة خارج أوروبا، باعتبارها موطناً لحداثة أخرى، لحداثةٍ تريد أن تقطع مع البنى القديمة، لترسيخ نفسها، مع تزاحم البنى القديمة التي تأبى الانحلال. وفي هذا الصراع المادّيّ والرمزيّ، نشأ "الإسلام" كحقلٍ متنازَع عليه؛ فلم يعد جامعاً روحيّاً واجتماعيّاً للأمّة، وإنّما أصبح محلّ نقاش سياسيّ بالأساس: مَن يمثّله؟ هل له دورٌ سياسيّ؟ ما شكل السياسة في الإسلام؟ إلى غيرها من الأسئلة المطروحة في تلكم الأوقات.

اقرأ أيضاً: لماذا سقط الرهان على "الإسلام السياسي" في المجتمعات العربية؟

اخترعَ البنا فكرة الشموليّة الإسلاميّة، وسعى إلى أدلجة الإسلام تماماً بحيث يتحوّل إلى جهاز أخلاقيّ ورقابيّ وشرْعيّ، وقطعَ مع الحركة الإصلاحيّة التي نشأ جرّاء صراعاتها؛ تلك الحركة التي لم تفكّر في الإسلام كتنظيم، وإنّما نظرت إليه كتقليد تنتمي إليه النّفس الإسلاميّة، وكيف يمكن ‘‘تجديد‘‘ هذا التقليد. وبعيداً عن تقييم المساعي النهضويّة في تجديد الإسلام -أو أسْلمته بالأحرى-، فإنّ البنا خرجَ على التقليد القديم وعلى النهضويين، واعتقدَ أنّ الإسلام الموروث ليس كافياً لإصلاح اجتماعيّ وسياسيّ وثقافيّ، فانخرط في سيرورة أيديولوجيّة هي ما أطلقُ عليه في هذا المقال بـ"أسلمة الإسلام".

أسلمة الإسلام، بشكل أوضح، تعني الاقتناع الفكريّ والسياسيّ من قبل الإسلامويّة بأنّه لا بدّ من سحب الإسلام من تاريخه الذي وصل إلينا به، والرجوع به إلى نقطة صفر ميتافزيقيّة يُعتقد بأنّها التمثيل الأمثل له. بل لا تكتفي الإسلامويّة بذلك، إنّها تؤدلج أيضاً نقطة الصفر هذه، فتفرضُ أنّ النبيّ محمد -عليه الصلاة والسلام- قد أقامَ دولةً، ويخلطون بتيهٍ مفاهيميّ مفهوم الدولة بمفاهيم أخرى لا تخضع للمنظومة الفكريّة الحديثة التي ينطلقون منها بدون وعي.

اقرأ أيضاً: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي

في الحقيقة، كان البنا سبّاقاً في عمليّة أسلمة الإسلام هذه. هو مَن افتتح البابَ بالأحرى إلى هذه الأسْلمات التي شهدناها من بعده. وكانت فكرة التنظيم الإسلامويّ الإخواني هي محاولة لتجهيز مجتمع جديد، بإسلام يظنّ البنا أنه أجدى وأصلح من الإسلام المُمارس والمعيش من قبل الناس؛ وهي الفكرة التي ستتعمّق، فكريّاً ولاشعوريّاً، لتنتج لاحقاً فكرة "المجتمع المؤمن" الذي يمثّل طليعةً إسلامويّة لقيادة المجتمع أخلاقيّاً وثقافيّاً.

معضلة أخلاقيّة

أحدثت الإسلامويّة، كفكرة، تُنتج إشكالات أخلاقيّة لا حصر لها. فصُلب الأطروحة الإسلامويّة، بعيداً عن تناقضاتها المَصادريّة، قائم على استعادة الشريعة بغير ما توارث التقليد فكرة "استعادة الشريعة" تماماً. استعادة الشريعة في التقليد الإسلاميّ، هي تفعيل مبدأ الاجتهاد الناظم لتطوير الشريعة نفسها كبنية أخلاقيّة يحيا المسلمون في داخلها، ولاستلهام حلّ للمشاكل الاجتماعيّة والسياسيّة التي كانت تجابههم. الإسلامويّة، من ناحيتها، هي قتل الاجتهاد التقليديّ، وإحياء تسييس جاهل باعتباره مؤدياً إلى هذا الاجتهاد الذي اعتاد عليه المسلمون على مدار قرون.

اخترعَ البنا فكرة الشموليّة الإسلاميّة وسعى إلى أدلجة الإسلام تماماً بحيث يتحوّل إلى جهاز أخلاقي ورقابي وشرعي

تحاول الإسلامويّة تفعيل مبدأ سياسيّ، بالانخراط في الدولة، التي جوهر فكرهم يتمحور حول رفض لبنيتها بالأساس؛ فهناك تناقض حتميّ في الإسلامويّة: في حين تسعى إلى الهيمنة على الدولة، فإنّها تكفر بفكرة الدولة نفسها، مع كونها تريد تماهي مشروعها معها ليكون دولتياً، ولتغدو الشريعةُ نفسها مُسيّسة عن طريق إصلاح قانونيّ داخل الجهاز الحديث.

فكرة الدولة الإسلاميّة، أو فلنقل "الحكومة الإسلاميّة" الأولى التي طرحها البنّا، هي فكرة دخيلة على التقليد الإسلاميّ. لأنّ الإسلامويّة ظنت أنّ الدولة هي التي أنتجت العلمنة في المجتمع، وغرّبته. في حين أنّ الدولة ما هي إلّا تمثيل للعلمنة، لا مسببة له، كما يشيرُ الأنثروبولوجي طلال أسد بجدارة.

اقرأ أيضاً: مستقبل الإسلام السياسي: مآزقه وخياراته

الإسلامويّة، ليست حركة استثنائيّة، كما يدافع عنها شادي حميد بكثير من اللاعلميّة. إنّها انشقاق على التداول الإسلاميّ نفسه، ولا تسمح بالاجتهاد في التاريخ، بعيداً عن جهلها بطبيعة الدولة المعاصرة. بالفعل، استطاعت الإسلامويّة جذب شرائح اجتماعيّة كبيرة لها، بفعل عدد من الأسباب، يمكن إحالتها سوسيولوجياً ومخياليّاً وسياسياً. لكن، أيّ جدوى للإسلامويّة في العالم العربيّ؟ فالإسلامويّة ساعدت على هذه الأسلمة الدائمة للإسلام: أدب إسلاميّ، فنّ إسلاميّ، سياسة إسلاميّة، لباس إسلاميّ، بيت إسلاميّ.

إنّ الخراب الذي أحدثته عمليّة أسلمة الإسلام هذه ليس فقط متمثلاً في تعطيل أيّ إمكانيّة لحلول جذريّة في العالم العربيّ، بل في تشكيل ذهنيات جديدة تفهم الإسلام كأيديولوجيا سياسيّة على أتباعه أن يطبّقوها كأجندة. عندما تقنع الجماهير بأنّ إسلامَهم ليس صحيحاً، وأنّهم عليهم أن يحوّلوا أنفسهم إلى أجهزة أيديولوجيّة في البيت والعمل والشارع، فأنت تقتل أيّ إمكانيّة لتقدم سياسيّ أو اجتماعيّ.

لماذا لن ينجح الإخوان بممارسة السياسة؟

541
عدد القراءات

2019-06-19

لم تستطع جماعة أن تحتل هذا الحيز من اهتمام الناس، كما احتلت جماعة الإخوان، وربما كان أهمّ أسباب ذلك؛ نهوضها بممارسة السياسة والمنافسة على السلطة، أو بالأحرى محاولة حيازتها، سواء على ظهر انقلاب، أو ثورة شعبية، أو تسلّل ناعم في مؤسسات دولة لم تؤمن يوماً بها.
لكنّ الزلزال الذي أصاب الجماعة، أو بالأحرى تجربتها السياسية في مصر، والتي بلغت ذروتها بحيازتها السلطة، للمرة الأولى في تاريخها، في أهم قطر عربي، وهو مصر، جعل كثيرون يتساءلون: هل من الممكن أن تعود الجماعة من جديد لممارسة السياسة، أو تسعى لحيازة السلطة من جديد؟

حركة المشروع السياسي للجماعة بمنطق الحركة الشمولية كانت انعكاساً أميناً لأفكار البنا المؤسس عن الدولة

تبرز وجهة النظر الأمنية التي تقول: إنّ الجماعة كائن سلطوي، مشغول بالحكم، لن يتوانى عن السعي لحيازته من جديد، سواء باللجوء للسلاح أو للتقية، اوالاثنين معاً.
قد تبدو وجهة النظر تلك صحيحة، لو كنا في صدد مناقشة الرغبة، التي تبدو نصف الطريق للسلطة؛ حيث تبقى القدرة هي النصف الآخر.
وعند الحديث عن القدرة، تبرز أسباب بنيوية تجعل عودة الجماعة لممارسة السياسة، أو محاولة حيازة السلطة افتراضاً مستحيلاً، فما هي تلك الأسباب؟

اقرأ أيضاً: مشاعل البنا تحرق "الإخوان"
أول هذه الأسباب؛ أنّ حركة المشروع السياسي للجماعة بمنطق الحركة الشمولية، كانت انعكاساً أميناً لأفكار البنا المؤسس عن الدولة، والذي انطوى على تناقض جذري، بين تأييده للنظام النيابي نظرياً، مع تبنّيه عملياً للنظام الشمولي، ورفض فكرة الأحزاب والمؤسسية، حتى داخل التنظيم؛ حيث بقيت مركزية الرجل في حياته ومركزية منصبه كمرشد بعد وفاته أصلاً راسخاً في وعي الجماعة.

انشغلت الجماعة بتحقيق مكاسب سياسية وتعجلت المنافسة السياسية والدخول في مساحة سلطة لم تكن أبداً مؤهلة لها

ثاني تلك الأسباب، أو قل الجرم الثاني؛ كان في نسبة المشروع السياسي للجماعة إلى الإسلام، إلى حدّ تسمية البنا للجماعة "دعوة الإسلام في القرن العشرين"، بهذا الحصر، فلم تكن انحيازات كثير من تجارب الجماعة السياسية مخلصة لمقاصد الدين في بناء النظام السياسي، من حيث الشورى الدستورية أو الديمقراطية والعدل الاجتماعي والاستقلال؛ حيث تبقى المرجعية الشرعية لا تدخل بفعل الاختصاص والاستقصاء والحصر إلا في دائرة محدودة جداً من النشاط السياسي، الحزبي أو السلطوي، قد تمثل أقل من 25% تتدخل في البرمجة الحزبية على مستوى القيم الكلية، والمقاصد التي يتوخى الدين تحقيقها، والتي تنسجم على نحو واضح مع ما كرّسته التجربة البشرية المفتوحة، التي لا ينبغي نسبتها للوحي، فذلك مفسد للدين والدنيا معاً، كما ذكر الإمام أبو حامد الغزالي.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون: التمكين بين النظرية والتطبيق
ثالثاً: لم تكن التجربة السياسية للجماعة خادمة لرؤية إستراتيجية واضحة في معظم المراحل؛ حيث انطوى سلوك الجماعة السياسي على عمى إستراتيجي، وإبصار تكتيكي نسبي، تجد معه أنّ الجماعة في مرحلة الصدام مع الدولة والسعي لحيازة السلطة تتمسك بالمسار الإصلاحي، في الوقت الذي كان يحتم رؤية تغييرية ثورية والعكس صحيح، مما أربك لدى كثيرين داخلها النظرة الوطنية العامة لأولويات العمل السياسي، أفرز ذلك في نهاية التجربة حالة عامة من حالات فقدان الثقة في الجدارة المعرفية والفكرية والسياسية، على مستوى التنظيم والخيارات والمسار، وهو شعور عام لدى قطاعات عديدة داخل وخارج الحركة.

لم تكن انحيازات كثير من تجارب الجماعة السياسية مخلصة لمقاصد الدين في بناء النظام السياسي

رابعاً: لم تنجح الحركة أبداً في الفصل الكامل بين الدعوي والحزبي، ما أفشل معظم تجاربها، لكنّ أخطر مشاكل الجماعة، والتي ستحول دون عودتها سياسياً؛ هي أنّ فكرة المراجعات حتى في الحدّ الأدنى، مراجعة المسار السياسي، فضلاً عن الفرضيات الفكرية والحركية للمشروع، مرفوضة تماماً من قبل القيادات التاريخية للجماعة، التي ستبقى متمسكة بما يسمى فقه المحنة والمظلومية؛ حيث يبقى أنّ تلك المراجعات تتطلب ليس فقط استعداداً نفسياً للمراجعة والنقد الذاتي، تفتقده القيادة والأعضاء، بل يلزمها أيضاً التحرر من هلاوس الاصطفائية والمظلومية، وامتلاك الحدّ الأدنى من التأهل الفكري والحركي والإستراتيجي، الذي تفتقر له الأجيال المختلفة من الجماعة، والذي يأتي إفرازاً لمسار طويل مأزوم وفقير، تربوياً ومعرفياً، كلّ ذلك فاقمه ميراث معقد من المشكلات النفسية والمعرفية والتربوية، التي أفرزتها تجارب أعوام ما بعد ثورة يناير 2011.

اقرأ أيضاً: باحث تونسي يكشف كيف شكّل "الإخوان" مخزوناً للجماعات المتطرفة
عانت الجماعة، عبر تاريخها، من ضمور في التصوّر، عند الحديث عن الفكر السياسي لها، وهو ما عاناه الإسلاميون بشكل عام، ما كشف لوناً واضحاً من المراهقة الفكرية في الموقف من الدولة الوطنية، سواء على مستوى التصور أو السلوك لدى القيادات أو القواعد، وفي الحقيقة؛ إنّ مبعث ذلك هو التوقف تاريخياً لحركة النظر، وليس فقط التجديد في الفقه السياسي الإسلامي لقرون، وتراكم عشرات، بل مئات، الأسئلة المركزية بلا إجابات شافية، في غفلة عن إدراك لحركة السنن الاجتماعية والسياسية، التي أنتجت تطوراً هائلاً في التجربة الغربية، لم ننجح في الاستفادة منه جميعاً.

لم تكن التجربة السياسية للجماعة خادمة لرؤية إستراتيجية واضحة في معظم المراحل

في النشأة والتأسيس انطوى الأمر على خلط وتسطيح فكري، وارتكاز على مخاطبة العاطفة الدينية، أكثر من تأسيس منهج تجديد مختلف، وبالتالي راحت السكرة وجاءت الفكرة، التي لم تجد من هو أهل للتعاطي الجادّ والخبير معها.
انشغلت الجماعة بتحقيق مكاسب سياسية والتوسع قصير المدى، وتعجلت المنافسة السياسية والدخول في مساحة سلطة لم تكن أبداً مؤهلة لها، ودون إنفاق وقت وجهد كافييْن في بناء مشروعات حقيقية على مستوى الفكرة والتطبيق، فلم تكن الجماعة مؤمنة يوماً بالدولة الوطنية الحديثة؛ حيث بقيت مصابة بضمور في تصورها عنها، تتغذى على نوستالجيا غير دقيقة لتاريخ غير مزوّر.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" والتقية السياسية
جملة الأسباب التي تحدثنا عنها، وما يزال لدينا الكثير منها، تأتي كعيوب بنيوية لا صلة لها بما واجهته الجماعة، أو ما تحدثت عنه؛ من مؤامرات أسطورية، أو قوة الخصوم، فالجماعة تحمل داخلها أسباب انتهائها، وقد مضت إلى معاركها كلّها، تحمل هزيمتها معها، وهو ما يؤكد أنّه بعد كلّ ما عاشته، لم يعد لها من أمل في البقاء بشكلها المعروف، أو عودتها على الأقل إلى منافسة سياسية لم تكن يوماً مؤهلة لها، على مستوى التكوين أو التنفيذ، بعدما أنجزت فقط تعريف نفسها للآخرين، دون أن تتعرف هي على حقيقة ذاتها، وقد تعودت أن تنظر للآخرين وتستصغرهم، دون أن تتجه أبصارها مرة واحدة إلى داخلها، انسجاماً حتى مع التوجيه الإلهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾!

التراث في فكر حسن حنفي

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
1,153
عدد القراءات

2019-06-18

يمثّل حسن حنفي، بما له وما عليه، حالة خاصة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية؛ ذلك لأنّه الأستاذ الذي إذا دخلت أرضه، واطلعت على ميراثه الفكري، فلن تخرج كما كنت، ذلك لأنّ حسن حنفي هو الأستاذ الرائد والمفكر الكبير الذي يترك بصماته على ذهنك، ويعلّم في وعيك، قد نتفق على الاختلاط الواضح في أعماله بين المعرفي والأيديولوجي، بين المفكر والزعيم، ولكن يغفر له دوماً أنّه كان، وما يزال، المفكر المهموم بهموم وطنه على مدار عمره الأكاديمي المديد.

نقد النخب الليبرالية

انطلق حسن حنفي من التيارات الليبرالية والعلمانية؛ لأنّها منفصلة عن التراث وتاريخ الذات، ولأنّها ربطت نفسها بتراث الآخر الغربي وواقعه، فوقعت في التغريب، وامتدت روافدها وجذورها في الغرب، سواء في العقلانية أو العلمانية أو الليبرالية والاشتراكية، وهذا التحديث، الذي يأتي من الخارج، ينكر المرحلة التاريخية التي تمرّ بها مجتمعاتنا، وتسقط علينا المذاهب الغربية الأدبية والفنية والسياسية والاجتماعية؛ لذا دعا حنفي إلى تأسيس علم الاستغراب لمواجهة التغريب الذي امتدّ أثره، ليس فقط على حياتنا الثقافية، وتصوراتنا للعالم، وهدّد استقلالنا الحضاري؛ بل امتدّ إلى أساليب الحياة الغربية، وفقه اللغة، ومظاهر الحياة اليومية، وفنّ العمارة.

اقرأ أيضاً: "الاستبداد والدين" في "التراث" الأقرب إلينا

ولكن على الرغم من نقد حنفي للآخر الغربي، فلا يمكن أن نغضّ الطرف عن الأثر الكبير للفكر الغربي في أعماله، وفي الدور الذي لعبته المنهجيات الحداثية في تقديمه قراءات جديدة للتراث الإسلامي، وهذا واضح من تأثير إسبينوزا، وهيجل، وفيورباخ، وماركس، وهوسرل، وغيرهم كثيرون.

التراث نقطة انطلاق النهضة

ورأى حسن حنفي؛ أنّ أيّة نهضة للأمة العربية لابدّ من أن تنطلق من تراث الذات، ومن الانتظام في التاريخي الثقافي لها؛ وذلك لأنّ التراث ما يزال حيّاً وفاعلاً في وجدان الجماهير وحياتهم، فالتراث هو المخزون النفسي الحي، فالتراث هو جزء من الواقع ومكوناته النفسية، فما يزال التراث القديم بأفكاره فاعلاً في حياتنا، ومن ثم فمن الضروري تجديد نظرتنا إلى التراث بإعادة تفسيره وفق حاجات العصر.

رغم نقد حنفي للآخر الغربي فلا يمكن غضّ الطرف عن الأثر الكبير للفكر الغربي في أعماله

والتراث، برأي حنفي، ليس قيمة في ذاته، إلا بمقدار ما يعطي من نظرية علمية في تفسير الواقع والعمل على تطويره، فهو ليس متحفاً للأفكار نفخر به وننظر إليه بإعجاب؛ بل هو نظرية للعمل وموجه للسلوك، وذخيرة قومية يمكن اكتشافها واستغلالها من أجل إعادة بناء الإنسان وعلاقته بالأرض.

ومن ثمّ عمد حسن حنفي في قراءاته للتراث إلى بيان مثالب تراثنا القديم، ومدى مسؤولية هذا التراث عن بعض المشاكل الكبرى، مثل غياب مفهوم الإنسان في هذا التراث، وغياب الحرية عنه، وغياب التاريخ، فيحمل حنفي التراث المسؤولية عن غياب العقلانية لصالح السحر والتنجيم، واللاعقلانية، ومن ثمّ يؤكد على أهمية ربط التراث بأهداف مشروع اليسار الإسلامي، وقضاياه الأساسية، مثل: قضية تحرير الأرض من الاستعمار، وقضية الحرية والقهر، والعدالة الاجتماعية، وقضية تجزئة العالم الإسلامي، وقضية التنمية، وقضية الهوية، وفي ضوء هذه القضايا ينبغي أن نقدم قراءتنا للتراث القديم.

اقرأ أيضاً: التراث كعائق تاريخي: نظرة على الإحياء والتحديث الإسلامي

ويركز حسن حنفي على أهمية إبراز الجوانب التقدمية في تراثنا القديم، فمن الضروري إبراز تراث الشعب، تراث المصلحة، وهو أكبر دافع على التقدم، وبالتالي يمكن تقوية روح الشعب ونضال الجماهير بإعطائهما تراثاً ثورياً، يكون هو البديل للأيديولوجيا الثورية، وينطلق من خلال الثقافة الوطنية وتراثها.

نحو اعتزال جديد

وفي قراءة حسن حنفي لتجديد بناء علم الكلام، حاول أن يعيد إنتاج الفكر المعتزلي القديم، في ثوب جديد يوافق حاجات العصر، ويرى أنّ خيار اليسار الإسلامي هو إثبات الحرية، وهو خيار معتزلي قديم، لكنّه خيار مناسب لظروف العصر؛ لأنّه يتيح للإنسان حرية التغيير والفعل والحركة، ومن ثم فإنّ قول المعتزلة بمقدرة الإنسان على خلق الأفعال هو إثبات لحرية الإنسان واستقلاله، ومن ثم فإنّ المعتزلة قد أعطت فهماً جديداً للدين؛ حيث أصبح الإنسان، بقواه العقلية، قادراً على أن يفهم الكون وأسراره، ويسيطر على العالم، وهو قادر بعقله على التمييز بين الخير والشرّ، والحسن والقبح.

دعا حنفي إلى تأسيس علم الاستغراب لمواجهة التغريب الذي يهدّد استقلالنا الحضاري

وفي المقابل؛ نقد حنفي القول بالجبر في تراثنا القديم؛ لأنّه يستخدم من قبل الأنظمة التسلطية لتثبيت دعائم سلطتها، وقبول الناس لحكمهم تحت راية عقيدة الجبر، فيرى حنفي؛ أنّ عقائد الجبر هي السبب الرئيس في استكانة الشعوب، وقبولها واستسلامها للأمر الواقع، وما به من فقر وجهل وتخلف، ما دامت الشرور والآثام واقعة حتماً لا يمكن تغييرها إلى نفع وصلاح.

إنّ قراءة حسن حنفي لقضايا علم الكلام قد حملته إدانة واضحة، ويبدو التراث الكلامي أغلب مشكلات الحاضر، التي يتحمّل مسؤوليتها التراث، وكأنّ الحاضر عاجز عن مواجهة سطوة الماضي، وكأنّ الخلف مقيدون في أسر السلف، ولا إرادة لهم ولا قوة ولا فاعلية، فقراءة حسن حنفي الانتقائية للتراث، تقطع مع الماضي في مجمله، وتحمّله كلّ مصائب الحاضر.

التصوّف من الوعي الفردي إلى السلوك الاجتماعي

ومن جانب آخر؛ يحمّل حسن حنفي التصوف المسؤولية التاريخية عن سيادة روح التوكل والانهزامية، فيرى أنّ مقامات التوكل والزهد والرضى والشكر والصبر، هي قيم إنسانية تتجه نحو السلب والخنوع والاستكانة، وتسلب الإنسان قراره وحريته ومبادرته، ولذا فالتراث الصوفي بشكله الحالي أحد معوقات النهضة والتقدم، وانتشار الطرق الصوفية التي تكرس لأنماط من التدين الشعبي الذي تسوده الخرافات والخزعبلات، وسعي حنفي إلى إعادة بناء التصوف كي ينتقل به من الفناء إلى البقاء، ومن الوعي الفردي إلى الوعي الاجتماعي، ومن القيم السلبية إلى القيم الإيجابية الفاعلة، فينتقد سيادة الخوف في التصوف؛ لأنّ الخوف هو سبيل سيطرة الأنظمة التسلطية على مجتمعاتنا.

التراث، برأي حنفي، ليس قيمة في ذاته إلا بمقدار ما يعطي في تفسير الواقع وتطويره

ولا شكّ في أنّ قراءة حسن حنفي للتصوف تتجاهل الطبيعة الفردية الذاتية للتصوف، وتنظر إلى بناء الذات على أنّها الأساس لبناء المجتمع، ومن ثم بدت قراءة حسن حنفي للتصوف على أنّها قراءة بإسقاطات فوقية على مضامين التصوف، لا تتواءم ولا تلتئم معاً، فلا يمكن أن يتم تحويل بنية التصوف ذات النزوع الفردي الخالص إلى توجه اجتماعي عام، ولا يمكن أن نحمّل التصوف آثام الحاضر وانهزاميته.

ورغم كلّ الانتقادات التي يمكن أن توجه إلى مشروع حسن حنفي الفكري؛ فإنّه يظلّ المفكر العملاق، والعقل المثير والمحفز لكلّ من يقرؤون تراثه الفكري الثري، وأقولها بكل يقين: إنّ أيّ عقل حرّ يقرأ حسن حنفي، لا يمكن أن يعود كما كان قبل قراءته، إنّ حسن حنفي قادر على صناعة مَن يملكون المقدرة على السؤال والمساءلة.




القطاع النفطي الإيراني يتراجع.. هذا هو موقف أوروبا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
402
عدد القراءات

2019-06-19

أقرّ وزير النفط الإيراني، بيجن زنغنه، بالصعوبات التي تواجه القطاع النفطي في إيران، مؤكداً أنّ؛ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية المفروضة على الجمهورية الإسلامية، وفق ما ونقلت وكالة "فارس" للأنباء.

وحجبت وزارة النفط الإيرانية بيانات صادراتها من النفط، خلال نيسان (أبريل) الماضي، للشهر التاسع على التوالي، وسط تدني صادراتها من الخام بفعل العقوبات الأمريكية.

وزير النفط الإيراني يؤكد أنّ أوروبا لا تتعاون لشراء نفط بلاده في مواجهة العقوبات الأمريكية

ومنذ أيار (مايو) 2018؛ انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية ومالية ونفطية على طهران، اعتباراً من آب (أغسطس) 2018، وتوسعت في تشرين الأول (نوفمبر) من العام ذاته.

وعرقلت العقوبات الأمريكية صادرات طهران من النفط الخام، بعد منع العديد من الشركات العاملة في صناعة النفط والمشتقات البتروكيماوية، وشركات نقل الخام، أبرزها، شركة "ميرسك تانكرز" الدنماركية، المتخصصة في نقل شحنات الخام.

وجاء في تقرير منظمة "أوبك" الشهري؛ أنّ "إنتاج طهران من النفط الخام تراجع بنحو 227 ألف برميل يومياً، في أيار (مايو) الماضي، مقارنة بـشهر نيسان (أبريل) 2019.

وكان وزير النفط الإيراني، بيجان نمدار زنقنة، قد اعترف بأنّ "طهران تستخدم طرقاً "غير تقليدية" للالتفاف على العقوبات الأمريكية، ومواصلة بيع نفطها في السوق السوداء، في مقابلة نشرت الأسبوع الماضي.

وقال الوزير، لوكالة "شانا" الإخبارية الإيرانية: "لدينا مبيعات غير رسمية، أو غير تقليدية، جميعها سرية، لأنّ الولايات المتحدة ستوقفها إن علمت بها".

وامتنع زنقنة عن إعطاء مزيد من التفاصيل بشأن الصادرات النفطية الإيرانية، مؤكداً أنّه لن يكشف أيّة أرقام إلى أن تُرفع العقوبات.

 

وشهد شاهد: مصور سابق في "الجزيرة" يكشف علاقة القناة بالجماعات المسلحة.. هذا ما قاله!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
341
عدد القراءات

2019-06-19

كشف المصور الحربي السابق بقناة "الجزيرة"، محمد فوزي، الأدوار المريبة للقناة وأجندتها العدائية الداعمة للجماعات المسلحة ونشر الفتنة والاضطرابات.

فوزي: مسلحون في "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا يعملون مع قناة "الجزيرة" كموظفين برواتب

وقال المصور، الذي عمل في شبكة "الجزيرة" نحو 12 عاماً، في مقابلة مع موقع "العين" الإخباري: "كنّا نذهب إلى أماكن الأحداث الإرهابية قبل وقوعها، كنت أعتقد حينها أنّنا نقدّم سبقاً صحفياً".

وعبّر فوزي، لـ "العين"، عن ندمه على العمل في "الجزيرة"؛ بسبب الدور التي اضطلعت به ومساهمتها فيما حدث من تخريب ودمار في المنطقة.

وكشف فوزي، في المقابلة، أنّ هناك أعضاء من تنظيمات مسلحة، مثل: "جبهة النصرة" و"تنظيم أحرار الشام" في سوريا، يعملون مع قناة "الجزيرة"، كموظفين، ويحصلون على رواتب لتسهيل مهمات القناة الصحفية.

"ورغم أنّ علاقة الجماعات المسلحة بقناة "الجزيرة" كانت غامضة، وتثير تساؤلات بين بعض العاملين، إلا أننا –كموظفين- لم يكن لنا الحقّ في السؤال"؛ وفق فوزي.

وقال فوزي: إنّ "قناة "الجزيرة" اشترت مجموعة كبيرة من الكاميرات صغيرة الحجم ووزعتها على التنظيمات المسلحة داخل سوريا."

ولفت، في المقابلة، إلى أنّ القناة "كانت تسمح لنا فقط بتصوير المناطق بعد القصف، أو استهدافها من جبهة النصرة، لكن لم يكن مسموح لنا أن نرافقهم في عملياتهم تجاه المدنيين".

فوزي يكشف كواليس مقابلة قناة الجزيرة مع زعيم جبهة النصرة الجولاني في 2015

وكشف فوزي ترتيبات خاصة لفضائية "الجزيرة"، خلال مقابلتها مع "أبو محمد الجولاني"، عام 2015، زعيم جبهة النصرة في سوريا.

وأشار، وفق "العين"، إلى أنّه شارك في صنع الصورة الذهنية لزعيم جبهة النصرة في سوريا؛ حيث إنّ الفضائية طلبت منه تغيير ملابسه، وإضافة لافتة سوداء خلفه، ووضع سلاح بجواره.

وأضاف: "عندما التقيت زعيم جبهة النصرة في منزله، كان يبدو شخصاً عادياً، يرتدي معطفاً، إلّا أنني طلبت منه تغيير ملابسه، وكذلك وضع لافتة خلفه، وحمل سلاح".

ورأى فوزي؛ أنّ تصريحات زعيم جبهة النصرة خلال المقابلة، ومنها جملة مهمة هي: "ندعم تنظيم القاعدة، ونوافق على طلباته"، توضح التعاون بين "الجزيرة" وتنظيم جبهة النصرة وتنظيم القاعدة، برأيه.

وكشف بعض كواليس اللقاء، وأبرزها، وفق قوله لـ"العين": إنّ "شخصاً جاء خلال المقابلة من الخارج، وأعطى زعيم جبهة النصرة مبلغاً كبيراً من المال وضعه في جيبه".

وأشار فوزي للمصدر ذاته، إلى أنّ أهمّ شيء عند التنظيمات المسلحة هو تصوير العمليات؛ لأنهم يتلقون أموالاً كبيرة مقابل العمليات الإرهابية المصورة.

وقال مصور الحربي السابق في قناة الجزيرة: "فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين، ومع أسر متعاونة مع الإرهابيين، في بيوت مؤمّنة من جبهة النصرة".

فوزي: فريق عمل الفضائية كان يسكن في سوريا مع الإرهابيين في بيوت مؤمنة من جبهة النصرة

وكشف فوزي في المقابلة؛ أنّ "صحفياً يعمل في "الجزيرة الإنجليزية"، كان يستخدم عربات الفضائية لتمرير إرهابيين من الحدود التركية إلى داخل سوريا، أثناء وجود فريق عمل "الجزيرة" في منطقة "هاتاي" الحدودية.

وأوضح مصور "الجزيرة" السابق؛ أنّه التقى شخصاً كان معدّاً في قناة "الجزيرة"، وكان يعمل كذلك وسيط سلاح وأموال، في منطقة هاتاي على الحدود مع تركيا وسوريا.

وأضاف فوزي: "هذت الشخص كان له باع طويل جداً في تهريب الأسلحة وشرائها، وهو أيضاً شقيق أحد المعارضين السوريين البارزين، وكان له العديد من الأنشطة الغامضة وسط صفوف العاملين في القناة".

تيسير علوني

ولفت فوزي إلى أنّ "هذا الشخض أصبح مديراً لمكتب قناة "الجزيرة" في لندن، مكافأة له على ما قام به في سوريا لصالح الشبكة".

وقال المصور في المقابلة: "الجزيرة كانت من أوائل المحطات التلفزيونية التي دخلت إلى ليبيا".

وأشار فوزي إلى أنّ التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة؛ حيث "كنا نذهب لأماكن الأحداث أو الهجوم بالأسلحة قبل وقوعها، وكأنها كانت تنفذ بالتنسيق مع "الجزيرة""، وفق قوله لـ"العين".

ونوّه إلى أنّ "الفضائية تملك علاقات قوية جداً مع الجماعات المسلحة في ليبيا، كانت لنا الأفضلية عند التنظيمات الإرهابية المختلفة".

فوزي: التغطية الصحفية في ليبيا كانت غريبة ومختلفة حيث كنا نذهب لأماكن الأحداث قبل وقوعها

ولفت إلى أنّ "مكتب قناة "الجزيرة" في مدينة بنغازي (شرق)، كان عبارة عن مركز للشرطة الليبية، على البحر المتوسط، وتم تدميره واستخدمته "الجزيرة" كمكتب لاحقاً، دون تنسيق مع أحد، ولم يعترضها أحد؛ بل وكانت المظاهرات يتم ترتيبها أمام مكتب "الجزيرة"، بتنسيق مع الجماعات المسلحة، حتى يتم تصويرهم"، وفق قوله في المقابلة.

وكشف المراسل الحربي السابق لقناة "الجزيرة"؛ أنّ "المسؤول الإعلامي لتنظيم القاعدة في "شمال مالي" هو نفسه معدّ قناة "الجزيرة"، وهو الشخص الذي يرتب كلّ اللقاءات الصحفية للفضائية مع التنظيمات المسلحة في إفريقيا"، موضحاً: "عندما احتلّ تنظيم أنصار الشريعة في شمال إفريقيا أجزاء من دولة مالي، "ذهبنا نحن طاقم "الجزيرة"، إلى دولة مالي عن طريق النيجر عبر الحدود، بتنسيق مع معدّ "الجزيرة"، الذي هو في نفس الوقت المسؤول الإعلامي لتنظيم أنصار الشريعة".

وأشار إلى أنّه "في هذه الأثناء، دار حديث بين أمير الجماعة المغربي وشخص آخر موريتاني، مسؤول عن تصوير كل عمليات القاعدة، ولديه شركة إنتاج اسمها "صحارى"، ويعمل أيضاً مع "الجزيرة"، وهو منسق الرحلة لقناة للجزيرة".

وأضاف: "مالك شركة "صحارى"؛ التي تصور العمليات الإرهابية للقاعدة في إفريقيا كان مراسل "الجزيرة" في موريتانيا سابقاً".

وكشف فوزي؛ أنّه أثناء حضوره مؤتمراً صحفياً لوزير خارجية طالبان، عام ٢٠٠١، فوجئ بمصور "الجزيرة" لاحقاً، سامي الحاج، بصحبة الوزير".

وأشار إلى أنّ القناة استعانت بسامي الحاج بعد هذه الواقعة في أفغانستان، ضمن خطتها دائماً، حيث كانت تجند أشخاصاً مرتبطين بالجماعات المسلحة، وترسل لهم كاميرات صغيرة يرسلون منها المواد لإذاعتها بعد ذلك.

وكشف مراسل الجزيرة الحربي السابق؛ أنّ "تيسير علوني، مراسل "الجزيرة"، عام 2001، جاء إلى المراسلين العرب في كابول، وقال لهم: "التحالف الشمالي سوف يقتحم المدينة في اليوم التالي، وسوف آتي غداً وأؤمن خروجكم""، مردفاً: "تيسير علوني جاء بصفته عربياً في هذه الأثناء، وليس بصفته مراسل "الجزيرة"".

ولكن، والحديث لـ "فوزي"، علوني جاء فعلاً في اليوم الثاني صباحاً، وأخذ شخصاً واحداً من حركة طالبان، واسمه "أبو جهاد"، وهو سوري الأصل، ويعدّ أحد قيادات القاعدة في حينها.

سامي الحاج

وأكّد أنّ "علوني" كان قريباً جداً من تنظيم القاعدة، ولهذا اصطحب قيادياً منها، وهرب قبل الاجتياح.

وعمل علوني مراسلاً لقناة "الجزيرة" في أفغانستان، تشرين الأول (أكتوبر) 2001، وهرب قبل ساعات قليلة من دخول قوات التحالف إلى العاصمة كابول، بصحبة تنظيم القاعدة، وفق ما ورد على لسان فوزي في مقابلته مع موقع "العين" الإخباري.

 هذا وقد أبدى المراسل الحربي السابق للجزيرة ندمه على عمله بالفضائية، لمدة ١٢ عاماً؛ حيث إنّ أهدافها لم تكن معلومة له، لكن الآن كلّ شيء أصبح واضحاً للعيان، وفق قوله.

وأضاف فوزي في المقابلة: "كنت أحاول أن أكون بعيداً عن قسم الأخبار العربية؛ لأنّها أساس كلّ المشكلات؛ حيث إنّ أغلبهم من الإخوان، فعندما جاء وضاح خنفر (عمل بالجزيرة من 2003-2011) إلى قناة "الجزيرة"، جاء بفريق كبير من الإخوان المسلمين".

 

التحالف يعترض طائرة مسيّرة تحمل متفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
294
عدد القراءات

2019-06-19

اعترضت قوات التحالف العربي، اليوم، طائرة حوثية مسيَّرة، تحمل متفجرات، قبل دخولها الأجواء السعودية.

وقال المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: إنّ "قوات التحالف الجوية تمكّنت، عند الساعة التاسعة من صباح اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار "مسيّرة"، كانت متجهة نحو الأراضي السعودية"، وفق ما ذكرت وكالة "واس".

الطائرة الحوثية المسيَّرة محمّلة بالمتفجرات وأُطلقت باتجاه السعودية من محافظة الحديدة

وأوضح العقيد المالكي؛ أنّ "الطائرة المسيّرة، تم رصد إطلاقها من قبل الميليشيا الحوثية من محافظة الحديدة، وتم اعتراضها فوق الأجواء بمحافظة حجة، قبل دخولها المجال الجوي للمملكة".

وأضاف: "الميليشيا الحوثية الإرهابية مستمرة بمخالفة اتفاق ستوكهولم، وخرق وقف إطلاق النار بالحديدة، وتواصل اتخاذ المحافظة مكاناً لانطلاق الأعمال العدائية والعمليات الإرهابية، بإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وكذلك إطلاق هجمات القوارب المفخخة والمسيّرة عن بعد".

وشدّد على أنّ هذه الأعمال تمثّل تهديداً حقيقياً للأمن الإقليمي والدولي، وتقويضاً للجهود السياسية لإنجاح اتفاق (ستوكهولم)، كما تواصل مخالفة القانون الدولي الإنساني، باستهداف المناطق المأهولة بالسكان، واتخاذ المدنيين كدروع بشرية لنشاطاتها الإرهابية المتعلقة بتخزين وإطلاق الصواريخ البالستية والطائرات بدون طيار، وتفخيخ وإطلاق القوارب المفخخة والمسيَّرة عن بعد.

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف تؤكّد الحقّ المشروع باتخاذ وتنفيذ إجراءات الردع المناسبة للتعامل مع هذه الأعمال العدائية والإرهابية، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني، وقواعده العرفية.

وتحاول الأداة الإجرامية الإرهابية الحوثية، استهداف المنشآت المدنية والمدنيين في المملكة العربية السعودية، في محاولات بائسة ومتكررة، عبر هذه الطائرات المسيرة.

وكان تحالف دعم الشرعية في اليمن قد أعلن، ليل الإثنين-الثلاثاء، عن اعتراض وإسقاط طائرتين مسيَّرتين تحملان متفجرات، أطلقتهما ميليشيات الحوثي باتجاه المملكة.

وأمس الأول، الإثنين، دان مجلس الأمن الدولي بشدة، استهداف الحوثيين مطار أبها الدولي السعودي، قبل أيام، داعياً إلى محاسبة مَن يقف وراء هذا الاعتداء الذي قوبل بموجة إدانات عربية وإقليمية ودولية واسعة.

 




في يوم اللاجئ العالمي.. الحاجة سردانة: ننام ونستيقظ على أمل العودة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
37
عدد القراءات

2019-06-19

ماجدة أبو طير

منذ النكبة الفلسطينية حتى اليوم، لم تجد الحاجة هدى يوسف سردانة، الراحة، فالألم يتنوع والقدرة على تحمله باتت قليلة، ولا يوجد في الذاكرة متّسع لحزن جديد.

من الطفولة إلى الشيخوخة، تشكو سردانة من أن «عمراً بأكمله يتجسّد أمامنا لا فرح به بل هو نكبات متتالية تشبه أوطاننا».

وفي يوم اللاجئ العالمي وفي زقاق مخيم البقعة الذي يعتبر من أكبر وأهم المخيمات الفلسطينية في العاصمة الأردنية عمّان، وصلت «البيان» إلى منزل صغير جداً هو عبارة عن غرفتين، استقبلتنا الحاجة بثوبها الفلسطيني المطرّز مرحّبة بنا بلهجة بلدتها «الفالوجة». للحظات فقط وبلا مقدمات بدأت تحكي عن النكبة والنكسة، وكيف تنقّلت من مخيم إلى آخر وصولاً إلى مخيّم البقعة.

حلم العودة

تقول سردانة وهي تلامس الـ 84 عاماً من عمرها: لا يختلف مخيم عن آخر، واللاجئ يبقى متمسكاً في حلم العودة إلى نهاية حياته، ويُذكّر على الدوام أولاده وأحفاده بوطنه، كيف سُلب في لحظات، على أمل أن يكون الخير القادم في هذه الأجيال.. حياة اللجوء لا يمكن وصفها بكلمتين فقد عشنا الموت والرعب ومع ذلك زاد الإصرار لدينا وتشبثنا بالحياة.

تضيف: المرأة في اللجوء تصبح قوّتها مضاعفة لإثبات حقها في الوجود والوقوف إلى جانب أسرتها. لقد حضرت النكبة وكان عمري 12 عاماً وبدأت أسمع قصص المذابح والقتل والتهجير، وكل ذلك ترك أثراً في شخصيتي، وأصبح الصمود منهجاً في تفاصيل حياتي. اليوم أعيش وحيدة في المخيم.. لم أتزوج ووالدتي توفيت مؤخراً، ورغم ذلك فإنني أقاوم المرض والحزن والذكريات.

لجوء متنقل

في عام 1948 كل القرى الفلسطينية هُجرت إلا بلدة الفالوجة، حيث صمدت في وجه العصابات اليهودية لمدة عام، وبعد ذلك توجه أهلها إلى الخليل ومن ثم إلى أريحا وصولاً إلى منطقة «الكرامة» في الأغوار المحاذية للأردن، وكانت تسمى آنذاك «البيار». وعاشت هنالك الحاجة هدى وعائلتها ما يقارب 20 عاماً، ومن ثم انتقلت إلى مخيم «البقعة».

وشهدت سردانة وعائلتها النكبة والنكسة والعديد من المذابح. تقول الحاجة هدى: بعد حرب 1967 توجهنا إلى مخيم البقعة وسكنا في الخيام لمدة عامين، وفي الثالثة بنينا كرفانات من ألواح الإسبست والزينكو. اللاجئ الفلسطيني مرّ بتجارب مليئة بالقسوة والخوف، والأخطر من ذلك كله أننا لم نكن على دراية بمستقبلنا، وفي كل يوم نستيقظ على أمل العودة للفالوجة.

عن "البيان" الإماراتية

هل يبقى ترامب حتى 2024؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
18
عدد القراءات

2019-06-19

وحيد عبد المجيد

بداية مبكرة للانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستُجرى في نوفمبر 2020. تبدأ هذه الانتخابات رسمياً في فبراير القادم مع الجولة التمهيدية الأولى في ولاية أوهايو، لتتواصل حتى اختيار مرشحيْ الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، منتصفَ العام نفسه.
والمعتاد أنه عندما يكون الرئيس في ولايته الأولى، يُعيد حزبه ترشيحه لفترة ثانية، ولا تُجرى بالتالي انتخابات تمهيدية في داخله. ولذا ستُجرى هذه الانتخابات في الحزب الديمقراطي فقط، لأن الرئيس ترامب سيكون مرشح الحزب الجمهوري في انتخابات 2020.
لكن مقدمات السباق داخل الحزب الديمقراطي بدأت مبكراً مطلعَ العام الجاري، عندما ظهر عدد متزايد من الطامحين لخوض السباق من أجل الترشح، دون أي مؤشر على إمكان حدوث توافق على أحدهم ليكون معبراً عن الاتجاه الرئيس في الحزب. غير أن الصراع داخل الحزب لم يشتد إلا عندما أعلن نائب الرئيس السابق جو بايدن، في 25 أبريل، خوضه المنافسة.
ولا يمثل انضمام بايدن للسباق حلاً لمشكلة التوافق على مرشح يحظى بدعم الحزب كله، بل ربما يفاقم هذه المشكلة. يمثل بايدن (76 عاماً) اتجاهاً وسطياً ينظر إليه قطاع معتبر في قاعدة الحزب بوصفه يمثل الماضي، وليس المستقبل.
كما أن تقدم عمر بيرني ساندرز (77 عاماً)، اليساري الذي نافس هيلاري كلينتون عام 2016 بشراسة، يجعله غير قادر على إقناع قطاعات تنحو لليسار في قاعدة الحزب، كونها تتحفظ على استمرار الأجيال الأقدم في تصدر المشهد السياسي. ومن أهم هذه القطاعات جماعات شبابية تقدمية يتفاوت حضورها من ولاية إلى أخرى. لا تريد هذه الجماعات مرشحاً ديمقراطياً ذا توجهات يسارية فقط، ولكن صغير السن أيضاً. ولا يبدو أنها تتجه إلى توافق على أي من المتسابقين الشباب الذين تُعد عضو الكونغرس «الكساندريا أوسكايو-كورترز» أصغرهم سناً (30 عاماً).
وتفيد مؤشرات أولية أن الكثير من الشباب التقدميين، وغيرهم ممن يميلون لليسار في قاعدة الحزب، يفضلون ترشيح سيدة مرة أخرى. لكن هذه القاعدة منقسمة بشدة، الأمر الذي قد يؤدي حال استمراره إلى إضعاف فرص المتسابقات، وكذلك المتسابقين الشباب، وربما كل مَن يميلون لليسار، لأنه يُشتت الأصوات، ويُضعف فرص الحصول على تمويل كافٍ، وخاصة أن أغلبهم يعتمدون على تبرعات صغيرة عبر شبكة «الإنترنت».
وفي هذه الحال، ستزداد فرصة بايدن، الذي تلقى تبرعات قيمتها 6.3 مليون دولار خلال 24 ساعة فقط بعد إعلان ترشحه، لأنه قد يكون المستفيد الأول من تشتت أصوات القاعدة التي تسعى إلى تجديد شباب الحزب الديمقراطي وتغيير اتجاهه.
وربما يكون ترشيح بايدن خبراً ساراً للرئيس ترامب، الذي قد لا يجد صعوبة -في هذه الحال- في الفوز بفترة رئاسية ثانية. شبح تجربة باراك أوباما يلاحق نائبه بايدن. فقد فضّل نصف الناخبين تقريباً ترامب، القادم من خارج المؤسسة السياسية في انتخابات نوفمبر 2016 الرئاسية، على هيلاري التي عملت مع أوباما وحظيت بدعمه في تلك الانتخابات. وحدث ذلك قبيل أن يجربوا ترامب، ويلمسوا التحسن الملموس في الاقتصاد الأميركي، والتغيير الإيجابي في بعض اتجاهات السياسة الخارجية. ولذا، فالأرجح أن يحصل ترامب على تأييد أكبر بعد أن انخفضت نسبة البطالة إلى أدنى معدل لها منذ عام 1969، وازدادت فرص العمل بمعدل نحو 200 ألف وظيفة جديدة شهرياً في المتوسط، وارتفعت الأجور بنسبة 3%، وتراجع التضخم إلى نحو 2% وأقل.
ولذا، فالأرجح أن يزداد الميل إلى إعادة انتخاب ترامب إذا صار بايدن منافسه في الانتخابات النهائية، لأنه كان أقرب إلى أوباما من هيلاري. وحتى إذا اختفى أوباما من المشهد، وفق طلب بايدن الذي يدرك أن الرئيس السابق عبء عليه، لن ينسى الناخبون الناقمون على أداء البيت الأبيض في الفترة بين 2009 و2016 العلاقة الوثيقة بينهما. وإذا أضفنا أن بايدن لن يحظى بدعم كامل في حزبه المنقسم بشدة، تبدو فرصة استمرار ترامب في الرئاسة حتى نهاية 2024 كبيرة. والأرجح في هذا الحال أن تزداد تدريجياً شعبيته التي تخطت 45% للمرة الأولى منذ تنصيبه، وفق استطلاع معهد «غالوب»، الذي نُشرت نتائجه في 6 مايو الجاري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

لماذا نصوّت لليمين المتشدد؟

84
عدد القراءات

2019-06-19

ترجمة: علي نوار


يتطرق كتاب "وباء التشدد" للصحفي أندريو جيريز، وأستاذ العلوم السياسية، فرانكو ديللي دوني، إلى تصاعد ظاهرة الأحزاب القومية المتشددة والمناهضة لأوروبا والمعادية للأجانب التي تشهدها أوروبا، عن طريق تحليل نماذج من 12 دولة في القارة العجوز، ونقدم هنا الفصل الأخير من العمل الذي يستعرض الأدوات النفسية التي تدفع ملايين الأوروبيين اليوم إلى التصويت لصالح هذه التيارات.

اقرأ أيضاً: وثيقة سرية: اليمين المتطرف بألمانيا يتدرب على سيناريو الحرب الأهلية

"يمنحوننا أصواتهم لأنهم أشخاص عاديون للغاية يعانون مشكلات عادية للغاية". تخص هذه العبارة القيادية رفيعة المستوى في حزب "بديل لأجل ألمانيا" اليميني المتشدد في ألمانيا، بياتريكس فون شتورش، وهي ليست كأي جملة، فهي مفتاحية للبدء في فهم التأثير الناجح للخطاب الذي تتبنّاه حركات اليمين المتشدد الجديدة في أوروبا.

يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول

ليس ثمة مقترحات ولا خطط ولا حتى أيديولوجيا، الأمر كله عبارة عن قيم ومشاعر، وفي نفس الوقت بتوصيف زخم ما وغريزة وتطلّع لشيء مختلف، نشعر جميعاً بأنّنا "عاديون" ونقتنع تماماً بأنّ مشكلاتنا واهتماماتنا ومخاوفنا "عادية". ولا يعرّف خطاب اليمين المتشدد ماهية هذا "العادي"، بل يتركه لرغبات المواطن كي يملأه بما يبدو له مناسباً، ويطلق على عملية الملء هذه مصطلح "الشعور العام"، ولا يوجد خلف هذا الشعور سوى القيم الخاصة بنا، والمفاهيم التي تسمح لنا بالتمييز بين ما نريد وما لا نريد، وما هو خير وشرّ، ما نؤيّده وما نرفضه، وعلى أساس كل ذلك نمنح أصواتنا.

زعيم الحزب المتطرف الإسباني فوكس
نجح اليمين المتشدد في إعداد سرديات تختلف من دولة إلى أخرى، تبلور القيم الأساسية بالنسبة لقطاعات بعينها، ربما تكون هذه القيم غائبة أو مشوّهة في خطاب الأحزاب الأخرى. قيم لا مكان لها بالضرورة في خطط الحكومة، عن طريق مقترحات قوانين أو مشروعات محدّدة. ومن منظور اليمين المتشدد، فإنّ الشيء الأهم هو صياغة منطق أعمق ألا وهو ذلك الذي يحرّكنا: الخوف من المجهول وكراهية المختلف والإحباط الناجم عن عدم تحقّق توقّعاتنا.

اقرأ أيضاً: بعد فلندا.. هل يصعد اليمين المتطرف في إسبانيا؟
هذا هو بالضبط ما تغفل عنه الأغلبية الساحقة من المراقبين ومنافسي أحزاب اليمين المتشدد، الذين لا يدركون السبب وراء قدرة حزب يفتقر لأي محتوى على حشد ملايين الناخبين. يعجز الكثير من ساسة اليسار واليمين على حدٍ سواء في إيجاد منطق ما خلف تنامي نفوذ اليمين المتشدد، وربما لن ينجحوا في ذلك مطلقاً.

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر

فهم لا يعرفون سوى المنطق كأداة ومحفّز ودافع للشعبية الانتخابية، يظنّون أنّ عملية التصويت تخضع لمعايير ذات أساس منطقي بالضرورة، ويعيشون على أوهام القرن الـ19 والـ20، والتنوير، وقدرتنا على التفكير المنطقي العقلاني بوصفه مرشداً لأفعالنا. لكن الحقيقة أنّ عقلنا أعقد بكثير من مجرّد آلية التفكير في المميزات والعيوب؛ فالقرارات تخضع للدوافع والتي بدورها، في أغلب الأحوال، لا تكون ناتجة عن التمحيص، وربما لا نكون على دراية من الأساس بهذه الدوافع، ومن بين أبرز دوافعنا تظهر المشاعر.

تعزّز ظاهرة اليمين المتشدد هذه الفكرة؛ فالدعم الانتخابي الذي يحصل عليه هذا التيار منبعه في حالات قليلة جداً القرار المنطقي، بالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح. وعلى الجانب الآخر، سيكون من المستحيل استيعاب لماذا -على سبيل المثال- يلجأ عامل بسيط ربما يعاني البطالة إلى التصويت لصالح حزب يميني متشدد يخطّط لإضفاء قدر أكبر من المرونة وإفقار سوق العمل، هل يمكن للمشاعر أن تعطينا إجابة في هذه الحالة؟

المشاعر وراء الخطاب

يوجد في أوروبا عدد هائل من أحزب اليمين المتشدد التي لم تنجح فحسب في دخول البرلمان بجميع دول القارة، بل تمكّنت أيضاً من المساهمة في تشكيل بعض الحكومات أو حتى قيادتها. وفي منطقة يغلب عليها نظام الحكم البرلماني، تكتسب النقطة الأخيرة أهمية بالغة لا يمكن التقليل منها؛ فاليمين المتشدد في حقبة ما بعد الحرب ليس ظاهرة هامشية أو محلّية أو مؤقّتة.

اقرأ أيضاً: هل حفّز حريق "نوتردام" من "كراهية الإسلام" عند اليمين الأوروبي المتطرف؟
والواقع أنّ القدرة على جمع مشاعر الاستياء وتقنين الإحباط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية، أدّى إلى تحوّل هذه الظاهرة لنتيجة تلقائية للإطار السياسي. وبتعبير آخر؛ فإنّ الكثيرين يرون أنّ اليمين المتشدد كان مستفيداً عارضاً من التصويت العقابي الذي يستهدف إنزال الهزيمة بأحزاب الأغلبية لحين إعادة ترتيب الأخيرة لأوراقها والعودة للاستماع إلى مطالب المجتمع.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين ولم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً

بيد أنّ هذه الرؤية، التي استُخدمت وأعيد تدويرها مع كل مرة يظهر فيها حزب سياسي يميني متشدد في أي دولة بأوروبا على مدار الأعوام الـ20 المنصرمة، لم تعد صالحة. فهي تتعامى عن بعض العناصر المميّزة لقوى اليمين المتشدد. استعانت هذه التيارات بتلك الخصائص في خطابها للّعب على مشاعر بعينها، وبالتالي التأثير على شرائح من الناخبين بحيث تغيّر مواقفها.
فمن جانب، يجب إبراز السخط تجاه الأحزاب السياسية التقليدية والذي يتزايد بمرور الوقت وأسفر عن سقوط أحزاب عريقة في عدة دول. فالاتهامات ضد السياسة القديمة هي أداة شائعة الاستخدام في الخطاب الشعبوي. وتسمح للمرشحين الشعبويين بإيجاد عدو يعمل بصورة تتعارض مع مصالح من يمثّلونه؛ الشعب، وبالتالي ينصّبون أنفسهم حماة له. رغم أنّ أثر هذا العامل يرتبط بصلة وثيقة بظهور مشاعر الإحباط. بكلمات أخرى، فإنّ هذا العامل في خطاب اليمين المتشدد يركّز على شعور الاحتقار والسخط إزاء الأحزاب السياسية التقليدية وأعضائها.

اقرأ أيضاً: نيوزيلندا.. هل انتهى تهديد اليمين المتطرف؟
ومن جانب آخر، يلعب المكوّن المناهض لأوروبا دوراً محورياً كذلك. فتصوير الاتحاد الأوروبي على أنّه كبش فداء لجميع الشرور يمنح هذه الأحزاب عدواً ملموساً أكثر هذه المرة. وفي الوقت عينه، يمنحها القدرة على تطوير خاصية ثالثة تميّز خطاب اليمين المتشدد؛ القومية. وفي سرديات هذا التيار، يرمز الاتحاد الأوروبي لكل ما هو مضاد للوطن وفخر الانتماء والحفاظ على الملامح الثقافية لكل منطقة. وإجمالاً، فإنّ العامل الأهم في هذا العنصر هو الخوف. رهاب غير واضح الشكل لكن يغلب عليه عامل مشترك: التهديدات على الهوية.

الإحباط، الغضب، الاستياء، الخوف، الكراهية، تهديد الهوية، أدركت قوى اليمين المتشدد في القارة الأوروبية أنّ استعمال كل هذه العوامل كأداة هو أفضل سلاح بوسعها التوفّر عليه، لكن السؤال الذي يطرحه الكثيرون هو: لماذا ينجح الأمر؟

نايجل فاجي عند باب أحد مراكز الاقتراع في المملكة المتحدة في الانتخابات الأوروبية

الجدل الخاطئ
إنّ المنطق والمشاعر هما مفهومان يجري تصويرهما على أنّهما متعاكسان، أو هكذا لقّنوننا. فالمنطق هو سبب القرارات الصائبة، على العكس من ذلك فإنّ المشاعر حين تتغلّب علينا، تعوقنا عن حسن الاختيار، والأول هو ما يميّزنا عن الحيوانات، فيما ترمز المشاعر للحيوان الكامن بداخلنا، لكن من الضروري فهم أنّ الطريقة التي يعمل بها عقلنا لا تتّفق مع هذا الفهم.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرّف يتّحد في أوروبا.. هذه أهدافه
إنّ المنطق والمشاعر لا يمكن لأحدهما أن يشغل مكان الآخر، ولا يمكن التبديل بينهما، لكنّهما على النقيض من ذلك يكمّلان بعضهما، ويضطّلع كل منهما بمهام مختلفة. فمهام المنطق تتباين عما نعتقده، وبالفعل فإنّنا نعرّف أنفسنا بكائنات عقلانية تدرس المميّزات والعيوب لحظة اتخاذ القرارات. إلّا أنّه وفقاً لأحدث ما توصل إليه العلم في دراسات المخ، فإنّنا بعيدون كل البعد عن ذلك. ويكشف الباحثان أوجو مورسييه ودان سبريبر في كتابهما "معضلة المنطق"، أنّ المنطق، وبالمفهوم الكلاسيكي للمصطلح، يشمل وظيفتين أساسيتين: وهما البحث أو صياغة تبريرات منطقية لكل من قراراتنا، وهي عملية تعرف باسم "المنطقة"؛ والثاني، تقييم الأسباب التي يقدّمها الآخرون حين يحاولون تبرير قراراتهم.

من الضروري أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة

والهدف من وراء المنطقة هو الحفاظ على صورتنا الاجتماعية، فعندما نكون بصدد اتخاذ قرار ما، فإنّنا نستدعي مجموعة من الاعتبارات التي ستخضع بشكل تلقائي للتقييم من قبل المحيطين بنا. فإذا قرّر شخص التصويت لصالح اليمين المتشدد وكشف عن ذلك على الملأ، سيصبح مُلزماً بتفسير الأمر، ويبدأ عقله في البحث عن التبريرات اللازمة لإضفاء المنطقية على قراره أمام الآخرين. وفي هذه الحالة، تصبح الوظيفة الرئيسة للمنطقية اجتماعية بحتة.
أما الوظيفة الثانية للمنطق فتتكامل مع الأولى؛ إذ يتعلّق الأمر بالتقييم الذي نجريه تجاه مبرّرات الآخرين. هل هي كافية؟ هل هي مقبولة؟ هل تشارك نفس القيم مع هؤلاء الذين يدّعونها؟ وتدفعنا الوظيفة الثانية هذه إلى مراجعة حُجج المتُكلّم كي نتمكن من تحديد موقفنا في هذا السياق.

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

يرتبط دور المشاعر بإيجاد دوافع للشروع في شيء ما، وبدون هذه الدوافع سنصبح عاجزين عن اتخاذ القرارات، أو على الأقل ستحتاج هذه العملية للكثير من الوقت والطاقة. وبحسب خبيرة علم النفس والباحثة ليزا فيلدمان باريت، فإنّ المشاعر هي بناءات اجتماعية تسمح لنا بقراءة ما يحيط بنا وإعداد جسدنا كي يتعامل معه، فإذا كان شخص ما متواجداً بمفرده خلال الليل في منطقة نائية من مدينة مجهولة بالنسبة له، فمن المحتمل أن يشعر بالخوف من أي جلبة مفاجئة مثل نفير سيارة عالٍ أو نباح كلب أو صافرة إنذار، كل هذه العوامل قد يترجمها مخ هذا الشخص على أنّها خطر محتمل ويبدأ في تجهيز الجسد كي يتعامل معه (ازدياد معدّل خفقان القلب وسريان الدم، على سبيل المثال).

اقرأ أيضاً: ما هي أوجه التشابه بين اليمين المتطرف وتنظيم داعش؟

إنّ الخوف الذي يشعر به هذا الشخص في تلك اللحظة والمكان هو شعور مبني على أساس تصنيف لمحفّزات بعينها في موقف مُحدّد (ضوضاء في محيط غير معلوم وغير آمن). هذا الشعور هو ما يمنح القدرة على اتخاذ قرار ربّما عن غير وعي. بمعنى أنّ الشعور، أو الخوف هنا في هذه الحالة، يعمل كمؤشّر يجمع عدداً لا حصر له من المُحفّزات كي نستطيع تلافي أو الحدّ من خطر محتمل.

ويعرّف أستاذ علم النفس بجامعة إموري في ولاية جورجيا الأمريكية، درو ويستن، المشاعر على أنّها وقود اتخاذ القرارات. وإذا انتقلنا إلى مستوى اتخاذ القرارات السياسية، مثل دعم أو رفض حزب سياسي ما، فسنكتشف أنّ المشاعر تلعب دوراً رئيساً. فبالاعتقاد، على سبيل المثال، أنّ منظومتنا الأخلاقية مُهدّدة، سيظهر الخوف، وهذا الخوف هو ما يدفعنا للتحرّك بطريقة دفاعية.
يقودنا كل ذلك إلى سؤال؛ ما هي الأسباب التي تؤدّي بنا إلى الإحساس بشعور ما مثل الخوف أو الكراهية أو الإحباط، والأهمّ من ذلك كيف لنا الوصول إلى هذه المعلومات أو ما هي احتمالات تعرّضنا للتلاعب دون أن ندرك ذلك؟

مظهر من مظاهر النشطاء اليمينيين ضد سياسة الهجرة التي تتبعها حكومة ميركل الألمانية

النقاش والإطار التفسيري

إنّ تقييم المعلومات وما يتبعه من اتخاذ للقرارات قد يتباين كلية وفقاً لطريقة عرضها. بعبارة أخرى: نفس المعلومات المُقدّمة بطرق مختلفة تؤدّي إلى آثار متباينة، توصّل إلى هذا الاكتشاف خبيرا علم النفس دانييل كانمان وآموس تفيرسكي، اللذان عكفا منذ حقبة السبعينيات على دراسة عملية اتخاذ القرار، وتُعد أبحاثهما حجر الأساس لمفهوم الإطار التفسيري.

اقرأ أيضاً: اليمين المتطرف قنبلة العالم الموقوتة

تُعتبر الأُطر هي التمثيل العقلي الذي يساعدنا على هيكلة المعلومات التي نتلقّاها بشكل مستمر، وتقدّم الأُطر تعريفاً لمشكلة تتضمّن بدورها عرضاً ما للمعلومات. لذا فقبول إطار يعني بالتبعية تقبّل فرضيّات أو شروط وفي الوقت ذاته تبعات نقاش ما. على سبيل المثال، الإشارة إلى الاتحاد الأوروبي بوصف (بيروقراطية بروكسل) يحمل بداخله تقييماً لنفس المصطلحات السلبية التي تستدعي انطباعاً على كل فرد منّا، حتى لو كان غير واعٍ لذلك.
واختصاراً، فإنّ الأٌطر تسهم في فهم وتنظيم ما يحدث حولنا، وفي نفس الوقت تحدّد وتنتقي وتهيكل المعلومات، وينتج عن ذلك ليس التأثير على تقييمنا فحسب، بل وأيضاً المشاعر التي نختبرها.
لقد عرفت القوى المختلفة اليمينية المتشددة في أوروبا كيف تهيمن على الاستخدام الاستراتيجي للأُطر، وأدركت أنّ هذه الأُطر هي وسيلة لربط مشاعر مُعيّنة بموضوعات مُعيّنة، ومن هنا تحقيق المكاسب الانتخابية والسياسية، ولعلّ هذا هو السبب وراء حصول كل ملفّ من أجنداتها التي تضعها هذه الأحزاب على أٌطر مختلفة ضمن خطابها، وبصورة ممنهجة.

من الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة: الكراهية والخوف والإحباط، بحيث يتغذّى كل منها على الآخر

على جانب آخر، فإنّ اليمينيين المتشددين ناجحين للغاية في استخدام السرديات، وذلك عن طريق توظيف ونقل الأُطر والقيم التي يدّعون تمثيلها والمشاعر التي يثيرونها، في عملية يصفها الفيلسوف والرياضي نسيم نقولا طالب بـ"سردية المغالطة".
عملية الحصول على المعلومات بالنسبة لعقولنا مُكلّفة، فأولًا يجب استثمار موارد من أجل ذلك، وثانياً نستثمر موارد إضافية للاحتفاظ بها، وأخيراً نبذل استثماراً كي نعيد استخدامها. وتُعتبر القصص هي الأداة المثلى كي يدّخر المخ أكبر قدر ممكن من الموارد. حيث تبدو المعلومات في القصص منظّمة ومتكاملة وتسمح ببناء سببيات بين الأحداث، ولا تتضافر هذه الخواص فقط من أجل إعادة بناء القصة، أو بمصطلح آخر؛ الذاكرة، بل إنّ المعلومات تُخزّن كتجربة حيّة وليس كحزمة من البيانات.
لكن الرواية تتضمّن في الوقت ذاته تبسيطاً للمعلومات، وتزداد احتمالات السقوط نحو التقليص بسبب قدرتها التفسيرية والترابطية، وتبدو القصة قابلة للاعتماد عليها رغم أنّها قد تعرض جانباً واحداً من الموضوع، وبالتالي، تحوي النتائج الناجمة عنها ربما خطر أن تكون مضلّلة أو لا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟
تجعلنا الروايات عرضة لسلسلة من الانحيازات المعرفية التي قد تستغل للتلاعب بالرؤية التي نطوّرها تجاه جدل بعينه، وبهدف تبسيط ومعالجة المعلومات التي نتلقاها باستمرار بصورة سريعة وفعّالة، فإنّ عقلنا يلجأ للانحيازات المعرفية، أي إنّه يعود للخبرات السابقة كي يتّخذ قرارات دون حتى أن ندرك ذلك، وعموماً، فإنّ هذه وظيفة مفيدة جداً، لكن في بعض الأحيان، تؤدّي هذه الانحيازات إلى انحرافات في التأويل، يطلق عليها الانحيازات المعرفية.

إنّ الميل نحو الاعتقاد بقوة حُجّة لأنها قابلة للتصديق، والتركيز فحسب على المعلومات التي تعضّد الأفكار الموجودة بالفعل، أو حتى تفضيل نتيجة صحيحة حتى لو كانت تنطوي على أضرار، هي بعض أوجه هذا الانحياز المعرفي. وتكمن قوة هذه الانحيازات في تجاهلنا لها، بمعنى أنّها تحدث بصورة طبيعية تتطلّب قدراً هائلاً من الطاقة كي ننتبه لها، وبالتالي إعادة النظر في القرارات الناتجة عنها.

في ضوء الخصائص المذكورة، يصبح خطاب المغالطات أداة مُفضّلة لليمين المتشدد، سواء من أجل نقل أُطره أو ضمان انتشاره عن طريق التكرارية.

يروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها

إطار غياب العدالة: الإحباط الدائم

تاريخياً، لطالما شكّل النقاش حول توزيع الثروة جزءاً من أجندة الأحزاب اليسارية، فالصراع الطبقي والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال هي العناصر البارزة في هذا الاتجاه. لكن ملكية هذا الملف لم تعد قاصرة على هذا التيار السياسي وحده، فقد تمكّن اليمين المتشدد من انتزاعه، لينجح بذلك في إدخال "إطار" إلى النقاش العام يناطح خطاب اليسار ويسعى لوضع إعادة تصوّر للمشكلة.

إنّ معقولية الرواية تجعلها أحياناً سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة

ويروّج اليمين المتشدد لإطار غياب العدالة الذي يؤدي لسوء توزيع الموارد كمشكلة ينبغي حلّها، إلّا أنّه يغير تعريفها، بحيث تصبح المشكلة لا بين الأغنياء والفقراء مثلما يرى اليسار، بل تتّخذ صورة أفقية لتتحّول إلى مشكلة بين الفقراء والأجانب الفقراء، بمعنى أنّه يجري الربط بين مسألة الهجرة والشرائح الأكثر تعرّضاً للتهميش. وبفعل ذلك، يضع اليمين المتشدد تلك الفئات في موضع المنافسة على الموارد العامة وفرص العمل والتعليم لأجل أبنائهم والحصول على المنازل، والقائمة لا تنتهي.

وإذا نظرنا إلى الحالة الألمانية، فسنجد أنّ الإطار يعمل على أكمل وجه بفضل خطاب وصول اللاجئين في 2015. وفي هذا الخطاب يُصوّر اللاجئين على أنّهم زوّار غير مرغوب فيهم و"فتحت لهم الأبواب" المستشارة أنجيلا ميركل.

اقرأ أيضاً: عن اليمين السياسي في المنطقة العربية.. أيّ دور وهُويّة؟

يؤدّي الإحباط الناجم عن هذا الإطار، مُعزّزاً بخطاب اليمين المتشدد، إلى حصوله على أصوات هؤلاء الذين لا تتحقّق تطلّعاتهم ولا يشعرون بالرضى، فلم يعد الكثيرون يثقون في النظام ولا الأحزاب السياسية التقليدية، ويشعرون بالإحباط والتهميش والنسيان، كما يستثار الشعور بالاستياء لدى هذه القطاعات حين تجد ضالّتها في كبش فداء أضعف بكثير من الأغنياء والمصارف والشركات العالمية.
بالتالي يسمح إطار غياب العدالة بتلافي اكتساب المشكلة لطابع معاداة الأجانب، على الأقل ظاهرياً، ويضفي نوعاً من المنطقية على رفض الغاضبين للاجئ أو الإفريقي الذي عانى الأمرّين كي ينجو بحياته في مياه البحر الأبيض المتوسط. لا يتعلّق الأمر بالهجوم عليه، بل بالدفاع عن النفس. وهنا يصبح الانحياز المعرفي جلياً للغاية: التركيز على المعلومات التي تؤكّد المخاوف. لقد خان السياسيون، الذين لا يمكن الوثوق بهم، شعبهم بالسماح بدخول الأجانب واستغلالهم للموارد، ويعمد خطاب اليمين المتشدد على الادعاء بأنّ هؤلاء السياسيين هم مشكلة البلاد وأنّ تغييرهم هو الحل، وهذا ما يقودنا إلى المثال الثاني.

الشعب في مواجهة عدو الشعب

إطار التهديد الكامن: الخوف والكراهية

يتميّز خطاب اليمين المتشدد بالثنائية المنطقية. الشعب في مواجهة عدو الشعب، مفهومان يضطلع اليمين المتشدد بتعريفهما وملئهما وفقاً لما يراه. السياسة القديمة، الاتحاد الأوروبي، البنوك، وسائل الإعلام، قد تكون هي أعداء الشعب، والأخيرة تلعب دور العدو عند عملها بما يتعارض مع مصالح البلاد، مع تقديم هذه المصالح على أنّها التمثيل الجماعي للمواطنين.

إنّ بناء هذا الخطاب عملية بسيطة للغاية، لكن لا تفتقر للفعالية في الوقت ذاته. فمن جانب هناك الشرير، العدو، سبب المشكلات ومعاناة الضحية، وعلى جانب آخر قد يظهر المتواطئ، الذي لا يفعل شيئاً سوى منح الشرعية للشرير والتعاون معه. وأخيراً هناك البطل الذي يأتي لمحاربة الشر، رغم أنّه يتعيّن عليه قبلها تجاوز عدة مصاعب من أجل تحقيق هدفه، وفي هذا البناء الخطابي البسيط، يبثّ اليمين المتشدد إطاره التفسيري الأكثر فعالية: إطار التهديد الكامن.

أما الضحية فهو الشعب، يتعرّض الشعب للخطر، ومن الضروري إبراز أنّ هذه النظرة ليست مادية بحتة، ولا تركّز فحسب على الموارد التي يساء توزيعها، بل على قيم الشعب المُهدّدة. فالضحية هنا يشعر بالخوف من فقدان ثقافته ودينه وأسلوب حياته والخوف من ألّا تعود الأمور لسابق عهدها والخوف من الفوضى، كل هذه القيم تلخّص مسألة الهوية الوطنية.

كان للصحافة دور كبير في استمرار الخطاب اليميني المتشدد فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر

وعلى التوازي مع هذا الخطر، أو الشرير، توجد عدة صور في سرديات اليمين المتشدد. فقد تشير إلى الإسلام كـ"دين غريب لا جذور له في أوروبا.."، كما قد يوصف المهاجرين بجماعة خارجية "لا تريد الاندماج وتمتلك تقاليد غريبة وتتعارض على الأرجح مع القيم المحلية"، وقد يُساق السياسيون والأحزاب التقليدية كذلك إلى لعب دور العدو، وأيضاً "تحرّكاتها المعادية للوطن والأنانية والتي تحطّ من شأن مصالح من يمثّلونهم" ليصبحوا في نظر اليمين المتشدد "الجرثومة المسُبّبة لمرض" النظام.

وفي نفس السياق، من شأن الأشرار أن ينتقلوا إلى خانة المتواطئين، فالسياسة "بفتح الأبواب في وجه الهجرة"، أو وسائل الإعلام "بإخفاء الحقيقة"، مثالان واضحان جداً على ذلك.

وأخيراً، فإنّ البطل هنا ليس سوى الحزب اليميني المتشدد، وزعيمه بشكل عام، الذي يصل "للدفاع عن الشعب" وتحقيق عدة أهداف في نفس الوقت "تحذير الشعب من التهديد الكامن، واتهام المذنبين بشرورهم، واسترداد القيم المُنتهكة، وإعادة النظام إلى البلاد".

يحوي إطار التهديد الكامن بداخله عدة أُطر فرعية منبثقة عنه، تظهر في سرديات اليمين المتشدد. فالخوف من التحوّل إلى "أقلية في بلادنا" نموذج لذلك، وقد استعانت عدة أحزاب وحركات بهذه العبارة للتحذير مما أسمته باستبدال ثقافي، وكذلك انهيار الهويات الوطنية. إنّ المكوّن الوطني أو القومي، الذي يتضمّنه هذا الإطار الفرعي، لا يؤدي لإثارة الخوف فحسب، بل ينشر الكراهية تجاه الثقافات الوافدة.

اقرأ أيضاً: الإرهاب اليميني: القتل باسم الكراهية

يندرج دور المرأة وهويات الأنواع .. ونقاط أخرى ضمن بعض ملفّات النقاش التي يطبّق فيها اليمين المتشدد نموذج إطار التهديد الكامن، ويجترّ في خطابه عناصر محافظة متشددة يستخدمها اليمين المتشدد كرأس حربة في مواجهة الحدود الناجمة عن الصواب السياسي. وفي هذا السياق، يضحى ما كان يُنظر إليه باعتباره تقليلاً من الاحترام اليوم واقعاً لا يجرؤ أحد على الإشارة له.

يرتكز اليمين المتشدد إلى حركة تحرّرية من استبداد التقدميين، وبالتالي، لم يعد تحدّي الصواب السياسي يستدعي عقاباً مجتمعياً، بل يتحوّل إلى دفاع عن قيم بعينها. ويرتبط العنصر الأخير تحديداً بالخوف من الفوضى وغياب القواعد وضياع الوضع الراهن.

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد

ثلاثية المشاعر

يلعب خطاب اليمين المتشدد عادة على استثارة حزمة من المشاعر التي تترجم في مجتمعاتنا إلى الكراهية والخوف والإحباط، وبعيداً عن النماذج التي سبق وصفها على حدة، فمن الواضح أنّ سردية اليمين المتشدد تجمع المشاعر الثلاثة بحيث يتغذّى كل منها على الآخر. السخط على السياسة يتحوّل إلى كراهية بسبب تجاهل مخاوف الشعب الذي يشعر في داخله بغياب الأمان والخوف وعدم اليقين.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كما تعود فعالية هذا الخطاب إلى الاستفادة من انحيازاتنا المعرفية. ومثلما ذكرنا آنفاً، فإنّ معقولية الرواية تجعلها في كثير من الأحيان سبباً كافياً للاعتقاد بصحّتها، وبالتالي يصبح الخوف والكراهية والإحباط أشياء مُبرّرة. وهنا نظنّ أنّ الخلاصة التي توصّلنا إليها هي نتاج عملية عقلانية، بالمفهوم التقليدي، بينما نحن في حقيقة الأمر نحاول إيجاد تبريرات لمواقف مُعيّنة.

لقد تزايد انتشار خطاب اليمين المتشدد وأطره بسبب عوامل خارجية أخرى. فمن جانب، عانت باقي الأحزاب السياسية صعوبات حقيقية لإدراك المنطق الدعائي لليمين المتشدد، ولم تفهم حتى الآن بعض هذه الأحزاب ما يحدث. فمع إغراقها في التحليل المتخصّص، لم تكن الأحزاب التقليدية قادرة على تطوير أُطر بديلة للمنافسة في الساحة العامة. فقد رأت كيف أنّ قوى يمينية متشددة مختلفة كانت قادرة على اكتساب الناخبين إليها، لا سيما في ملفات مثل الهجرة واللاجئين والهوية الوطنية وموضوعات أخرى. بل إنّ قوى اليمين المتشدد سجّلت نقاطاً لصالحها حتى في النقاشات التي غابت عنها الأحزاب التقليدية بشكل رسّخ لأُطرها أكثر.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما أنّ دور الصحافة كان كبيراً فيما يخصّ استمرار الخطاب اليميني المتشدد، فقد سقطت الكثير من وسائل الإعلام في فخ نشر الأُطر، وبالتالي، سرديات القوى اليمينية المتشددة، فقد ساهمت بصورة غير مقصودة إذن في نشر دعاية اليمين المتشدد، وبشكل ما منحه أهمية لم يكن قادراً على اكتسابها بمفرده.

لم ينته بعد الجدل الإعلامي حول تغطية النشاط السياسي لهذه الأحزاب أم تجاهله، لكن خطر تقديم دعاية مجانية للاستفزازات الاستراتيجية التي يشنّها زعماء اليمين المتشدد لا يزال كامناً. هناك مبادرات جديرة بالاهتمام من قبل بعض مجموعات الصحفيين للتثبّت من الحقائق تقدّم أفكاراً جيدة لمكافحة المعلومات الكاذبة المنتشرة، بيد أنّ مداها محدود في مواجهة ملايين الرسائل الخاصة، والمنشورات التي تُبثّ عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية النشطة يومياً على مدار 24 ساعة.

اقرأ أيضاً: بين اليمين المتطرف وداعش.. رؤى مشتركة تهدد الإنسانية

كان لمواقع التواصل الاجتماعي هي الأخرى دور في انتشار خطاب اليمين المتشدد. دون أي نوع من الرقابة، وفّرت شبكة الإنترنت لهذه القوى السياسية فرصة كبيرة للوصول إلى قطاعات من الناخبين كانت عاجزة عن الوصول إليها بالوسائل التقليدية، فضلاً عن التمييز بين شرائح الناخبين المختلفة لتزداد بذلك فعالية رسائله ودرجة تعقيدها.

في خضم هذه الأجواء المواتية، تمكّن اليمينيون المتشددون من بث خطابهم، وبالتالي تفعيل ثلاثية الخوف-الكراهية-الإحباط لدى الشعب. وتعدّ هذه العواطف، مضافاً إليها الانحيازات المعرفية ودور العناصر المذكورة بالأعلى، مفاتيح لفهم تنامي نفوذ اليمين المتشدد وبناء قواعد له في أنظمة سياسية محلية.

مسألة انتخابات

تحظى الأحزاب السياسية بفرصة ذهبية لمراجعة مفاهيمها بشأن الناخبين، لكن شريطة تخلّيها عن ثنائية المنطق في مواجهة المشاعر، القديمة والبالية. كما أنّها بصدد فرصة سانحة لإعادة اكتشاف قيمها، وبناء -بالاستناداً إليها- أُطر تتنافس مع تلك الخاصة باليمين المتشدد، وفي حال فعلت ذلك، فستفرض على المواطنين اختيار القيم الأساسية بالنسبة لهم، ممّا يعني عدم الانزلاق وراء الإجابات التلقائية التي يقدّمها المخ.
أمّا في حالة تجاهلها لهذا الوضع وإذا ما قرّرت المضيّ قدماً في نفس نهجها الحالي، فستكون الأحزاب السياسية غير قادرة على عدم الخروج من خندق السياسة القديمة، ما سيعمّق انعدام ثقة الناخبين بها، ما سيؤدّي بالتبعية للاتجاه نحو خيارات أكثر أصولية.

اقرأ أيضاً: كيف يخدم اليمين الأوروبي المتطرف خطة داعش؟

كما يمثّل هذا السياق تحدّياً كبيراً بالنسبة للصحافة على مستوى القارة. فدورها رئيس من حيث عدة جوانب، فالمعلومات الكاذبة، على سبيل المثال، هي نقطة محورية تجبر كافة وسائل الإعلام على الارتقاء بمعاييرها للرقابة والتحقّق من صحة المعلومات، والحيلولة دون انتشار معلومات زائفة لن يكون خدمة للمواطنين فحسب، بل سينعكس إيجاباً على جودة الديمقراطية في المنطقة بأسرها.

على جانب آخر، من الضروري أيضاً أن تتجنّب وسائل الإعلام تحوّلها لأبواق دعاية وترويج لصالح الحركات اليمينية المتشددة. ولن يتحقّق ذلك عن طريق التوقّف عن تغطية أنشطة هذه الحركات وتجاهلها، لكن عبر عمل صحفي نقدي دقيق وواع لوجود أُطر هدفها التأثير على الرأي العام.

بوسع المواطنين الاختيار، يمكنهم التفكير في ماهية قيم الخطاب، وتحديد ما إذا كان الاختزال الذي تروّج له حركات اليمين المتشدد يتوافق معهم أم لا. هل معاداة الأجانب إحدى القيم التي يمكن الدفاع عنها؟ هل العنصرية كذلك؟ أم الكراهية أو الأنانية؟

تحليل للكاتب فرانكو ديللي دوني عن أسباب اتجاه قطاع من الناخبين لمنح أصواتهم لليمين المتشدد في أوروبا، نشر بالنسخة الإسبانية من مجلة (فورين بوليسي)


المصدر: https://bit.ly/2HEAOfm

الصفحة الرئيسية