العثمانيون حاربوا عمر المختار .. وأردوغان يحارب أحفاده

العثمانيون حاربوا عمر المختار .. وأردوغان يحارب أحفاده

مشاهدة

16/06/2020

يقف التاريخ بالمرصاد لأكاذيب أردوغان، وآخر أكذوباته، التي تكررت كثيراً؛ هي دعمه لأحفاد عمر المختار في ليبيا، في إشارة إلى ميليشيات حكومة الوفاق، وميليشيات مصراته، في سقطة تاريخية-جغرافية، لا تخرج إلا من شخص اعتاد الكذب، والتصريحات المتناقضة، طالما وجد فيها سبيلاً لإخفاء أطماعه، والترويج لها كأنها نصرة للشعوب.

اقرأ أيضاً: أردوغان يبدأ التتريك والعثمنة في ليبيا بأهم طُرق تاجوراء
أولى الحقائق التي تجاهلها أردوغان هي أنّ عمر المختار ابن إقليم برقة (الشرق الليبي)، الذي خرجت منه قوات الجيش الوطني، بقيادة المشير خليفة حفتر، وفيها مقر البرلمان الليبي، برئاسة المستشار عقيلة صالح، الذين لبوا نداء الوطن، لتحرير ليبيا من براثن الاحتلال الميليشياوي الإخواني-التركي، كما لبى جدهم عمر المختار النداء لصد عدوان الطليان، ثم صد عدوان العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، حين حاولت إسطنبول تحويل ليبيا إلى ساحة لمحاربة بريطانيا في مصر، خدمةً لمشاريع حليفتها ألمانيا، وجر المقاومة الوطنية بعيداً عن رسالتها.

 

المتاجرة بالشهداء
صرح الرئيس التركي، أردوغان، الثلاثاء 9 حزيران (يونيو) الجاري بأنّ بلاده مصممة على دعم حكومة الوفاق، وفي تصريح دعائي قال: "أحفاد عمر المختار في ليبيا، يحاربون الإرهابيين الوافدين إلى بلادهم من كل حدب وصوب، وتركيا ستواصل دعم نضالهم". تصريحات أردوغان لم تجافِ الحقيقة كاملةً، فأحفاد عمر المختار يحاربون الإرهابيين الوافدين فعلاً، غير أنّ ما كذب فيه أردوغان هو أنّهم يحاربون الإرهابيين الذين جلبهم إلى ليبيا.
ينتمي عمر المختار (1858-1931) إلى قبيلة المنفة، التي تسكن في جوار طبرق، مقر البرلمان الليبي، الذي يحاربه أردوغان والوفاق. ولد في قرية زاوية جنزور، التي كانت تتبع سنجق بنغازي، إبان العهد العثماني، وتعيش قبيلته في منطقة بئر الأشهب، في شرق ليبيا إلى اليوم.

أردوغان تجاهل أنّ عمر المختار هو ابن إقليم برقة الذي خرجت منه قوات الجيش الوطني بقيادة المشير خليفة حفتر

ليست هذه المرة الأولى التي يوظف فيها أردوغان القضايا الوطنية لخدمة مصالح تركيا، إذ سبق وحاول توظيف دماء شهداء ثورة التحرير الجزائرية في خلافاته مع فرنسا، فجاءه الرد صارماً من الرئاسة الجزائرية بألا يتدخل في قضايا تمس الذاكرة الوطنية، وألا ينسى أن الدولة العثمانية هي من تخلت عن الجزائر للمحتل الفرنسي سنة 1830، ثم دعمت تركيا الفرنسيين في المحافل الدولية ضد الوطنيين الجزائريين.
هذه المرة جاء الرد صاعقاً أيضاً، فخرج أحفاد عمر المختار وأبناء قبيلته لتفنيد أكاذيب أردوغان، والتأكيد على أنهم صف واحد مع الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر. بيان القبيلة فضح أكاذيب أردوغان، بقولهم "طائرات تركيا هي من تقتل أحفاد المجاهد عمر بن مختار بن عمر المنفي الهلالي، المجاهد العربي المسلم المعتدل الأصيل، الذي لا يليق بمقامه أن يأتي على لسان هذا الشخص المختل..".

 

المختار والعثمانيون
جثم الاحتلال العثماني على صدور الليبيين لمدةٍ تزيد عن 350 عاماً، لم تشهد البلاد في    عهدها رُقياً، أو نهضة إلا قليلاً؛ لخدمة الأتراك فقط. وكشف الهجوم الإيطالي على البلاد عام 1911 عن الجريمة التاريخية للأتراك بحق ليبيا؛ فلم تكن مؤهلة لصد عدوان خارجي، وسرعان ما سقطت بيد المحتل، وبقيت مقاومة وطنية في شرق البلاد، بقيادة الحركة السنوسية، التي انتمى عمر المختار إليها، وكان جندياً في صفوف قواتها التي حاربت المحتل الإيطالي، وبفضل إخلاصه تولى منصب قيادة المقاومة الليبية، حتى استشهاده العام 1931، على يد الاحتلال الإيطالي، والذي تدعم دولته إيطاليا حكومة الوفاق في طرابلس اليوم.

مثلما انتصر أبطال برقة على المؤامرة التركية عام 1918، فسينتصر أحفادهم في الجيش الوطني الليبي على حكومة السراج وتركيا

شهد المختار، وهو جندي في صفوف السنوسيين، نشوب الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، في أجواء إقليمية ساخنة، فمن ناحية كانت بريطانيا تحتل مصر، وعلى وفاق هي وحكومة مصر مع السنوسيين، إذ كانت مصر المنفذ التجاري الأساسي للتجارة في شرق ليبيا، كما أنها المعبر الذي تدخل منه التبرعات والأسلحة إلى المقاومة، فضلاً عن ذلك؛ لم تتخذ بريطانيا-مصر موقفاً عدائياً من المقاومة، بل عملتا سوياً على رعاية المفاوضات الليبية-الإيطالية.
بناء على ذلك؛ قررت المقاومة النأي بنفسها عن دعوة الجهاد المقدس التي أطلقها السلطان العثماني ضد دول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، إدراكاً منهم لما تنطوي عليه هذه الدعوة من حق يراد به باطل، إذ كانت الدولة العثمانية خاضعةً بالكامل لسيطرة القيادة العسكرية الألمانية، ولم يكن جيش السلطان سوى أداة لتنفيذ مخططات ألمانيا ضد بريطانيا، بالإضافة إلى ذلك؛ لم ينس الليبيون أنّ الدولة العثمانية هي من سلمت ليبيا لقمةً سائغةً للطليان، بتوقيع معاهدة أوشي (لوزان) 1912، والتي اعترفت بموجبها بالاحتلال الإيطالي، وسحبت قواتها العسكرية، رافضةً تزويد المقاومة الليبية بالأسلحة.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون.. حملات لتمجيد الاحتلال العثماني وتلميع أردوغان
في العام الثاني من الحرب 1915، وصلت غواصة ألمانية على متنها عدد من الضباط الأتراك إلى شرق ليبيا، بقيادة الضابط نوري باشا، وكان السيد أحمد الشريف - ابن عم الملك إدريس - هو إمام السنوسيين، وطلب الوفد منه إعلان الحرب ضد بريطانيا في مصر، ولعبوا على وتر التضامن الديني، غير أنّ وجهاء السنوسيين رفضوا الطلب التركي، ورأوا فيه مؤامرةً لاستغلالهم بذريعة الدين، وعلى رأسهم السيد محمد إدريس (الملك إدريس الأول لاحقاً، مؤسس دولة ليبيا الحديثة).
رغم ذلك استمر تواجد الأتراك في شرق ليبيا، ونجحوا في تجنيد عدد من السنوسيين، بما توفر لهم من أموال، وبإثارة الحماسة الدينية، واستمروا في ابتزاز السيد أحمد الشريف باسم الدين لإعلان الحرب على بريطانيا، ومهاجمة مصر.

 

مؤامرة ضد المقاومة
وقع السيد أحمد في حيرة بين وجاهة الموقف المعارض للمغامرة التركية، وبين إلحاح الضباط الأتراك، وظل لمدة شهور متردداً، لكنه غض الطرف عن استعدادات الأتراك لحشد قوة عسكرية ليبية.
نظرت بريطانيا إلى التحركات التركية على أنها تعاون سنوسي-تركي ضدها، مما زاد من تعقيد الوضع معهم، ودبرت تركيا هجمات على الحدود المصرية، ورطت فيها عناصر من بسطاء السنوسيين، بهدف قطع علاقة بريطانيا-مصر معهم، وإجبار السيد أحمد الشريف على إعلان الحرب.

اقرأ أيضاً: ماذا يحدث في ترهونة؟.. هذه جرائم ميليشيات الوفاق ومرتزقة أردوغان
نجحت الخطة التركية، ثم وقعت حادثة تدمير سفينة حربية بريطانية بطوربيد ألماني، وأسر طاقمها وإسناد حراسته إلى مقاتلين سنوسين جندهم الضابط نوري، عند ذلك حشدت بريطانيا عدة كتائب في مدينة مرسى مطروح المصرية، للتصدي للهجوم التركي الوشيك. هاجم نوري باشا الحدود المصرية، وتصدت له القوات البريطانية، ودفعته إلى التقهقر غرباً. وفي تلك الأثناء اضطر السيد أحمد إلى مهاجمة مصر، تحت ضغط الأتراك. فشل الهجومان، ولم تجنِ ليبيا سوى غلق الحدود مع مصر، وانقطاع التجارة، ونقص السلع والأغذية، ودبت المجاعة بين السكان.
حاول الأتراك الزج بالسنوسيين في غرب ليبيا في صدام مع الفرنسيين في الجزائر، لكن قائدهم السيد صفي الدين لم يستجب للأتراك. هاجم الأتراك مدعومين بالزعيم المصراتي رمضان السويحلي السيد صفي الدين، ووقعت بينهم معارك متعددة انتهت بهزيمة الأتراك ومصراته.

اقرأ أيضاً: العثمانية الجديدة وأحلام التوسع المستحيلة.. أيّ وهم يعيشه أردوغان؟
أدت المجاعة إلى تخلي عدد من القبائل عن مقاومة الطليان والتصالح معهم لإنقاذ أنفسهم من الموت جوعاً، وتولى السيد محمد إدريس نيابةً عن السنوسيين المحادثات مع بريطانيا وإيطاليا، والتي انتهت إلى توقيع اتفاق عكرمة، وتبعه فتح الحدود وتدفق السلع. لم يكن الصلح مع إيطاليا سوى هدنةٍ، فقد كان جلاء الطليان هدفاً أساسياً للسنوسيين، نجحوا في تحقيقه في الحرب العالمية الثانية.
في تلك الأثناء لم تكف تركيا عن مؤامراتها ضد ليبيا، رغم أنّ الحرب دارت عليهم وعلى حلفائهم، وأبوا أن يختموا عهدهم بالبلاد إلا بمزيدٍ من التخريب، وبذر الخلاف بين صفوف القبائل الليبية. حاول الأتراك شق الصف الليبي وإغراء السيد صفي الدين بمهاجمة الإنجليز ثانيةً، ووعده بالأموال والأسلحة، إلا أنه لم يقع في الفخ التركي.

اقرأ أيضاً: لماذا عطّل "تويتر" آلاف الحسابات الوهمية المرتبطة بأردوغان؟
وما أشبه اليوم بالبارحة؛ فها هو أردوغان يسير على خطى السلطنة العثمانية المنكوبة في تخريب ليبيا، وبذر الشقاق بين صفوف الشعب الواحد، منطلقاً من مدينة طرابلس، ومتحالفاً مع زعماء مصراته.
وجد عددٌ من زعماء القبائل في غرب ليبيا منفذاً لتحقيق أطماعهم الشخصية في الزعامة بالتعاون مع الأتراك؛ ومن أبرز هؤلاء رمضان السويحلي، الذي هاجم السنوسيين في سرت، مستغلاً ضعف التواجد الإيطالي. كان بالإمكان حال اتحاد الزعماء الغربيين مع السيد إدريس أن يتوصل السيد إلى اتفاق أفضل مع إيطاليا، أو ينال مكاسب أكبر لقضية استقلال ليبيا، لكن التدخل التركي عقد المسألة، وبدد جهود الليبيين في صراع داخلي، مثلما يدفع أردوغان بالوفاق ومصراته إلى مهاجمة سرت اليوم، بدلاً من القبول بمفاوضات عادلة تحفظ حقوق أبناء الشعب الواحد.

 

العثمانيون يحاربون ليبيا
بعد الهزيمة حمل نوري بك المسؤولية للسنوسيين، وشرع في الانتقام منهم، ببذر الشقاق في فزان، واستخدام اسم السلطان العثماني ومكانته الدينية في تأليب بعض القبائل على الحكم السنوسي، واستولى بجنوده الأتراك على منطقة مرزوق، وهاجموا  القوافل السنوسية.

اقرأ أيضاً: أردوغان… أحلام وأوهام وهوس إيراني
انتقل نوري باشا إلى مدينة مصراته؛ وتحالف مع عدد من زعمائها، وعلى دربه سار أردوغان في التحالف مع مصراته. تمكن تحالف نوري باشا ورمضان السويحلي من احتلال فزان، وخلق الأتراك مشاكل عديدة للسنوسين في إجدابيا، لكن السيد إدريس الذي تولى زعامة السنوسيين، خلفاً لابن عمه أحمد الشريف، تصدى لها بحزم.
نشر الأتراك الوقيعة بين القبائل الليبية، ونشبت الحرب بين قبائل عرفة والعبيد والدرسة؛ يغير الجميع على بعضهم، وانتشرت عصابات قطاع الطرق، فتصدى السيد إدريس للصلح بين القبائل، وقضى على العصابات، ونظم قواته، وطرد الأتراك من سواكنة والجفرة، واضطر نوري باشا إلى مغادرة طرابلس عام 1918 جراء فشل أوهامه الاستعمارية، وأصبح الزعيم المصراتي رمضان السويحلي وحيداً.
بذرة الشقاق التي زرعها الأتراك استمرت مع السويحلي، الذي خاض معارك عدة ضد السنوسيين، وتسبب في إراقة الدم الليبي، إلا أنّ الهزيمة كانت من نصيبه، وتفرغت السنوسية للجهاد ضد المحتل الإيطالي حتى كان لها شرف تحرير ليبيا.
يحاول أردوغان منذ عام 2011 تكرار سيناريو أنور باشا بالتحالف مع جماعة الإخوان الإرهابية، وزعماء مصراته لتحقيق أطماعه السياسية والاقتصادية. ومثلما انتصر أبطال برقة على المؤامرة التركية عام 1918، فسينتصر أحفادهم في الجيش الوطني الليبي على حكومة السراج المدعومة من الميليشيات الإرهابية وتركيا.

الصفحة الرئيسية