العراق: هل تطيح إصلاحات الكاظمي بسلطة الدولة العميقة؟

العراق: هل تطيح إصلاحات الكاظمي بسلطة الدولة العميقة؟

مشاهدة

17/09/2020

لم يتوقّع رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، هجوم الكتل السياسية على تغييراته الجذرية في بنية "الدولة العميقة" المتمثلة في الدرجات الخاصة؛ حيث لم تمضِ ساعات قليلة حتى اتفقت البيانات المتفرقة والممهورة من زعماء النظام السياسي في العراق، على اتهام الحكومة باتّباع "سياسة المحاصصة" في التعيينات الأخيرة، و"العودة لحكم الفاسدين" مجدداً.
مراقبون سياسيون رأوا أنّ هجوم الكتل السياسية على خطوة الكاظمي في تغييراته الأخيرة داخل جسد الدولة هو "نفاق سياسي"، مؤكدين أنّها تفاوض رئيس الوزراء في السرّ وتهاجمه في العلن، بهدف كسب غليان الشارع المحلي الناقم على الدولة عموماً.


العامري والصدر يعلنان براءتهما من التغييرات الإصلاحية الأخيرة داخل مؤسسات الدولة.. ومراقبون يرون أنّ مهاجمة الكاظمي في إصلاحاته الأخيرة تدخل في باب "النفاق السياسي"
 


وأجرى رئيس الحكومة العراقية، منتصف الشهر الجاري، تغييرات جذرية في هيكلية الدرجات الخاصة المتعلقة بالأمن والاقتصاد والخدمات، في خطوة منه لمفاجأة الرأي العام العراقي وإقناعه بخريطة الإصلاح، التي وعدت الحكومة بتطبيقها، منذ تشكيلها في 5 أيار (مايو) 2020.
وتعدّ الدرجات الخاصة، الهيئات المالية والخدمية والأمنية والحقوقية، غير المرتبطة بوزارة، وتتبع رئيس الوزراء مباشرة، وصاحب الدرجة يكون بمنصب وزير، بحسب الوضع القانوني للهيئات المستقلة داخل الدستور.
معيارية الكاظمي في التعيين 
لا تسمح هوية النظام العراقي، المنبثق بعد 2003، والقائم على أساس التحاصص الحزبي والطائفي بمرور شخصيات التكنوقراط إلى دوائر الدولة المتحاصصة سلفاً، وهذا دأب جميع الحكومة العراقية السابقة، ومكمن فشلها في تطبيق برامجها الحكومية في إصلاح النظام، لكن ما يميز حكومة مصطفى الكاظمي عن سائر الحكومات أنّها تسير وفق معيارية مزدوجة، فهي ترضي الكتل السياسية من جهة، وتحاول تمرير شخصيات لها وزنها المهني من جهةٍ أخرى.

اقرأ أيضاً: مسلسل اغتيالات الناشطين يستمر في العراق.. ما الجديد؟
وقد وجه الكاظمي، الإثنين، ضربات قوية لما يسمى بـ "الدولة العميقة"، عبر إزاحة شخصيات حزبية من مناصب حساسة، وتعيين بدلاء عنهم، زاوجَ في خيارات التعيين بين الحزبية والتكنوقراط .


فقد كلّف رئيس الحكومة كلّاً من وزير الدفاع الأسبق، النائب الحالي خالد العبيدي، بمهمة "وكيل جهاز المخابرات لشؤون العمليات"، وسامي المسعودي بمنصب "رئيس هيئة الحج"، ومصطفى غالب بـمنصب "محافظ البنك المركزي العراقي"، فيما أنيطت مناصب هيئة النزاهة بـ "علاء جواد حميد"، ووكلاء وزارات "النقل والكهرباء والعمل والشؤون الاجتماعية" لكوادر من ذات الوزارات، وتكمن إيجابية التعيينات الأخيرة في مناصب "أمانة العاصمة"، التي كلّفَ بها المهندس منهل الحبوبي (شخصية هندسية عالمية)، و"هيئة الأوراق المالية" لفيصل الهيمص (شخصية اقتصادية بارزة محلياً)، كما تمّ تعيين مستشارة رئيس الوزراء، سهى النجار، لمنصب رئيس "هيئة الاستثمار"، فضلاً عن مناصب أخرى.  
العامري يتبرأ من إجراءات الكاظمي   
وفور إصدار التعيينات الجديدة وخروج أوامرها الإدارية لوسائل الإعلام، هاجم هادي العامري، رئيس تحالف الفتح المقرب من إيران، إجراءات الحكومة بشأن التعيينات الأخيرة.

اقرأ أيضاً: الخميني.. الذي أفتى بتدمير العراق
وقال العامري، في بيان صحفي: إنّ "الدرجات الخاصة التي تمّ إطلاقها، وكثر الحديث حولها على أنّها عودة إلى المحاصصة،  يعلن تحالف الفتح براءته منها، وأنّه لا علم له بها"، مبيناً أنّ تحالفه "منذ البداية أعلن، مراراً وتكراراً، أنّ كلّ ما يريده من هذه الحكومة أمران: الأول جدولة انسحاب القوات الأمريكية في أقرب فرصة ممكنة، والثاني إعادة هيبة الدولة وخلق المناخات المناسبة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة وعادلة بعيداً عن تأثير المال والسلاح". 


 وفيما يتعلق بجهوية رئيس هيئة الحج الجديد، لتحالف العامري، أوضح الأخير أنّ "الأخ الشيخ سامي المسعودي فإنه معين وكالةً من زمن رئيس الوزراء السابق" في إشارة إلى تعيين المسعودي رئيساً لهيئة الحج والعمرة، وأضاف: "إذا كان رئيس الوزراء الحالي يريد أن يجامل الفتح بهذا التعيين، فالأخ الشيخ المسعودي أكبر من هذا الأمر".
الصدر يهاجم على طريقتهِ الخاصة
أما مهاجمة زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، لتعيينات الكاظمي الأخيرة، فاختلفت في طريقتها عن العامري؛ حيث لم يصدر الصدر بيان رسمي يدين الإجراءات الحكومية بل اكتفى بتغريدة، عبر حساب مقرَّب منه يدعى صالح محمد العراقي.

اقرأ أيضاً: هل يعيد الانسحاب الأمريكي من العراق السطوة لميليشيات ايران؟
وقال العراقي في تغريدته: "خاب أملنا، وعدنا للمحاصصة، وعدنا لتحكم الفاسدين، وعدنا لإضعاف البلد والمؤسسات، الخدمية والأمنية والحكومية"، وأضاف: "أكرّر.. خاب أملنا، وإن لم تتمّ محاكمة الفاسدين، وإلغاء تلك المحاصصات فنحن لها، ولن يرهبنا أيّ شيء".
ودعت الصفحة، المقرّبة من زعيم التيار الصدري، كتلة "سائرون" النيابية التابعة للتيار إلى "البراءة فوراً و إلا تبرأنا من الجميع (شلع قلع)".

اقرأ أيضاً: تركيا وإيران تنظمان اقتسامهما لمناطق النفوذ من العراق إلى سوريا ولبنان

ووصف الناشط المدني أحمد الخالدي، موقف الصدر، بأنّه "كوميديا سياسية"، وقال لـ "حفريات": إنّ "زعيم التيار الصدري هو الرابح الوحيد في أزمات النظام، فهو يضع قدماً في السلطة وأخرى في المعارضة، والجميع يخشاه لفاعلية جمهوره العنيف".
وأشار إلى أنّ "التيار الصدري له القدرة على تعطيل الدولة من عدمها، لأنّه الجهة السياسية الأولى فوق القانون". 
علاوي: الإصلاحات الحكومية زائفة
وانضمّ زعيم تحالف الوطنية، إياد علاوي، إلى الزعامات السياسية الناقدة لأداء حكومة الكاظمي، معتبراً أنّ القرارات المتعلقة بالمناصب العليا "كشفت الستار عن زيف ادّعاءات الإصلاح الحكومي".


وقال علاوي، الذي ناكف الكاظمي في أول أيام حكومته، نتيجة اتهام الأول للثاني، بمناصب معينة "ونحن على أعتاب عامٍ كامل من انطلاق الحراك الشعبي السلمي المطالب بالإصلاح، والذي انتفض ضدّ الانحراف الذي شاب العملية السياسية، وما تسبّبت به سياسات المحاصصة من تردّ كبير للواقع السياسي والأمني والخدمي والصحّي، نُفاجأ اليوم بقائمة تعيينات جديدة ترتكز إلى المبدأ المقيت ذاته"، مضيفاً أنّ "اختيار بعض الأسماء جاء بعيداً عن أسس الكفاءة والتخصص، وفي تحدٍّ فاضح لإرادة شعبنا وتضحيات أبنائه في ساحات التظاهر".

اقرأ أيضاً: الإمارات تدعم العاملين في مجال الرعاية الصحية بالعراق
وأكّد زعيم تحالف الوطنية، رئيس الوزراء الأسبق؛ أنّ الخطوة الأخيرة "كشفت الستار عن زيف الادعاءات والتصريحات التي تصدر من هنا وهناك حول الإصلاح الحكومي المزعوم". وأضاف: "لقد حذّرنا مراراً من خطورة استمرار المحاصصة، في تولي المناصب الحكومية، وأننا، في هذا الظرف الحرج والحساس الذي يعيشه العراق، وتعيشه المنطقة، بأمسّ الحاجة إلى تحقيق مصالحة وطنية حقيقية، عملنا وما نزال نعمل عليها حتى اللحظة".

الحكومة تدافع عن نفسها
من جانبها، أكدت الحكومة العراقية شرعية إجراءاتها في التعيينات الجديدة من الناحية القانونية، معربة عن تقديرها العالي لكلّ ردود الفعل السياسي حول التغييرات الأخيرة.
وقال الناطق الرسمي باسم رئيس مجلس الوزراء، أحمد ملا طلال إنّ "التغييرات الأخيرة جرت ضمن سياقها القانوني والإداري"، وتابع أنّ "الكاظمي قدر عالياً ردود أفعال القوى السياسية الرافضة للمحاصصة".

اقرأ أيضاً: هل ينجح الكاظمي بانتشال العراق من الولاء المزدوج لإيران وأمريكا؟
وأكّد طلال؛ أنّ "اختيار البدلاء جاء من رحم المؤسسات نفسها، أو بتقديم أشخاص يتسمون بالكفاءة والخبرة"، مبيناً أنّ "كثيراً من هذه التغييرات جاءت بسبب مضي المدّة المقررة لأصحابها".
تصريح ملا طلال جاء بعد عقد مجلس الوزراء جلسته الأسبوعية، أول من أمس الثلاثاء؛ حيث ناقشت الجلسة "سير الحكومة باتجاه تحقيق مهمتها الأساسية، وهي الانتخابات المبكرة، فضلاً عن اطّلاع مجلس الوزراء، على المستجدات السياسية، وبعض التوجيهات والتوصيات"، بحسب الناطق الحكومي.
وكانت الحكومة قد أصدرت بياناً، الإثنين، اعتبرت أنّ رفض بعض الكتل السياسية لـ "المحاصصة بكلّ أشكالها، تمثّل، بلا شكّ، انعكاساً لموقف شعبي ثابت من بناء الدولة".

نفاق سياسي
وفي سياق متصل، رأى مراقبون أنّ مختلف النقد السياسي الذي طال التغييرات الحكومية، يأتي في سياق "النفاق السياسي" الذي تمارسه الكتل عبر خطابها الإعلامي بين فترة وأخرى.
ويقول الباحث خليل الوائلي، إنّ "الحكومة لا تخطو خطوات جريئة داخل مؤسساتها دون الخضوع لثقافة المحاصصة السياسية من قبل الكتل التي شكّلت الحكومة الحالية"، مبيناً أنّ "المحاصصة منهج سارت عليها الحكومات العراقية جميعاً بعد الاحتلال الأمريكي في 2003".

الباحث خليل الوائلي لـ"حفريات": الحكومة لا تخطو خطوات جريئة داخل مؤسساتها دون الخضوع لثقافة المحاصصة السياسية التي سارت عليها الحكومات العراقية جميعاً بعد الاحتلال الأمريكي
 


ويضيف لـ "حفريات": "النفاق السياسي ظهر جلياً في بيانات الزعماء، أو من ينوب عنهم، رغم أنّهم مشاركون عملياً في مختلف المناصب التي يشغلها أشخاص حزبيون أو تكنوقراط ظلّيون لهذه الجهة السياسية أو تلك"، لافتاً إلى أنّ "استخدام الهجوم اللاذع ضدّ الحكومة هو حالة من التبرئة من أيّة إخفاقات قادمة قد تحصل وتحميل الحكومة وحدها المسؤولية".
ويؤكد الوائلي؛ أنّ "هكذا نوع من الازدواجية السياسية يحتّم على رئيس الوزراء الخروج إلى وسائل الإعلام، لتبيان الحقائق، وكي لا تلتبس الأمور على الشعب العراقي"، مبيناً أنّ "معظم التعيينات الأخيرة جاءت بتوافق سياسي مع الكتل".
الاستجابة لخطوات المرجعية نحو الإصلاح
وجاء توقيت الحكومة لإجراء التغييرات داخل الهيئات المستقلة، بعد ساعات من دعوة المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني، إلى "ضرورة إجراء الانتخابات وفرض هيبة الدولة، والقضاء على السلاح المنفلت".


تصريح السيستاني هذا، جاء بعد لقائه في مقرّ إقامته بمدينة النجف (180كم جنوب بغداد)، الأحد الماضي، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق، جينين هينيس بلاسخارت، وما إن أُعلنت مخرجات هذا الاجتماع؛ أطلق الكاظمي حزمة إصلاحاته الجديدة داخل مؤسسات الدولة التنفيذية.

اقرأ أيضاً: ما الذي يمكن أن يجنيه العراق من الكويت والسعودية؟..معهد إيطالي يجيب
وعن ذلك، يقول النائب حارث الموسوي، لـ"حفريات": إنّ "مركز القرار في بغداد، يحاول الانسجام الكلي مع دعوات المرجعية الدينية فيما يخصّ حصر السلاح بيد الدولة وإجراء الانتخابات"، لافتاً إلى أنّ "الحكومة في حاجة إلى غطاء شرعي من خارج البرلمان يحمي خطواتها باتجاه الإصلاح".
وأشار إلى أنّ "ثمة تقاطعاً بين المؤسستين، الحكومية والبرلمانية، نحو أهداف البرنامج الإصلاحي المعلن"، مضيفاً "كما أننا في البرلمان نعمل على صياغة القانون الانتخابي الجديد بأسرع وقت، لإنجازه في الموعد المحدد للخروج من المأزق الحالي الذي تعانيه العملية السياسية".

الصفحة الرئيسية