الدولة من عصور الغلبة إلى الديمقراطية

الدولة من عصور الغلبة إلى الديمقراطية

مشاهدة

19/04/2018

لم يعد ممكناً اليوم الاستيلاء على السلطة بواسطة انقلاب تقليدي أو بواسطة القوة فحسب. لا بد من شرعية تأتي عن طريق صناديق الاقتراع حتى لو كانت تلك الانتخابات مجرد لعبة شكلية. الحرص على إرضاء "المجتمع الدولي" لا الشعب هو من يُجبر الأنظمة الطغيانية على السير في طريق الديمقراطية، ولو شكلياً، كما يُجبرها على أن تكون تلك الانتخابات الشكلية خالية من التزوير. يعرف "المجتمع الدولي" هذه التمثيلية الهزلية لكن ما يشفع للأنظمة القمعية عند هذا "المجتمع" هو التزام هذه الأنظمة بالشروط الديمقراطية، باعتبار الديمقراطية آلية تصويت لا جوهراً ديمقراطياً ثقافياً. والوسيلة الشائعة لدفع الناخبين إلى صناديق الاقتراع هي عبر الترويع، ولذلك لم يعد مستغرباً أن تتزامن العمليات الإرهابية مع بدء الحملات الانتخابية.

قدرة الأنظمة السلطوية على الاستمرار في الحكم تكمن في قوتها العسكرية وتحالفاتها مع القوى الدينية والقبلية والعشائرية

نشأت الدولة القديمة عن طريق الغلبة للأقوى؛ أي بالقوة المادية (الحروب والانقلابات) وكانت تسقط بالطريقة نفسها، أما الدولة الحديثة فتنشأ بواسطة عقد اجتماعي عبر التصويت الديمقراطي. هذا العقد الاجتماعي الديمقراطي هو في الحقيقة تمثيل للطريقة القديمة أو ثورة سلمية لكن دون الحاجة لخوض حروب وسفك دماء. مشكلة الأنظمة السلطوية الحديثة أنّها تريد تكريس هذا العقد الديمقراطي بواسطة التلويح بالقوة المادية والترويع لا بقوتها المعنوية في أوساط الشعب أو ببرامجها الانتخابية المقْنعة. ما تزال هذه الأنظمة تعمل وفقاً لنظام الغلبة القديم بغطاء ديمقراطي شكلي. لكن هذا الحال لا يستمر طويلاً وغالباً ما يدفع بقية القوى -التي لديها رصيد شعبي والمحرومة من حقها الديمقراطي- إلى استعمال العنف أو التلويح به كلما أمكنها ذلك.

النتيجة أنّ الاستقرار السياسي في هذه البلدان غير ممكن نتيجة لعدم الاستقرار الديمقراطي؛ أي لعدم تداول السلطة بشكل سلمي وديمقراطي. ينعكس ما سبق على الوضع الاقتصادي الذي يتسم عموماً بعدم الاستقرار أو يتذبذب وفقاً للحراك السياسي والاجتماعي والثقافي. يسيطر الجيش على الدولة عن طريق العصبية العسكرية، هذه العصبية لا تختلف كثيراً عن العصبيات الدينية والطائفية إلا من حيث التنظيم. العصبية العسكرية تؤدي بدورها إلى تحفيز بقية العصبيات للاستيلاء على السلطة عن طريق القوة. وجود مَخرج محايد أو وسيلة لتداول السلطة بشكل ديمقراطي حقيقي ومستدام يؤدي مع الوقت إلى تفتت العصبيات في عصبية عامة واحدة هي الشعب، عدم توفر هذا المخرج الديمقراطي يُبقي الوضع القديم كالنار تحت الرماد.

تكمن إشكالية الديمقراطية ودولة المؤسسات في البلدان العربية في عدم وجود إجماع على آلية محايدة لتداول السلطة

قدرة الأنظمة السلطوية على الاستمرار في الحكم لا تكمن في قاعدتها الشعبية ولكن في قوتها العسكرية وآلة القمع التي تمتلكها وتحالفاتها مع القوى الدينية والقبلية والعشائرية إن وجدت. ولأنّه لم يعد ممكناً استعمال القوة والقمع بشكل مباشر، تلجأ هذه الأنظمة إلى توجيه الرأي العام عبر قنواتها الإعلامية المختلفة لإقناع الناس بأهمية بقائها في السلطة "في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ أمتنا". فشل هذا الخيار يدفعها إلى استعمال القوة بشكل مباشر ومحدود كلما لاحت لها بوادر ثورة أو تظاهرة شعبية سلمية. ولكي لا تصل إلى هذه المرحلة تلجأ إلى شراء الذمم والاعتقالات والاغتيالات المحدودة.

تكمن إشكالية الديمقراطية ودولة المؤسسات في البلدان العربية في عدم وجود إجماع على آلية محايدة لتداول السلطة. يحظى كل فريق أو كل قوة بمؤيدين؛ للجيش مؤيدوه وللأحزاب والجماعات الدينية مؤيدوها، وحالات الاستقرار المؤقتة يحكمها الخوف من "الفتنة" أو الوقوع في براثن "الإرهاب"، وهذا ما تجيد الأنظمة العسكرية التلاعب به لصالح بقائها في السلطة أطول زمن ممكن. قد يؤدي حكم الأنظمة السلطوية إلى استقرار سياسي مؤقت ومن ثم إلى ازدهار اقتصادي ناتج عن توفر موارد طبيعية مثل؛ النفط، هذا الازدهار يكون محدوداً ومحكوماً ببقاء النظام، ويكون عرضة للانهيار بسقوطه والأمثلة في العراق وليبيا وسوريا واليمن شاهدة على ذلك.

توصف الديمقراطية بأنّها لعبة وفي السياق العربي بأنّها عرس ديمقراطي في الأعراس تعلو الزغاريد وتصمت الديمقراطية

ينعكس عدم الاستقرار السياسي على الدستور الذي يظل عرضة للتغيير والتبديل وفقاً لأهواء السلطة المسيطرة. وسيبقى هذا الحال على ما هو عليه إلى أن تتبلور ثقافة سياسية جامعة أو إجماع على آلية ديمقراطية سلمية للوصول إلى الحكم وتداول السلطة؛ أي ببلورة هوية وطنية مشتركة كبديل للهويات والعصبيات المتفرقة والمتصارعة على نحو غير ديمقراطي. سيقود هذا في النهاية إلى اعتبار مؤسسات الدولة مؤسسات عامة لا مؤسسات تخضع للاستعمال الحزبي أو الديني أو العسكري.

توصف الديمقراطية بأنها لعبة وفي السياق العربي بأنّها "عرس ديمقراطي"، في الأعراس تعلو "الزغاريد" وتصمت الديمقراطية. بحسب فوكوياما قوة الدول في ديمقراطيتها لا في سلاحها أو جيوشها، الشعوب أيضاً تمتلك قوة ديمقراطية ترد بها على "العرس" أو اللعبة أو التمثيلية من خلال اللجان وصناديق الاقتراع الفارغة. ثمة عبارة شهيرة تقول: "تستطيع أن تقود الحصان إلى الماء لكن لا يمكن أن تجبره على الشرب"، وهذا ما تفعله الشعوب الديمقراطية بالفطرة، وهو درس لجميع القوى يدعوها للمراهنة على حصان الشعب، فمن يراهن على حصان الشعب، لا على حصان القوة أو القمع، لا يخيب.

الصفحة الرئيسية