"الرأسمالية في أمريكا" أو الجمهورية التجارية .. من سيهيمن في القرون القادمة؟

2942
عدد القراءات

2019-01-06

سؤالان انهمك بهما باحثون ومعلقون كتبوا عن الكتاب الصادر حديثاً "الرأسمالية في أميركا: تاريخ" الذي وضعه آلان غرينسبان وأدريان وولدريج. وكان السؤال الأول هو "هل يعزز اقتصاد اليوم الدينامية اللازمة لإنشاء أبطال رأسماليين جدد"؟، أما الثاني فهو "من الذي سيهيمن على العالم في القرون القادمة"؟

اقرأ أيضاً: إنذار اقتصادي جادّ: مستقبلنا غير آمن!

لكن مثل هذين السؤالين يصطدمان بحقائق جديدة؛ فالمدافعون عن الحرية الاقتصادية يخسرون عقول جيل الألفية الثالثة من الأمريكيين، فقد أظهر استطلاع حديث أجرته مؤسسة YouGov أنّ نسبة تأييد من تتراوح أعمارهم بين 18 و 29 عاماً لرؤية مواتية للرأسمالية انخفضت إلى 30٪ في عام 2018 من 39٪ في عام 2015. وتجد القيم الاشتراكية حضورها بشكل جيد بين الشباب، كما أظهرت ذلك ظاهرة المرشح السابق للرئاسة السيناتور الديمقراطي. هنا يكاد سؤال ثالث ينهض "هل يمكن إقناع الأمريكيين في المستقبل بتفوق الأسواق الحرة وكيف"؟

طفرات سوق الأصول المالية في ربع القرن بين عامي 1982 و 2007 صرفت انتباه أمريكا عن الاتجاهات المشؤومة

هذا ما يخوض فيه الكتاب الجديد "الرأسمالية في أمريكا" وهو من تأليف شخصية بارزة في صنع السياسة الاقتصادية الحديثة، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق آلان غرينسبان، بمشاركة الخبير الاقتصادي أدريان وولدريدج. الكتاب يبدو شاملاً في موضوعه ويأخذنا في رحلة من الآباء المؤسسين لأمريكا إلى انتخاب دونالد ترامب. إنّ عملهم هو نظرة عامة سهلة على تاريخ الأعمال الأمريكي، لكنه يقدم أيضاً مراجعةً لحال الرأسمالية.

يبدأ الكتاب بتجربة فكرية تبدو افتراضية خيالية: تخيّل أنّ نسخةً من المنتدى الاقتصادي العالمي عقدت في دافوس في 1620 والنقاش يركز على السؤال: "من الذي سيهيمن على العالم في القرون القادمة"؟

العديد من الدول، حينها، كانت مرشحة: كانت الصين وحتى الآن أكبر اقتصاد في العالم، فيما بدا العثمانيون على وشك الانهيار عند جدران فيينا، فيما راح الهولنديون والإنجليز يحكمون المحيطات، وفرنسا، وهي أكبر اقتصاد في أوروبا، خرجت بالكاد من حروب الدين الفوضوية. على النقيض من ذلك، كانت أمريكا الشمالية ستبدو، على الأقل، في دافوس في 1620، مثل "مساحة فارغة على الخريطة". لم يكن لديها أي آفاق. ومع ذلك، ستصبح الولايات المتحدة في نهاية المطاف "أكبر اقتصاد في العالم"، لا يزال "يهيمن على الصناعات التي تخترع المستقبل".

غلاف كتاب: "الرأسمالية في أميركا: تاريخ"

قيام الأسطورة الأمريكية

وكذا ساعدت الجغرافيا والموارد الطبيعية في تفسير نجاح أمريكا. في عام 1800، عاش الأمريكيون على حافة قارة هائلة، لكن ثروة تلك القارة لم يكن من الممكن الوصول إليها. الرأسمالية ساعدت في سد الفجوة. ليبدأ رجال الأعمال المعروفون في مجال القنوات والسكك الحديدية عملاً ضخماً أضافوا بموجبه "أكثر من ثلاثة عشر ميلاً من خطوط النقل كل يوم لمدة أربعين عاماً اعتباراً من عام 1870 فصاعداً". وهذا كان من شأنه أن يبهر فرانسيس غالتون ورجال الأعمال في الأرض الزراعية، بما في ذلك إيلي ويتني، سيروس ماكورميك وجون ديري، الذين تعهدوا بأنّ الفوائض الزراعية المتزايدة باستمرار سوف تملأ عربات السكك الحديدية والسفن عبر القنوات المائية.

الخوف الأكبر هو أنّ ثورة تكنولوجيا المعلومات تهدد أيضاً بإزالة الوظائف المنخفضة المهارة في قطاع الخدمات

فضلاً عن ذلك، يحتفل المؤلفان برأس المال البشري البراغماتي في أمريكا (أولئك الذين بنوا تقنيات جديدة فوق أطلال التقنيات القديمة)، مثل صمويل مورس وتوماس ألفا أديسون وهنري فورد. وهي التقنيات التي ابتكرها عباقرة التنظيم الاقتصادي مثل؛ جي بي مورجان، الذين قاموا بتجميع الثقة و"أنقذوا الحكومة الأمريكية مرتين من التخلف عن السداد".

ويجادل المؤلفان بأنّ "مؤسسات أمريكا السياسية ساعدت على إنجاب اقتصادنا الرأسمالي"، فالدستور الذي دخل حيز التنفيذ في عام 1789 قد أنشأ "سوقاً موحَّدةً بدون تعريفات وتفاصيل داخلية" وبموجبها ساعد في إنشاء "مجتمع ديمقراطي حديث العهد يضع قيوداً صارمةً على ما يمكن أن تفعله الأغلبية".

وقد نالت روح آدم سميث انتصاراً ثانياً بعد الحرب الأهلية الأمريكية، حسبما يؤكد المؤلفان، عندما انتصرت "أمة تجارية حديثة" على "نظام العمل القسري" الذي "استند إلى أسس القسوة". لقد نجت المؤسسات الرأسمالية من "ثورة ضد سياسة عدم التدخل" ومحكمة عليا مستقلة "تصرفت كحارس يقظة لحقوق الملكية وحرية التعاقد".

أحدث الكساد العظيم 1929 نقلةً هائلةً

لاحقاً أحدث الكساد العظيم 1929 نقلةً هائلةً، لقد ورث "روزفلت" اقتصاداً سياسياً لامركزياً، إلى حد كبير، وملتزماً بالأسواق المرنة وحوّله إلى اقتصاد سياسي تهيمن عليه الحكومة الفيدرالية في واشنطن، ملتزماً بإدارة الطلب، وبرامج الرفاه الاجتماعي، والمساومة الجماعية الإجبارية". وعلى الرغم من هذه التغييرات، فإنّ أمريكا تمتعت بحقبتين سحريتين اقتصادياً بعد الحرب العالمية الثانية.

إنّ إعادة النظر في صعود الولايات المتحدة إلى الأقوى عالمياً يوضح قوة الرأسمالية غير المقيدة، لكن الكثير من الأمريكيين سيكونون أكثر اهتماماً بآراء آلان غرينسبان في عصرنا، عندما يكون التشاؤم في ازدياد. ويزعم البعض أنّ الازدهار الاقتصادي المشترك بدأ ينهار في السبعينيات، عندما توقفت الشركات المصنعة عن توظيف أكبر عدد من الرجال الأقل تعليماً. ووفقاً لهذا الرأي، فإنّ طفرات سوق الأصول المالية (البورصة) في ربع القرن بين عامي 1982 و 2007 صرفت انتباه أمريكا عن الاتجاهات المشؤومة مثل الركود في الأجور والمسيرة المتصاعدة للعمالة الذكورية.

اقرأ أيضاً: هل يأتي يوم يحكم فيه الاشتراكيون أمريكا؟

يدفع المؤلفان غرينسبان وولدريدج بالمزيد من النظرة الإيجابية لانبعاث عهد ريغان، فيشيران إلى ثلاثة نجاحات كبيرة: "لقد كسر قوة النقابات"، "بنى على مبادرات جيرالد فورد... لتحريك الاقتصاد في اتجاه أكثر تأييدا للسوق" ووقع على قانون إصلاح الضرائب لعام 1986"، وبموجبهما فقد ساعدت هذه الإصلاحات وغيرها من الابتكارات العامة على رفع "جيل جديد من رجال الأعمال"، من بيل غيتس (شركة مايكروسوفت) إلى هوارد شولتز من (شركة ستاربكس).

دينامية أمريكا المتلاشية

لكن لأكثر من عقد من الزمان، عانى الأمريكيون الأصغر سنّاً من اقتصاد يبدو وكأنه يعيش في الماضي، مع الاهتمام بشكل أفضل بما كان عليه جيل آبائهم من جيلهم. وهذه التجربة الاقتصادية تثير الحماسة للاشتراكية بين الشباب، وهو ما تناوله المؤلفان في "دينامية أمريكا المتلاشية". وهما يؤيدان بشكل عام تفسير "رأس المال البشري" وهو العامل المشترك للضعف الاقتصادي الأمريكي: "لقد تآكل النظام التعليمي في أمريكا، وأصبحت الملامح السلبية أكثر وضوحاً" وعبر هذه الحقيقة يتساءلان: "هل من المعقول أن يتوقع الأمريكيون أن يكونوا أكثر ثراء من أقرانهم ذوي التعليم الأفضل في كوريا الجنوبية وألمانيا"؟

يشكك المؤلفان بأن ثورة تكنولوجيا المعلومات مخيبة للآمال مقارنة بالثورات السابقة

ويبدو المؤلفان متشككين من الرأي القائل بأنّ "ثورة تكنولوجيا المعلومات مخيبة للآمال مقارنة بالثورات السابقة التي تحركها التكنولوجيا"، ففي رأيهما إنها "توفر فرصة لتوسيع قطاع الخدمات إلى نوع من المكاسب الإنتاجية". صحيح، لكن الخوف الأكبر هو أنّ ثورة تكنولوجيا المعلومات تهدد أيضاً بإزالة الوظائف المنخفضة المهارة في قطاع الخدمات، كما قضت الثورات السابقة على وظائف التصنيع الأقل مهارة. إنّ هذا التحول التكنولوجي يعرّض للخطر قدراً كبيراً من الوعد بالنمو والتطور، ما لم تقدم فئة جديدة من رجال الأعمال على ابتكار طرق جديدة لتوظيف العمال الأقل مهارة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الأسلحة الصغيرة".. هكذا يجند داعش الأطفال

2019-07-18

أثار موضوع مشاركة الأطفال في الجماعات الإرهابية اهتماماً عالمياً كبيراً وعلى كافة المستويات، خاصة بعد بروز ظاهرة حضورهم الكبير في تنظيم داعش، واعتماد التنظيم الإرهابي على تجنيدهم وتدريبهم واستخدامهم في الدعاية وبشكل مبالغ فيه على مستوى عالمي.

اقرأ أيضاً: المخيمات الصيفية.. وسيلة جديدة للحوثيين لتجنيد الأطفال

واليوم؛ يحظى هذا الملف باهتمام العالم سواء على المستوى المحلي أو العالمي، خاصة في ظل المعلومات والتقارير التي تتحدث عن آلاف الأطفال والنساء المحتجزين في مراكز احتجاز غير إنسانية في العراق وسوريا، وذلك بعد هزيمة تنظيم داعش، وتردد المجتمع الدولي، والدول المصدرة للإرهابيين، عن استقبال وإعادة هؤلاء الأطفال وعائلاتهم.

الأطفال يملكون مهارات لا يملكها البالغون لذلك يمثلون عاملاً ديمغرافياً مرغوباً لأي جماعة إرهابية تسعى إلى التجنيد

لقد استخدم تنظيم داعش الأطفال كشّافين وجواسيس وطهاة وزارعين للقنابل، وأحياناً مقاتلين ومفجرين انتحاريين. وأظهرت أشرطة الفيديو الدعائية للتنظيم أطفالاً صغاراً يقطعون الرؤوس ويطلقون النار على السجناء. بعض هؤلاء الأطفال لقّنهم تنظيم داعش أفكاره طوال أعوام، والأكبر سنّاً تلقوا تدريبات عسكرية.

وكمثال على ذلك؛ أطفال الإيزيديين في العراق أواخر آب (أغسطس) 2014، عندما اجتاح التنظيم المنطقة؛ حيث تشير تقارير إعلامية بناء على شهادات أطفال من الإيزيديين أنّه تم إرسال 200 طفل إيزيدي لمخيم تدريب في تلعفر؛ حيث كان يبدأ يومهم في الصباح الباكر بالتدريبات العسكرية. وكان التدريب العسكري للأطفال يتضمن تجاوز حواجز من الإطارات المحترقة بالزحف أو القفز من أماكن عالية.

اقرأ أيضاً: هل توقف بريطانيا تجنيد الأطفال؟

وقد درّب داعش الأطفال على استخدام الكلاشينكوف وأرغموهم على مشاهدة تسجيلات مصورة لكيفية استخدام الأحزمة الناسفة والقنابل أو قطع الرؤوس. وكان مسلحو داعش يكررون على مسامع الأطفال أنّهم أصبحوا مسلمين ولم يعودوا إيزيديين بعد الآن.

استخدم تنظيم داعش الأطفال كشّافين وجواسيس وطهاة وزارعين للقنابل

الأطفال ضحايا التنظيم الإرهابي
إنّ مشاركة الأطفال في النزاعات معروفة تاريخياً، على الأقل، في العصر الحديث، منذ الحرب في فيتنام والصراعات المسلحة في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وهناك معاهدة دولية موقعة من 170 دولة تحرّم مشاركة الأطفال في الحروب وأماكن الصراع في العالم تحت مسمى "البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة" وتنص المعاهدة على:

1- حظر تجنيد الأطفال تحت سن 18 عاماً في الجيش.
2- ضمان إعفاء المتطوعين العسكريين تحت سن 18 عاماً من المشاركة مباشرة في الأعمال العدائية.

أثار موضوع مشاركة الأطفال في الجماعات الإرهابية اهتماماً عالمياً بعد بروز ظاهرة حضورهم في تنظيم داعش

ولقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على المعاهدة على أنّه بروتوكول إضافي لاتفاقية حقوق الطفل التي كتبها القرار 54/263 في 25 أيار (مايو) 2000. ودخل البروتوكول حيز النفاذ في 12 شباط (فبراير) 2002.

إلا أنّ الظاهرة التي جلبت الاهتمام لموضوع الأطفال هي الدعاية التي قام بها تنظيم داعش منذ عام 2014، والتي فاقت حقيقة استخدام هؤلاء الأطفال في المعارك الحقيقية، وهو ما يدفع باتجاه ترجيح أن يكون هؤلاء الأطفال ضحايا للإرهاب وتنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟

خاصة أنّ الأعداد الكبيرة من الأطفال المحتجزين اليوم في مراكز الاحتجاز المكتظة في سوريا، مخيم الهول، أو في العراق، في نينوى، لا سيما بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق، وهو الأمر الذي أثار اهتمام وانتقادات منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومن رايتس واتش".

 

 

وقال المجلس القضائي الأعلى في العراق إنّ 185 طفلاً أجنبياً، على الأقل، قد أدينوا بتهم تتعلق بالإرهاب، وحُكم عليهم بالسجن بحلول نهاية عام 2018، ويتفاوض العراق أيضاً مع الميليشيات التي يقودها الأكراد الذين يشرفون على المخيمات في سوريا من أجل إعادة 13000 من النساء والأطفال العراقيين.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
وذكر بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التطرف في جامعة "كينجز كوليدج" في لندن، أنّه "يوجد ما لا يقل عن 13000 من أتباع داعش الأجانب محتجزين في سوريا، من ضمنهم 12000 امرأة وطفل. إضافة إلى 1400 آخرين محتجزين في العراق. لكن دولاً عدة، من ضمنها روسيا وكوسوفو وكازاخستان وإندونيسيا وفرنسا، تدخلت لإعادة بعض مواطنيها.

لقد بدت بعض الحكومات مستعدة لإعادة الأطفال أكثر من إعادة آبائهم، على الرغم من أنّ القليل منهم على استعداد لإرسال أشخاص إلى سوريا والعراق لجمعهم، كما تطلب عدة بلدان من الأطفال المولودين في "دولة الخلافة" الخضوع لاختبار الحمض النووي لإثبات نسبهم، وبالتالي جنسيتهم، قبل العودة إلى الوطن مثل؛ الأردن، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال: إلى اليونسيف مع التحية

وتُعد كوسوفو وروسيا وكازاخستان من الدول القليلة التي استعادت الأطفال؛ حيث نظم الحاكم الشيشاني، رمضان قديروف، عودة عشرات الأطفال الناطقين بالروسية، وفي بعض الحالات، أمهاتهم، في أكبر عملية عودة لمرة واحدة إلى أوروبا حتى الآن، أعادت كوسوفو 110 من مواطنيها من سوريا في نيسان (أبريل) 2019، من بينهم 32 امرأة و74 طفلاً.

اقرأ أيضاً: كيف صوّرت "أدبيات التجنيد" في الجماعات الإسلامية العالم؟ ‎

وللمساعدة في إعادة إدماجهم في المجتمع، فضلت بعض البلدان فصل الأطفال عن الآباء المتطرفين، ووضعهم مع أقاربهم أو في دور الحضانة أو التبنّي، وإنّ هذا النهج قد يكون أسرع طريقة لإنقاذ الأطفال الأبرياء، إلا أنّه يعني أيضاً فصلهم عن أمهاتهم؛ حيث ترفض الكثير منهن الانفصال عنهم.

اقرأ أيضاً: الميليشيات الحوثية وتجنيد الأطفال!

تونس، التي تعد، من أكثر الدول المصدرة للمتشددين في العالم، رفضت إعادة مواطنيها، تاركة ما لا يقل عن 200 طفل تونسي و100 امرأة في سوريا وليبيا، وفقاً لـ "هيومن رايتس ووتش".

مسارات التجنيد

ويأتي كتاب "الأسلحة الصغيرة: الأطفال والإرهاب" لكل من البرفسورة مايا بلوم وجون هوريغان، ضمن سلسلة الأدبيات الحديثة التي جذبتها ظاهرة مشاركة الأطفال في تنظيم داعش. وهي أول مراجعة باللغة العربية للكتاب الصادر باللغة الإنجليزية في 15 أيار (مايو) 2019 عن منشورات جامعة كورنيل-أتيكا-نيويورك.

 كتاب "الأسلحة الصغيرة: الأطفال والإرهاب"

ويتألف الكتاب، الذي يقع في 248 صفحة، من ثمانية فصول تناولت:  تقييماً عن المقصود بالأطفال، الأطفال الجنود ضد الأطفال في الجماعات الإرهابية، تعلم الكراهية، التأثيرات الاجتماعية والثقافية، مسارات التجنيد والتورط مع الجماعات الإرهابية من خلال القسر والإكراه، أو من خلال الثقافة الجمعية حول مفهوم الشهادة.

اقرأ أيضاً: معسكرات إيرانية لتجنيد الأطفال في سوريا

في الفصل الأول يؤكد الكتاب على أنّ الأطفال لا يولدون إرهابيين، بل يتم تعليمهم وصناعتهم ليكونوا كذلك، سواء بمعرفة ودراية عائلاتهم أم لا.

الجماعات الإرهابية ربما تنظر إلى الأطفال كذخيرة بديلة للبالغين وتحاول تجنيدهم بعد خسائرها في المعارك

وكثير من أطفال تنظيم داعش كانوا في سن المدرسة، حينما أخذهم آباؤهم إلى أرض "الخلافة" المزعومة للدولة الإسلامية في العراق والشام. حيث وُلد آلاف آخرون هناك. ويشير الكتاب الى ظهور الأطفال في فيديوهات مرعبة مع بداية الصراع في سوريا 2015. ثم انتشرت صور الأطفال عبر وسائل إعلام داعش.

أما في الفصل الثاني، فيشير الكتاب إلى أنّ الجماعات الإرهابية تنظر إلى الأطفال كذخيرة بديلة للبالغين، وتحاول تجنيدهم بعد خسائرها في المعارك. ثم الإشارة إلى الخلافات الموجودة بين استخدام الأطفال في الجماعات الإرهابية، والجماعات المسلحة في الحروب، وأنّ هناك بعض أوجه الشبه بين الرأيين لكنهما مختلفين في النهاية من حيث: المحتوى، ودور العائلة والتعليم، واستخدام المخدرات وهل يتم استخدام الفتيات في المعارك أم لا؟ ودرجة تشجيع العائلات لكل مجموعة.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال.. كيف تغسل جماعات إيران أدمغة النشء؟

وفي الفصل الثالث يتحدث الكتاب عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصراعات والمآسي الناتجة عن الحروب والصراعات التي تترك العائلات والأطفال نهباً للتشريد والهجرة القسرية وخراب التعليم في المدارس، وحسب تقرير نشر عام 2016 للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين كان هناك أكثر من 3.7 مليون طفل لاجئ سوري خارج مقاعد الدراسة، وأنّ الأطفال خاصة في الأماكن التي تشهد مثل هذه الصراعات يكونون عرضة وأهدافاً سهلة للتجنيد من قبل التنظيمات الإرهابية، وبالتالي فإنّ الأطفال لا يولدون إرهابيين؛ بل يتعلمون كيف يصبحون جزءاً من حركة إرهابية.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال سلاح إيراني خفي للسيطرة والنفوذ

ويتطرق الفصل الرابع إلى قضية إكراه الأطفال وإجبارهم على تنفيذ العمليات الإرهابية، ويعطي أمثلة على ذلك خاصة في أفغانستان، وكيف أنّ أفراد العائلة أحياناً ممكن أن يتورطوا في هذه العملية.

في حين يتحدث الفصل الخامس عن كيفية اندماج الأطفال مع مرحلة البلوغ، فيما أُطلق عليه "ثقافة الشهادة" التي تكونت حصيلة مجموع الظروف والمآسي التي مر بها الطفل في حياته في أماكن الصراع ومعاناته من الفقر والجوع والحرمان والتهميش والعنف. ثم يؤكد الكتاب في الفصل السادس أنّه ليس هناك سبب واحد ومحدد لتفسير لماذا يتم استهداف الأطفال للتجنيد في الجماعات الإرهابية، فهناك الكثير من الأسباب والدوافع.

وفي الفصول المتبقية من الكتاب، ثمة محاولة  للإجابة على سؤال مركزي هو: لماذا تستخدم الجماعات الإرهابية تعبئة الأطفال لدعم قضيتها وتنفيذ نشاطاتها، وإظهار الجانب المقيت والضار والهش في المجتمع الذي يسمح لا بل يُشجع على استخدام الأطفال في تنفيذ النشاطات الإرهابية؟

فضلت بعض البلدان فصل الأطفال عن الآباء المتطرفين ووضعهم مع أقاربهم أو في دور الحضانة أو التبني

ثم يحاول الكاتب إماطة اللثام عن هذه الظاهرة من خلال الإجابة على "الأسئلة الخمس" المعروفة (ماذا ومن ومتى وأين ولماذا)، وإلقاء الضوء على هذه الظاهرة التي تثير الغضب والاشمئزاز لدى الكثيرين في العالم.  في نفس الوقت الذي ترى فيه الجماعات الإرهابية أنّ استخدامهم مفيد لها ويخدم أغراضها.
ولعل أهم وأخطر إشارة في الكتاب، هي الإشارة الى أنّ الأطفال يملكون مهارات لا يملكها البالغون، وأنّهم عادة ما يملكون ويخرجون بالابتكارات والإبداعات، لذلك يمثلون عاملاً ديمغرافياً مرغوباً لأي جماعة إرهابية تسعى إلى التجنيد.

اقرأ أيضاً: داعش يلجأ إلى الرسوم المتحركة لإعادة دوران عجلة التجنيد

ولأنّ مسألة التجنيد في الجماعات الإرهابية من أهم المسائل، فإنّ الكتاب يحاول الإجابة على هذا السؤال من حيث الطرق والتكتيكات والاستراتيجيات المختلفة المناسبة لتجنيد الأطفال، والتي تختلف عن أساليب تجنيد البالغين، ثم كيف يتم تصنيفهم وكيفية استخدامهم. 
إنّ التركيز غير التقليدي للكتاب يكمن في الغوص في عقول هؤلاء الأطفال وفي جوهر هذا الملف الذي مكّن من عرض سرد ذاتي للأطفال الذين تورطوا في الإرهاب، والجماعات الإرهابية، والجماعات التي استخدمتهم؛ وأنّ الأطفال في النهاية هم ضحايا الإرهاب؛ لأنهم ببساطة ضعفاء يمتازون بالهشاشة الإنسانية سواء بوجود الحروب والصراعات أو بدونها.

للمشاركة:

العنف في الشرق الأوسط: من السلطة إلى الإسلاميين

2019-07-07

يشكل العنف بوجهيه، المادي والرمزي وبأشكاله وصوره المختلفة وجذوره الممتدة في التاريخ، سمة ملازمة وجزءاً بنيويّاً مكوناً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد ليشمل دولاً أخرى غير دوله المعروفة بالتحديد الجغرافي؛ إذ يتغلغل العنف في البنية العميقة لثقافة مجتمعاته، ويطبع نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تقوم على الإكراه والعصبية وقوة الشوكة والغلبة بشكل عام، حتى بات يكتسب شرعية سياسية باعتباره الرد الممكن على ضيق أشكال العمل المتوافرة، أو كخيار استراتيجي وإمكانية تُعتبر بشكل ذاتي كما لو أنّها الوحيدة المتوافرة أو المناسبة للخروج من  حال أزمة أو وضعية سيطرة.  لذلك قد يتعذر تفسير العنف في تاريخ الشرق الأوسط "ما لم نضعه قبلاً في علاقة مع الأنظمة السياسية التي ولد فيها، ومع آليات انفتاحها أو انغلاقها وقدرات الدمج والإقصاء فيها".

يشكل العنف بوجهيه المادي والرمزي وجذوره التاريخية سمة ملازمة وجزءاً بنيوياً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير

في سياق الاهتمام بدراسة تاريخ العنف وتفسير مظاهر العنف السياسي والديني المنفلت من كل عقال ومنطق، والذي يشهده عدد من دول الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ومايزال يرتبط إلى هذا الحد أو ذاك بما يعرف بالمسألة الشرقية ونتائجها المتداخلة مع حوادث الحاضر، يقدم الباحث والمؤرخ الكردي حميد بوزرسلان، مدير معهد الدراسات للعلوم الاجتماعية في باريس، في كتابه "قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط، من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة" الصادر عن المركز العربي للترجمة 2015 بترجمة هدى مقنص، عرضاً تفصيلياً شاملاً لمحطات تاريخية مفصلية في تاريخ هذه المنطقة الحساسة من العالم.

غلاف الكتاب
كما يقدم تحليلاً موضوعياً لصور العنف المتجلية فيها، معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة ما أو تجسيد سياسي قائم لتعريف العنف كمفهوم، ومنهجية التقطيع التعاقبي الزمني الذي يتيح فهم التشكيلات السياسية المتوالية على النطاق الإقليمي ومعرفة الأطراف الفاعلة المؤثرة فيها لكشف وتحليل كل مرحلة انطلاقاً من الضغوط التي تسيطر عليها، والذاتيات التي تسمها، والأمكنة – الأزمنة التي تحركت فيها تلك الذاتيات وتحولت، فتركت المعاني القديمة مكانها لمعانٍ جديدة حلت محلها، وفرضت نفسها بالقوة أحياناً على مدار قرن من الزمان، مركّزاً في تحليله ورصده على العوامل الذاتية والداخلية أكثر من العوامل الخارجية التي حظيت بالكثير من البحث من قبل، أو أصبحت تتمحور في صورة تبريرية في الغالب حول فكرة  أو "نظرية" المؤامرة؛ فالمؤامرة ،وإن كانت موجودة في التاريخ القديم والحديث، لكن التاريخ ليس تاريخ المؤامرة.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون بين الثورة والدولة.. العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة
يتناول الكتاب بالتفصيل الكاشف ثلاث مراحل مفصلية تعتبر كل منها حقبة تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير، يرصد الباحث خلالها الحوادث والأفعال العنفية وآثارها؛ والشخصيات المؤثرة فيها، ويحلل العوامل البنيوية الداخلية المولدة للعنف وآلية تمفصلها مع العوامل الخارجية. 

يقدم الكتاب تحليلاً موضوعياً لصور العنف معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة أو تجسيد سياسي لتعريف العنف كمفهوم

يغطي الجزء الأول من البحث المساحة الزمنية الواقعة بين عامي 1906 و1979 التي شهدت آثار الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسمها من قبل الدول الغربية الذي أدى بدوره إلى تقسيم الوطن العربي وقيام الانتداب الغربي على الدول العربية، لاسيما في العراق وسوريا وفلسطين، التي ستفتح عهداً جديداً من العنف ما زالت تتواصل حلقاته حتى يومنا هذا.
كانت أنظمة الانتداب، وفق الكتاب، سبباً في قيام "الثورات الكبرى" وانتشار الفكر القومي المتطرف الذي ترجع جذوره التاريخية إلى سلسلة الاحتجاجات والانقلابات الساعية إلى استعادة الإمبراطورية المتهالكة، ومحاولة تحديثها على النمط الغربي "بثورة فرنسية شرقية"، وما تبعها من تصفيات دموية قادت إلى تتويج "لجنة الاتحاد والترقي"، ذات الميول القومية المتشددة والتنظيم شبه العسكري، كلاعب سياسي فاعل بعد أن همّشت قادتها الأوائل وتغلبت على البيروقراطيات المدنية والعسكرية المنافسة، وأدت تشكيلاتها الخاصة بقيادة رجال الظل الدور الأساسي في إبادة الأرمن، و"شكلت الرحم الذي خرجت منه الكثير من التنظيمات ذات المتخيل الثوري على امتداد القرن العشرين، سواء في تركيا أو في المقاطعات العربية التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار
ويقابل ذلك لوحة مشابهة في الجانب الفارسي مع انطلاق أعمال الاحتجاج والتمرد والانقلابات في البلاد تحت تأثير ثورة 1905 في روسيا، والتي تتوجت بالحركة "الجنغالية" التي حاولت تأسيس "جمهورية شورى" على غرار الجمهورية السوفيتية و"شكلت ذاكرة ثورية بالنسبة لحركات التمرد التي تلتها، وصار اسمها مرجعاً رمزيا لسلسلة من التنظيمات الثورية فيما بعد".
أما المقاطعات العربية فقد رسمت نهايةُ الحرب العالمية الأولى حدودَها الجديدة وأقدارها أيضاً، فعانت التجمعات السكانية المنفصلة عن السلطنة العثمانية إما من كثرة الدول أو من غيابها، كما في حالتي الكرد والفلسطينيين، ودشنت مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والتشوه الثقافي والاجتماعي والأخلاقي. فقد ساهمت الحروب عدا عن حصد الأرواح، وإهدار الحياة في تدمير بنية المجتمعات العربية من الداخل و"وحشنتها" "فلم تعد تقدس "القضايا" السياسية والدينية والطائفية التي أُعِيدَ تعريفها من منظار اجتماعي- دارويني فقط، بل تفهمت أيضاً اللجوء إلى الإكراه وإلى العنف كنمط إدارة ومعارضة شرعي".

اقرأ أيضاً: الأردن: هل ينضمّ الإسلاميون إلى الحكومة في التعديل القادم؟
الأمر الذي فتح الباب عريضاً  أمام عسكرة المجتمعات وعسكرة السياسة؛ فتضخمت المؤسسة العسكرية في وقت قصير، وسيطرت على مفاصل الدولة ومقدرات المجتمع باسم التحرير والوحدة والتوحيد القومي أو الإسلامي، وعملت على إقصاء المعارضين وتدميرهم باسم الشعب وتهمة الخيانة، وقد مهدت نكبة فلسطين وهزائم العرب لقيام عدد من الانقلابات العسكرية في الدول العربية كما ساهمت الهزيمة الكبرى في 1967 في إطلاق موجات جديدة من العنف والاغتيالات، وشكلت هذه الحرب نهاية مرحلة المتخيلات الثورية التي ترافقت مع نهوض قومي عربي على امتداد الخمـــسينيات والســتينيات من القرن العشرين، وأفضت إلى بروز معارضات إسلامية راديكالية أكثر عنفاً من سلطات العسكر وأنظمة الاستبداد الشرقي التي حولت الجيوش من حماية الحدود إلى حماية السلطة، وجعلت من الدولة غنيمة حرب وصار الخوف هو أداة الشرعية الأولى.
 نسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية

شرخ سيد قطب
يفتتح حميد بوزرسلان الجزء الثاني من كتابه والذي يغطي سنوات ما بين  1979 و1991 بعنوان مزدوج ذي دلالة "إسلام ثوري وقمع، وشرخ عنوانه سيد قطب" يرصد من خلاله طبيعة المرحلة الجديدة المحكومة بآثار هزيمة حزيران 1967 التي أفضت فعلياً إلى هزيمة اليسار العربي: القومي والماركسي، والليبرالي، وتجويف الأحزاب السياسية واستقرار أنظمة العسكر والحزب الواحد التي أمنت بقائها وأمنها بالإكراه "وتجنيد أدوات القمع العاري الذي يهدف إلى إفهام المجتمع بأنّه مهزوم ولا يملك الوسائل الكفيلة بجعله يرى نفسه في مستقبل مختلف جذرياً".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين
بذلك تحولت الدولة العسكرية إلى دولة أمنية توتاليتارية؛ فأصبح العنف أو استبطان العنف هو الوسيلة الوحيدة الممكن من خلالها تحقيق تأثير في الواقع الصلب، وخلت الساحة السياسية لمعارضات جديدة نشأت في هوامش المجتمعات ذات لون إسلاموي وطابع صدامي مدمر للآخر، كما هو مدمر للذات، تعززت مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، والعمل على تصديرها نحو العالمين؛ العربي والإسلامي.

يتناول الكتاب 3 مراحل مفصلية تعتبر حقب تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير

في هذا المناخ تجسدت أفكار سيد قطب ومفاهيم "حاكمية الله" و"جواز الحرب في دار الإسلام" و"جاهلية القرن العشرين" ووجوب مجاهدة الحاكم الجائر.. في تنظيمات حركية "جهادية" كنسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين، جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية؛ فصار الجهاد والتضحية بالنفس "فريضة غائبة" أو ركناً سادساً من أركان الإسلام، والشهادة جزءاً من الحياة وحتى شرطاً لها، وتم الشرخ بين الفكر الإسلامي والفكر الإسلاموي أو بين الدين الديني والدين السياسي، واختلط الخلاص الأرضي أو المستقبل الأرضي بالخلاص الأخروي، وأصبح الجسد الذي صار سلاحاً يستخدم ضد الحشود المجهولة الهوية في غالب الأحيان يمهد للخلاص النهائي، فيما النتائج الحقيقية مذابح وحمّامات دم جديدة على مساحة أوسع من الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: عندما يشلّ الإسلاميون طاقة الدين الروحية ويهدرون مضمونه الأخلاقي
يشكل الجزء الثالث من الكتاب الذي يغطي الفترة الزمنية ما بين بداية التسعينيات من القرن العشرين ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة امتداداً تاريخياً لأحداث الفترة السابقة؛ فتلازمت بداية المرحلة مع نهاية ثلاث حروب استنزفت العالم الإسلامي على مدار عقد من الزمان: انسحاب السوفييت الكامل من إفغانستان، توقف الحرب العراقية الإيرانية، وبرود الحرب اللبنانية وتحولها إلى حالة مراوحة بالمكان بعد تكريس الإرادة السورية وحل الميليشيات وتصفية الوجود الفلسطيني في لبنان وانفراد ميليشيا واحدة بالاحتفاظ بسلاحها؛ أي حزب الله المكلف جماعياً بتحرير الجنوب الذي احتلته إسرائيل.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون وفكرة "السلف الصالح"
وقد "فتحت نهاية هذه الحروب مضافاً إليها أفق الحل السلمي للمسألة الفلسطينية، بشكل مؤقت، باب الأمل في حدوث تحول سلمي في الشرق الأوسط وموجة من التحولات الديمقراطية ستأتي على أنظمة الاستبداد في العالم الإسلامي"، وستفتح الباب أمام المشاركة السياسية وتسرّع دمج الإسلامويين باللعبة الديمقراطية وقبولهم بسيادة القانون الوضعي.
لكن ما أفصحت عنه النتائج هو اشتعال أربع حروب جديدة مع مطلع الألفية الثالثة بدل الثلاثة المنتهية، كما بينت أنّ التحول الديمقراطي في الحركات الإسلاموية مجرد وهم، بسبب استمرارية الأنظمة الاستبدادية التي استفادت من الدعم الدولي في محاربة "الإرهاب الإسلاموي" "وكسبت في خانة الفعالية ما خسرته في حانة الشرعية" من أجل البقاء؛ فأجبرت كل فئات الشعب على اتباع قواعد الإلحاق والطاعة التي فُرضت عليها لئلا تتعرض للقمع، وأسكتت كل أصوات المعارضة السياسية، فيما أصبحت الحركات الإسلاموية أكثر تصلباً وتجذراً في منطق المواجهة العنفية وأكثر انعزالاً عن المجتمع.

 

وأكملت حرب الخليج الثانية ودخول الأمريكان إلى العراق؛ ونتائج اتفاقات أوسلو المحبطة؛ وعودة الجهاديين "الأفغان العرب" من أفغانستان، هذا التصلب بإطلاق موجة جديدة من التطرف في أنحاء المنطقة كافة وحتى خارجها، ومهّدت لإطلاق موجات جديدة بأشكال عديدة من العنف من عنف التضحية بالذات إلى العنف ضد المجتمع: كالعنف ضد المدنيين، والعنف اللغوي تجاه الأقليات، والعنف الموجه إلى أجساد النساء، واغتصاب اللغة.

 

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط بقوله "كل شيء يشير إلى أنّنا سنعيش زمناً طويلاً مع الآلام الشرق أوسطية القاتمة"، وإن كانت لا تقطع الأمل بتغير إيجابي أفضل شرط أن نعرف كيف نتجنب الكارثة المدمرة، "فالتعب الاجتماعي الناجم عن إخضاع المجتمعات بالإكراه، وإنهاك الديناميكيات الاجتماعية يجعل السعي إلى البقاء اليومي هو الأفق الوحيد المتاح، وهذا التعب هو الذي ينتج الخضوع وبالتالي بقاء الأنظمة المتسلطة، لكنه يحمل معه ثمناً هو العنف الخفي".
ويؤكد بوزرسلان أنّه ما دامت القوى الدولية والإقليمية القوية والمؤثرة ترفض النظر إلى الحلول الكفيلة بالخروج من حالة عدم الاستقرار، وإقامة سلام حقيقي سيظل هذا الرفض يشكل عاملاً بنيوياً لإعادة إنتاج العنف بأشكال أكثر فأكثر دموية، إلا أنّ الباحث يخلص في الخاتمة الأخيرة التي كتبها للترجمة العربية إلى "أنّ العامين 2011 و2012 سيتربعان في كتب الحوليات التاريخية بوصفهما التاريخ الرابع الذي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط"، وأنّ الاحتجاجات الثورية في تونس ومصر ستحمل معها حصتها من المفاجآت سواء أكان في بلدان مختلفة ذات خصوصية أو على النطاق الإقليمي برمّته.

للمشاركة:

والد عمرو خالد.. عن أيّ أيام صعبة يتحدث؟!

2019-07-02

في المذكرات التي كتبها الدكتور محمد حلمي العام 2011 تحت عنوان "أنا وعمرو خالد والأيام الصعبة"؛ يسعى الأب جاهداً لعرض ما عاناه ابنه عمرو خالد، أحد أبرز الدعاة الجدد، من "حصار وابتلاءات"، فإلى أي مدى نجح الكاتب في كبح عواطفه في هذه الشهادة!

اقرأ أيضاً: الداعية عمرو خالد إذ يجعل ارتقاء الروح مرتبطاً بالتهام الفراخ!

يمكن تفهّم مشاعر أب يمدح ابنه طوال الوقت، يجلّه ويقدّره، ويصنع حوله هالة الأبطال، لكن الانسياق لإيحاءات تعرّضه للإقصاء والحصار والعذاب بما يضلل القارئ ويصطدم مع الواقع، فهذا مما يصعب تمريره بسهولة مع شخصية عامة.

بدايات داعية

في الفصل الأول؛ يتحدث الوالد في كتابه، كيف بدأ عمرو دعوته من مسجد نادي الصيد، وهو نادي كبار القوم، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يعرفه سوى الأعضاء، وحين طلب منه رئيس النادي التوقف، يتصور الرجل أنّ ذلك بفعل أمني؛ لأنّ الناس بدأت تلتف حول ابنه، وحتى لو كان ذلك بفعل أوامر مشددة فإنه تصرف طبيعي يأتي في سياق عمليات استقطابية عن طريق المواعظ من عضو كان حتى وقت قريب مقرباً إلى الجماعة.

غلاف الكتاب
بدأ عمرو يعقد ندواته في منازل أعضاء النادي وعلية القوم، وهذا أثار الاستياء بشكل أكبر، حتى طلبته السيدة ياسمين الخيام، المطربة المعتزلة، ابنة الشيخ الحصري، في مسجد بناه والدها بمنطقة العجوزة بالقاهرة، وانتقل منه لمسجد المغفرة، ووفق قول والده؛ فإنّ مواعظ ابنه توقفت بسبب الزحام المروري الذي كان يسببه، حتى دعته ياسمين الخيام مرة أخرى، إلى مسجد الحصري، وفي هذه الأثناء بدأ أول برامجه التلفزيونية بعنوان "نلقى الأحبة"، وبعد عدد من الحلقات، استدعي إلى جهاز أمن الدولة، وهناك قابل رجل أمن كبير، قال له: "يا عمرو، نحن نتابعك منذ فترة طويلة، ولا نلقى منك إلا كلّ خير، فتصرف كما تشاء وافعل ما يحلو لك"!

اقرأ أيضاً: الدعاة الجدد: عندما ترتدي المدرسة الإنجيلية ثوباً إسلامياً
الرجل انتقل من نادي الصيد إلى أكبر مساجد القاهرة، ومنها للفضائيات، ورغم ذلك يقول له رجل الأمن: "تصرّف كما يحلو لك"! فأين إذاً الأيام الصعبة والحصار التي يوحي بها عنوان الكتاب؟!
فجأة، ينتقل والد عمرو خالد، إلى اليوم الأول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2002، ويدّعي أنّ أحد الضباط الكبار استدعى ابنه، وقال له: "الرجل الكبير طلب ألا تتحدث مرة أخرى"، ويقول إنّ عمرو حدّث والدته بذلك، وبعدها قرّر الذهاب للندن، بسبب نصيحة أحد أصدقائه له.

يقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي

بين مصر وبريطانيا
المهم في هذا الجزء أنّه، كما يقول، نصح ابنه حين قرر الذهاب إلى بريطانيا ألا يتكلم عن مصر بسوء، ثم أشار إلى أنّ الملايين الذين يتابعونه لن يصدقوا أنّه خرج طواعية، وكلمة "طواعية" تؤيد ما ذهبنا إليه من أنّها لم تكن أياماً صعبة؛ بل وفي هذه المرحلة حصل عمرو على شهادة الدكتوراه من جامعة "ويلز"، وتعرّف فيها إلى وزير الخارجية البريطاني، الذي سيصطحبه فيما بعد إلى المسجد الأزهر!

اقرأ أيضاً: هل وصلت رحلة الدعاة الجدد محطتها الأخيرة؟
في سطور تالية؛ يقول والد عمرو خالد إنّه تلقى اتصالاً من ضابط في جهاز أمن الدولة يطلب منه إعطاءه رقم ابنه، ليجعله يعود إلى مصر، كي يمارس عمله ومواعظه بالمساجد أو الفضائيات الدينية، التي كانت منتشرة في هذا الوقت، وهذا الكلام يبدو في منتهى الغرابة؛ إذ كيف يعقل أن يُمنع بأوامر من رأس الدولة "الرجل الكبير"، ثم بعد يومين فقط، وفق قوله، تعود الأمور إلى مجاريها.

المذكرات العاطفية حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك

في الصفحة 25؛ يقول د. محمد حلمي خالد "مرّ عمرو على جماعة التبليغ، ثم على السلفيين، ثم على الإخوان، وانتهى عند الشيخ الغزالي"؛ وكأنّ الشيخ الغزالي لم يكن من الإخوان، وظلّ على علاقة وجدانية معروفة بهم، وإن انفصل عنهم تنظيمياً.
وينتقد جماعة التبليغ، في وجهة نظر ابنه، بأنّهم لا يتجاوزون كتابَين في العبادات، وأما السلفيون فلم يجد عندهم ما يشفي غليله، ولم يُشرْ، من قريب أو بعيد، إن كان وجد عند جماعة الإخوان ما يشفي غليله أم لا؟
يفخر الكاتب بابنه؛ بأنّ العوامل الأساسية، التي أسهمت في تكوينه هي الموهبة والإخلاص ومعرفة مشاكل الشباب، ويقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي، قائلاً: "استفدت من عمرو، ولا أجد على مدى عمري أنني حصلت فائدة إلا من اثنين هما الغزالي والشعراوي".

اقرأ أيضاً: الدعاة.. مندوبو تسويق يسقطون مجتمعيا واحدا تلو الآخر
وفق المذكرات؛ حين تقدم عمرو للحصول على الإقامة في بريطانيا استعان بصديق عراقي، يعمل رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة "ويلز"، ورفضوا إعطاءها له؛ لأنّه كان في السعودية في ذلك الوقت، وهي ليست بلد إقامته الرئيسة، وينتقد والده هذا الأمر، ويعدّه حصاراً لابنه، دفعه للإقامة في لبنان، ومنها إلى لندن، التي سيدخل فيها بمرحلة أخرى؛ حيث أعطاه الاتحاد الأوروبي إقامة لمدة عام، ويقول: "لقد طار العصفور من القفص"، على اعتبار أنّه كان مسجوناً بين العرب، والمسألة لا تعدو كونها إجراءات رسمية يمكن أن يواجهها أي مغترب دون تقصّد!

عمرو خالد مع والده

أسطورة الخروج!
يسرف الكتاب في تشويه الوقائع ومجانبة المنطق في أكثر من موضع؛ فيزعم أنّ سبب خروج عمرو خالد من مصر هو أنّ زوجة مسؤول كبير لبست الحجاب بسببه، او ابن الرئيس، الذي لمّح له أطلق لحيته، وأنّ مسؤولاً إعلامياً كبيراً ضغط وطلب من أمير عربي منع حلقاته في قناة "اقرأ" فنجح في ذلك، وبثّ الحلقات في شهر رمضان كان مسجلاً، وليس مباشراً! وهذا أمر شديد الغرابة؛ لأنّ الدولة المصرية لو أرادت منعه بالفعل لنجحت، وكل ما كان عليها عدم السماح له بدخول مدينة الإنتاج الإعلامي حيث كان يسجل فيها حلقاته!

اقرأ أيضاً: عمرو خالد و"الفراخ" الروحانية
وفق قول الكاتب؛ فقد أرسل أحد عناصر الأجهزة الأمنية إشارة لعمرو خالد بأنّه ليس عليه شيء، وأنّه يمكنه العودة لمصر، لكنّه قال له: "لا تعد، يا عمرو، ولو ماتت أمك"، وبعدها زاره أحد الوزراء، والذي كانت تربطه علاقة حميمة بعمرو، ودعاه للعودة، حتى لو ليومين، لزيارة والدته، لكنّه رفض الفكرة.

يطيل الوالد الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقته بالأمريكيين والإخوان

خرج عمرو خالد من بلده العام 2005، وعاد حين تحركت جماعة الإخوان، وحركة "كفاية" ضدّ النظام المصري، وهذا وفق والده، الذي تابع بقوله: "خرج الضابط من كشك الجوازات ليحضن عمرو ويقبله ويرحب به في بلده".
يطيل والد عمرو الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقة عمرو خالد بالأمريكيين والإخوان، وكيف حصل على كلّ هذه الأموال، ودور جمعية صنّاع الحياة التي أسسها في خدمة الجماعة، وعلاقته بالاستخبارات البريطانية.
ويقول: "في عام 2007، خلال الزيارات الخاطفة، استطاع أن يصوّر 30 حلقة من برنامجه "دعوة للتعايش""، ويعقب على ذلك بتعليل غريب بأنهمّ تركوه لأنهم كانوا منشغلين بالتعديلات الدستورية!
يهاجم والد عمرو الفنان عادل إمام؛ لأنّه كان يمدح عمرو خالد سرّاً، ويهاجمه في وسائل الإعلام، كما انتقد السيناريست يوسف معاطي؛ لأنّه جلس مع عمرو وكتب له حلقات برنامجه "مجدّدون"، لكنّه خرج في وسائل الإعلام منكراً لهذه العلاقة.
ويكشف الكاتب أنّ الدكتور محمد يحيى، العضو السابق في جماعة الإخوان من المقربين لعمرو، وأنّ مشروع تفعيل الشباب لمواجهة الفقر والأميّة تلقّى عمرو بسببه، من الوكالة الأمريكية للتنمية واليونيسكو، ملايين الدولارات.
يقابل عمرو خالد محمد البرادعي، ويرفض دعم حملات مرشحي الحزب الوطني، ويحصل على الدكتوراه في عام الثورة المصرية نفسه، ليعود بعدها مرة أخرى لمصر، ويبدأ مرحلة جديدة، وفق والده.
الخلاصة؛ إنّ تلك المذكرات العاطفية، حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين، الذين واجهوا الصعوبات، وانتصروا عليها في النهاية، لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك بكلّ وضوح.

للمشاركة:



دراسة توضح حالة المجموعات الدينية المرتبطة بالأديان في العالم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

خلُصت دراسة دولية إلى تزايد عدد البلدان في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي تتعرض فيها مجموعات دينية معينة للاضطهاد والقمع والعداء الاجتماعي.

وأكّدت الدراسة، التي أجراها مركز "بيو" للأبحاث "Pew Research Center"، الذي يدرس القوانين والممارسات المتعلقة بالتعامل مع الأديان، في 198 دولة حول العالم، ارتفاع عدد البلدان التي يتعرض فيها الأشخاص للعنف بسبب معتقداتهم الدينية من 39 إلى 56 دولة، بين عامَي 2007 و2017، وفق وكالة الأنباء الألمانية.

مركز "بيو" يؤكّد ارتفاع عدد البلدان التي يتعرض فيها الأشخاص للعنف بسبب معتقداتهم الدينية من 39 إلى 56 دولة

وفي عام 2007؛ وفق دراسة مركز "بيو" للأبحاث، بعنوان "نظرة فاحصة على كيفية اتساع نطاق القيود الدينية حول العالم"، اقتصرت هذه الاعتداءات ذات الطابع الديني على أربع دول أوروبية، وعام 2017؛ شهدت 15 دولة في أوروبا اعتداءات من هذا النوع.

ضحايا الاعتداءات الدينية ليسوا فقط من الذين يصنّفون أنفسهم من الملحدين فحسب؛ بل أيضاً من المنتمين إلى مختلف الديانات، ومن ضمنهم؛ مسلمون ومسيحيون ويهود.

على المستوى الرسمي؛ تفاقمت عمليات الحظر والقيود عن طريق العقبات القانونية والبيروقراطية ضدّ جماعات دينية معينة، ووفق مركز "بيو"؛ فقد ارتفع عدد الدول التي فرضت مثل هذه القيود من 40 إلى 52 دولة، بين عامَي 2007 و2017، وقد انضمّت الصين وروسيا وإندونيسيا إلى القائمة، خاصّة بعد ازداد قمع الحكومات للمجتمعات الدينية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بنسبة 72%، باستثناء لبنان، ووفق مركز الأبحاث؛ فإنّ جميع الدول العشرين في المنطقة تفضّل ديناً معيناً، وفي 17 منها يُعدّ الإسلام دين الدولة الرسمي.

وفي سياق متصل؛ كشفت دراسة أجرتها شبكة أبحاث "الباروميتر" العربية بجامعة برينستون، عن اتجاهات العلمنة المتزايدة في العالم العربي.

دراسة أجرتها شبكة أبحاث "الباروميتر" العربية تكشف عن اتجاهات العلمنة المتزايدة في العالم العربي

ويستند استطلاع الرأي، الذي أجري في شهر حزيران (يونيو) الماضي، بتكليف من هيئة الإذاعة البريطانية"BBC"  إلى آراء أكثر من 25 ألف شخص من 11 دولة عربية، باستثناء اليمن، ارتفعت نسبة السكان الذين يعرّفون أنفسهم على أنهم "غير متدينين" في جميع الدول المعنية، بين عامي 2013 و 2018 أكبر تطور كان في تونس؛ حيث وصف ثلث السكان أنفسهم، عام 2018، بأنّهم "غير متدينين".

 وعام 2013؛ كانت النسبة ما تزال 10%، وفي المغرب؛ ارتفعت النسبة من 4 إلى 10%، وفي ليبيا من 10 إلى 25%، وفي الجزائر من 7 إلى 12%، في المقابل؛ فإنّ هذا الاتجاه بالكاد ملحوظ في العراق والأردن والأراضي الفلسطينية.

 

 

للمشاركة:

هكذا تستغلّ ميليشيات الحوثي الإرهابية اللاجئين الأفارقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

نفّذت قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، فجر اليوم، عملية عسكرية لتدمير خمسة مواقع دفاع جوي وموقع تخزين صواريخ بالستية في محافظة صنعاء، تتبع للميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران.

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدمّر خمسة مواقع دفاع جوي وموقع تخزين صواريخ بالستية للحوثيين في صنعاء

وأوضح العقيد الركن تركي المالكي، المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن؛ أنّ "عملية الاستهداف هي امتداد للعمليات العسكرية السابقة، والتي تمّ تنفيذها من قيادة القوات المشتركة للتحالف لاستهداف وتدمير قدرات الدفاع الجوي، والقدرات العدائية الأخرى"، وفق ما أوردت وكالة "وام".

وأكّد المالكي التزام قيادة القوات المشتركة للتحالف بمنع وصول واستخدام الميليشيا الحوثية الإرهابية، وكذلك التنظيمات الإرهابية الأخرى، لمثل هذه القدرات النوعية التي تمثل تهديداً مباشراً لطائرات الأمم المتحدة والملاحة الجوية وحياة المدنيين.

كما أكّد أنّ عملية الاستهداف تتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية، مشيراً إلى أنّ قيادة القوات المشتركة للتحالف اتخذت كافة الإجراءات الوقائية والتدابير اللازمة لحماية المدنيين وتجنيبهم للأضرار الجانبية.

هذا وتحاول ميليشيات الحوثي الإرهابية تعويض عشرات الآلاف من مقاتليها الذين التهمتهم جبهات القتال خلال الأعوام الخمسة الماضية، عن طريق عملية استقطاب مشبوهة لآلاف اللاجئين، الذين وصلوا إلى اليمن بطرق غير شرعية عبر سواحل البحرين الأحمر والعربي، في مخطط يكشف عن توجه مستقبلي للاعتماد على المرتزقة الأفارقة من أجل تعويض النزيف الحادّ في عناصرها.

وكشفت الميليشيات الموالية لإيران، في اليومَين الماضيَين، بدء تنفيذ مخططها الجديد، وذلك من الترتيبات لافتتاح مخيم للاجئين الأفارقة في مدينة إب (وسط اليمن(، وفق ما أوردت "العين" الإخبارية.

وخصّصت ميليشيا الحوثي مساحة واسعة تصل إلى 8000 متر مربعاً، لإنشاء مخيم اللجوء، الذي من المقرَّر أن يستقبل 1000 لاجئ من دول القرن الإفريقي، وفي مقدّمتها إثيوبيا والصومال وإرتيريا.

وأضافت المصادر؛ أنّ الميليشيات اختارت أحد التلال المطلة على الضواحي الجنوبية لمدينة إب، بالقرب من أحد معسكراتها الخاصة بتجميع وتدريب المقاتلين، مكاناً للمخيم، وأجبرت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والهجرة على تمويل إنشائه.

وعلاوة على استخدامهم المهاجرين غير الشرعيّين كـ "مرتزقة" لتعزير جبهاتها القتالية المتهالكة، دون الحاجة إلى إنفاق الكثير من الأموال عليهم، كما كانت تفعل مع شيوخ القبائل؛ تعتقد الميليشيات أنّ بإمكانها أيضاً المتاجرة بهم، والحصول على ملايين الدولارات، كدعم من المنظمات الدولية والدول الغنية.

ورصدت تقارير حكومية، في وقت سابق، قيام الميليشيات الحوثية باستقطاب وتجنيد المئات من الأفارقة في صفوفهم، خلال العامين الماضيين.

في حين وثّقت القوات الحكومية اليمنية مقتل وإصابة أعداد من المرتزقة الأفارقة، في بعض جبهات القتال، مثل: دمت، ومريس، وتعز، والحديدة.

الحوثيون يستقطبون آلاف اللاجئين الذين وصلوا إلى اليمن بطرق غير شرعية للقتال في الجبهات

وسبق أن اعترفت الميليشيات الحوثية، في آذار (مارس) الماضي، عبر وسائل إعلامها الرسمية، بمقتل أحد الصوماليين الذين استقطبتهم للقتال في صفوفها بجبهات الحدود ضدّ القوات السعودية.

كما أشارت تقارير إعلامية إلى أنّ الميليشيات شكلت مؤخراً لجنة خاصة، برئاسة أبو علي الحاكم، رئيس ما يسمى الاستخبارات العسكرية، مهمّتها استقطاب المهاجرين الأفارقة، وحشدهم إلى أماكن سرية خاصة، يخضعون فيها لدورات طائفية قبل أن يتم إرسالهم إلى معسكرات التدريب، ثم إلى جبهات القتال.

وتؤكّد الإحصائيات الرسمية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في اليمن؛ أنّ أكثر من 150 ألفاً من اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين، وصلوا إلى اليمن خلال العام الماضي، جميعهم من الدول الإفريقية.

وخلافاً للمخطط الإرهابي الحوثي، تعمل الحكومة الشرعية اليمنية بشكل دوري على ترحيل اللاجئين الأفارقة الذين يصلون إلى شواطئ شبوة عبر مطار عدن، على دفعات متفرقة، وذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة.

وأعلنت منظمات الهجرة الدولية، ترحيل أكثر من 1400 لاجئ إفريقي من اليمن إلى بلدانهم، خلال الأشهر الماضية.

 

للمشاركة:

إنجازات إماراتية جديدة على الصعيد العالمي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

سجلت دولة الإمارات العربية مستويات متقدمة على الصعيد العالمي في أداء الشبكة وسرعة النطاق العريض الثابت؛ حيث بلغت الإمارات المركز الأول على مستوى المنطقة في سرعة اتصال النطاق العريض الثابت، وفق أحدث بيانات شركة"Ookla"  الرائدة في مجال تحليل واختبار سرعات الإنترنت على مستوى العالم.

الإمارات الأولى إقليمياً في أداء شبكة الإنترنت وفي سرعة اتصال النطاق العريض الثابت

وأظهرت بيانات اختبار السرعة من"Ookla" ؛ أنّ أداء الشبكة في الإمارات سجّل مستويات متقدمة على الصعيد العالمي؛ حيث تصدّرت دول المنطقة بعد أن قفزت 16 مرتبة في الشهر الماضي، ووصل معدّل سرعة التنزيل على شبكة النطاق العريض الثابت، بحسب مؤشر"Ookla"  إلى 88.35 ميجابت في الثانية، واحتلت الإمارات المرتبة الـ 25 ضمن قائمة عالمية ضمّت 177 دولة، وفق وكالة "وام".

كما تبوّأت الإمارات مكانةً ريادية بين أفضل 20 دولة على مستوى العالم على صعيد الاقتصادات المتقدمة، ويقوم مؤشر "speedtest" العالمي، بمقارنة بيانات سرعة الإنترنت شهرياً من أنحاء العالم، والذي يستمدّ بياناته اعتماداً على الملايين من الاختبارات التي يجريها أشخاص عبر التطبيق كلّ شهر.

وفق سياق متصل بإنجازات الإمارات، حدّث مؤشر "باسبورت إندكس" العالمي، أمس، قوائم جوازات السفر الأكثر نفوذاً في العالم، وجدّد تصنيف جواز السفر الإماراتي في المركز الأول كأقوى جواز سفر في العالم يمكّن حامله من دخول 174 دولة من دون تأشيرة مسبقة؛ "116 دولة من دون تأشيرة، و58 دولة عبر الإنترنت، أو لدى الوصول للمطار".

جواز السفر الإماراتي أقوى جواز سفر في العالم يمكّن حامله من دخول 174 دولة دون تأشيرة

يأتي ذلك بعد إضافة جمهورية بنين، الواقعة غرب إفريقيا، ضمن الدول التي تعفي مواطني الإمارات من التأشيرة المسبقة.

ووفق مؤشر "باسبورت إندكس" التابع لشركة "آرتون كابيتال" للاستشارات المالية العالمية؛ فإنّ جواز السفر الإماراتي لم يعد أمامه إلا 24 دولة فقط تحتاج إلى تأشيرة مسبقة، أي حوالي 12% فقط من دول العالم.

 

للمشاركة:



انشقاق جديد بالإخوان.. استقالة قيادي من "النهضة" بتونس

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-20

محسن أمين

قدم القيادي في حركة "النهضة" الإخوانية التونسية علي الشرطاني استقالته من الحزب، الجمعة، في أحدث انشقاق يضرب صفوف الحركة في ظل خلافات كبرى تعصف بها في الفترة الأخيرة.

وتأتي الاستقالة لتكون الثالثة لقيادي في الحركة خلال نحو شهرين، بعد تقديم لطفي زيتون استقالته من منصب المستشار السياسي لرئيس الحركة راشد الغنوشي في 8 يوليو/تموز، ومحمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية في 17 يونيو/حزيران الماضي احتجاجا على سياسات الغنوشي.

ونشر الشرطاني تدوينة على صفحته بالفيسبوك، انتقد خلالها سياسة النهضة "الاستئصالية والإقصائية واللاديمقراطية التي تمارسها حركة النهضة ورئيسها راشد الغنوشي ضد الأحرار في صفوفها".

وأضاف: "كل ذنبي أيها الأخوة الكرامة أني لست متزلفا وصاحب رأي وموقف من أجل الحركة، ويجب أن تكون ومن أجل الوطن وجهة قفصة.. ديمقراطية قيادة النهضة هي إقصاء كل صاحب صوت حر، وصاحب موقف قيادة لا تريد استمرار وجود الأحرار في صفوف الحركة".

وتابع:" لا مكان لعلي شرطاني الذي أمضى في الحركة 40 عاما بالقائمة الانتخابية وهو الحائز على 107 أصوات وكان فيها مكان لمن له 50 و60 صوتا"، في إشارة إلى الانتخابات الداخلية التي قامت بها الحركة لاختيار مرشحيها للتشريعية.

ويرى متابعون أن استقالة الشرطاني مؤشر على تصاعد التوتر داخل الحركة الإخوانية التونسية بسبب نتائج الانتخابات الداخلية التي أسفرت عن سقوط عدد من القيادات.

وكان المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة الإخوانية لطفي زيتون كتب تدوينة عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" أعلن فيها استقالته من منصبه دون توضيح أسباب.

وقالت مصادر مقربة من الحركة الإخوانية التونسية: "إن علاقة زيتون بالحركة تصدعت منذ نحو عام بسبب معارضته سياسة راشد الغنوشي الذي ينفرد برأيه واحتجاجا على الأطروحات الفكرية التي يراها إخوانية".

وخلال الفترة الأخيرة، كان زيتون من أشد الرافضين لمواصلة توافق حركة النهضة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد، وطالب بالإطاحة به في أكثر مرة.

وقبله بأيام قدم محمد غراد المسؤول عن العلاقات الخارجية لحركة النهضة الإخوانية استقالته بعد ضغوط مارسها رفيق عبدالسلام صهر الغنوشي لرغبته في الاستحواذ على الملف الخارجي للحركة.

وصهر الغنوشي معروف بقربه من النظام القطري باعتباره الرئيس السابق لمركز الدراسات الاستراتيجية لقناة "الجزيرة"، ويواجه اتهامات قضائية بالاستحواذ على هبة صينية تقدر بـ500 ألف دولار عندما كان وزيرا للخارجية عام 2012.

وتولى غراد العلاقات الخارجية للحركة الإخوانية منذ عام 2017 خلفا لنائب رئيس مجلس النواب عبدالفتاح مورو المعروف بانتقاداته اللاذعة لسياسة الحركة وخلافاته مع رئيسها راشد الغنوشي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

وزارة العمل اللبنانية وحرمان اللاجئ الفلسطيني من الحق في الحياة !

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

هاني حبيب

وقف الشعب اللبناني الشقيق إلى جانب الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية واحتضن كفاحه المسلح في فترة عصيبة من نضاله الوطني، وشكل موقف الحكومة اللبنانية مؤخراً من صفقة القرن وعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، رغم كل الضغوط، دعماً للحقوق الفلسطينية ومواجهة مؤامرة التوطين التي سعى إليها مؤتمر ورشة البحرين في سياق ما يسمى بصفقة القرن. وبالنظر إلى هذا الموقف، خاصة بعدم المشاركة في مؤتمر ورشة البحرين، ذات الأبعاد الاقتصادية، فإنه لا يمكن غض النظر عن قرارات وزارة العمل اللبنانية الهادفة إلى وضع عدة إجراءات من شأنها المساهمة في تجويع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بهدف إلحاقهم بالحل الاقتصادي في سياق صفقة القرن. ولعلّ تزامن إطلاق هذه التشريعات والإجراءات ما يكشف ارتباطها بورشة البحرين ومراميها وأهدافها.
ورغم أن وزارة العمل اللبنانية، حاولت أن تشرح أسباب هذه التشريعات، إلاّ أنها في الواقع أكدت من خلال هذا الشرح على إصرارها على المضي قدماً في هذا المخطط، خاصة وأن اللاجئين الفلسطينيين لا يطالبون إلاّ بتطبيق القانون اللبناني والالتزام بقاعدة الحقوق والواجبات، إذ إن البرلمان اللبناني كان قد أصدر عام 2010 تعديلات قانونية على قانون العمل اللبناني لامس جزئياً وضع العمالة الفلسطينية في لبنان.
إن قرارات وزارة العمل الأخيرة، تخلط بين اللاجئ الفلسطيني، والعمال الوافدين أو المهاجرين غير الشرعيين، بينما نصت التعديلات البرلمانية على خصوصية العامل الفلسطيني، وبالتالي فإن "مرسوم تنظيم عمل الأجانب" لا شأن له بالعامل الفلسطيني وفقاً للقانون اللبناني وتعديلات قانون العمل التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، علماً أنه تم تجاهل هذه التعديلات، التي لم توضع موضع التنفيذ منذ إصدارها، خاصة فيما يتعلق بصندوق الضمان الاجتماعي، وبينما تتحدث الوزارة عن امتيازات للعمالة الفلسطينية، إلاّ أنها لم تلحظ بشكل متعمد، أن التعديلات المشار إليها لم تطبق، وبالتالي ظل القانون بدون تطبيق في وقت تشير فيه وزارة العمل اللبنانية أنها تعمل على تنظيم العمالة الفلسطينية في لبنان، وواقع الأمر أن هذه الإجراءات تترافق مع الضغوط الأميركية والإسرائيلية في سياق تصفية الحقوق الوطنية، خاصة في سياق تنظيم ضغوط ممنهجة على اللاجئ الفلسطيني بهدف دفعه للهجرة في سياق مؤامرة التوطين، بالتوازي مع ما دعت إليه إدارة ترامب حول "الأونروا" وضرورة تصفيتها نهائياً.
في تقريرها الأخير لعام 2019 أشارت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، إلى أن حوالى 36% من الشباب الفلسطيني يعاني من أزمة بطالة، بينما بلغت هذه النسبة الـ57%  بين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومن شأن إجراءات وزارة العمل اللبنانية الأخيرة، أن تعمل على قتل بطيء ممنهج للاجئين الفلسطينيين، بينما لا يطالب هؤلاء إلاّ بتنفيذ التعديلات التي أجراها البرلمان اللبناني قبل عشرة أعوام، وبالتالي، فإن وزارة العمل اللبنانية هي ذاتها التي تخرق القانون اللبناني، والتحرك الشعبي الفلسطيني في لبنان بإسناد من القوى الوطنية اللبنانية لمناهضة هذه الإجراءات، لتؤكد على الدعم الشعبي اللبناني للحقوق الوطنية الفلسطينية من جهة، وحق اللاجئ الفلسطيني في التظاهر السلمي من أجل نيل حقوقه التي كفلها له القانون اللبناني!

عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

التسامح.. طريق الشعوب للتقدم

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-19

أحمد السعداوي

تنهض الأمم وترتقي بالتسامح القائم على التفاهم والتعايش.. وبإعلاء قيمة الآخر يزداد الترابط بين أفراد المجتمعات فيسودها الاستقرار والسلام، وتصل البلدان إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية. فالتسامح نقل قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت القارة من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة.وفي أفريقيا، تعافت العديد من الدول من تجارب مريرة، وحافظت على وحدتها وشيدت نهضتها بالتسامح، وحالياً تشهد الكثير من مظاهر التقدم والازدهار، وباتت تضاهي بنظافتها شوارع العواصم الأوروبية.

«التجربة الماليزية».. الأقلية في «قلب» الأغلبية
النموذج الماليزي في التعايش بين مختلف الأجناس والأديان، يستحق الوقوف أمامه طويلاً، خاصة أنه يجسد تلاحم الأصول المختلفة دون تعصب من أغلبية ضد أقلية، ودون احتقان أقلية في وجه أغلبية.
ويتشكل سكان ماليزيا من الملاويين أهل البلد منذ القدم ونسبتهم حالياً حوالي 65% علاوة على الصينيين ونسبتهم تقترب من 20% والهنود15%، ويتعايش هذا الخليط في احترام وتقدير متبادلين تحت مظلة القانون، والصينيون والهنود جاؤوا إلى ماليزيا منذ عشرات السنين طلباً للعيش، فاستقبلهم المسلمون من سكان البلاد واستوعبوهم في المجتمع وسمحوا لهم بكل رضا ببناء معابدهم ودور عبادتهم إلى جوار مساجد أهل البلد الأصليين، ولم يجدوا غضاضة في ذلك.
وفي العاصمة كوالالمبور ترى مجموعة من المعابد البوذية الخاصة بالصينيين، وكذلك المعابد الهندوسية الخاصة بالهنود، وأشهرها معبد «كهف باتو» الشهير الذي أقيم في جبل على أطراف المدينة وسكن به الهنود الذين لم تكن لهم مساكن تؤويهم، وبنوا به دار عبادتهم على ارتفاع شاهق، ومع مرور السنين انتقل الهنود للسكن في بيوت وبقي معبد الكهف مزاراً للسياح.

ومن الشواهد الواضحة على سيادة مفهوم التسامح في ماليزيا ذات الأغلبية من المسلمين، أن بها أكبر تمثال هندوسي في العالم بالقرب من العاصمة كوالالمبور، ويزوره الهندوس من شتى بقاع الأرض، كما أن الدستور الماليزي يكفل للمواطن حق ممارسة الحريات والشعائر الدينية بسلام وتآلف، علماً بأن أحكام الشريعة الإسلامية تطبق في المحاكم الشرعية على المسلمين، أما أصحاب الديانات الأخرى، فيحتكمون إلى شرائعهم.
وينعكس تسامح الأغلبية على سيكولوجية الشباب الماليزي الذين يُشكلون قرابة 70% من إجمالي عدد السكان هناك، فالشباب الماليزي، سواء المسلم والهندوسي والسيخي والمسيحي، وغيرهم من الفئات والجماعات العرقية المتنوعة، ورث هذه الروح المتسامحة والمتعاونة، فهم يعملون معاً وبدرجة عالية من التنسيق والتوافق وهدفهم الجامع شعاره «ماليزيا الموحدة».

مانديلا.. رمز السلام
بات نيلسون مانديلا، الزعيم الأفريقي، رمزاً للتسامح والسلام في القرن العشرين لما رسخه من قيم العفو والتغاضي عن أخطاء الآخرين، بعدما قضى نحو 27 عاماً في سجون نظام الفصل العنصري في دولة جنوب أفريقيا، ليخرج من المعتقل ويتولى رئاسة البلاد، ويرسي قيم التسامح والمصالحة التي كانت الأساس في نهضة دولة جنوب أفريقيا وتقدمها، وعمل خلال مراحل حياته على نشر ثقافة السلام، وقيم الحرية والعدالة، ليتوج ذلك بحصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1993.

أوروبا.. في المقدمة
نقل مفهوم التسامح قارة أوروبا إلى أعلى مراتب التقدم والازدهار، بعد حربين عالميتين راح ضحيتهما أكثر من 77 مليون قتيل وعشرات الملايين من المصابين وخسائر مالية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، حيث برئت قارة أوروبا من آثار هاتين الكارثتين الكبريين في تاريخ البشرية، اعتماداً على سيادة مبدأ التسامح ونسيان الجروح الغائرة التي تسببت فيها هاتان الحربان.
والآن نرى القارة الأوربية في مقدمة الركب العالمي في المجالات كافة تقريباً، بعدما اعتمدت التسامح والاعتراف بأهمية تعدد الثقافات والمذاهب والأفكار كقيمة عظيمة تضمن الحياة على كوكب الأرض.

رواندا.. «مصالحة» تتجاوز «الدماء»
صنعت رواندا التي كانت ضحية حرب أهلية راح ضحيتها 800 ألف قتيل في مائة يوم، عام 1994، المستحيل واستردت عافيتها بالتسامح وإعلاء ثقافة الاعتراف بالتعددية، وصارت نموذجاً حضارياً رائعاً في القارة الأفريقية، بعد تسامح أطراف النزاع عن الكوارث التي حلت بهم خلال فترة الحرب الأهلية.
وفي سبيل الوصول إلى هذا النجاح، انتهجت رواندا أسلوباً فريداً للمصالحة يستند إلى نظام قضائي تقليدي يعرف باسم «جاكاكا»، أمكن بموجبه التعامل مع مئات الآلاف من الأشخاص المتهمين بجرائم الإبادة الجماعية، وبموجب هذا النظام يجتمع سكان القرية بأكملها ليشهدوا على عمليات الاعتراف وعلى صدقيتها، وتشجيع الضحية على الصفح والغفران، والاتفاق على بعض التعويضات مثل المساعدة في حراثة حقل الضحية لفترة من الوقت.

وبفضل السياسة الحكيمة وترسيخ أهمية التسامح، نجحت رواندا في تسجيل تغيير لافت نحو الأفضل لتتحول إلى قصة نجاح حقيقية، فأصبحت مركزاً اقتصادياً وتكنولوجياً في المنطقة، وتمكنت من جذب أكثر من مليون سائح عام 2014، وما كان هذا العدد ليتوافد على رواندا لولا انتشار الأمن والسلام ومظاهر الجمال في كل ربوعها، حتى أن عاصمتها كيجالي اختيرت في 2015 كأجمل مدينة أفريقية.
وحالياً تشهد رواندا كثيراً من مظاهر التقدم والازدهار، منها تضاعف دخل الفرد ثلاث مرات في السنوات العشر الأخيرة، وتوصف الحكومة الرواندية بأنها من أكثر الحكومات كفاءة ونزاهة في أفريقيا، كما تضاهي شوارع مدينة كيجالي، بنظافتها وحسن صيانتها، معظم شوارع العواصم الأوروبية. ويصل مستوى بعض مراكز التسوق فيها نظراءها في الغرب بدرجة تدفع كثيراً من وسائل الإعلام الغربية إلى وصفها بـ«سنغافورة أفريقيا».

روسيا.. تعددت الطوائف و«الشعب واحد»
من ماليزيا إلى روسيا تلك الدولة التي تنتشر حدودها بين قارتي آسيا وأوروبا، فنجد أن 80 بالمائة من سكانها يتبعون طائفة الأرثوذكس، ويمثل المسلمون 15 بالمائة، وهناك الطوائف اليهودية، وطائفة من البوذيين، واللاما وغيرها من الطوائف الصغيرة التي تتعايش جميعاً في ظل الاحترام المتبادل وقبول الآخر.
وبسبب هذه الروح العظيمة في التآلف بين مختلف الفئات، وروح التسامح التي يشعر بها كل من يعيش في روسيا، حصل مركز التسامح واللاعنف التابع للحكومة الروسية على جائزة من منظمة اليونسكو في أكتوبر 2018، لنشاطاته الكثيرة في مجالات البحوث والبرامج التعليميّة لتعزيز الحوار بين الديانات ووجهات النظر المختلفة مع تركيز خاص على الشباب، وسيراً على هذا النهج، كشفت روسيا التي تضم 20 مليون مسلم أنها ستطلق قناة فضائية للمسلمين.

والمتابع للحالة الروسية، يمكنه مشاهدة طقوس واحتفالات أعياد الطوائف المختلفة تجرى في أجواء من السعادة والاحترام بين الجميع، ويمكن ملاحظة الجانب المعماري الفريد لدور العبادة لتلك الطوائف، حيث نجد المساجد المتأثرة بالنمط المعماري الروسي، والكنائس مختلفة الحقب التاريخية، بخلاف المعابد التي تكشف جانباً مهماً من تنوع النمط المعماري والحضاري الروسي وانفتاحه على مختلف الثقافات.
من أبرز نماذج حالة التسامح الديني في روسيا، مدينة قازان التي تحتضن دور عبادة لمختلف الطوائف الدينية، غير أن درة الشواهد على هذا الانسجام بين الجميع، هو معبد كل الأديان المشيد على شاطئ نهر الفولجا والذي يسمى أيضاً «المعبد الكوني»، الذي تم تشييده عام 1994، ويعتبر تحفة معمارية رائعة يعكسها جمال قبابه الساطعة والملونة على صفحة المياه. حيث يتكون المعبد من 16 قبة لـ16 ديانة سماوية، بما في ذلك الأديان السابقة التي لم تعد تمارس. حيث يتجاور النمط الإسلامي مع المعالم الكنسية الأرثوذكسية والكاثوليكية، وتوجت القباب بالهلال الإسلامي والصليب بالإضافة إلى نجمة داوود والقبة الصينية، وغيرها من الرموز الدينية في العالم.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية